ثالثا: تصرفات النقاد في مصنفاتهم

١١٢ فقرة، ج ٢ ص ٤٧٥

الصفحة ٢ من ٣

  1. فهذا السياق لطرق الحديث يظهر بوضوح أن ذكر مسلم لرواية أبي خالد الأحمر بغرض تعليلها ونقدها، فجعلها بين روايتين متفقتين، ويساعد على ذلك حال أبي خالد الأحمر، فإنه صدوق يخطئ، وعلى هذا فمن قال بأن السنة أن يبادل بين هاتين الآيتين، اعتمادا على تخريج مسلم لهما. فقوله مرجوح.

    ج ٢ ص ٤٨٦
  2. ومن دقيق ما صنع مسلم به ذلك من الأحاديث، ما أخرجه من طريق قرة

    ج ٢ ص ٤٨٧بن خالد، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الصلاة في سفرة سافرها، في غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء» ، قال سعيد: «فقلت لابن عباس: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته» (١) .

    1. (١)«صحيح مسلم» حديث (٧٠٥ - ٧٠٦).
  3. وسياق مسلم لما قبل هذا الطريق وما بعده يدل على أن مسلما أراد بيان خطأ هذا الحديث بهذا الإسناد، وأن أبا الزبير إنما يروي حديث جمعه - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل، وأما حديث أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فهو في قصة أخرى، في جمعه - صلى الله عليه وسلم - بين الصلاتين بالمدينة، وفيه سؤال سعيد لابن عباس عن سبب ذلك، وقد أبدع مسلم جدا في بيان غلط رواية قرة بن خالد، ولولا خشية الإطالة لشرحت ذلك.

  4. وأخرج مسلم من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، عن جبلة بن سحيم، عن ابن عمر مرفوعا حديث النهي عن القران في أكل التمر، وفي آخره: «إلا أن يستأذن الرجل صاحبه» ، ثم قال شعبة: «لا أرى هذه الكلمة إلا من كلمة ابن عمر -يعني الاستئذان-» .

  5. ثم ساقه من طريق معاذ بن معاذ، وعبدالرحمن بن مهدي، عن شعبة، وليس في روايتهما كلام شعبة.

  6. ثم ساقه من طريق سفيان الثوري، عن جبلة بن سحيم، عن ابن عمر

    ج ٢ ص ٤٨٨مرفوعا كله (١) .

    1. (١)«صحيح مسلم» حديث (٢٠٤٥).
  7. فالذي يظهر من عرضه لطرق هذا الحديث ترجيح رفع الحديث كله، فإن شعبة غير جازم بوقف الاستثناء، ولهذا جاء عنه رفع الحديث كله جزما، وسفيان الثوري -وهو من هو في الحفظ- رفعه كله أيضا (٢) .

    1. (٢)وانظر أمثلة أخرى في «صحيح البخاري» حديث (١٥٢٣)، (١٨٣٨)، (٢٥٨١)، (٦٤٠٤)، (٦٧٩٣)، (٦٨٢٠)، و «صحيح مسلم» حديث (١٦)، (٣٣٠)، (١٤٠٦)، (١٥٠١ - ١٥٠٢)، (١٥٠١ - ١٥٠٢ م بعد حديث ١٦٦٧)، (١٦٧٩)، (٢٠٦٨)، (٢٥٤٨)، (٢٧٤٠)، (٢٩٧٨).
  8. وقضية نقد الشيخين لبعض ما يخرجانه له صلة أيضا بالرواة الذين يخرجان لهم، فليسوا كلهم سواء، كما تقدم بيان ذلك بالتفصيل في «الجرح والتعديل» (٣) ، وفاتني هناك أن أنبه إلى أن بعض من يخرج له البخاري أو مسلم إنما أخرجا له بغرض نقد روايته، فلا يصح الإطلاق بأنه أخرج له، كما في أزهر بن جميل المتقدم آنفا، بالنسبة للبخاري، فلم يخرج له البخاري إلا في هذا الموضع الذي نقده فيه (٤) .

