الفصل الثامن سياق الأحاديث التي انتقدها عليه أبو الحسن الدارقطني وغيره من النقاد
١٧١ فقرة، ج ١ ص ٣٤٦
الصفحة ١ من ٥
- ج ١ ص ٣٤٦
في سياق الأحاديث التي انتقدها عليه حافظ عصره أبو الحسن الدارقطني وغيره من النقاد وإيرادها حديثا حديثا على سياق الكتاب وسياق ما حضر من الجواب عن ذلك
وقبل الخوض فيه ينبغي لكل منصف أن يعلم أن هذه الأحاديث وإن كان أكثرها لا يقدح في أصل موضوع الكتاب فإن جميعها وارد من جهة أخرى، وهي ما ادعاه الإمام أبو عمرو بن الصلاح وغيره من الإجماع على تلقي هذا الكتاب بالقبول والتسليم لصحة جميع ما فيه فإن هذه المواضع متنازع في صحتها فلم يحصل لها من التلقي ما حصل لمعظم الكتاب، وقد تعرض لذلك ابن الصلاح في قوله إلا مواضع يسيرة انتقدها عليه الدارقطني وغيره، وقال في مقدمة شرح مسلم له ما أخذ عليهما، يعني على البخاري ومسلم وقدح فيه معتمد من الحفاظ فهو مستثنى مما ذكرناه لعدم الإجماع على تلقيه بالقبول انتهى، وهو احتراز حسن، واختلف كلام الشيخ محيي الدين في هذه المواضع، فقال في مقدمة شرح مسلم ما نصه: فصل قد استدرك جماعة على البخاري ومسلم أحاديث أخلا فيها بشرطهما ونزلت عن درجة ما التزماه، وقد ألف الدارقطني في ذلك ولأبي مسعود الدمشقي أيضا عليهما استدراك ولأبي علي الغساني في جز العلل من التقييد استدراك عليهما، وقد أجيب عن ذلك أو أكثره اهـ، وقال في مقدمة شرح البخاري: فصل قد استدرك الدارقطني على البخاري ومسلم أحاديث فطعن في بعضها وذلك الطعن مبني على قواعد لبعض المحدثين ضعيفة جدا مخالفة لما عليه الجمهور من أهل الفقه والأصول وغيرهم فلا تغتر بذلك اهـ كلامه. وسيظهر من سياقها والبحث فيها على التفصيل أنها ليست كلها كذلك.
-
وقوله في شرح مسلم، وقد أجيب عن ذلك أو أكثره هو الصواب فإن منها ما الجواب عنه غير منتهض كما سيأتي ولو لم يكن في ذلك إلا الأحاديث المعلقة التي لم تتصل في كتاب البخاري من وجه آخر ولا سيما إن كان في بعض الرجال الذين أبرزهم فيه من فيه مقال كما تقدم تفصيله، فقد قال ابن الصلاح إن حديث بهز بن حكيم المذكور وأمثاله ليس من شرطه قطعا، وكذا ما في مسلم من ذلك، إلا أن الجواب عما يتعلق بالمعلق سهل؛ لأن موضوع الكتابين إنما هو للمسندات والمعلق ليس بمسند ولهذا لم يتعرض الدارقطني فيما تتبعه على الصحيحين إلى الأحاديث المعلقة التي لم توصل في موضع آخر لعلمه بأنها ليست من موضوع الكتاب، وإنما ذكرت استئناسا واستشهادا، والله أعلم، وقد ذكرنا الأسباب الحاملة للمصنف على تخريج ذلك التعليق، وأن مراده بذلك أن يكون الكتاب جامعا لأكثر الأحاديث التي يحتج بها، إلا أن منها ما هو على شرطه فساقه سياق أصل الكتاب، ومنها ما هو على غير شرطه فغاير السياق في إيراده ليمتاز فانتفى إيراد المعلقات وبقي الكلام فيما علل من الأحاديث المسندات، وعدة ما اجتمع لنا من ذلك مما في كتاب البخاري وإن شاركه مسلم في بعضه مائة وعشرة أحاديث منها ما وافقه مسلم على تخريجه، وهو اثنان وثلاثون حديثا، ومنها ما انفرد بتخريجه، وهو ثمانية وسبعون حديثا، والجواب عنه على سبيل الإجمال أن نقول لا ريب في تقديم البخاري، ثم مسلم على أهل عصرهما، ومن بعده
ج ١ ص ٣٤٧من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلل فإنهم لا يختلفون في أن علي بن المديني كان أعلم أقرانه بعلل الحديث.
-
وعنه أخذ البخاري ذلك حتى كان يقول ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني ومع ذلك فكان علي بن المديني إذا بلغه ذلك عن البخاري يقول دعوا قوله، فإنه ما رأى مثل نفسه، وكان محمد بن يحيى الذهلي أعلم أهل عصره بعلل حديث الزهري، وقد استفاد منه ذلك الشيخان جميعا، وروى الفربري عن البخاري قال ما أدخلت في الصحيح حديثا إلا بعد أن استخرت الله تعالى وتيقنت صحته، وقال مكي بن عبد الله سمعت مسلم بن الحجاج يقول عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي فكل ما أشار أن له علة تركته، فإذا عرف وتقرر أنهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا علة له أو له علة، إلا أنها غير مؤثرة عندهما فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما يكون قوله معارضا لتصحيحهما ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرهما فيندفع الاعتراض من حيث الجملة، وأما من حيث التفصيل فالأحاديث التي انتقدت عليهما تنقسم أقساما (القسم الأول منها) ما تختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص من رجال الإسناد فإن أخرج صاحب الصحيح الطريق المزيدة وعلله الناقد بالطريق الناقصة فهو تعليل مردود كما صرح به الدارقطني فيما سيحكيه عنه في الحديث الخامس والأربعين؛ لأن الراوي إن كان سمعه فالزيادة لا تضر؛ لأنه قد يكون سمعه بواسطة عن شيخه، ثم لقيه فسمعه منه وإن كان لم يسمعه في الطريق الناقصة فهو منقطع والمنقطع من قسم الضعيف والضعيف لا يعل الصحيح، وستأتي أمثله ذلك في الحديث الثاني والثامن وغيرهما، وإن أخرج صاحب الصحيح الطريق الناقصة وعلله الناقد بالطريق المزيدة تضمن اعتراضه دعوى انقطاع فيما صححه المصنف فينظر إن كان ذلك الراوي صحابيا أو ثقة غير مدلس قد أدرك من روى عنه إدراكا بينا أو صرح بالسماع إن كان مدلسا من طريق أخرى فإن وجد ذلك اندفع الاعتراض بذلك وإن لم يوجد، وكان الانقطاع فيه ظاهرا فمحصل الجواب عن صاحب الصحيح أنه إنما أخرج مثل ذلك في باب ما له متابع وعاضد أو ما حفته قرينة في الجملة تقويه ويكون التصحيح وقع من حيث المجموع كما سنوضح ذلك في الكلام على الحديث الرابع والعشرين من هذه الأحاديث وغيره وربما علل بعض النقاد أحاديث ادعى فيها الانقطاع لكونها غير مسموعة كما في الأحاديث
المروية بالمكاتبة والإجازة، وهذا لا يلزم منه الانقطاع عند من يسوغ الرواية بالإجازة، بل في تخريج صاحب الصحيح لمثل ذلك دليل على صحة الرواية بالإجازة عنده، وقد أشرنا إلى ذلك في الحديث السادس والثلاثين وغيره (القسم الثاني منها) ما تختلف الرواة فيه بتغيير رجال بعض الإسناد فالجواب عنه إن أمكن الجمع بأن يكون الحديث.
