قرينة الكثرة هي أكثر القرائن تداولا، بالتصريح أو التلميح، والترجيح بها أمر بدهي، فالعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد كما قال الشافعي

١٦٠ فقرة، ج ١ ص ٤٩٨

الصفحة ٢ من ٤

  1. إذا اختلف الرواة في حديث على شيخ لهم فمن أهم قرائن الموازنة بين رواياتهم وأكثرها شيوعا في كلام النقاد على الأحاديث التي فيها اختلاف: درجات هؤلاء المختلفين في شيخهم، ورتبهم في روايتهم عنه بصفة عامة.

    ج ١ ص ٥١٢
  2. والرواة -كما يتفاوتون في حفظهم وتثبتهم بإجمال، وتمت الاستفادة من هذه الناحية في القرينة التي قبل هذه- يتفاوتون كذلك بالنسبة لكل شيخ شيخ، ولا تلازم بين درجة الراوي بصفة مجملة، وبين درجته ورتبته في كل شيخ له، فرب راو هو في مجمل درجته ثقة، وهو في شيخ له في أعلى درجات الثقة والتثبت، وهو أيضا في شيخ له دون الثقة، بل قد يكون ضعيفا، وقد يكون الراوي ضعيفا في جملته، وهو في بعض شيوخه فوق ذلك، وفي بعضهم أشد ضعفا، وقد تقدم الكلام في هذه القضية في «الجرح والتعديل» (٢) .

    1. (٢)«الجرح والتعديل» ص ١٠٠ - ١١٢، ١٧٤ - ١٧٥.
  3. وتعليل تفاوت أصحاب الرواة في مراتبهم ظاهر، فبالإضافة إلى استعدادهم الفطري، وما منحه الله لكل منهم من قوة حافظة، أو ضعفها، وما هم عليه من التزام بأصول الرواية أو عدمه، هناك أحوال تحيط بسماعهم وأخذهم من شيوخهم، لها أثر كبير في تصنيفهم ورتبهم في الشيخ، فالراوي قد يلازم شيخه فترة طويلة، لكونه من أهل بلده، وأدرك من حياته مدة منحته طول الملازمة، وقد يزيد على ذلك، بأن يلازم شيخه في حضره وسفره.

    ج ١ ص ٥١٣
  4. وعكس ذلك أن تقل مدة مصاحبته لشيخه، كأن يدرك من حياته جزءا يسيرا، أو لا يكون من أهل بلده، فيلقاه عرضا، وربما صاحب ذلك انشغال الشيخ، أو مرضه، أو كونه عسرا في الرواية، ونحو ذلك.

  5. وبعض الرواة لم يلق من روى عنه إلا في حال كبره، أعني التلميذ، والحافظة في حال الكبر دونها في حال الصغر.

  6. وفي هذا المعنى كلام الجوزجاني في أصحاب الزهري، موضحا درجاتهم فيه، وأسباب ذلك، قال ابن رجب: «وسئل الجوزجاني: من أثبت في الزهري؟ قال: مالك من أثبت الناس فيه، وكذلك أبو أويس، وكان سماعهما من الزهري قريبا من السواء إذ كانا يختلفان إليه جميعا، ومعمر، إلا أنه يهم في أحاديث، ويختلف الثقات من أصحاب الزهري، فإذا صحت الرواية عن الزبيدي فهو من أثبت الناس فيه، وكذلك شعيب، وعقيل، ويونس بعدهم، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، والليث بن سعد، فأما الأوزاعي فربما يهم عن الزهري، وسفيان بن

    ج ١ ص ٥١٤عيينة كان غلاما صغيرا حين قدم عليهم الزهري، وإنما أقام يعني الزهري تلك الأيام مع بعض ملوك بني أمية بمكة أياما يسيرة، وفي حديثه يعني ابن عيينة عن الزهري اضطراب شديد. وسفيان بن حسين، وصالح بن أبي الأخضر، وسليمان بن كثير، متقاربون في الزهري -يعني في الضعف-، فأما ابن أبي ذئب فقد كان له معه صحبة إلا أنه يحكى عنه أنه لم يسمع من الزهري، ولكن عرض عليه، والزبيدي وشعيب لزماه لزوما طويلا، إذ كانا معه في الشام في قديم الدهر، وعقيل قد سأله عن مسائل كثيرة، تدل على خبر به، وكذا أبو أويس لزمه سنة وسنتين، فما وجدت من حديث يحكى عن الزهري ليس له أصل عند هؤلاء فتأن في أمره. وابن إسحاق روى عن الزهري إلا أنه يمضغ حديث الزهري بمنطقه حتى يعرف من رسخ في علمه أنه خلاف رواية أصحابه عنه، وإبراهيم بن سعد صحيح الرواية من الزهري.