    1. (٣)«الجرح والتعديل» ص ٢٨٤ - ٢٨٧.
    2. (٤)«التعديل والتجريح» للباجي ١: ٣٩٧، و «فتح الباري» لابن حجر ٩: ٣٩٨، وذكر مغلطاي في «الإكمال» ٢: ٤٤، عن كتاب «الزهرة» أن البخاري روى عنه ثلاثة أحاديث، ولم أقف عليه إلا في هذا الموضع.
  9. وأختم هذا المبحث بما بدأت به، وهو ضرورة اعتناء الباحث بمصطلحات النقاد في الترجيح والاختيار، والتدقيق في إشاراتهم، وتصرفاتهم، لمعرفة اختيار

    ج ٢ ص ٤٨٩الناقد ورأيه، أو لمعرفة أنه لا رأي له في الاختلاف.

  10. والباحث مع تدقيقه عرضة لأن يقع في الخطأ في فهم مراد الناقد، إذا استخدم الناقد الإشارة، أو التصرف، ولم يصرح برأيه.

  11. وليس معنى ذلك أن الخطأ لا يقع من الباحثين مع التصريح بالرأي من الناقد، بل هو موجود، وهو يدل على وجود احتمال قوي أن يخطئ الباحث مع عدم التصريح، فيلزمه التأني، وتقليب النظر.

  12. سئل أحد النقاد عن حديث محمد بن دينار، عن يونس بن عبيد، عن زياد بن جبير، عن ابن عمر مرفوعا: «نهى عن بيع الحيوان نسيئة» (١) ، فقال: «ليس فيه ابن عمر، هو عن زياد بن جبير موقوف» .

    1. (١)أخرجه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤: ٦٠.
  13. فعلق عليه أحد الباحثين بقوله: «أي لم يثبت المرفوع عن ابن عمر، بل المحفوظ هو الموقوف عليه من طريق زياد المذكور» .

  14. كذا قال الباحث، ولم يذكر دليلا على فهمه هذا، وعبارة الناقد صريحة في أنه موقوف على زياد بن جبير، وليس على ابن عمر.

    ومر أحد الباحثين في أحد كتب النقاد بهذا النص: «قالوا لسفيان: إن منكدرا يقول: عن أبيه، عن جابر، قال: فأنا من أين أقع على: سعيد بن عبدالرحمن بن يربوع، عن جبير بن الحويرث: «رأيت أبا بكر واقفا على قزح» ... »؟ .

  15. ومراد سفيان، أن منكدرا سلك الطريق السهل عليه، فرواه عن أبيه،

    ج ٢ ص ٤٩٠عن جابر، وأخطأ في روايته، وعلل سفيان ذلك بأن الإسناد الذي أتى به هو وعر جدا، يدل على أنه قد حفظه، وقد تقدم شرح هذا في المبحث الثالث من الفصل الثاني.

    قال الباحث معلقا عليه: «لعل سفيان يريد بكلامه هذا الإشارة إلى أن منكدرا لم يسمع من أبيه، كما أن سعيد بن عبدالرحمن لم يسمع من جبير، ولكن في تاريخ الفسوي ٢: ٧٠٢، قال سفيان: لما قدم منكدر بن محمد بن المنكدر، قلت: لأنظرن حفظه فأتيته فقلت: كيف تحفظ حديث أبيك: «قال: رأيت أبا بكر واقفا على قزح» ؟ قال: حدثني أبي، عن جابر، فقلت: هذا كان أهون عليه».

  16. هكذا صنع الباحث، نسب إلى سفيان بن عيينة شيئا لم يرده، وزاد على ذلك بأن اعترض بأن منكدرا صرح بالسماع من أبيه، والناقل لهذا التصريح هو سفيان نفسه.

  17. وروى جماعة من أصحاب أبي إسحاق عنه، عن عبدالله بن معقل، عن عدي بن حاتم مرفوعا: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» ، وفي بعض طرقه عن أبي إسحاق: سمعت عبدالله بن معقل، قال: سمعت عدي بن حاتم (١) .

    قال يحيى القطان: «كان يونس -يعني ابن أبي إسحاق- يقول: أبو إسحاق سمعت عدي ... » .

    1. (١)«صحيح البخاري» حديث (١٤١٧)، و «صحيح مسلم» حديث (١٠١٦)، و «مسند أحمد» ٤: ٢٥٦، ٣٧٧.
  18. ونقل عن يحيى أحد النقاد في مصنف له، فعلق عليه أحد الباحثين بعد أن خرجه من طرق أخرى بقوله: «هذا الطريق لم أجده، ولعل المصنف يريد بيان أن أبا إسحاق يصرح بالتحديث فيه عن عبدالله بن معقل، ومن الممكن أنه يريد أن أبا إسحاق سمعه عن عدي بدون واسطة» .