-
عند ذلك الراوي على الوجهين جميعا فأخرجهما المصنف، ولم يقتصر على أحدهما حيث يكون المختلفون في ذلك متعادلين في الحفظ والعدد كما في الحديث الثامن والأربعين وغيره وإن امتنع بأن يكون المختلفون غير متعادلين، بل متقاربين في الحفظ والعدد فيخرج المصنف الطريق الراجحة ويعرض عن الطريق المرجوحة أو يشير إليها كما في الحديث السابع عشر فالتعليل بجميع ذلك من أجل مجرد الاختلاف غير قادح، إذ لا يلزم من مجرد الاختلاف اضطراب يوجب الضعف فينبغي الإعراض أيضا عما هذا سبيله، والله أعلم (القسم الثالث منها) ما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه دون من هو أكثر عددا أو أضبط ممن لم يذكرها، فهذا لا يؤثر التعليل به إلا إن كانت الزيادة منافية بحيث يتعذر الجمع، أما إن كانت الزيادة لا منافاة فيها بحيث تكون كالحديث المستقل فلا، اللهم إلا إن وضح بالدلائل القوية أن تلك الزيادة مدرجة في المتن من كلام بعض رواته فما كان من هذا القسم فهو مؤثر كما في الحديث الرابع والثلاثين (القسم الرابع منها) ما تفرد به بعض الرواة ممن
ج ١ ص ٣٤٨ضعف من الرواة، وليس في هذا الصحيح من هذا القبيل غير حديثين وهما السابع والثلاثون والثالث والأربعون كما سيأتي الكلام عليهما وتبيين أن كلا منهما قد توبع (القسم الخامس منها) ما حكم فيه بالوهم على بعض رجاله فمنه ما يؤثر ذلك الوهم قدحا، ومنه ما لا يؤثر كما سيأتي تفصيله (القسم السادس منها) ما اختلف فيه بتغيير بعض ألفاظ المتن، فهذا أكثره لا يترتب عليه قدح لإمكان الجمع في المختلف من ذلك أو الترجيح على أن الدارقطني وغيره من أئمة النقد لم يتعرضوا لاستيفاء ذلك من الكتابين كما تعرضوا لذلك في الإسناد فما لم يتعرضوا له من ذلك حديث جابر في قصة الجمل، وحديثه في وفاء دين أبيه، وحديث رافع بن خديج في المخابرة، وحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، وحديث سهل بن سعد في قصة الواهبة نفسها، وحديث أنس في افتتاح القراءة بالحمد لله رب العالمين، وحديث ابن عباس في قصة السائلة عن نذر أمها وأختها، وغير ذلك مما سنأتي إن شاء الله تعالى على بيانه عند شرحه في أماكنه، فهذه جملة أقسام ما انتقده الأئمة على الصحيح، وقد حررتها وحققتها وقسمتها
وفصلتها لا يظهر منها ما يؤثر في أصل موضوع الكتاب بحمد الله إلا النادر، وهذا حين الشروع في إيرادها على ترتيب ما وقع في الأصل لتسهل مراجعتها إن شاء الله تعالى.
-
[من كتاب الطهارة]
-
(الحديث الأول) : قال الدارقطني أخرج البخاري عن أبي نعيم عن زهير عن أبي إسحاق قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عبد الله قال: أتيت النبي ﷺ بحجرين وروثة. . الحديث في الاستجمار قال: فقال إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي إسحاق، حدثني عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه بهذا انتهى، ثم ساق الدارقطني وجوه الاختلاف فيه على أبي إسحاق فمنها رواية إسرائيل عنه عن أبي عبيدة عن أبيه، ومنها رواية مالك بن مغول وغيره عنه عن الأسود عن عبد الله من غير ذكر عبد الرحمن، ومنها رواية زكريا بن أبي زائدة عنه عن عبد الله بن يزيد عن الأسود، ومنها رواية معمر عنه عن علقمة عن عبد الله، ومنها رواية يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن أبي الأحوص عن عبد الله. قال الدارقطني: وأحسنها سياقا الطريق الأولى التي أخرجها البخاري، ولكن في النفس منها شيء لكثرة الاختلاف فيه على أبي إسحاق انتهى.، وأخرج الترمذي في جامعه حديث إسرائيل المذكور وحكى بعض الخلاف فيه، ثم قال: هذا حديث فيه اضطراب، وسألت عبد الله بن عبد الرحمن، يعني الدارمي، عنه فلم يقض فيه بشيء، وسألت محمدا، يعني البخاري، عنه فلم يقض فيه بشيء، وكأنه رأى حديث زهير أشبه، ووضعه في الجامع قال الترمذي: والأصح عندي حديث إسرائيل، وقد تابعه قيس بن الربيع، قال الترمذي: وزهير إنما سمع من أبي إسحاق بآخرة انتهى.