  7. وذكر قوما رووا عن الزهري قليلا أشياء يقع في قلب المتوسع في حديث الزهري أنها غير محفوظة، منهم برد بن سنان، وروح بن جناح، وغيرهما» (١) .

    1. (١)«شرح علل الترمذي» ٢: ٦٧٤.
  8. ونحو هذا لأبي بكر الحازمي في معرض كلامه على شرط البخاري ومسلم في انتقاء الرواة، موضحا الارتباط بين حال الراوي في نفسه، وحاله في شيخه، مشيرا إلى أسباب تفاوت مراتب أصحاب الرواة (٢) .

    1. (٢)«شروط الأئمة الخمسة» ص ٥٦ - ٦١.
  9. وسأذكر الآن نماذج من تطبيقات النقاد لهذه القرينة، واستخدامهم لها، ثم

    ج ١ ص ٥١٥أعقب هذه الأمثلة ببعض التنبيهات.

    فمن ذلك أن حماد بن زيد روى عن علي بن زيد، عن الحسن البصري، عن الضحاك بن سفيان الكلابي: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: يا ضحاك، ما طعامك؟ ... » الحديث (١) .

    سئل ابن معين عن هذه الرواية، وعن رواية حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للضحاك ... » -هكذا مرسلا-، فقال: «حماد بن سلمة أعرف بعلي بن زيد، من حماد بن زيد» (٢) .

    وروى أبان بن يزيد العطار، عن قتادة، عن أبي سعيد -من أزد شنوءة- عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أوصاني خليلي - صلى الله عليه وسلم - بثلاث ... » (٣) .

    1. (١)«مسند أحمد» ٣: ٤٥٢، و «المعجم الكبير» حديث (٨١٣٨).
    2. (٢)«سؤالات ابن الجنيد» ص ٤٧٩.
    3. (٣)«سنن أبي داود» حديث (١٤٣٢).
  10. ورواه سعيد بن أبي عروبة، ومعمر، عن قتادة، عن الحسن بن أبي الحسن البصري، عن أبي هريرة (٤) .

    1. (٤)«مسند أحمد» ٢: ٢٧١، ٤٨٩.
  11. سأل ابن أبي حاتم أباه وأبا زرعة عن هذا الاختلاف، فقالا جميعا: «سعيد أحفظهم» (٥) .

    1. (٥)«علل ابن أبي حاتم» ١: ١٠٩، ٢٣٦.
  12. وروى شعبة عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «تسموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي» (١) .

    1. (١)«صحيح البخاري» حديث (٣١١٤)، و «صحيح مسلم» حديث (٢١٣٣)، و «مسند أحمد» ٣: ٢٩٨.
    ج ١ ص ٥١٦
  13. ورواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سليمان اليشكري، عن جابر (٢) ، سئل أبو حاتم عنهما, فقال: «سعيد بن أبي عروبة لحديث قتادة أحفظ» (٣) .

    وروى عبدالحميد بن جعفر، عن سعيد المقبري، عن عطاء مولى أبي أحمد، عن أبي هريرة قال: «بعث رسول الله بعثا، ثم استقرأهم ... » الحديث (٤) .

    1. (٢)«طبقات ابن سعد» ١: ١٠٧.
    2. (٣)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٥٣.
    3. (٤)«سنن الترمذي» حديث (٢٨٧٦)، و «سنن النسائي الكبرى» حديث (٨٧٤٩)، و «سنن ابن ماجه» حديث (٢١٧)، و «صحيح ابن خزيمة» حديث (١٥٠٩)، و «صحيح ابن حبان» حديث (٢١٢٦)، (٢٥٧٨).
  14. ورواه عمر بن طلحة بن عمرو بن علقمة -ابن أخي محمد بن عمرو بن علقمة- عن المقبري، عن أبي هريرة، فأسقط عطاء مولى أبي أحمد.

  15. ورواه الليث بن سعد، عن المقبري، عن عطاء مولى أبي أحمد مرسلا، لم يذكر أبا هريرة (٥) .

