المبحث التاسع: أصول في تعديل الرواة
١٢٣ فقرة، ج ١ ص ٢٩٦
الصفحة ٢ من ٤
- ج ١ ص ٣٠٣
٢ _ وقال عثمان بن أبي صفوان الثقفي: سمعت سفيان الثوري يقول: " حدثنا ثوير بن أبي فاختة، وكان من أركان الكذب " (٤) .
- (٤)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ١٥١) بإسناد صحيح إلى عثمان هذا، ولم أقف فيه على جرح أو تعديل، وذُكر برواية ابنه عنه.
- ج ١ ص ٣٠٤
٣ _ وقال يزيد بن هارون: " حدثنا أبو روح، وكان مجنوناً، وكان يعالج المجانين، وكان كذاباً (١) .
- (١)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ١٥١) بإسناد صحيح. واسم أبي روْح هذا خالد بن محْدوج الواسطي، والحق أن يزيد بن هارون لم يكن يروي عنه؛ من أجل كذبه عنده، وقد صح عنه قوله: " حلفت أن لا أروي عن خالدِ بن مَحدوج " (أخرجه مسلم في " مقدمة صحيحه: ص: ٢٤، والعقيلي ٢/ ١٥)، والظاهر أنه حين قال: " حدثنا أبو روْح ... " أراد أن يبين كذبه، لا أن يسوق شيئاً من حديثه، ويزيد من الحفاظ المعروفين بتثبتهم والاجتهاد في الرواية عن الثقات.
-
كما استدل الخطيب لما ذهب إليه بقول شعبة بن الحجاج: " لو لم أحدثكم إلا عن ثقة، لم أحدثكم عن ثلاثين " (٢) .
وقال يحيى بن سعيد القطان: " ليس كل من يحدث عنه سفيان كان ثقة " (٣) .
- (٢)أخرجه الخطيب في " الكفاية " (ص: ١٥٢) بإسناد صحيح.
- (٣)نقله ابن حجر في " التهذيب " (١/ ٦٢٢) عن " تاريخ ابن أبي خيثمة ".
-
ووجدت الإمام يحيى بن معين يقول في رواة حدث عنهم من لا يخفى يحيى أنهم من أهل التثبت والنقد، مثل شعبة بن الحجاج، ومع ذلك فلم يجعل روايتهم عنهم تعديلاً لهم، فقد قال في كل من (أبي قزعة) و (أبي سلمة الكوفي) ": " لا أعرفه " وقد روى عنهما شعبة (٤) .
- (٤)معرفة الرجال، رواية ابن مُحرز (١/ ٧٧).
-
ونقل ابن هانئ النيسابوري أنه سأل الإمام أحمد بن حنبل عن (البختري) الذي روى عنه شعبة؟ فقال: " لا أعرفه " (٥) .
- (٥)مسائل الإمام أحمد، رواية: ابن هانئ (٢/ ٢٣٢).
-
وقد قال الحاكم: " تفرد شعبة بالرواية عن زهاء ثلاثين شيخاً من شيوخه لم يرو عنهم غيره، وكذلك كل إمام من أئمة الحديث قد تفرد بالرواية عن شيوخ لم يرو عنهم غيره " (٦) .
ج ١ ص ٣٠٥وقال الإمام أحمد بن حنبل: " جون بن قتادة شيخ لا يعرف، لم يحدث عنه غير الحسن " (١) .
- (٦)معرفة علوم الحديث (ص: ١٦١).
- (١)مسائل الإمام أحمد، رواية: أبي داود السجستاني (ص: ٣٠٢).
-
بل ربما روى عن رجل ثقتان ولا يوثقه الناقد، كما سئل أحمد بن حنبل عن (عبد الأعلى التميمي) الذي روى عنه مسعر: من هو؟ قال: " لا أعرفه، روى عنه مسعر والمسعودي " (٢) .
قلت: ومعلوم أن كثير من الثقات رووا عن المجهولين لم يعرفوا إلا من جهة أولئك الثقات، فلم يعتبر النقاد روايتهم عن أولئك تعديلاً لهم، من أولئك الثقات: أبو إسحاق السبيعي، وعامر الشعبي، والزهري، وقتادة، والثوري، والقعنبي، ومعن بن عيسى القزاز، وأحمد بن عبد الله بن يونس.