    ج ٢ ص ٤٩١
  19. ولم يرد المصنف ما ذكره الباحث، وغرض يحيى بيان خطأ يونس بن أبي إسحاق على أبيه، بروايته للحديث عن أبيه، عن عدي، مع تصريحه بالتحديث عنه، وهو إنما يروي الحديث عنه بواسطة عبدالله بن معقل، والنص له تكملة توضح هذا (١) ، ويظهر أنها سقطت من النسخة التي يعلق عليها الباحث، لكن النص بدونها ظاهر المعنى، يفهم من النظر في طرق الحديث، ومن ترجمة يونس.

    1. (١)«الضعفاء الكبير» ٤: ٤٥٧، وانظر: «الجعديات» ١: ١٥٧ - ١٥٨ الأرقام (٤٥٦ - ٤٦١)، و «الكامل» ٧: ٢٦٣٥.
  20. وذكر أحد الباحثين ما رواه سعيد بن عامر، عن همام، عن قتادة، عن أنس: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سن فيما سقت السماء، وسقي السيح، وسقي العيون: العشر ... » الحديث، وقول البخاري: «هو عندي مرسل: قتادة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وسعيد بن عامر كثير الغلط» .

  21. ثم نقل عن أبي حاتم أنه خطأ الموصول، ورجح المرسل كذلك.

  22. وبالنظر في كلام أبي حاتم يتضح أن المرسل الذي رجحه ليس هو من مرسل قتادة، ولفظه: «هذا خطأ، إنما هو: همام، عن قتادة، عن أبي الخليل:

    ج ٢ ص ٤٩٢«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ... » مرسلا» (١) .

    1. (١)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢١٥.
  23. وتعرضت إحدى الباحثات للحديث الماضي في «الاتصال والانقطاع» (٢) ، وهو حديث أنس في قصة صلاته - صلى الله عليه وسلم - في مرضه خلف أبي بكر، وذكرت الباحثة الاختلاف فيه على حميد الطويل، فجمهور أصحابه يرويه عنه، عن أنس، ورواه يحيى بن أيوب، عنه، عن ثابت البناني، عن أنس، ثم قالت الباحثة: «فيحيى بن أيوب خالف أصحاب حميد الثقات، حيث زاد رجلا، وهو ثابت، وهذه الزيادة خطأ ممن زادها، بسبب المخالفة، ولأنه ثبت سماع حميد من أنس لهذا الحديث بدون واسطة، ويقول الترمذي: ومن لم يذكر فيه: عن ثابت، فهو أصح ... ، يقول ابن أبي حاتم (يعني نقلا عن والده) : يحيى قد زاد رجلا، ولم يقل أحد من هؤلاء عن حميد: سمعت أنسا، ولا حدثني أنس، وهذا أشبه، قد زاد رجلا.

    1. (٢)«الاتصال والانقطاع» ص ٢٨٧، ٣٥١.
  24. فهنا قوله: هذا أشبه، يدل على أن رواية الجمهور هي الأولى، وأن رواية يحيى الذي خالف ليست صحيحة، وقد وافقه الترمذي في ذلك، ويحيى بن أيوب لم يجمع على توثيقه، ويخطئ، فلعل هذا الحديث من أخطائه».

  25. هذا كلام الباحثة، وعليها فيه مناقشات، فيحيى بن أيوب لم ينفرد بذكر ثابت في الإسناد، كما شرحته هناك، ولكن ما أريده هنا هو ما ذكرته الباحثة عن الترمذي، وعن أبي حاتم، فكلام الترمذي نقلته الباحثة مقلوبا، فهو يرجح وجود

    ج ٢ ص ٤٩٣ثابت في الإسناد، وصواب عبارته: «ومن ذكر فيه عن ثابت فهو أصح» (١) .

    1. (١)«سنن الترمذي» حديث (٣٦٣)، وكذلك هو في «سنن الترمذي» ص ٩٨، من طبعة دار السلام التي تعزو إليها الباحثة.
  26. ثم لما قلبت الباحثة عبارة الترمذي، لم تتمعن جيدا في نص أبي حاتم، فسارعت إلى تنزيله على كلام الترمذي الذي نقلته مقلوبا، ولو تمعنت في كلام أبي حاتم لظهر لها أنه يرجح زيادة ثابت في الإسناد، واستدل على ذلك بأن المخالفين له لم يذكروا تصريح حميد بالتحديث، وهو زاد عليهم ذكر ثابت، فالراجح إذن زيادته في الإسناد، وليس معنى ذلك تخطئة الجماعة الذين لم يذكروه، فإن هذا من المدار وهو حميد، فقد وصفه جماعة بالتدليس عن أنس، منهم أبو حاتم، وأبو زرعة (٢) .

