المبحث الرابع: السنن الأربعة والمسند أعظم دواوين السنة بعد الصحيحين
٦٣ فقرة، ج ١ ص ٨٥٦
الصفحة ٢ من ٢
- ج ١ ص ٨٦٢
والأئمة بعد الترمذي لم يزالوا يعتمدون تصحيحه للحديث أو تحسينه له، حتى يتبين خطأ قوله فيه، وهذا هو الأليق بخريج مدرسة البخاري والدارمي وأبي زرعة الرازي.
- ج ١ ص ٨٦٣
واعلم أن من العلماء من أطلق على " الجامع " للترمذي اسم (الصحيح) ، كذلك فعل الحاكم النيسابوري، والخطيب البغدادي، والحاكم سماه " الجامع الصحيح " (١) .
- (١)نقله ابنُ سيِّد الناس في " النفح الشذي " (١/ ١٨٩)، وانظر: " النُّكت على ابن الصلاح " لابن حجر (١/ ٤٨١).
-
وهذا إطلاق غير صحيح يدل على نقضه طريقة الترمذي نفسه، كما تقدم.
-
[شرط النسائي في " سننه " ]
-
وذلك في الروايتين عنه: " السنن الصغرى " ، أو " المجتبى " ، وهي رواية أبي بكر أحمد بن محمد بن السني، و " السنن الكبرى " من رواية جماعة آخرين من الحفاظ عن النسائي.
-
وشرطه فيهما بينه بقوله: " لما عزمت على جمع كتاب السنن، استخرت الله تعالى في الرواية عن شيوخ كان في القلب منهم بعض الشيء، فوقعت الخيرة على تركهم، فتركت جملة من الحديث كنت أعلو فيه عنهم " (٢) .
قلت: فمن هؤلاء عبد الله بن لهيعة.
قال الحافظ أبو طالب أحمد بن نصر البغدادي: " من يصبر على ما صبر عليه أبو عبد الرحمن؟! كان عنده حديث ابن لهيعة ترجمة ترجمة فما حدث بها، وكان لا يرى أن يحدث بحديث ابن لهيعة " (٣) .
- (٢)أخرجه ابن طاهر في " شروط الأئمة الستة " (ص: ١٠٤) وإسناده صحيح.
- (٣)سؤالات السلمي (النص: ٣٣).
-
وسئل الدارقطني: إذا حدث أبو عبد الرحمن النسائي وابن خزيمة بحديث، أيما تقدمه؟ فقال: " أبو عبد الرحمن، فإنه لم يكن مثله أقدم عليه
ج ١ ص ٨٦٤أحداً، ولم يكن في الورع مثله، لم يحدث بما حدث ابن لهيعة وكان عنده عالياً عن قتيبة " (١) .
وقال أبو الفضل بن طاهر المقدسي: سألت الإمام أبا القاسم سعد بن علي الزنجاني بمكة عن حال رجل من الرواة، فوثقه، فقلت: إن أبا عبد الرحمن النسائي ضعفه، فقال: " يا بني، إن لأبي عبد الرحمن في الرجال شرطاً أشد من شرط البخاري ومسلم " (٢) .
- (١)سؤالات حمزة السهمي للدارقطني (النص: ١١١).
- (٢)شروط الأئمة الستة، لابن طاهر (ص: ١٠٤).
-
وقال ابن رجب مرجحاً له على أبي داود والترمذي فيمن يخرج له: " وأما النسائي فشرطه أشد من ذلك، ولا يكاد يخرج لمن يغلب عليه الوهم، ولا لمن فحش خطؤه وكثر " (٣) .
- (٣)شرح علل الترمذي (١/ ٣٩٨) .......
-
وأطلق بعض العلماء على كتاب النسائي اسم (الصحيح) ، جاء هذا عن الحفاظ، أبي علي النيسابوري، وأبي أحمد بن عدي، والدارقطني، وابن منده، وعبد الغني بن سعيد الأزدي، والحاكم، وأبي يعلي الخليلي، والخطيب البغدادي، وأبي طاهر السلفي (٤) ، وذلك من أجل ما رأوه في كتابه من قوة شرطه وتحريه.
- (٤)النكت على ابن الصلاح، لابن حجر (١/ ٤٨١).
-
كما ذهب إلى القول بصحة رواية ابن السني والمسماة بـ (المجتبى) أو (المجتنى) ، أو (السنن الصغرى) تلميذ النسائي محمد بن معاوية الأحمر (٥) .
- (٥)النكت على ابن الصلاح، لابن حجر (١/ ٤٨٤).
-
والواقع: أن النسائي أعل في الكتابين (الكبرى) أو (الصغرى) أحاديث كثيرة، وضعفها، وجرح عدداً من الرواة فيهما، والمتحرر لي: أن الاختلاف
ج ١ ص ٨٦٥بينهما طولاً وقصراً إنما هو من جهة الرواة لهما، لا من جهة النسائي نفسه، والله أعلم، والمعنى في الكتابين خطة وشرطاً واحد.