-
وحكى ابن أبي حاتم عن أبيه، وأبي زرعة أنهما رجحا رواية إسرائيل، وكأن الترمذي تبعهما في ذلك، والذي يظهر أن الذي رجحه البخاري هو الأرجح، وبيان ذلك أن مجموع كلام الأئمة مشعر بأن الراجح على الروايات كلها إما طريق إسرائيل، وهي عن أبي عبيدة عن أبيه، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، فيكون الإسناد منقطعا، أو رواية زهير، وهي عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن ابن مسعود فيكون متصلا، وهو تصرف صحيح؛ لأن الأسانيد فيه إلى زهير وإلى إسرائيل أثبت من بقية الأسانيد، وإذا تقرر ذلك كانت دعوى الاضطراب في هذا الحديث منتفية؛ لأن الاختلاف على الحفاظ في الحديث لا يوجب أن يكون مضطربا إلا بشرطين: أحدهما استواء وجوه الاختلاف،
ج ١ ص ٣٤٩فمتى رجح أحد الأقوال قدم ولا يعل الصحيح بالمرجوح، ثانيهما مع الاستواء أن يتعذر الجمع على قواعد المحدثين ويغلب على الظن أن ذلك الحافظ لم يضبط ذلك الحديث بعينه، فحينئذ يحكم على تلك الرواية وحدها بالاضطراب، ويتوقف عن الحكم بصحة ذلك الحديث لذلك، وهنا يظهر عدم استواء وجوه الاختلاف على أبي إسحاق فيه؛ لأن الروايات المختلفة عنه لا يخلو إسناد منها من مقال غير الطريقين المقدم ذكرهما عن زهير، وعن إسرائيل، مع أنه يمكن رد أكثر الطرق إلى رواية زهير، والذي يظهر بعد ذلك تقديم رواية زهير؛ لأن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق قد تابع زهيرا، وقد رواه الطبراني في المعجم الكبير من رواية يحيى بن أبي زائدة عن أبيه عن أبي إسحاق كرواية زهير، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه من طريق ليث بن أبي سليم عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن ابن مسعود كرواية زهير عن أبي إسحاق، وليث وإن كان ضعيف الحفظ فإنه يعتبر به ويستشهد فيعرف أن له من رواية عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه أصلا، ثم إن ظاهر سياق زهير يشعر بأن أبا إسحاق كان يرويه أولا عن أبي عبيدة عن أبيه، ثم رجع عن ذلك وصيره عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه، فهذا صريح في أن أبا إسحاق كان مستحضرا للسندين جميعا عند إرادة التحديث، ثم اختار طريق عبد الرحمن وأضرب عن طريق أبي عبيدة، فإما أن يكون تذكر أنه لم يسمعه من أبي عبيدة، أو كان سمعه منه وحدث به عنه، ثم عرف أن أبا عبيدة لم
يسمع من أبيه فيكون الإسناد منقطعا، فأعلمهم أن عنده فيه إسنادا متصلا، أو كان حدث به عن أبي عبيدة مدلسا له، ولم يكن سمعه منه، فإن قيل إذا كان أبو إسحاق مدلسا عندكم فلم تحكمون لطريق عبد الرحمن بن الأسود بالاتصال مع إمكان أن يكون دلسه عنه أيضا، وقد صرح بذلك أبو أيوب سليمان بن داود الشادكوني فيما حكاه الحاكم في علوم الحديث عنه قال في قول أبي إسحاق ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن عن أبيه، ولم يقل حدثني عبد الرحمن، وأوهم أنه سمعه منه تدليس وما سمعت بتدليس أعجب من هذا انتهى كلامه. فالجواب أن هذا هو السبب الحامل لسياق البخاري للطريق الثانية عن إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق التي قال فيها أبو إسحاق حدثني عبد الرحمن فانتفت ريبة التدليس عن أبي إسحاق في هذا الحديث. وبين حفيده عنه أنه صرح عن عبد الرحمن بالتحديث، ويتأيد ذلك بأن الإسماعيلي لما أخرج هذا الحديث في مستخرجه على الصحيح من طريق يحيى بن سعيد القطان عن زهير استدل بذلك على أن هذا مما لم يدلس فيه أبو إسحاق قال: لأن يحيى بن سعيد لا يرضى أن يأخذ عن زهير ما ليس بسماع لشيخه، وكأنه عرف هذا بالاستقراء من حال يحيى، والله أعلم.،
وإذا تقرر ذلك لم يبق لدعوى التعليل عليه مجال؛ لأن روايتي إسرائيل وزهير لا تعارض بينهما، إلا أن رواية زهير أرجح؛ لأنها اقتضت الاضطراب عن رواية إسرائيل، ولم تقتض ذلك رواية إسرائيل فترجحت رواية زهير، وأما متابعة قيس بن الربيع لرواية إسرائيل فإن شريكا القاضي تابع زهير، أو شريك أوثق من قيس على أن الذي حررناه لا رد شيئا من الطريقين، إلا أنه يوضح قوة طريق زهير واتصالها وتمكنها من الصحة وبعد إعلالها وبه يظهر نفوذ رأي البخاري وثقوب ذهنه، والله أعلم، وقد أخرج البخاري من حديث أبي هريرة ما يشهد لصحة حديث ابن مسعود فازداد قوة بذلك فانظر إلى هذا الحديث كيف حكم عليه بالمرجوحية مثل أبي حاتم، وأبي زرعة وهما إماما التعليل وتبعهما الترمذي وتوقف الدارمي وحكم عليه بالتدليس الموجب للانقطاع أبو أيوب الشادكوني، ومع ذلك فتبين بالتنقيب والتتبع التام أن الصواب في الحكم له بالراجحية فما ظنك بما يدعيه من هو دون هؤلاء الحفاظ النقاد من العلل هل يسوغ أن يقبل منهم
ج ١ ص ٣٥٠في حق مثل هذا الإمام مسلما؟ كلا والله، والله الموفق.