    1. (٢)ينظر: «علل ابن أبي حاتم» (٢٠٧١).
  27. وذكر أحد الباحثين الاختلاف على يونس بن يزيد في حديث أبي هريرة الماضي ذكره في المبحث الثالث من الفصل الرابع، من هذا الباب، ولفظ الحديث: «يوشك أن يكون أقصى مسالح المسلمين» ، وقد اختلف فيه على يونس بن يزيد في إسناد الحديث، وفي رفعه ووقفه.

    وساق الباحث كلمة أبي حاتم في ترجيح أن يكون الاضطراب من يونس بن يزيد، فإحدى روايتيه كانت بمكة أو المدينة، ولم تكن معه كتبه ... الخ.

  28. ثم نقل الباحث عن الدارقطني قوله: «يرويه الزهري، واختلف عنه، فرواه سعيد بن يحيى -المعروف بسعدان- اللخمي، عن يونس، عن الزهري، عن

    ج ٢ ص ٤٩٤قبيصة، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ووهم فيه، وخالفه القاسم بن مبرور، فرواه عن يونس، عن الزهري، عن سالم بن عبدالله، عن أبي هريرة، موقوفا، وقال فيه: قال الزهري، حدثني سعيد بن خالد، عن قبيصة بن ذؤيب، عن أبي هريرة موقوفا أيضا، وهو الصواب» (١) .

    1. (١)«علل الدارقطني» ١١: ١٤٥.
  29. فذكر الباحث أن الضمير في قول الدارقطني: ووهم فيه، يعود إلى يونس بن يزيد، بدلالة كلام أبي حاتم.

  30. والمتأمل في كلام الدارقطني يراه صريحا في تحميل عهدة الخطأ سعدان بن يحيى، وأنه هو الذي يهم فيه، والصواب رواية القاسم بن مبرور، والباحث قد يلجأ إلى كلام ناقد لتفسير كلام ناقد آخر، لكن هذا حيث يكون بحاجة إلى تفسير، أما في هذا النص فالأمر ظاهر، واتفاق الناقدين على خطأ الإسناد، لا يلزم منه اتفاقهما على مصدر الخطأ فيه.

    وسئل أحد النقاد عن عامر الأحول، فقال: « ... روى حديث عثمان فقال: عن أبي هريرة، -في الوضوء- وإنما هو حديث عطاء، عن عثمان» .

  31. فقام أحد الباحثين بتخريج حديث عطاء، عن أبي هريرة من «الضعفاء الكبير» (٢) ، وحديث عطاء، عن عثمان من «سنن ابن ماجه» (٣) ، وذكر أن عطاء

    ج ٢ ص ٤٩٥لم يسمع من عثمان (١) ، ثم قال: «لكن الحديث معروف من رواية حمران بن أبان، عن عثمان، في صفة الوضوء، أخرجه الشيخان وغيرهما، وقد رواه عطاء بن يزيد الليثي، عن حمران، عن عثمان، فلعل المصنف يعني هذا، ولكنه لا يرويه عن عثمان مباشرة، والله أعلم» .

    1. (٢)«الضعفاء الكبير» ٣: ٣١٠، وهو في «مسند أحمد» ٢: ٣٤٨.
    2. (٣)«سنن ابن ماجه» حديث (٤٣٥)، وهو في «مسند أحمد» ١: ٦٦، ٧٢، ٢: ٣٤٨، وانظر: «علل ابن أبي حاتم» ١: ٦٣، و «علل الدارقطني» ٣: ٢٨.
    3. (١)نقل الباحث هذا عن المزي في «تحفة الأشراف» ٧: ٢٦٤، وهو ظاهر من ولادته، وصرح بعدم سماعه أبو حاتم، وأبو زرعة، كما في «المراسيل» ص ١٥٥، ١٥٦، وحديثه هذا رواه عبدالرزاق حديث (١٢٤)، عن ابن جريج، عن عطاء، أنه بلغه عن عثمان بن عفان.
  32. كذا قال الباحث، فأفسد بكلامه هذا تخريجه الصواب للحديث من العقيلي، وابن ماجه، وعطاء فيه هو عطاء بن أبي رباح، وأما الراوي عن حمران فهو عطاء بن يزيد الليثي، كما ذكر الباحث، فقول الباحث: «فلعل المصنف يعني هذا» لا معنى له، وإنما المقصود حديث عطاء بن أبي رباح، فهو شيخ عامر الأحول.