قال شعبة بن الحجاج: " نعم الرجل سفيان، لولا أنه يقمِّش " يعني يأخذ من الناس كلهم (٣) .
وقال يحيى بن سعيد القطان: " لا تكتب عن معمر عن رجل لا يعرف؛ فإنه لا يبالي عمن روى " (٤) .
وقال ابن عدي في ترجمة (عمر ذي مر الهمداني) : " هو في جملة مشايخ أبي إسحاق المجهولين الذين لا يحدث عنهم غير أبي إسحاق؛ فإن لأبي إسحاق غير شيخ يحدث عن لا يعرف " (٥) .
وقال في (كدير الضبي) و (كريم بن الحارث) : " غير معروفين، لا يحدث عنهما غير أبي إسحاق " (٦) .
ج ١ ص ٣٠٦وقال ابن عدي: " القعنبي روى عن جماعة من أهل المدينة وغيرهم ممن لا يعرفون " (١) .
وقال: " ومعن يحدث عن قوم من أهل المدينة ليسوا هم بمعروفين " (٢) .
وقال: " ابن يونس يَروي عن غير واحدٍ ممن يكنيهم ولا يُعرفون (٣) .
- (٢)مسائل الإمام أحمد، رواية: ابن هانئ النيسابوري (٢/ ٢٢١).
- (٣)أخرجه يعقوب بن سُفيان في " المعرفة والتاريخ " (١/ ٧٢٨ _ ٧٢٩) وإسناده صحيح.
- (٤)أخرجه الرامهرمزي في " المحدث الفاصل " (ص: ٤١٨) وإسناده صحيح.
- (٥)الكامل (٦/ ٢٤٤).
- (٦)الكامل (٧/ ٢٢٣).
- (١)الكامل (٤/ ٥٤٩) ترجمة: سليط بن مسلم.
- (٢)الكامل (٧/ ٤٧٨) ترجمة: محمد بن عباد بن سعد.
- (٣)الكامل (٩/ ١٩٧) ترجمة: أبي يزيد الطحان.
-
وممن عرف بالرواية عن المجهولين الذين رووا المنكرات مع أنهم من المعدودين في الثقات كذلك: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، ومحمد بن إسحاق، وبقية بن الوليد.
قال عبد الله بن المبارك: " بقية صدوق اللسان، ولكنه يأخذ عمن أقبل وأدبر " (٤) .
- (٤)أخرجه مسلم في " مقدمة الصحيح " (ص: ١٩) بإسناد صحيح.
-
ومن شيوخه المجهولين: عمر بن أبي عمر الكلاعي، وعلي بن أبي علي القرشي، ولوذان بن سليمان، ومحمد بن عبد الرحمن القُشيري، ويحيى بن خالدٍ أبو زكريا.
-
وقال ابن عدي في (عُثمان بن عبد الرحمن الطرائفي) (٥) : " صُورة عُثمان بن عبد الرحمن أنه لا بأس به، إلا أنه يحدث عن قوم مجهولين بعجائب وتلك العجائب من جهة المجهولين، وهو في أهل الجزيرة كبقية في أهل الشام، وبقية أيضاً يحدث عن مجهولين بعجائب " (٦) .
- (٥)انظر: الكامل، لابن عدي (٢/ ٢٨٢).
- (٦)الكامل (٦/ ٢٩٧ _ ٢٩٨).
- ج ١ ص ٣٠٧
وقال أبو حاتم الرازي في (سليمان بن عبد الرحمن أبي أيوب الدمشقي، المعروف بابن بنت شرحبيل) : " صدوق، مستقيم الحديث، ولكنه أروى الناس عن الضعفاء والمجهولين، وكان عندي في حد لو أن رجلاً وضع له حديثاً لم يفهم، وكان لا يميز " (١) .
وقال كذلك في (عبد الرحمن بن محمد المحاربي) : " صدوق إذا حدث عن الثقات، ويروي عن المجهولين أحاديث منكرة فيفسد حديثه بروايته عن المجهولين " (٢) .
وقال أبو حاتم أيضاً في (مروان بن معاوية الفزاري) : " صدوق، لا يدفع عن صدق، وتكثر روايته عن الشيوخ المجهولين " (٣) .