-
(الحديث الثاني) : قال الدارقطني:، وأخرجا جميعا، يعني البخاري ومسلما، حديث الأعمش عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس، يعني في قصة القبرين، وأن أحدهما كان لا يستبرئ من بوله قال، وقد خالفه منصور، فقال عن مجاهد عن ابن عباس، وأخرج البخاري حديث منصور على إسقاطه طاوسا انتهى، وهذا الحديث أخرجه البخاري في الطهارة عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير، وفي الأدب عن محمد بن سلام عن عبيدة بن حميد، كلاهما عن منصور به، ورواه من طريق أخرى من حديث الأعمش، وأخرجه باقي الأئمة الستة من حديث الأعمش أيضا، وأخرجه أبو داود أيضا، والنسائي، وابن خزيمة في صحيحه من حديث منصور أيضا، وقال الترمذي بعد أن أخرجه: رواه منصور عن مجاهد عن ابن عباس، وحديث الأعمش أصح، يعني المتضمن للزيادة. قلت: وهذا في التحقيق ليس بعلة؛ لأن مجاهدا لم يوصف بالتدليس وسماعه من ابن عباس صحيح في جملة من الأحاديث، ومنصور عندهم أتقن من الأعمش مع أن الأعمش أيضا من الحفاظ فالحديث كيفما دار دار على ثقة والإسناد كيفما دار كان متصلا، فمثل هذا لا يقدح في صحة الحديث إذا لم يكن راويه مدلسا، وقد أكثر الشيخان من تخريج مثل هذا، ولم يستوعب الدارقطني انتقاده والله الموفق.
-
(الحديث الثالث) : قال الدارقطني فيما قرأت بخطه، وأخرج البخاري عن أبي معمر عن عبد الوارث عن الحسين المعلم عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عطاء بن يسار عن زيد بن خالد الجهني أنه سأل عثمان بن عفان عن الرجل يجامع أهله ولا يمني، فقال عثمان يتوضأ ويغسل ذكره، سمعته من رسول الله ﷺ قال: وسألت عن ذلك عليا، والزبير، وطلحة، وأبي بن كعب فأمروه بذلك قال يحيى بن أبي كثير وأخبرني أبو سلمة أيضا أن عروة أخبره أن أبا أيوب أخبره أنه سمع ذلك من رسول الله ﷺ ، قال الدارقطني رحمه الله : وهذا وهم، وهو قوله: إن أبا أيوب أخبره أنه سمع ذلك من رسول الله ﷺ ؛ لأن أبا أيوب لم يسمعه من رسول الله ﷺ ، وإنما سمعه من أبي بن كعب، كذلك رواه هشام بن عروة عن أبيه، وقد أخرجه البخاري من حديث هشام على الصواب انتهى، وقد وافق البخاري مسلم على تخريجه على الوجهين، وقال الخطيب قوله: إن أبا أيوب سمع ذلك من النبي ﷺ خطأ، فإن جماعة من الحفاظ رووه عن هشام عن أبيه عن أبي أيوب عن أبي بن كعب.
قلت: وغاية ما في هذا أن أبا سلمة، وهشاما اختلفا فزاد هشام فيه ذكر أبي بن كعب، ولا يمنع ذلك أن يكون أبو أيوب سمعه من رسول الله ﷺ ، وسمعه أيضا من أبي بن كعب عن النبي ﷺ ، مع أن أبا سلمة أجل وأسن وأتقن من هشام، بل هو من أقران عروة والد هشام، فكيف يقضى لهشام عليه، بل الصواب أن الطريقين صحيحان، ويحتمل أن يكون اللفظ الذي سمعه أبو أيوب من أبي بن كعب غير اللفظ الذي سمعه من النبي ﷺ ؛ لأن سياق حديث أبي بن كعب عند البخاري يقتضي أنه هو الذي سأل النبي ﷺ عن هذه المسألة، فتضمن زيادة فائدة، وحديث أبي أيوب عنده لم يسق لفظه، بل أحال به على حديث عثمان كما ترى وعلى تقدير أن يكون أبو أيوب في نفس الأمر لم يسمعه إلا من أبي بن كعب فهو مرسل صحابي، وقد اتفق المحدثون على أنه في حكم الموصول، وقد أخرج مسلم في صحيحه شبيها به، ولم يتعقبه الدارقطني، وهو حديث ابن عباس في قصة إرسال معاذ بن جبل إلى اليمن، فإن في بعض الروايات عن ابن عباس عن معاذ، وفي بعضها عن ابن عباس قال: أرسل النبي ﷺ معاذا، وتعقب القاضي أبو بكر بن العربي حديث زيد بن خالد وزعم أن فيه ثلاث علل، فقال:
ج ١ ص ٣٥١الأولى أن مداره على حسين بن ذكوان المعلم، ولم يصرح بسماعه له من يحيى بن أبي كثير، وإنما جاء عن حسين قال: قال يحيى بن أبي كثير. الثانية أنه خولف فيه فرواه غيره عن يحيى بن أبي كثير موقوفا غير مرفوع الثالثة. أن أبا سلمة أيضا قد خولف فيه فرواه زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن زيد بن خالد موقوفا عن جماعة من الصحابة. قلت: والجواب عن الأولى أن ابن خزيمة والسراج والإسماعيلي وغيرهم رووا الحديث من طريق حسين المعلم وصرحوا فيه بالإخبار ولفظ السراج بسنده إلى حسين أخبرنا يحيى بن أبي كثير أن أبا سلمة حدثه … إلخ، وأما الجواب عن الثانية والثالثة فالتعليل المذكور بهما غير قادح؛ لأن رواية حسين مشتملة على الرفع والوقف معا فإذا اشتمل غيرهما على الموقوف فقط كانت هي مشتملة على زيادة لا تنافي الرواية الأخرى فتقبل من الحفاظ، وهو كذلك، فتبين أن التعليل بذلك ليس بقادح، والله أعلم.