-
[شرط ابن ماجة في " سننه " ]
-
فيه حديث كثير صحيح وحسن، لكنه أيضاً اشتمل على الواهي والموضوع، وهو لا يميز فيه بين ما يثبت وما لا يثبت، فانحطت بذلك رتبة الكتاب.
قال الذهبي: " قد كان ابن ماجة حافظاً ناقداً صادقاً واسع العلم، وإنما غض من رتبة سننه ما في الكتاب من المناكير، وقليل من الموضوعات " (١) .
وقال في موضع آخر: " غلاة الرافضة والجهمية الدعاة، وكالكذابين والوضاعين وكالمتروكين المهتوكين، كعمر بن الصبح، ومحمد المصلوب، ونوح بن أبي مريم، وأحمد الجويباري، وأبي حذيفة البخاري، فما لهم في الكتب حرف، ما عدا عمر، فإن ابن ماجة خرج له حديثاً واحداً فلم يصب، وكذا خرج ابن ماجة للواقدي حديثاً واحداً، فدلس اسمه وأبهمه" (٢) .
وقال ابن حجر: " تفرد فيه بإخراج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب وسرقة الحديث، وبعض تلك الأحاديث لا تعرف إلا من جهتهم " وسمى بعضهم (٣) .
- (١)سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٧٨ _ ٢٧٩).
- (٢)سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٧٦).
- (٣)النكت على ابنِ الصلاح (١/ ٤٨٥) .......
-
وقد حكي عن أبي زرعة الرازي أنه نظر في كتاب ابن ماجة، فما عاب عليه إلا نحواً من ثلاثين حديثاً.
-
لكن قال الذهبي: قول أبي زرعة إن صح فإنما عنى بثلاثين حديثاً:
ج ١ ص ٨٦٦الأحاديث المطرحة الساقطة، وأما الأحاديث التي لا تقوم بها حجة فكثيرة لعلها نحو الألف " (١) .
وقال ابن حجر: " هي حكاية لا تصح؛ لانقطاعها، وإن كانت محفوظة فلعله أراد ما فيه من الأحاديث الساقطة إلى الغاية، أو كان ما رأى من الكتاب إلا جزءاً منه فيه هذا القدر، وقد حكم أبو زرعة على أحاديث كثيرة منه بكونها باطلة أو ساقطة أو منكرة، وذلك محكي في كتاب (العلل) لابن أبي حاتم " (٢) .
قلت: فبعد هذا كيف يصلح تسميته (صحيحاً) عند من أطلق عبارة (الصحاح الستة) ؟.
- (١)سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٧٩).
- (٢)النكت على ابن الصلاح (١/ ٤٨٦).
-
[شرط أحمد في " المسند "]
قال ابن تيمية: " نزه أحمد مسنده عن أحاديث جماعة يروي عنهم أهل السنن، كأبي داود والترمذي، مثل نسخة كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه عن جده، وإن كان أبو داود يروي في سننه منها، فشرط أحمد في مسنده أجود من شرط أبي داود في سننه " (٣) .
وقال في موضع آخر: " وليس كل ما رواه أحمد في المسند وغيره يكون حجة عنده، بل يروي ما رواه أهل العلم، وشرطه في المسند: أن لا يروي عن المعروفين بالكذب عنده، وإن كان في ذلك ما هو ضعيف، وشرطه في المسند مثل شرط أبي داود في سننه " (٤) .
- (٣)قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص: ١٦٢).
- (٤)منهاج السنة النبوية (٧/ ٩٦ _ ٩٧) .......
-
ونقل ابن القيم حكاية حنبل بن إسحاق قال: جمعنا أحمد بن حنبل،
ج ١ ص ٨٦٧أنا، وصالح، وعبد الله، وقرأ علينا المسند، وما سمعه منه غيرنا، وقال لنا: " هذا كتاب، جمعته من سبع مئة ألف وخمسين ألف حديث، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فارجعوا إليه، فإن وجدتموه فيه، وإلا فليس بحجة " ، ثم قال ابن القيم: " هذه الحكاية قد ذكرها حنبل في تاريخه، وهي صحيحة بلا شك، لكن لا تدل على أن كل ما رواه في المسند فهو صحيح عنده، فالفرق بين أن يكون كل حديث لا يوجد له أصل في المسند فليس بحجة، وبين أن يقول: كل حديث فيه حجة، وكلامه يدل على الأول، لا على الثاني.
-
وقد استشكل بعض الحفاظ هذا من أحمد، وقال: في الصحيحين أحاديث ليست في المسند، وأجيب عن هذا: بأن تلك الألفاظ بعينها وإن خلا المسند عنها، فلها فيه أصول ونظائر وشواهد، وأما أن يكون متن صحيح لا مطعن فيه ليس له في المسند أصل ولا نظير، فلا يكاد يوجد البتة " (١) .
قلت: وهذه حقيقة لا يتجاوزها من درس هذا الديوان العظيم وتأمله.
- (١)الفروسية (ص: ٦٩).