    1. (٥)«سنن الترمذي» حديث (٢٨٧٦).
  16. قال الدارقطني وقد سئل عن هذا الحديث فذكر الاختلاف فيه، ثم قال: «وقول الليث أشبه بالصواب» ، ثم أسند إلى ابن معين قوله: «أثبت الناس في

    ج ١ ص ٥١٧سعيد: الليث بن سعد» (١) .

    1. (١)«علل الدارقطني» ١٠: ٣٦٤، وانظر: ٦: ١٤٠، ٨: ١٥٢، ١٠: ٣٧٨.
  17. وهذه القرينة من أهم قرائن الموازنة بين الرواة عند الاختلاف, استخدمها النقاد بكثرة بالغة, غير أن هناك أمورا يحسن التنبيه عليها، وهي:

    الأول: درجة الرواة في شيوخهم من القضايا بالغة الأهمية بالنسبة للمتصدي لدراسة المرويات ونقدها، وهي جزء مهم من جرح الرواة وتعديلهم، فكما يعطى الراوي درجة في مجمل حاله، يعطى أيضا درجة في كل شيخ له على وجه الدقة، ما أمكن ذلك، والغرض الأساس من ذلك هو تسخير هذه الأحكام على الرواة في شيوخهم للحكم على مروياتهم عنهم، وهذا ما استخدمه النقاد بكثرة بالغة جدا.

  18. وفي المتصدين للتصحيح والتضعيف ونقد المرويات من أغفل هذا الجانب، فالتركيز لديه على مرتبة الراوي المجملة، حيث يأخذها من المختصرات، ثم يصدر أحكامه على الأسانيد، وقد تقدم بيان خطر ذلك، وأثره على ضعف النقد، والجرأة الكبيرة التي وقعت في تصحيح عدد كبير من الأسانيد التي لا تصح (٢) .

    1. (٢)«الاتصال والانقطاع» ص ٤٤٩ - ٤٤٦.
  19. وتقدم كذلك هنا في الباب الثاني المتعلق بالتفرد، في الفصل الثاني منه، وهو الفصل الخاص بضوابط النظر في التفرد، فمنزلة الراوي في شيخه في غاية الأهمية بالنسبة للنظر في تفرده.

  20. وتبين آنفا الأهمية القصوى لمعرفة مراتب أصحاب الرواة في شيوخهم، فهي تبرز حين يختلفون على شيخهم في حديث معين، فالناقد يلجأ كثيرا إلى هذه المراتب لمعرفة الراجح عن هذا الشيخ.

    ج ١ ص ٥١٨
  21. وإذا أدركنا أن مراتب الرواة في شيوخهم جزء أساس من جرح الرواة وتعديلهم، فينبغي أن نستحضر هنا ما تقدم التنبيه عليه مرارا، ووعدت بالتركيز به في كل مناسبة له صلة بها، وهو أن جرح الرواة وتعديلهم هو فرع عن النظر في أحاديثهم، وعليه فالناقد الذي حكم على هذا الراوي بأنه في المرتبة المعينة في شيخه، إنما فعل ذلك بوسائل من أهمها النظر في أحاديثه عن شيخه، مقارنا لها بأحاديث رواة آخرين عن ذلك الشيخ، فتوصل بهذا إلى درجة الراوي في شيخه، فالأحكام على الأحاديث متقدمة على الأحكام على الرواة.

  22. هكذا تبدو الصورة بالنسبة لنقد المرويات في ذلك العصر، وبها ندرك حجم الجهد الذي بذله أولئك النقاد، وأما من جاء بعدهم فإن معرفة درجات الرواة في شيوخهم يبدو سهلا بالنسبة له، ويبقى عليه حسن تطبيق هذه الدرجات حين نظره في الأسانيد، لا سيما حين يختلف الرواة على شيخهم، وهذه السهولة أتت من كون كلام أئمة النقد قد نقل إلينا الكثير منه, فزخرت كتب السؤالات، والتواريخ، والعلل بكلام النقاد، كأحمد، وابن المديني، وابن معين، وأبي حاتم، وأبي زرعة، وغيرهم، تارة عن طريق السؤال المباشر عن أصحاب الراوي ومراتبهم، أو عن بعضهم، وتارة عن طريق كلام الناقد في حديث معين وقع فيه اختلاف، فيذكر الراجح وسبب والترجيح، مبينا هنا

    ج ١ ص ٥١٩مراتب من وقع الاختلاف بينهم، بل إن بعض أئمة النقد خصص مؤلفا لهذا الغرض، وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من مؤلفاتهم (١) .