-
[من كتاب الصلاة]
-
(الحديث الرابع) : قال البخاري باب الخوخة الممر في المسجد، حدثنا محمد بن سنان، حدثنا فليح هو ابن سليمان، حدثنا أبو النضر عن عبيد بن حنين عن بسر بن سعيد عن أبي سعيد الخدري قال خطب النبي ﷺ ، فقال: إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده. . الحديث. قال الدارقطني: هذا السياق غير محفوظ، واختلف فيه على فليح فرواه محمد بن سنان هكذا وتابعه المعافى بن سليمان الحراني، ورواه سعيد بن منصور ويونس بن محمد المؤذن، وأبو داود الطيالسي عن فليح عن أبي النضر عن عبيد بن حنين وبسر بن سعيد جميعا عن أبي سعيد. قلت: أخرجه مسلم عن سعيد، وأبو بكر بن أبي شيبة عن يونس، وابن حبان في صحيحه من حديث الطيالسي، ورواه أبو عامر العقدي عن فليح عن أبي النضر عن بسر بن سعيد عن أبي سعيد، ولم يذكر عبيد بن حنين أخرجهما البخاري في مناقب أبي بكر، فهذه ثلاثة أوجه مختلفة، فأما رواية أبي عامر فيمكن ردها إلى رواية سعيد بن منصور بأن يكون اقتصر فيها على أحد شيخي أبي النضر دون الآخر، وقد رواه مالك عن أبي النضر عنهما جميعا حدث به القعنبي في الموطأ عنه، وتابعه جماعة من مالك خارج الموطأ، وأخرجه البخاري أيضا عن ابن أبي أويس عن مالك في الهجرة لكنه اقتصر فيه على عبيد بن حنين حسب، وأما رواية محمد بن سنان فوهم؛ لأنه صير بسر بن سعيد شيخا لعبيد بن حنين، وإنما هو رفيقه في رواية هذا الحديث. ويمكن أن تكون الواو سقطت قبل قوله: عن بسر، وقد صرح بذلك البخاري فيما رواه أبو علي بن السكن الحافظ في زوائده في الصحيح قال أنبأنا الفربري قال: قال البخاري هكذا رواه محمد بن سنان عن فليح، وإنما هو عن عبيد بن حنين، وعن بسر بن سعيد، يعني بواو العطف، فقد أفصح البخاري بأن شيخه سقطت عليه الواو من هذا السياق وأن من إسقاطها نشأ هذا الوهم، وإذا رجعنا إلى الإنصاف لم تكن هذه علة قادحة مع هذا الإيضاح، والله أعلم.
-
(الحديث الخامس) : قال الدارقطني: أخرجا جميعا حديث مالك عن الزهري عن أنس قال كنا نصلي العصر، ثم يذهب الذاهب منا إلى قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة، وهذا مما ينتقد به على مالك؛ لأنه رفعه، وقال فيه إلى قباء وخالفه عدد كثير منهم شعيب بن أبي حمزة وصالح بن كيسان، وعمرو بن الحارث ويونس بن يزيد ومعمر والليث
ج ١ ص ٣٥٢بن سعد، وابن أبي ذئب وآخرون انتهى، وقد تعقب النسائي أيضا على مالك وموضع التعقب منه قوله: إلى قباء والجماعة كلهم قالوا: إلى العوالي، ومثل هذا الوهم اليسير لا يلزم منه القدح في صحة الحديث، لا سيما، وقد أخرجا الرواية المحفوظة، والله أعلم.
-
(الحديث السادس) : روى البخاري من طريق شعبة قال: أخبرني سعد بن إبراهيم سمعت حفص بن عاصم قال سمعت رجلا من الأزد يقال له مالك بن بحينة أن رسول الله ﷺ رأى رجلا وقد أقيمت الصلاة يصلي ركعتين، فلما انصرف رسول الله ﷺ لاث به الناس، فقال له رسول الله ﷺ : آلصبح أربعا آلصبح أربعا، وقال حماد عن سعد عن حفص عن مالك، وقال ابن إسحاق عن سعد عن حفص عن عبد الله بن مالك بن بحينة، ورواه قبل ذلك عن عبد العزيز عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن حفص عن عبد الله بن مالك به قال أبو مسعود الدمشقي أهل العراق منهم شعبة وحماد، وأبو عوانة يقولون مالك بن بحينة، وأهل الحجاز يقولون عبد الله بن مالك بن بحينة، وهو الصواب، وذكر البخاري في تاريخه ترجمة عبد الله بن مالك بن بحينة، ثم قال: وقال بعضهم مالك بن بحينة والأول أصح. قلت: وهذا لا يعل هذا الخبر؛ لأن أهل النقد اتفقوا على أن رواية أهل العراق له عن سعد فيها وهم، والظاهر أن ذلك من سعد بن إبراهيم، إذ حدث به بالعراق، وقد اغتر ابن عبد البر بظاهر هذا الإسناد، فقال لعبد الله بن بحينة ولأبيه مالك صحبة، والله أعلم.
-
(الحديث السابع) : قال الدارقطني: أخرج البخاري أحاديث للحسن عن أبي بكرة منها حديث زادك الله حرصا ولا تعد، والحسن إنما يروي عن الأحنف بن قيس عن أبي بكرة، يعني فيكون الحديث منقطعا، وسيأتي الكلام على ذلك قريبا في الكسوف إن شاء الله تعالى.
-
(الحديث الثامن) : قال الدارقطني: وأخرجا جميعا حديث يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه في قصة المسيء صلاته وقول النبي ﷺ له ارجع فصل فإنك لم تصل، وقد خالف يحيى القطان أصحاب عبيد الله كلهم منهم أبو أسامة، وعبد الله بن نمير وعيسى بن يونس وغيرهم فرووه عن عبيد الله عن سعيد عن أبي هريرة لم يذكروا أباه ويحيى حافظ ويشبه أن يكون عبيد الله حدث به على الوجهين، والله أعلم. قلت: ورجح الترمذي رواية يحيى القطان، وهذا من قبيل الحديث الثاني، وقد أوضحنا الجواب عن مثل ذلك هناك.
