١٤-باب إثم من فاتته العصر
٨٣ فقرة، ج ٤ ص ٢٩٣
الصفحة ٢ من ٣
- ج ٤ ص ٢٩٩
ورواه ابو غسان وهشام بن سعد، عن زيد بن اسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمعناه.
-
وقد روي ما يدل على أن الناسي لا تكون الصلاة فائتة له كالنائم:
فروى الإمام أحمد: ثنا محمد بن جعفر: ثنا سعيد، عن قتادة، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة الأنصاري - فذكر قصة نومهم مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس -، وفيه: قال: فقلت: يا رسول الله، هلكنا، فاتتنا الصلاة، فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((لم تهلكوا ولم تفتكم الصلاة، وإنما تفوت اليقطان ولا تفوت النائم) ) - وذكر الحديث.
-
وقد حمل بعض السلف هذا الحديث على من فاتته العصر بكل حال، وإن كان ناسياً.
-
فروى زهير بن معاوية: نا أسيد بن شبرمة الحارثي، قال: سمعت سالما يحدث عن عبد الله بن عمر، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: ((الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله) ) قال: فقلت: وإن نسي؟ قال: وإن نسي، فصلاة ينساها أشد عليه من ذهاب أهله وماله.
- ج ٤ ص ٣٠٠
خرجه الدارقطني في أول كتابه " المختلف والمؤتلف" .
-
وذكر أن أسيد بن شبرمة، يقال: فيه " أسيد " - أيضا - بالضم، قال: ولا اعرف له غير هذا الحديث، وحديث آخر رواه عن الزهري.
-
وقوله: " وتر أهله وماله " .
-
قيل: معناه: حرب أهله وماله وسلبهما، من وترت فلاناً إذا قتلت حميمه، والوتر: الحقد، بكسر الواو، ولا يجوز فتحها، وذلك أبلغ من ذهاب الأهل والمال على غير هذا الوجه، لأن الموتور يهم بذهاب ما ذهب منه ويطلب ثأره حتى يأخذ به.
-
وقيل: معناه: أفرد عن أهله وماله، من الوتر - بكسر الواو وفتحها -، وهو الفرد - أي: صار هو فرداً عن أهله وماله.
-
وعلى هذا والذي قبله، فالمعنى: ذهاب جميع أهله وماله.
-
وقيل: معناه: قلل ونقص، ومنه: قوله تعالى: {وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: ٣٥] .
-
و ((أهله وماله) ) : روايتهما بنصب اللام، على أنه مفعول ثان لـ " وتر " ؛ لأن ((وتر) ) و ((نقص) ) يتعديان إلى مفعولين، ولو روي بضم اللام على المفعول الأول لم يكن لحنا، غير أن المحفوظ في الرواية الأول -: قاله الحافظ أبو موسى المديني.
وقال أبو الفرج ابن الجوزي في " كشف المشكل" : في إعراب الأهل
- والمال، قولان:
-
أحدهما: نصبهما، وهو الذي سمعناه وضبطناه على أشياخنا في كتاب أبي عبيد وغيره، ويكون المعنى: فكأنما وتر في أهله وماله، فلما حذف الخافض انتصب.
-
والثاني: رفعهما على من لم يسم فاعله، والمعنى: نقصنا.
-
وكأنه يشير إلى أن النصب والرفع يبنى على الاختلاف في معنى " وتر" : هل هو بمعنى: سلب، أو بمعنى: نقص؟ والله اعلم.
-
وفي الحديث: دليل على تعظيم قدر صلاة العصر عند الله عز وجل وموقعها من الدين، وأن الذي تفوته قد فجع بدينه وبما ذهب منه، كما يفجع من ذهب أهله وماله.
-
وهذا مما يستدل به على أن صلاة العصر هي الصلاة الوسطى المأمور بالمحافظة عليها خصوصاً بعد الأمر بالمحافظة على الصلوات عموماً.
-
وقد زعم بعض العلماء: أن هذا لا يختص بفوات العصر، وأن سائر الصلوات فواتها كفوات العصر في ذلك، وأن تخصيص العصر بالذكر إنما كان بسؤال سائل سأل عنه فأجيب، ورجحه ابن عبد البر، وفيه نظر.
-
وقد يستدل له بما خرجه الإمام أحمد وغيره من حديث عمرو بن
ج ٤ ص ٣٠٢شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: " من ترك الصلاة سكراً مرةً واحدة فكأنما كانت له الدنيا وما عليها، فسلبها" .
-
واستدل من قال: إن جميع الصلوات كصلاة العصر في ذلك بما روى ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن نوفل بن معاوية الديلي، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " من فاتته الصلاة فكأنما وتر اهله وماله" .
قال: وهذا يعم جميع الصلوات، فإن الاسم المعرف بالألف واللام كما في قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: ٤٣] .