-
دعوى (ما سكت عنه أحمد في " المسند " فهو صحيح):
قال الحافظ أبو موسى المديني: " ما أودعه الإمام أحمد رحمه الله في مسنده، قد احتاط فيه إسناداً ومتناً، ولم يورد فيه إلا ما صح عنده " (٢) .
- (٢)خصائص المسند، لأبي موسى المديني (ص: ٢٤) ونقله بمعناه ابن القيم في " الفروسية " (ص: ٦٦ _ ٦٧).
-
وهذه الدعوى ردها ابن القيم، فقال: " هذه المقدمة لا مستند لها البتة، بل أهل الحديث كلهم على خلافها، والإمام أحمد لم يشترط في
ج ١ ص ٨٦٨مسنده الصحيح ولا التزمه، وفي مسنده عدة أحاديث سئل هو عنها فضعفها بعينها وأنكرها " (١) .
- (١)الفروسية (ص: ٦٤) وذكر ابن القيم في هذا المعنى حكاية عن أحمد مما أورده أبو موسى المديني في " خصائص المسند " (ص: ٢٧)، هي رواية أبي العز أحمد بن عبيد الله بن كادش العُكْبري، وهو شيخٌ متهم، لم يكن ثقة.
-
وذكر ابن القيم ما زاد على عشرين حديثاً، جميعها مما خرجه في (المسند) وهي عنده إما ضعيفة أو منكرة (٢) .
ثم قال: " وهذا باب واسع جداً، لو تتبعناه لجاء كتاباً كبيراً، والمقصود أنه ليس كل ما رواه وسكت عنه يكون صحيحاً عنده " (٣) .
قلت: وهذا هو التحقيق، إنما فيه الصحيح وهو الغالب، وفيه الحسن وهو كثير، وفيه الضعيف وهو أقل بكثير من الصحيح والحسن، وفيه المنكر وهو قليل، وهل فيه موضوع؟.
قال ابن تيمية: " تنازع الحافظ أبو العلاء الهمذاني والشيخ أبو الفرج ابن الجوزي: هل في المسند حديث موضوع؟ فأنكر الحافظ أبو العلاء أن يكون في المسند حديث موضوع، وأثبت ذلك أبو الفرج، وبين أن فيه أحاديث قد علم أنها باطلة.
- (٢)انظر: الفروسية (ص: ٦٤ _ ٦٦).
- (٣)الفروسية (ص: ٦٦) .......
-
ولا منافاة بين القولين، فإن الموضوع في اصطلاح أبي الفرج: هو الذي قام دليل على أنه باطل، وإن كان المحدث به لم يتعمد الكذب، بل غلط فيه؛ ولهذا روى في كتابه في الموضوعات أحاديث كثيرة من هذا النوع. . وأما الحافظ أبو العلاء وأمثاله، فإنما يريدون بالموضوع: المختلق المصنوع الذي تعمد صاحبه الكذب " (٤) .
- (٤)قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص: ١٦٠) .......
- ج ١ ص ٨٦٩
وأدخل ابن الجوزي في كتاب " الموضوعات " من تلك الأحاديث عدداً، تعقبه فيها الحافظ أبو الفضل العراقي، ثم تلميذه ابن حجر في " القول المسدد في الذب عن المسند " ، وبينا أنها لا تبلغ الوضع.
قال ابن حجر: " ادعى قوم فيه الصحة، وكذلك في شيوخه، وصنف الحافظ أبو موسى المديني في ذلك تصنيفاً، والحق أن أحاديثه غالبها جياد، والضعاف منها إنما يوردها للمتابعات، وفيه القليل من الضعاف الغرائب الأفراد، أخرجها، ثم صار يضرب عليها شيئاً فشيئاً، وبقي منها بعده بقية. وقد ادعى قوم أن فيه أحاديث موضوعة، وتتبع شيخنا إمام الحفاظ أبو الفضل (١) من كلام ابن الجوزي في (الموضوعات) تسعة أحاديث أخرجها من المسند، وحكم عليها بالوضع، وكنت قرأت ذلك الجزء عليه، ثم تتبعت بعده من كلام ابن الجوزي في (الموضوعات) ما يلتحق به، فكملت نحو العشرين، ثم تعقبت كلام ابن الجوزي فيها حديثاً حديثاً، وظهر من ذلك أن غالبها جياد، وأنه لا يتأتى القطع بالوضع في شيء منها، بل ولا الحكم بكون واحد منها موضوعاً، إلا الفرد النادر، مع الاحتمال القوي في دفع ذلك، وسميته (القول المسدد في الذب عن مسند أحمد) " (٢) .
قلت: واعلم أن في ثناياه زيادات كثيرة من رواية ابنه عبد الله عن غير أبيه، هي على القسمة السابقة أيضاً بين الثابت وغيره، وفيه كذلك من زيادات أبي بكر القطيعي راوي " المسند " عن عبد الله.
- (١)يعني العراقي.
- (٢)تعجيل المنفعة (١/ ٢٤٠ _ ٢٤١).