-
(الحديث التاسع) : قال الدارقطني: وأخرج البخاري عن آدم عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبيه عن ابن وديعة عن سلمان عن النبي ﷺ في غسل الجمعة، وقد اختلف فيه على المقبري، فقال ابن عجلان عنه عن أبيه عن ابن وديعة عن أبي ذر وأرسله أبو معشر عنه فلم يذكر أبا ذر ولا سلمان، ورواه الدراوردي عن عبيد الله بن عمر عن المقبري عن النبي ﷺ ، ولم يذكر بينهما أحدا، وقال عبد الله بن رجاء عن عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة انتهى، ورواه البخاري أيضا من حديث ابن المبارك عن ابن أبي ذئب به، وقد اختلف فيه على ابن أبي ذئب أيضا، فقال أبو علي الحنفي فيما رويناه في مسند الدارمي عنه مثل رواية آدم، وكذا رويناه في صحيح ابن حبان من طريق عثمان بن عمر عن ابن أبي ذئب، ورواه أحمد في مسنده عن أبي النضر وحجاج بن محمد جميعا
ج ١ ص ٣٥٣عن ابن أبي ذئب كذلك، وقال أبو داود الطيالسي في مسنده عن ابن أبي ذئب عن سعيد عن أبيه عن عبيد الله بن عدي بن الخيار عن سلمان، وهذه رواية شاذة؛ لأن الجماعة خالفوه ولأن الحديث محفوظ لعبد الله بن وديعة لا لعبيد الله بن عدي، وأما ابن عجلان فلا يقارب ابن أبي ذئب في الحفظ ولا تعلل رواية ابن أبي ذئب مع إتقانه في الحفظ برواية ابن عجلان مع سوء حفظه، ولو كان ابن عجلان حافظا لأمكن أن يكون ابن وديعة سمعه من سلمان، ومن أبي ذر فحدث به مرة عن هذا ومرة عن هذا، وقد اختار ابن خزيمة في صحيحه هذا الجمع، وأخرج الطريقين معا: طريق ابن أبي ذئب من مسند سلمان وطريق ابن عجلان من مسند أبي ذر رضي الله عنهما ، وأما أبو معشر فضعيف لا معنى للتعليل بروايته، وأما رواية عبيد الله بن عمر فهو من الحفاظ، إلا أنه اختلف عليه كما ترى فرواية الدراوردي لا تنافي رواية ابن أبي ذئب؛ لأنها قصرت عنها فدل على أنه لم يضبط إسناده فأرسله، ورواية عبد الله بن رجاء إن كانت محفوظة، فقد سلك الجادة في أحاديث المقبري، فقال عن أبي هريرة فيجوز أن يكون للمقبري فيه إسناد آخر، وقد وجدته في صحيح ابن خزيمة من رواية صالح بن كيسان عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي
هريرة، وإذا تقرر ذلك عرف أن الرواية التي صححها البخاري أتقن الروايات، والله أعلم.
-
(الحديث العاشر) : قال الدارقطني: وأخرج البخاري عن محمد بن عبد الرحيم عن سعيد بن سليمان عن هشيم عن عبيد الله بن أبي بكر عن أنس أن النبي ﷺ كان لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، قال: وقد أنكر أحمد بن حنبل هذا من حديث هشيم عن عبيد الله بن أبي بكر، وقال: إنما رواه هشيم عن محمد بن إسحاق عن حفص بن عبيد الله عن أنس، وقيل: إن هشيما كان يدلسه عن عبيد الله بن أبي بكر، وقد رواه مسعر ومرجأ بن رجاء، وعلي بن عاصم عن عبيد الله ولا يثبت منها شيء انتهى كلامه. وأحمد بن حنبل إنما استنكره لأنه لم يعرفه من حديث هشيم؛ لأن هشيما كان يحدث به قديما هكذا، ثم صار بعد لا يحدث به إلا عن محمد بن إسحاق، ولهذا لم يسمعه منه إلا كبار أصحابه، وأما قوله: إن هشيما كان يدلس فيه فمردود، فرواية البخاري نفسها عن هشيم قال: أخبرنا عبيد الله بن أبي بكر فذكرها، والعجب من الإسماعيلي أيضا فإنه أخرجه من رواية أبي الربيع الزهراني عن هشيم عن عبيد الله، ثم قال: هشيم يدلس وكأنه لما رواه عنه معنعنا ظن أن هشيما دلسه، ومن هنا يظهر شفوف نظر البخاري على غيره، وأما رواية مرجأ بن رجاء فعلقها البخاري في الباب، ووصلها أحمد بن حنبل، وابن خزيمة في صحيحه والإسماعيلي، ولا أدري ما معنى قول الدارقطني لا يثبت منها شيء، وقد رواه غير من ذكر أخرجه ابن حبان في صحيحه والإسماعيلي في مستخرجه والحاكم في مستدركه من طريق عتبة بن حميد عن عبيد الله بن أبي بكر نحوه، نعم رواية مسعر لا يصح إسنادها عنه، وعلي بن عاصم ضعيف، وأما الطريق التي ذكرها عن هشيم عن محمد بن إسحاق فرواها أحمد بن منيع في مسنده والترمذي في جامعه والإسماعيلي في مستخرجه من طريق هشيم، وقد ظهر بما قررناه أن إحدى الطريقين لا تعل الأخرى، والله أعلم.
-
(الحديث الحادي عشر) : قال البخاري: حدثنا محمد، حدثنا أبو تميلة يحيى بن واضح عن فليح بن سليمان عن سعيد بن الحارث عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق. تابعه يونس بن محمد عن فليح، وحديث جابر أصح، هكذا في جميع الروايات التي وقعت لنا عن البخاري، إلا أن في رواية أبي علي
ج ١ ص ٣٥٤ابن السكن تابعه يونس بن محمد عن فليح عن سعيد عن أبي هريرة، وحديث جابر أصح، كذا وقع عنده، قال أبو علي الجياني: والظاهر أن هذا الإصلاح من قبله. قلت: والتخليط فيه ممن دون البخاري، وقد ذكره أبو مسعود الدمشقي في الأطراف محررا، فذكر حديث أبي تميلة وبعده تابعه يونس بن محمد عن فليح، وقال محمد بن الصلت عن فليح عن سعيد عن أبي هريرة قال البخاري، وحديث جابر أصح، وكذا حكاه أبو نعيم في مستخرجه، وحكى البرقاني نحوه، ثم قال أبو مسعود متعقبا عليه إنما رواه يونس بن محمد عن فليح عن سعيد عن أبي هريرة لا عن جابر، قال: وكذا رواه الهيثم بن جميل عن فليح. قلت: ولم يصب أبو مسعود في دعواه أن رواية يونس بن محمد إنما هي من مسند أبي هريرة، فقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده عن يونس بن محمد من مسند جابر كما قال البخاري، ومن طريقه أخرجه الإسماعيلي، وكذا رواه أبو جعفر العقيلي في مصنفه من حديث يونس، وكذا قال الترمذي إن أبا تميلة ويونس بن محمد روياه عن فليح عن سعيد عن جابر عن نعيم رويناه من طريق محمد بن عبيد الله بن المنادى وأحمد بن الأزهر، وعلي بن معبد ثلاثتهم عن يونس بن محمد عن فليح عن سعيد عن أبي هريرة كما قال أبو مسعود، وقوى بهذا أن لسعيد بن الحارث فيه شيخين، وقد ذكر أبو مسعود أيضا أن محمد بن حميد، رواه عن أبي تميلة فصيره من مسند أبي هريرة، ولكن محمد بن حميد لا يحتج به، ورواية محمد بن الصلت قد ذكرت من وصلها في فصل التعليق، ولله الحمد.