وقال محمد بن عبد الله بن نمير: " كان مروان بن معاوية يتلقط الشيوخ من السكك " (٤) .
قلت: فهذه أمثلة لجماعة من الثقات رووا عن المجهولين، فما عدت روايتهم عنهم مما ترتفع به وتثبت لهم به العدالة.
- (١)الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٢/ ١ / ١٢٩).
- (٢)الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٢٨٢).
- (٣)الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٢٧٣).
- (٤)أخرجه ابن أبي حاتم في " التقدمة " (ص: ٣٢٤) و " الجرح والتعديل " (ص: ٢٧٣) وإسناده صحيح.
-
والقول الثالث: رواية الثقة الذي عرف أنه لا يروي إلا عن ثقة تعديل، ومن لم يعرف ذلك منه فليس بتعديل.
-
وتصوير المسألة: الراوي الثقة المعروف بالتحري في أخذه وانتقاء الشيوخ، إذا روى عن رجل مسمى، سكت النقاد عن جرحه، ولم يتبين فيما روى شيء منكر يطعن عليه به، فهل تعد روايته عنه توثيقاً، إعمالاً لنقله حيث لا معارض له؟ أم لا؟
- ج ١ ص ٣٠٨
لم يعتبر النقاد في مواضع رواية بعض الثقات ممن ينطبق عليهم ما ذكرت، لكني رأيت طريقتهم في هذا ليست مطردة، بل إنهم اعتمدوا رواية بعض هؤلاء الثقات عن أولئك النقلة، وجعلوها بمنزلة التوثيق لهم.
-
ومن أمثلته:
ما نقله عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سئل أبي عن شهاب الذي روى عن عمرو بن مرة؟ فقال: " شيخ يرضاه شعبة بروايته عنه، يحتاج أن يسأل عنه؟! " (١) .
وقال أبو حاتم في (محمد بن أبي رزين) : " شيخ بصري، لا أعرفه، لا أعلم روى عنه غير سليمان بن حرب، وكان سليمان قل من يرضى من المشايخ، فإذا رأيته قد روى عن شيخ فاعلم أنه ثقة " (٢) .
- (١)الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٣٦١).
- (٢)الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ٢٥٥).
-
وأطلق جماعة من كبار الأئمة النقاد الحكم بثقة شيوخ جماعة من الرواة عرفوا بالتثبت والتحري، جمعتهم في جزء، إليك أسمائهم:
أحمد بن حنبل، وأيوب السختياني، وبقي بن مخلد، وحريز بن عثمان، وسليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني، وسليمان بن حرب، وشعبة بن الحجاج، وعامر بن شراحيل الشعبي، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبيد الله بن عبد الكريم أبو زرعة الرازي، وعفان بن مسلم، وعلي بن المديني، ومالك بن أنس، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، ومحمد بن الوليد الزبيدي، ومظفر بن مدرك أبو كامل، ومنصور بن سلمة أبو سلمة الخزاعي، ومنصور بن المعتمر، وموسى بن هارون الحمال، والهيثم بن جميل، ووهيب بن خالد، ويحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن أبي كثير.
ج ١ ص ٣٠٩قال ابن حجر: " من عرف من حاله أنه لا يروي إلا عن ثقة، فإنه إذا روى عن رجل، وصف بكونه ثقة عنده، كمالك وشعبة والقطان وابن مهدي وطائفة ممن بعدهم " (١) .
قلت: وإذا روى الثقة من هؤلاء عن رجل مجروح عند غيره قامت تلك الروية تعديلاً عارض الجرح، فيحاكم بهذا الاعتبار إلى طرق الترجيح.
- (١)لسان الميزان (١/ ١٠٨).
-
وإن وقعت الرواية من قبل أحد هؤلاء عن غير مجروح فهي تعديل يرفع جهالته.
قال ابن عبد الهادي: " لو روى شعبة خبراً عن شيخ له لم يعرف بعدالة ولا جرح، عن تابعي ثقة، عن صحابي، كان لقائل أن يقول: هو خبر جيد الإسناد، فإن رواية شعبة عن الشيخ مما يقوي أمره " (٢) .
- (٢)الصارم المُنكي (ص: ٨١).