-
وهذا ليس بمتعين؛ لجواز أن يكون الألف واللام هنا للعهد، كما في قوله تعالى {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ} [المائدة:١٠٦] على تأويل من فسرها بصلاة العصر.
-
وحديث نوفل بن معاوية قد اختلف في إسناده ومتنه، وقد خرجه البخاري ومسلم في " الصحيحين" في ضمن حديث آخر تبعا لغيره مخرجاً من حديث صالح بن كيسان، عن الزهري، عن
ج ٤ ص ٣٠٣ابن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم" - الحديث.
-
وعن الزهري: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن عبد الرحمن بن مطيع بن الأسود، عن نوفل بن معاوية، مثل حديث أبي هريرة، إلا أن أبا بكر يزيد: " من الصلاة صلاةٌ من فاتته فكأنما وتر أهله وماله" . كذا خرجه البخاري في " علامات النبوة" من " صحيحه" ، وخرجه مسلم في " كتاب الفتن" .
-
وكذا رواه عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري بهذا الإسناد لحديث نوفل.
-
ورواه ابن أبي ذئب، عن الزهري، فأسقط من إسناده: عبد الرحمن بن مطيع.
-
وكذلك روي عن معن، عن مالك، عن الزهري.
قال النسائي: أخاف أن لا يكون محفوظاً، عن مالك، ولعله: معن، عن ابن أبي ذئب.
-
وقد روي، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن نوفل، وهو وهم على ابن أبي ذئب.
- ج ٤ ص ٣٠٤
وأماالاختلاف في متن الحديث، فقد روي عن [ابن] أبي ذئب أنه قال في الحديث: " من فاتته الصلاة" كما تقدم، وروي عنه أنه قال في حديثه: " من فاتته صلاة" وروي عنه في حديثه: " من فاتته صلاة العصر" .
-
وفي رواية له: " من فاتته الصلاة " وفي آخر الحديث - قلت لأبي بكر: ما هذه الصلاة؟ قال: هي العصر؛ سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من فاتته صلاة العصر" - الحديث.
-
وفي رواية: قال ابو بكر: لا أدري.
-
وقد خرجه الإمام أحمد بالوجهين، وهذه الرواية إن كانت محفوظة فإنها تدل على أن الزهري سمعه من أبي بكر بن عبد الرحمن، عن ابن عمر، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كما سمعه من سالم، عن أبيه.
-
وقد أشار الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله إلى أن الصحيح حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه كما سبق.
-
ويدل على صحة ما ذكره: أن البيهقي خرج حديث ابن أبي ذئب، ولفظه: " من فاتته الصلاة فكأنما وتر أهله وماله" ، وزاد: قال ابن شهاب: فقلت: يا أبا بكر، أتدري أنت [أية] صلاة هي؟ قال ابن شهاب: بلغني أن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" .
قال: ورواه أبو داود الطيالسي، عن ابن أبي ذئب، وقال في آخره: قال الزهري: فذكرت ذلك لسالم، فقال: حدثني أبي، أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: " من ترك صلاة العصر" .
- ج ٤ ص ٣٠٥
وأمارواية صالح بن كيسان، عن الزهري المخرجة في " الصحيحين" ، فقد سبق لفظها، وهو: " إن في الصلاة صلاةٌ من فاتته فكأنما وتر أهله وماله" .
-
ولحديث نوفل طريق آخر: من رواية جعفر بن ربيعة، عن عراك بن مالك، عن نوفل بن معاوية، أنه حدثه، أنه سمع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: " من فاتته صلاةٌ فكأنما وتر أهله وماله" . قال عراك: فأخبرني عبد الله بن عمر انه سمع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: " من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر اهله وماله" .
-
خرجه النسائي.
-
وخرجه - أيضا - من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عراك، أنه بلغه ان نوفل بن معاوية قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " من الصلاة، صلاةٌ من فاتته فكأنما وتر أهله وماله" ؛ قال ابن عمر: سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: " هي صلاة العصر" .
-
وخرجه - أيضا - من طريق ابن إسحاق: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن عراك، قال: سمعت نوفل بن معاوية يقول: صلاةٌ، من فاتته فكأنما وتر أهله وماله؛ قال ابن عمر: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " هي صلاة العصر" .
-
ففي رواية ابن إسحاق وجعفر بن ربيعة، ان عراكا سمعه من نوفل، وفي حديث الليث ان عركا بلغه عن نوفل.
ج ٤ ص ٣٠٦قال ابو بكر الخطيب: الحكم يوجب القضاء في هذا الحديث لجعفر بن
ربيعة بثبوت اتصاله للحديث؛ لثقته وحفظه. قال: ورواية الليث ليست تكذيباً؛ لأنه يجوز أن يكون عراك بلغه الحديث عن نوفل ثم سمعه منه، فرواه على الوجهين
جميعاً. انتهى.