-
(الحديث الثاني عشر) : قال الدارقطني: أخرج البخاري أحاديث للحسن عن أبي بكرة منها حديث الكسوف، والحسن إنما يروي عن الأحنف عن أبي بكرة. قلت: البخاري معروف أنه كان ممن يشدد في مثل هذا، وقد أخرج البخاري حديث الكسوف من طرق عن الحسن علق بعضها، ومن جملة ما علقه فيه رواية موسى بن إسماعيل عن مبارك بن فضالة عن الحسن قال: أخبرني أبو بكرة، فهذا معتمده في إخراج حديث الحسن، ورده على من نفى أنه سمع من أبي بكرة باعتماده على إثبات من أثبته، وسيأتي مزيد بذلك في فضل الحسن بن علي بن أبي طالب إن شاء الله تعالى.
-
(الحديث الثالث عشر) : قال الدارقطني: أخرجا جميعا حديث ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: لا يحل لامرأة تسافر وليس معها محرم، قال الدارقطني: وقد رواه مالك ويحيى بن أبي كثير، وسهيل عن سعيد عن أبي هريرة، يعني لم يقولوا عن أبيه. قلت: لم يهمل البخاري حكاية هذا الاختلاف، بل ذكره عقب حديث ابن أبي ذئب، والجواب عن هذا الاختلاف كالجواب في الحديث الثاني فإن سعيدا المقبري سمع من أبيه عن أبي هريرة، وسمع من أبي هريرة فلا يكون هذا الاختلاف قادحا، وقد اختلف فيه على مالك فرواه ابن خزيمة في صحيحه من حديث بشر بن عمر عنه عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، وقال بعده: لم يقل أحد من أصحاب مالك في هذا الحديث عن سعيد عن أبيه غير بشر بن عمر اهـ، وقد أخرجه أبو عوانة في صحيحه من حديث بشر بن عمر أيضا وصحح ابن حبان الطريقين معا، والله أعلم.
-
(الحديث الرابع عشر) : قال الدارقطني: أخرج البخاري حديث الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة عن عبد الله بن عمرو قال: قال لي النبي ﷺ : لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل، وقد اختلف فيه على
ج ١ ص ٣٥٥الأوزاعي، فقال عمرو بن أبي سلمة والوليد بن مسلم وغيرهما عنه عن يحيى عن عمر بن الحكم بن ثوبان عن أبي سلمة زادوا رجلا اهـ، وهذا القول فيه كالقول في الذي قبله، بل صرح الأوزاعي هنا بالتحديث عن يحيى، وصرح يحيى بالتحديث عن أبي سلمة فانتفت تهمة التدليس والراوي له هكذا عنده عن الأوزاعي عبد الله بن المبارك، وهو من الحفاظ المتقنين، ومع ذلك فالبخاري لم يهمل حكاية الخلاف في ذلك، بل ذكره تعليقا، وأخرج مسلم طريق عمرو بن أبي سلمة كما أوضحته في تغليق التعليق.
-
(الحديث الخامس عشر) : قال الدارقطني: وأخرجا جميعا حديث شعبة عن عمرو عن جابر إذا جاء أحدكم والإمام يخطب فليصل ركعتين، وقد رواه ابن جريج، وابن عيينة وحماد بن زيد وأيوب، وورقاء، وحبيب بن يحيى كلهم عن عمرو أن رجلا دخل المسجد، فقال له: صليت. قلت: هذا يوهم أن هؤلاء أرسلوه، وليس كذلك، فقد أخرجه الشيخان من رواية حماد بن زيد وسفيان بن عيينة ومسلم من حديث أيوب، وابن جريج كلهم عن عمرو بن دينار موصولا، وإنما أراد الدارقطني أن شعبة خالف هؤلاء الجماعة في سياق المتن واختصره، وهم إنما أوردوه على حكاية قصة الداخل وأمر النبي ﷺ له بصلاة ركعتين والنبي ﷺ يخطب، وهي قصة محتملة للخصوص وسياق شعبة يقتضي العموم في حق كل داخل فهي مع اختصارها أزيد من روايتهم، وليست بشاذة، فقد تابعه على ذلك روح بن القاسم عن عمرو بن دينار أخرجه الدارقطني في السنن، فهذا يدل على أن عمرو بن دينار حدث به على الوجهين، والله أعلم، ووقع في هذا الموضع للمزي في الأطراف شيء ينبغي التنبيه عليه وذلك أنه قال في أول ترجمة شعبة عن عمرو بن دينار عن جابر حديث أن رجلا جاء والنبي ﷺ يخطب، فقال: أصليت؟ قال: لا. . الحديث. (خ) في الصلاة عن آدم و (م) فيه عن بندار عن غندر، يعني كلاهما عن شعبة به، وهذا اللفظ الذي صدر به الحديث ليس هو لفظ شعبة كما ترى.
-
من كتاب الجنائز.