-
والقول الرابع: الراوي يروي عنه أكثر من ثقة، ولا يجرح، فهل رواية العدد من الثقات تعدله؟
-
وهو الراوي المستور، وربما أطلق عليه بعض الأئمة: (مجهول الحال) .
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن رواية الثقات عن رجل غير ثقة مما يقويه؟ قال: " إذا كان معروفاً بالضعف لم تقوه روايته عنه، وإذا كان مجهولا ً نفعه رواية الثقة عنه " .
وقال: سألت أبا زرعة عن رواية الثقات عن رجل مما يقوي حديثه؟ قال: " إي، لعمري " ، قلت: الكلبي روى عنه الثوري! قال: " إنما ذلك إذا لم يتكلم فيه العلماء، وكان الكلبي يتكلم فيه " (٣) .
ج ١ ص ٣١٠قلت: هذا حكم أبي حاتم مع تشدده، وأبي زرعة مع اعتداله.
قال أبو حاتم الرازي في (يحيى بن النضر الأنصاري) : " ثقة، روى عنه الثقات " (١) .
- (٣)الجرح والتعديل (١/ ١ / ٣٦).
- (١)الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ١٩٢).
-
فهذا يحتمل أنه وثقه من جهة انتفاء القادح، مع رواية الثقات.
-
وابن عدي كان يجعل رواية الثقات عن رجل مقويه لأمره، ومرجحة لعدالته، في جماعة اختلف فيهم، مثل: الأحوص بن حكيم، وأفلح بن حميد، وبكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، وبهز بن حكيم، وثور بن يزيد الكلاعي، وجعفر بن ميمون أبي العوام، وزياد بن عبد الله البكائي، وسليمان بن موسى الدمشقي، وغيرهم.
-
وفي هؤلاء من الراجح فيه أنه صدوق، ومنهم الضعيف الذي يعتبر به، والمقصود أن ابن عدي جعل من رواية الثقات عنهم ما يرفع من أمرهم.
-
وقال في (الحسن بن ذكوان) وقد روى عنه يحيى القطان وعبد الله بن المبارك: " وناهيك للحسن بن ذكوان من الجلالة أن يرويا عنه، وأرجو أنه لا بأس به " (٢) .
وقال في (حبيب بن أبي حبيب صاحب الأنماط) : " أرجو أنه لا بأس به، وقد حدث عنه ابن مهدي ويزيد بن هارون " (٣) .
- (٢)الكامل (٣/ ١٦٠).
- (٣)الكامل (٣/ ٣١٠).
-
وقال في (عمرو بن يحيى بن عمارة المازني) وقد روى عنه أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر وسفيان الثوري وشعبة ومالك بن أنس وابن عيينة وغيرهم: " لا بأس به برواية هؤلاء الأئمة عنه " (٤) .
- (٤)الكامل (٦/ ٢٤١).
- ج ١ ص ٣١١
وفي (العلاء بن عبد الرحمن) : " ما أرى بحديثه بأساً، وقد روى عنه شعبة ومالك وابن جريج ونظراؤهم " (١) .
- (١)الكامل (٦/ ٣٧٤).
-
فرواية الثقات مما تدفع به التهمة عن الرواة، ويرد الطعن , ويرجح به قبول حديثهم.
-
لكن ليس ذلك مطلقاً، وإنما في أحوال تنزل فيها رواية الثقات منزلة القرائن المساعدة، وذلك فيمن لم ينكشف أمره في السقوط، ولم يهبط في الضعف بالبرهان إلى حد الترك.
-
كما أن هذه القرينة المرجحة إنما ترفع من حاله في الجملة، لا في قبول حديثه مطلقاً، إذا قابل ذلك ما يدل على نكارة أو ضعف بعض حديثه.
-
وبعض متأخري الحفاظ ينسبون تقوية الراوي بهذا الطريق أيضاً إلى النسائي وابن حبان، كما قال الزيلعي وذكر حديث عبد الله بن مغفل في ترك الجهر بالبسملة في الصلاة، وفيه: (عن ابن عبد الله بن مغفل) ، وذكر ثلاثة من الرواة عنه: " فقد ارتفعت الجهالة عن ابن عبد الله بن مغفل برواية هؤلاء الثلاثة عنه " ، قال: " والنسائي وابن حبان وغيرهما يحتجون بمثل هؤلاء، مع أنهم ليسوا مشهورين بالرواية، ولم يرو واحد منهم حديثا ً منكراً ليس له شاهد ولا متابع حتى يجرح بسببه، وإنما رووا غيرهم من الثقات " (٢) .