  33. وذكر أحد الباحثين ما تقدم في المبحث الرابع من الفصل الرابع من الباب الأول، وهو ما رواه جرير بن حازم، عن ثابت، عن أنس مرفوعا: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني» ، مثالا على الترجيح بسلوك الراوي للجادة، وأن الصواب مع من تركها، ثم قال: «ضرب على هذا الحديث أبو الوليد الطيالسي، وأعله أحمد، والبخاري، والترمذي، وأبو داود، والدارقطني، بأن جريرا، وحجاجا الصواف، كانا عند ثابت البناني، فحدث به حجاج، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبدالله بن أبي قتادة، عن أبيه، فوهم جرير، فظن أن الحديث عن ثابت، عن أنس، وإنما روى ثابت، عن أنس قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أقيمت الصلاة يتكلم

    ج ٢ ص ٤٩٦مع الرجل حتى ينعس بعض القوم».

  34. وثابت، عن أنس جادة، حيث قال الإمام أحمد في رواية الميموني: «هؤلاء الشيوخ إنما يلحقون عن ثابت، عن أنس، إسنادا عرفوه» ، ».

  35. كذا صنع الباحث، لم يحكم هذا المثال جيدا، فليس فيه سلوك للجادة، بل ليس فيه اختلاف أصلا، وإنما فيه انتقال الراوي من إسناد إلى إسناد، والاختلاف لا بد له من مدار، ولا مدار هنا، والترجيح بسلوك الجادة -وهو الذي قصده الباحث وشرحه- لا بد فيه من مدار يختلف عليه، فيجعله بعض الرواة عنه عن شيخ له مشهور بالرواية عنه، كثابت، عن أنس، ويرويه بعضهم عنه فيخرج به عن هذه الجادة، كأن يجعله عن ثابت، عن أبي هريرة، أو ثابت عن الحسن مرسلا، ونحو ذلك، كما تقدم شرح ذلك في المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب.

  36. ومن أمثلته -وهو مثال أيضا على خطأ باحث في فهم كلام ناقد، واعتراضه عليه- أن مسلما أخرج من طريق شيبان بن فروخ، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من طلب الشهادة صادقا أعطيها وإن لم تصبه» (١) .

    قال أبو الفضل بن عمار الشهيد: «وافقه على هذه الرواية المؤمل بن إسماعيل، وهذا حديث وهم فيه شيبان، والمؤمل جميعا.

    1. (١)«صحيح مسلم» حديث (١٩٠٨).
  37. فأما المؤمل فكان قد دفن كتبه، وكان يحدث حفظا فيخطئ الكثير، والصحيح ما رواه الحجاج بن المنهال، وموسى بن إسماعيل، والعيشي، عن حماد، عن أبان بن أبي عياش، عن أنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعن حماد، عن ثابت، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا، مثله.

    ج ٢ ص ٤٩٧
  38. والصحيح من حديث ثابت مرسل، وحديث أبان مسند» (١) .

    1. (١)«علل الأحاديث في صحيح مسلم» ص ١٠٨.
  39. علق عليه أحد الباحثين بقوله: «ولكنه (يعني أبان بن أبي عياش) متروك، فتعليل الرواية الصحيحة بالرواية الضعيفة ليس منهجيا، وبخاصة أن رواية حماد، عن ثابت، مشتهرة معروفة، بخلاف رواية أبان، عن أنس، فهي قليلة جدا، حتى إنه ليس في الكتب الستة ولا رواية منها».

  40. كذا صنع الباحث، لم يفهم كلام الناقد، فاعترض عليه بما يدل على بعده عن إدراك علم (العلل) ، والناقد لم يعترض على الرواية الصحيحة برواية ضعيفة، وإنما اعترض على رواية صحيحة برواية أصح منها، فالمدار حماد بن سلمة، ورواه عنه شيبان، والمؤمل، عن ثابت، عن أنس، ورواه الجماعة عنه، عن ثابت مرسلا، وساقوا معه رواية حماد، عن أبان، عن أنس الموصولة، وهذا دليل آخر على حفظهم وضبطهم لرواية حماد، وفصلهم بين المرسل والمسند.