المبحث العاشر: تحرير القول في تعديل جماعة من المتقدمين تنازعهم الناس

٨٠ فقرة، ج ١ ص ٣٢٣

الصفحة ٢ من ٢

  1. وقال في ترجمة (سعيد بن زياد بن أبي هند الداري) : " الشيخ إذا لم يرو عنه ثقة، فهو مجهول، لا يجوز الاحتجاج به، لأن رواية الضعيف لا تخرج من ليس بعدل عن المجهولين إلى جملة أهل العدالة، كأن ما روى الضعيف وما لم يرو في الحكم سيان " (٢) .

    1. (٢)المجروحين (١/ ٣٢٨).
    ج ١ ص ٣٣١
  2. وقال في ترجمة (عبد الرحمن بن أبي نصر بن عمرو) : " منكر الحديث على قلة روايته، يروي عن أبيه المناكير، وأبوه مجهول، لا يدري من هو، ولا يعلم له من علي سماع، وفي دون هذا ما يسقط الاحتجاج برواية من هذا نعته " (٣) .

    وقال في ترجمة (عمران بن مسلم القصير) : " ولا يجوز أن يحكم على مسلم بالجرح، وأنه ليس بعدل، إلا السبر " (٤) .

    وقال في ترجمة (عائذ الله المجاشعي) : " منكر الحديث على قلته، لا يجوز تعديله إلا بعد السبر، ولو كان ممن [لا] يروي المناكير، ووافق الثقات في الأخبار، لكان عدلاً مقبول الرواية، إذ الناس أحوالهم على الصلاح والعدالة، حتى يتبين منهم ما يوجب القدح فيجرح بما ظهر منه من الجرح، هذا حكم المشاهير من الرواة، وأما المجاهيل الذين لم يرو عنهم إلا الضعفاء، فهم متروكون على الأحوال كلها " (٥) .

    ج ١ ص ٣٣٢وقال في ترجمة (محمد بن عطية بن سعد العوفي) : " منكر الحديث جداً، مشتبه الأمر، لا يوجد الاتضاح في إطلاق الجرح عليه؛ لأنه لا يروي إلا عن أبيه، وأبو ليس بشيء في الحديث، ولا يروي عنه إلا أسيد بن زيد، وأسيد يسرق الحديث، فلا يتهيأ إطلاق القدح على من يكون بين ضعيفين إلا بعد السبر والاعتبار بما يروي عن غير الضعيف، ولا سبيل إلى ذلك فيه فهو ساقط الاحتجاج، حتى تتبين عدالته بروايته عن ثقة إذا كان دونه ثقة، واستقامت الرواية فلم يخالف الثقات " (١) .

    قلت: فهذه النصوص المفسرة دالة على ما يلي:

    أولاً: أن الطريق إلى تبين عدالة الراوي عنده هو اختبار حديثه.

    1. (٣)المجروحين (٢/ ٥٩).
    2. (٤)المجروحين (٢/ ١٢٣).
    3. (٥)المجروحين (٢/ ١٩٢ _ ١٩٣).
    4. (١)المجروحين (٢/ ٢٧٣ _ ٢٧٤).
  3. وهذه هي العدالة الموجبة لقبول حديثه، وهي الإتقان لما رواه، وهذا طريق عامة الأئمة في أكثر الرواة.

  4. ثانياً: أن العدالة تثبت عنده برواية الواحد الثقة.

  5. وحيث إنه اعتبر اختبار حديث الراوي وسلامته من النكارة علامة على عدالته في النقل، دل على أن العدالة التي تثبت عنده برواية واحد ثقة إنما هي ما ترتفع به جهالة عينه ويثبت بها شخصه، وقد تقدم أنه مذهب لغيره، بل عليه عمل النقاد في رواة ما روى عنهم إلا الفرد من الثقات، لم يرو أحدهم منكراً، فصاروا إلى توثيقه وقبوله.

  6. ثالثاً: أنه جرح رواة بالجهالة، لكنها عنده ثابته للراوي الذي لم يعرف إلا من رواية مجروح لا يعتبر به عنده عن ذلك الراوي.