    1. (١)«الجرح والتعديل» ص ١٧٤ - ١٧٥.
  23. وأشير هنا إلى وجود دراسات معاصرة لأصحاب بعض الرواة المعروفين بكثرة الأصحاب (٢) ، ونأمل أن تتواصل الجهود في هذا السبيل.

    1. (٢)هناك عدد من الرسائل الجامعية، منها: «طبقات الرواة عن الزهري ممن له رواية في الكتب الستة»، لفاروق البحريني، في الجامعة الإسلامية بالمدينة، و «طبقات الرواة عن هشام بن عروة في الكتب الستة» لعبدالله الشهري، في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، و «طبقات الرواة عن ثابت البناني» لسميحة بشاوري، في جامعة أم القرى بمكة المكرمة، كما نشر الباحث محمد التركي كتابين بعنوان: «معرفة أصحاب شعبة»، و «معرفة أصحاب الأعمش»، أجاد فيهما وأفاد، ومنه استفدت التنويه بهذه الرسائل.
  24. وقد يقول قائل: ذكرت الآن أن بعض كلام النقاد يوجد بإثر نقدهم للأحاديث، وبيان الراجح عند الاختلاف، فهذا يدل على أن أحكامهم على الرواة ووضع مراتب لهم في شيوخهم سابق على نقدهم للأحاديث، فهذا يعارض ما ذكرته قبل.

  25. والجواب أن الناقد حين يسأل عن حديث، ليس معناه أن رأيه في هذا الحديث وليد الساعة، فهو يذكر ما ترجح لديه حين نظره في أحاديث الرواة، إذن هو يحكي شيئا سابقا، وذكره للقرينة هو ذكر لنتيجة أخرى أيضا.

  26. ومن جهة ثانية، فإن هذه النتيجة بالنسبة لمراتب الرواة قد يكون توصل

    ج ١ ص ٥٢٠إليها الناقد بالنظر في قدر كاف من الأحاديث للاستقراء، فإذا جاءت أحاديث لم ينظر فيها بخصوصها طبق عليها تلك النتيجة، وهذا لا يعارض القول بأن دراسة الأحاديث والنظر فيها سابق للأحكام على الرواة.

  27. وههنا أمر آخر، وهو ما سبق ذكره من كون الناقد ربما اعتمد في الجرح والتعديل على آراء نقاد سابقين له، من شيوخه أو من قبلهم أيضا، خاصة في الأمر المشتهر، أو في قضايا لا تتوافر للناقد وسائل الحسم فيها، كما تقدم شرحه (١) ، فيعود الأمر إذن إلى أن الحكم في مراتب الرواة عند الناقد الأول بناه على النظر في أحاديثهم، وهذا هو المقصود.

    1. (١)«الجرح والتعديل» ص ٢١٧ - ٢١٨.
  28. والغرض من كل ما تقدم التأكيد على أن المتصدي لنقد المرويات ينبغي عليه أن يكثر من مطالعة أقوال النقاد في مراتب أصحاب الرواة، مستحضرا عند نقده لحديث معين ما جمعه وطالعه من أقوال النقاد.

  29. ومما يعين الباحث بالإضافة إلى كثرة مطالعته لأقوال النقاد في أصحاب الرواة: إكثاره من مطالعة سلاسل الأسانيد التي رويت بواسطتها أحاديث كثيرة، وهي أسانيد محدودة، بحكم أن الإكثار من الرواية تحملا وأداء يحتاج إلى ظروف معينة، مثل طول الملازمة، وقوة الحفظ، والتعمير، والتصدي للرواية، والصبر على الطلبة، وغير ذلك.

  30. ولإدراك أن هذه الأسانيد محدودة يكفي معرفة أن ثلثي السنة المطهرة نقلها

    ج ١ ص ٥٢١سبعة عشر صحابيا، وذلك بحسب الأسانيد الموجودة في «مسند بقي بن مخلد القرطبي» ، وهو أحد المسانيد الكبيرة، بحيث يقارن بمسند أحمد (١) .