قلت: أما ابن حبان، فسلوك مثل هذا الطريق معروف من طريقته، وأما النسائي، فلا بأس أن ينسب له اعتباره ذلك طريقاً في تقوية الراوي، لكن لا يصح أن يقال: (احتج به) ؛ لأن التحقيق أنه لم يجرد الصحيح من الحديث، ولم يشترط الصحة في كتبه، وإنما كان يبالغ في الاحتياط فيما خرجه.
- (٢)نصب الراية (١/ ٣٣٣).
- ج ١ ص ٣١٢
نعم؛ ما نسب الزيلعي إليهما من التأصل تقدم أنه طريق سلكه غيرهما من نقاد الأئمة.
- والتحقيق:
-
أن جميع هذه الأقاويل الأربعة صحيح معتبر بتقييد، وبيانه فيما يلي:
أما الأول: فمقيد بكون الراوي غير معروف بالرواية عن المجروحين، فوقوع ذلك شبهة تحول دون الاعتداد بروايتهم كتعديل لمن رووا عنه.
-
وأما الثاني: فمراد به من كان لا يبالي عمن روى، عمن روى، كمن استثنيت في المذهب الأول.
-
وأما الثالث: فصحيح معتبر؛ إذ ليس هو في جميع الثقات، وإنما هو مقصور على الراوي المتثبت المعروف بتوقيه الرواية عن المجروحين.
-
وأما الرابع: فصحيح معتبر كذلك في رفع أمر الراوي وتقويته، لا في الاحتجاج به بمجرد رواية العدد من الثقات عنه، حتى ينضم إليه سلامة رواياته من المنكرات، فيحتج به حينئذ.
-
وفي الجملة، فمجرد رواية الثقة عن رجل مفيد في التعريف به والإظهار لشخصه، لكنه لا يثبت ثقته حتى يختبر حديثه فيثبت حفظه، فإن لم يثبت حفظه ولم يتبين فهو محكوم بجهالته، وإن تبين خطؤه فيلحقه من الجرح بحسبه.
-
وهذا طريق سلكه النقاد في أكثر الرواة على ما تقدم ذكره، فقضوا بتعديل طائفة مع أنه لم يرو عن أحدهم إلا واحد من أجل ما رأوا من استقامة حديثهم، وقضوا بالجهالة على آخرين من أجل عدم تبين إتقانهم لما رووا، مع أن فيهم من روى عنه العدد، وبالرد لحديث آخرين منهم والجرح لهم؛ لما دل عليه النظر في حديثهم من نكارته.
-
والشأن في المشهورين من الرواة ظاهر، من جهة ثبوت العدالة
ج ١ ص ٣١٣أو ثبوت الجرح، ولكنه في غير المشهورين، وهذه بعض نصوص النقاد في طائفة منهم تبين منهجهم:
فمثال الراوي يكون غير مشهور إلا من جهة حديثه أو أحاديثه التي رواها، ومن جهة راو ثقة روى عنه، يدل النظر والمقارنة أنه مستقيم الحديث، فيلحق بالثقات:
قول أحمد بن حنبل في (سلم بن أبي الذيال) : " ما أعلم أن أحداً روى عن سلم بن أبي الذيال إلا المعتمر، وسلم ثقة " (١) ، قلت: يرفع بذلك أحمد من أمره.
- (١)مسائل الإمام أحمد، رواية: ابن هانئ (٢/ ٢٤٧).
-
وقول أبي حاتم الرازي في (عبد الواحد بن سلمان الأغر) : " ما أعلم أحداً روى عنه غير أبي الربيع الزهراني، وأرى حديثه مستقيماً، ما أرى به بأساً " (٢) .
- (٢)الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٣/ ١ / ٢١).
-
وقوله في (المغيرة بن أمي المِنقري) : " لا أعلم رَوى عنه غير ابنِه عبد العزيز، وأرى حديثه مستقيماً (٣) .
- (٣)الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٤/ ١ / ٢١٩).