  7. وهذا القدر صحيح، موافق لطريقة غيره، ويبقى: الراوي لا يروي عنه إلا واحد من الثقات، فهذا قد يصفه غير ابن حبان بالجهالة، وقد يختبر حديثه فيلحقه بحسب ما تبين له إما بالمجروحين أو بالثقات، وابن حبان لم

    ج ١ ص ٣٣٣يتجاوز هذا، غاية أمره أنه تعنى اختبار حديث الراوي بالقدر الذي وقف عليه منه، فصار بذلك إلى تبين ضبطه فألحقه بالثقات، أو ضعفه، فألحقه بالمجروحين، والأدلة على إلحاقه الراوي من هؤلاء بالثقات بناء على اختبار حديثه كثيرة في كتابه (الثقات) ، وقد تتبعت ذلك بما يطول بيانه هنا.

  8. لكن الواجب اعتباره ما بينته قبل: أن رجال (الثقات) فيهم الثقة المحتج به، وفيهم الصالح للاعتبار وليس بحجة.

  9. وهذا مما يتعذر معه اعتماد إيراد ابن حبان للراوي في الثقات على أنه (ثقة) يحتج به عنده، إلا أن يوجد فيما ذكره قرينة تدل على أن ذلك الراوي في محل من يحتج به، كأن يقول: (مستقيم الحديث) ، وقد قالها في طائفة، وإلا فما لك إلا أن تفسر قدر توثيق ابن حبان بمقالات سائر النقاد في الراوي.

  10. ولست أرى في هذا شيئاً من التساهل، ولكنه فوت فائدة الفصل بين ثقة محتج به، وصالح يعتبر به.

  11. لكن، ليس في (الثقات) راو لا يعتبر به على رأي ابن حبان.

  12. وكذلك ليس كل راو في (المجروحين) أراد ابن حبان إسقاط حديثه مطلقاً، بل فيهم المتروك وفيهم من يعتبر بما يوافق فيه الثقات من حديثه، وهو يبين ذلك.

  13. وأما قول ابن حجر: " هذا الذي ذهب إليه ابن حبان من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة إلى أن يتبين جرحه، مذهب عجيب، والجمهور على خلافه، وهذا هو مسلك ابن حبان في كتاب (الثقات) الذي ألفه، فإنه يذكر خلقاً ممن ينص عليهم أبو حاتم وغيره على أنهم مجهولون، وكان عند ابن حبان أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور، وهو مذهب شيخه ابن خزيمة، ولكن جهالة حاله باقية عند غيره " (١) .

    1. (١)لسان الميزان (١/ ١٠٧).
  14. وقول ابن حجر أيضاً في ترجمة (أيوب) رجل ذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: " لا أدري من هو، ولا ابن من هو " : " وهذا القول من ابن حبان يؤيد ما ذهبنا إليه: من أنه يذكر في كتاب (الثقات) كل مجهول روى عنه ثقة، ولم يجرح، ولم يكن الحديث الذي يرويه منكراً، هذه قاعدته، وقد نبه على ذلك الحافظ صلاح الدين العلائي، والحافظ شمس الدين بن عبد الهادي، وغيرهما " (١) .

    1. (١)لسان الميزان (١/ ٦١٤).
    ج ١ ص ٣٣٤
  15. فأقول: ليس مذهباً عجيباً، ولا هو خلاف قول الجمهور، وإنما هو على ما بينت، إلا أن يعني ابن حجر بقول الجمهور أن جهالة الحال لا تثبت إلا براوية اثنين، وهذا قدمت من قبل له أمثلة من كلام أحمد بن حنبل وأبي حاتم الرازي وأبي زرعة الرازي فيها توثيق من لم يرو عنه إلا واحد، وبينه كلام أبي حاتم وأبي زرعة بناء على استقامة حديثه، وكذلك صنع ابن حبان.

  16. [طريقة الحاكم النيسابوري]

  17. الحاكم النيسابوري رأس من رءوس هذه الصناعة كلامه في النقلة في التحقيق معتبر قوي، وتعديله فيما يصف به الرواة من الثقة والصدق مقبول محتج به.

  18. وإنما دخلت الشبهة على بعض المتأخرين في تعديل الحاكم ووصف بعضهم له بالتساهل فيه، من جهة ضعف تحقيقه لشرط الصحة في كتابه " المستدرك " ، كما بينته في (القسم الثاني) .

  19. وحمل أحد الأمرين على الآخر معتبر لو لم يتبين سبب ما يعود إليه الخلل في طريقة الحاكم في التصحيح.