    1. (١)مقدمة أكرم العمري لرسالة: «عدد ما لكل واحد من الصحابة من الحديث في مسند بقي» لابن حزم ص ٢٣.
  31. وكل واحد من هؤلاء الصحابة لا بد أن يكون له أصحاب كثيرون نقلوا عنه ما يرويه، ولا بد أيضا أن يكون المكثرون منهم عددهم محدود، فإن الظروف اللازمة للإكثار ينحصر توافرها في العادة في عدد قليل، فعائشة -مثلا- أكثر عنها جماعة، منهم عمرة بنت عبدالرحمن، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبدالرحمن.

  32. وكل واحد من هؤلاء له أصحاب بعضهم مكثرون عنه أيضا، وهكذا.

  33. وقد اعتنى الأئمة ورواة الحديث بالمكثرين، وشاع مصطلح (ممن يجمع حديثه) ، في التعريف بالراوي، يعني أنه ممن يتصدى إمام لجمع حديثه، والاعتناء به (٢) .

    1. (٢)ينظر «علل ابن المديني» ص ٣٦ - ٤٠، و «المحدث الفاصل» ص ٦١٤ - ٦١٨، و «معرفة علوم الحديث» ص ٢٤٠ - ٢٤٩، و «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٢٩٣ - ٢٩٤، ٢٩٧ - ٢٩٨.
  34. ومع اتساع الفتوح، وانتشار رقعة الإسلام، صار هناك نوع من الإكثار يختص بالأمصار الإسلامية، كما قال ابن المديني.

  35. والمقصود هنا أن الإكثار من الرواية وسعتها، وكثرة الأصحاب، مظنة وقوع الاختلاف بينهم في بعض ما يروونه عن شيخهم، وينتج عن هذا أن أكثر

    ج ١ ص ٥٢٢الأحاديث التي وقع الاختلاف فيها هي من رواية هؤلاء، فمطالعة هذه السلاسل إذن ترسخها في ذهن الباحث، وتعينه على فهم كلام النقاد في الموازنة بين الأصحاب.

  36. وقد اعتنى الأئمة أيضا بجمع الأحاديث التي رويت بهذه السلاسل، ويطلقون عليها: (ترجمة) ، فيقولون: ترجمة مالك، عن نافع، عن ابن عمر، وترجمة عبيدالله بن عمر، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، وقد سرد الخطيب نماذج لهذه التراجم (١) .

    1. (١)«الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٢٩٩.
  37. وبعض مسانيد الأئمة ترتب أحاديث كل صحابي على أساس هذه التراجم، مثل «مسند الطيالسي» ، و «مسند البزار» ، و «المعجم الكبير» .

  38. ومما يعين في هذا الجانب أيضا كتب الأطراف، خاصة كتاب المزي: «تحفة الأشراف» ، فهو يمتاز بكثرة التفريع في الطبقات المتأخرة، فنقف على المكثرين في تلك الطبقات، فلو أخذنا أحاديث عبدالله بن عمر رضي الله عنه، لوجدنا المزي قسمها على أصحاب ابن عمر، فنعرف المكثرين منهم، ثم نأخذ واحدا منهم وهو نافع مولاه فنجد المزي قسمها أيضا على أصحاب نافع، فنعرف المكثرين من أصحابه، ثم نأخذ واحدا منهم وهو عبيدالله بن عمر فنجد المزي قسمها أيضا على أصحابه، فنعرف المكثرين منهم، وهكذا.

  39. وفوق ما تقدم أن المزي -وهذا من فوائد كتابه الجمة- لم يخل الكتاب من

    ج ١ ص ٥٢٣إشارات إلى الاختلافات بين الرواة، فيقول عن الحديث مثلا: رواه فلان فجعله كذا وكذا، وقد تقدم هذا، أو سيأتي، وربما أحضر اختلافا من خارج الكتب التي اشتمل عليها كتابه، وهي الكتب الستة.

  40. وكثير من الباحثين يعرف «تحفة الأشراف» على أنه كتاب فهرسة، ودلالة على مواضع الحديث في الكتب الستة، والحقيقة أنه كتاب صنعة حديثية، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، خاصة إذا ضممنا إليه تعليقات الأئمة الذين طالعوه، ولخصها ابن حجر في كتابه: «النكت الظراف» ، وقد طبع مع «التحفة» ، ولهذا السبب فإني أرى أن الكتاب بحاجة إلى من يخصه بدراسة مستقلة، تبرز أهميته، وتظهر أثره في توسيع مدراك المتخصص في السنة النبوية، وعلى الخصوص في جانب اختلاف الرواة، الذي هو أساس علم (العلل) .