المبحث الثامن: مسائل في الحديث الصحيح والحسن
٦٦ فقرة، ج ١ ص ٨٩٣
الصفحة ٢ من ٢
- ج ١ ص ٨٩٩
وقد اختلفوا فيها اختلافاً واسعاً (٢) ، ثمرته: الترجيح عند الاختلاف.
- (٢)انظر معرفة علوم الحديث (ص: ٥٣ _ ٥٦).
-
والصواب فيه اختيار الحاكم: لا يمكن القطع لإسناد، بأنه أصح الأسانيد مطلقاً، إنما يمكن القول: أصح أسانيد ابن عمر كذا، وأصح أسانيد المدنيين، أو البصريين أو المصريين، كذا وكذا.
-
وسبب صحة هذا الاختيار: وجود التكافؤ في الصحة بين كثير من الأسانيد.
-
غير أن ما يوجد من تلك المقالات يفيد كثير منه _ كما تقدم _ للترجيح بين الثقات في حال الاختلاف في سند أو متن.
-
فلو اختلف مثلاً نافع ومجاهد عن ابن عمر في حديث، فإنا نستفيد
ج ١ ص ٩٠٠من قولهم: " أصح الأسانيد: نافع عن ابن عمر " في ترجيح نافع على مجاهد (١) .
- (١)وسبق مزيدٌ في فائدة هذه المسألة في (النقد الخفي _ الفصل الثالث _ المبحث الثالث _ المقدمة الثانية) .......
-
وتفصيل القول فيه يعرف من أحوال النقلة في كتب الجرح والتعديل.
-
المسألة الثامنة: قولهم: (حديث جيد) يعنون به الصحة، لكن المتأخرين ربما استعملوا في منزلة تردد بين الصحيح والحسن بعد التفريق الاصطلاحي.
-
وجرى استعماله في وصف الحديث في كلام المتقدمين قليلاً نادراً.
-
ومنه قولهم في الراوي: (جيد الحديث) ، فهو في التحقيق يساوي قولهم: (صحيح الحديث) ، وهذا تكرار في جماعة من الرواة.
-
وشبيه به قولهم: (هذا حديث قوي) , (إسناد قوي) .
-
وليس في القسمة درجة بين (الصحيح) و (الحسن) ؛ فلذا فإن هذين الاستعمالين يلحقان عندهم بـ (الصحيح) .
-
وله أمثلة كثيرة في " الصحيحين " وغيرهما، وهو مثل أحاديث: عبد الملك بن عمير، وحماد بن سلمة، وسهيل بن أبي صالح، والعلاء بن عبد الرحمن، ومحمد بن إسحاق صاحب السيرة، وسماك بن حرب، وأبي بكر بن عياش.
-
[المسألة التاسعة: أين يوجد الحديث الحسن؟]
-
الحديث الحسن حيث إن مرجعه إلى رواة من درجة متوسطة في الحفظ، فإنك لا تكاد تجد كتاباً من كتب السنة يخلو منه، والتحقيق أن في " الصحيحين " بعض الأحاديث الحسنة، خصوصاً في أبواب الرقائق وشبهها،
ج ١ ص ٩٠١مثل حديث فليح بن سليمان وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار وزهير بن محمد التميمي وشبههم، فهؤلاء لا يمكن لحديثهم أن يرقى فوق (الحسن) لذاته، وروايتهم عند البخاري، ولبعضهم عند مسلم، كما روى مسلم لجماعة حديثهم لا يرقى فوق (الحسن) منهم: إبراهيم ين مهاجر البجلي، وأسامة بن زيد الليثي، وهشام بن سعد المدني.
-
وإطلاق اسم " الصحيح " على كتاب مسلم والبخاري فإنما هو باعتبار غلبة ذلك، أو لاندراج (الحسن) تحت (الصحيح) بجامع القبول وصحة الاحتجاج.
-
وأما في غير " الصحيحين " فيوجد كثيراً في " سنن أبي داود " و " جامع الترمذي " وفي طريقة الترمذي في الحكم بحسن كثير من الأحاديث ما يساعد في معرفة ذلك.
-
المسألة العاشرة: أوصاف للحديث تفيد القبول، لكنها ربما اندرجت تحت (الصحيح) أو تحت (الحسن) ، وربما دلت على الضعف الصالح للاعتبار.
-
قولهم: (حديث ثابت " و (إسناد ثابت " ، تدل على القبول: وهو إما صحيح وإما حسن.
-
وقولهم: (حديث معروف) ويقابل عندهم (المنكر) ، وقد يعني كون الحديث صحيحاً أو حسناً أو في مرتبة ما يصلح للاعتبار، فلا يلزم منه القبول والاحتجاج .......
-
ويقولون: (حديث محفوظ) و (إسناد محفوظ) ويقابله (الشاذ) ، وهذا لا يعني صحة الحديث أو حسنه، إنما هو حكم للراجح، وقد يكون الراجح ضعيفاً لذاته، كأن يختلف في إسناد وصلاً وإرسالا، فتكون الرواية المرسلة في المحفوظة، والمرسل ضعيفاً.
- ج ١ ص ٩٠٢
ويقولون: (حديث صالح) ، و (إسناد صالح) ، وهذا قد يرادف الحسن، وقد يكون أدنى منه، فيكون المراد أنه صالح للاعتبار لا للاحتجاج.
-
ويقول بعضهم: (إسناده وسط) ، فهذا بمنزلة (صالح) ، إلا إن دلت قرينة على إرادة الحسن.
-
ويقول بعض المتأخرين في بعض الأسانيد: (هذا إسناد محتمل للتحسين) ، فهذا لا يعني ثبوت الرواية، بل هو بمنزلة القول: (هذا إسناد لين) أو (ليس بالقوي) ، أو (ليس بذلك) ، وهذه من أوصاف (الحديث الضعيف) .
-
[المسألة الحادية عشرة: استدلال العالم بحديث، هل يعني تصحيحه له؟]
-
يفرق بين العلماء في هذا من جهة المعرفة بصحيح الحديث وسقيمه:
فإذا رأيت الفقيه الذي لا خبرة له بذلك يستدل بحديث، فهذا لا يحتج باستدلاله بذلك الحديث على كونه صحيحاً عنده، ولا يقنع حسن الظن في الجملة لتمشية مثل ذلك، فالواقع شاهد أن هذا الصنف من العلماء استدلوا بكثير من الحديث المردود.
-
أما إذا كان الفقيه محدثاً عارفاً بالصحيح والسقيم، فاستعماله لحديث أو استدلاله به حكم منه بصحته أو حسنه، لكن بشرط أن يكون ذلك الحديث هو الدليل الواحد عنده لتلك المسألة؛ إذ لو ضم إليه سواه فربما كان ذكره له على سبيل الاستشهاد والاستئناس، لا الاحتجاج، فتأمل!