  20. لكن الشأن في كلامه في النقلة مختلف، فقد جرى على منهاج النقاد

    ج ١ ص ٣٣٥قبله، فزكى رجالاً، وجرح آخرين، بل جرح رجالاً بالجهالة، مما دل على أن خبر المجهول عنده ليس موضعاً للحجة، ولا يحكم بصحته، وهذا موافق لمسلك جمهور أئمة هذا العلم، ووافق غيره من الأئمة في كثير مما تكلم فيه، وتفرد بفوائد في تعديل الرواة وجرحهم، تعد له، وكثير من ذلك منثور في " المستدرك " ، ومنه في " سؤالات مسعود السجزي " له، ومنه في " تاريخ نيسابور " ، ولا يكاد يخلو سائر كتبه من شيء من ذلك.

  21. وعهد من طريقة من يذكر عند بعض العلماء بالتساهل في التعديل أن يجري حال من لم يتبين أمره على العدالة، وليس الحاكم منهم، وهذه أمثلة من الرواة نعتهم بالجهالة في " المستدرك " ولم يصحح أحاديثهم لأجلهم:

    (١) يحيى بن عبد الله المصري، قال الحاكم: " لست أعرفه بعدالة ولا جرح " (١) .

    1. (١)المستدرك (٢/ ٦٢٠ رقم: ٤٢٣٦).
  22. (٢) عبد الملك بن عبد الرحمن، قال الحاكم: " مجهول، لا نعرفه بعدالة ولا جرح " (٢) .

    1. (٢)المستدرك (٣/ ٦٠ رقم: ٤٣٩٩).
  23. (٣) غزال بن محمد، قال الحاكم: " مجهول، لا أعرفه بعدالة ولا جرح " (٣) .

    1. (٣)المستدرك (٤/ ٢١١ رقم: ٧٤٧٩).
  24. (٤) عثمان بن جعفر أبو علي، قال الحاكم: " لا أعرفه بعدالة ولا جرح " (٤) .

    1. (٤)المستدرك (٤/ ٤٠٩ رقم: ٨٢٥٥)
  25. (٥) أبو المغيرة القواس، تفرد عنه عوف الأعرابي، قال الحاكم: " مجهول " (٥) .

    1. (٥)المستدرك (٤/ ٥٧٥ رقم: ٨٧١٦).
  26. هؤلاء منهم من عرف مخرجه من جهة مجروح أصلاً كيحيى بن عبد الله، فقد روى عنه اليمان بن سعيد وهو ضعيف، ومنهم من عرف مخرجه من جهة عدل كغزال بن محمد فقد روى عنه زياد بن يحيى الحساني وهو ثقة، ففيه إبانة أن الجهالة عند الحاكم تفارق الجهالة عند ابن حبان، فابن حبان لا يعد من كان بين ثقتين مجهولاً، فغزال مثلاً روى عن محمد بن جحادة وهو ثقة، فيكون بهذا بين ثقتين، لكنه مجهولاً في رأي الحاكم.

    ج ١ ص ٣٣٦
  27. بل يؤكد أن رفع الجهالة عنده إنما هي برواية اثنين على الأقل قوله في (إسماعيل بن إبراهيم الشيباني) , قد ذكر حديثاً من رواية محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة عنه: " ولعل متوهماً من غير أهل الصنعة، يتوهم أن إسماعيل الشيباني هذا مجهول، وليس كذلك، فقد روى عنه عمرو بن دينار الأثرم " (١) ، فجعل جهالته مرتفعة برواية اثنين: ابن ركانة وعمرو بن دينار، وهما ثقتان.

    1. (١)المستدرك (٤/ ٣٦٥ رقم: ٨٠٨٨).
  28. وهذا موافق لشرط الحاكم الذي قننه لصفة الحديث الصحيح عنده، حيث قال: " صفة الحديث الصحيح: أن يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابي زائل عنه اسم الجهالة، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان، ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا كالشهادة على الشهادة " (٢) .

    1. (٢)معرفة علوم الحديث (ص: ٦٢).
  29. وهذه الصفة التي ذكر الحاكم ظن بعض الناس أنه عنى أن كل حديث صحيح يجب أن يرويه اثنان عن الصحابي، وليس الأمر كذلك، إنما قوله: " وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان " عائد على ما ترتفع به الجهالة، فهو يقول: رفع الجهالة لا يكون إلا برواية اثنين عن الصحابي فمن دونه من رواة الحديث.

  30. وخلاصة ما تحرر لي في شأن كلامه في الرواة ما يلي:

    أولاً: إن صدرت منه العبارة صريحة في تعديل أو تجريح أو تجهيل الراوي المعين، فقوله حجة، كقول شيخه الدارقطني وشبهه، فإن خالفه غيره في بعض ذلك، فهو من اختلاف الجرح والتعديل، يرجح الراجح بحجته.

    ج ١ ص ٣٣٧
  31. ثانياً: حكمه على إسناد في " المستدرك " بقوله مثلاً: " صحيح الإسناد " ، حكم منه بثقة رواته عنده، لكنه في مرتبة غير معينة من القبول، من أجل أنه لم يكن يفرق بين الصحيح والحسن، فقد يكون الروي في مرتبة الثقة أو مرتبة الصدوق.

  32. ولما ثبت من خطئه الكثير في الحكم على أحاديث بالصحة وهي واهية أو ضعيفة من رواية المجروحين، فإنه لا يصح تعميم القول في الاحتجاج بذلك على كون رواة الإسناد ثقات أو صدوقين، لكنه يرفع من شأن الراوي المجهول عند غيره.

  33. [طريقة ابن عبد البر]

  34. ابن عبد البر من طبقة الخطيب البغدادي، وهما معدودان في المتأخرين، كلاهما في الرواة المتقدمين مبني على تلخيص عبارات السلف فيهم، نعم الخطيب فارق ابن عبد البر بإنشاء القول بتعديل الرواة وجرحهم، خصوصاً من طبقة شيوخه، لكن لا يكاد يوجد ذلك لابن عبد البر إلا قليلاً.

  35. فإذا كان قول ابن عبد البر في الرواة خلاصة كلام السالفين، فالحجة إذاً عائدة إلى كلامهم، ويبقى تحرير ابن عبد البر للعبارة في الراوي تحرير إمام ناقد، فكما نقبل تحرير العبارة ممن جاء بعده كالذهبي وابن حجر من المتأخرين، فقبول قوله أولى، بل إن المتتبع لكلامه في الرواة في كتبه يجد له وزن عبارة الناقد العارف بهذا العلم فيه.

  36. وإنما دخلت الشبهة عند بعض الناس أن ابن عبد البر يتساهل في

    ج ١ ص ٣٣٨التعديل، من جهة ما فهموه عنه من قوله في تفسير العدالة، وإنه يجري المسلمين في الأصل عليها، وليس كذلك كما بينته آنفاً في (المبحث الثالث) .

  37. بل قد وصف ابن عبد البر بالجهالة رواة عديدين، ولو كانت العدالة تثبت عنده للراوي بمجرد الإسلام فيقبل بذلك حديثه، لم يكن لوصفه بالجهالة لأولئك الرواة معنى.

  38. وممن ينبغي التنبيه على كلامه في الرواة من المتأخرين: الحافظ نور الدين الهيثمي (المتوفى سنة: ٨٠٧) .

  39. فإنه قد نثر في كتابه " مجمع الزائد " من خلال حكمه على الأسانيد، كثيراً من عبارات الجرح والتعديل، وهو يعتمد على من تقدمه، لكنها عبارات ينقصها التحرير، فربما أطلق التوثيق وهو كثير، لراو مجهول أو ضعيف، وهو يعتمد توثيق ابن حبان بإطلاق، وكثيراً ما يقول في الراوي: " لم أعرفه " ، وهو كان من مشايخ الطبراني في (الميزان) نبهت على ضعفه، ومن لم يكن في (الميزان) ألحقته بالثقات الذين بعده " (١) .

    1. (١)مجمع الزوائد، للهيثمي (١/ ٨). وأراد بـ (الميزان) " ميزان الاعتدال " للذهبي.
  40. ومعروف أن الحافظ الطبراني روى عن خلق كثيرين، ولم يكن معتنياً بنقد النقلة، إنما كان رواية، ولم يعرف عنه انتقاء الرواة الثقات، بل وقع في شيوخه من هو معروف بالضعف، فإطلاق الهيثمي هذه المنهجية في شيوخ الطبراني إطلاق غير علمي.