-
(الحديث السادس عشر) : قال الدارقطني: وأخرج البخاري حديث ابن أبي ذئب عن سعيد عن أبيه أنه سأل أبا هريرة، فقال سمعت النبي ﷺ يقول: من صلى على الجنازة فله قيراط. . الحديث. قال: وقد رواه عبيد الله بن عمر عن سعيد عن أبي هريرة لم يقل عن أبيه. قلت: وهذا نظير الحديث الثالث عشر، لكن رواية عبيد الله بن عمر في هذا غير مشهورة فرواية ابن أبي ذئب هي المعتمدة، وهي من إفراد الصحيح، وإنما أوردها المصنف مقرونة برواية الأعرج عن أبي هريرة.
-
(الحديث السابع عشر) : قال الدارقطني: أخرج البخاري حديث الليث عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب عن جابر أن النبي ﷺ كان يجمع بين قتلى أحد ويقدم أقرأهم، وقد رواه ابن المبارك عن الأوزاعي عن الزهري مرسلا عن جابر، ورواه معمر عن الزهري عن ابن أبي صغيرة عن جابر، ورواه سليمان بن كثير عن الزهري، حدثني من سمع جابرا، وهو حديث مضطرب انتهى. أطلق الدارقطني القول في هذا الحديث بأنه مضطرب مع إمكان نفي الاضطراب عنه بأن يفسر المبهم الذي في رواية سليمان بالمسمى الذي في رواية الليث، وتحمل رواية
ج ١ ص ٣٥٦معمر على أن الزهري سمعه من شيخين، وأما رواية الأوزاعي المرسلة فقصر فيها بحذف الواسطة، فهذه طريقة من ينفي الاضطراب عنه، وقد ساق البخاري ذكر الخلاف فيه، وإنما أخرج رواية الأوزاعي مع انقطاعها؛ لأن الحديث عنده عن عبد الله بن المبارك عن الليث والأوزاعي جميعا عن الزهري فأسقط الأوزاعي عبد الرحمن بن كعب وأثبته الليث، وهما في الزهري سواء، وقد صرحا جميعا بسماعهما له منه، فقبلت زيادة الليث لثقته، ثم قال بعد ذلك: ورواه سليمان بن كثير عن الزهري عمن سمع جابرا، وأراد بذلك إثبات الواسطة بين الزهري وبين جابر فيه في الجملة وتأكيد رواية الليث بذلك، ولم يرها علة توجب اضطرابا، وأما رواية معمر، فقد وافقه عليها سفيان بن عيينة فرواه عن الزهري عن ابن أبي صغيرة، وقال: ثبتني فيه معمر فرجعت روايته إلى رواية معمر، وعن الزهري فيه اختلاف لم يذكره الدارقطني، فقيل عن أسامة بن زيد عن الزهري عن أنس، ومن هذا الوجه أخرجه أبو داود والترمذي ونقل في العلل عن البخاري أنه قال: حديث أسامة خطأ غلط فيه، يعني أن الصواب حديث الليث، ووهم الحاكم فأخرج حديث أسامة هذا في مستدركه، وعن الزهري فيه اختلاف آخر، رواه البيهقي من طريق عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه، وهو خطأ أيضا، وعبد الرحمن هذا ضعيف، ولا يخفى على الحاذق أن رواية الليث أرجح هذه الروايات كما قررناه، وأن البخاري لا يعل الحديث بمجرد الاختلاف.
-
حديث ابن عباس مر النبي ﷺ بقبرين، تقدم في الثاني.
-
(الحديث الثامن عشر) : قال الدارقطني: أخرج البخاري حديث داود بن أبي الفرات عن أبي بريدة عن أبي الأسود عن عمر مر بجنازة، فقال: وجبت. . الحديث، وقد قال علي بن المديني أن ابن بريدة إنما يروي عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود، ولم يقل في هذا الحديث سمعت أبا الأسود. قال الدارقطني: وقلت: أنا، وقد رواه وكيع عن عمر بن الوليد الشني عن ابن بريدة عن عمر، ولم يذكر بينهما أحد انتهى، ولم أره إلى الآن من حديث عبد الله بن بريدة إلا بالعنعنة فعلته باقية، إلا أن يعتذر للبخاري عن تخريجه بأن اعتماده في الباب إنما هو على حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس بهذه القصة سواء، وقد وافقه مسلم على تخريجه، وأخرج البخاري حديث أبي الأسود كالمتابعة لحديث عبد العزيز بن صهيب فلم يستوف، ففي العلة عنه كما يستوفيها فيما يخرجه في الأصول، والله أعلم.
-
من الزكاة
(الحديث التاسع عشر) : قال الدارقطني: وأخرجا جميعا حديث عفان عن وهيب عن أبي حيان عن أبي زرعة عن أبي هريرة أن رجلا قال للنبي ﷺ دلني على عمل إذا أنا عملته دخلت الجنة. . الحديث، وقد رواه يحيى القطان عن أبي حيان فخالف وهيبا فأرسله، ولم يذكر أبا هريرة انتهى، وقد أخرج البخاري حديث يحيى القطان عقيب حديث وهيب، فأشعر بأن العلة ليست بقادحة؛ لأن وهيبا حافظ، فقدم روايته؛ لأن معه زيادة، وفي معنى روايته حديث آخر اتفقا عليه من هذا الوجه في كتاب الإيمان من طريق جرير وإسماعيل بن علية عن أبي حيان، وهو مما يقوي رواية وهيب، والله أعلم.
-
(الحديث العشرون) : قال أبو مسعود: أخرج البخاري حديث شعيب بن إسحاق عن الأوزاعي قال: أخبرني يحيى بن أبي كثير أن عمرو بن يحيى بن عمارة أخبره عن أبيه أنه سمع أبا سعيد يقول: قال النبي ﷺ : ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة. . الحديث، وقد رواه داود بن رشيد، وهشام بن خالد عن شعيب عن الأوزاعي عن يحيى غير
ج ١ ص ٣٥٧منسوب، ورواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عبد الرحمن بن أبي اليمان عن يحيى بن سعيد، ورواه عبد الوهاب بن نجدة عن شعيب عن الأوزاعي قال: حدثني يحيى بن سعيد انتهى كلامه، واقتضى أمرين: أحدهما أن شيخ البخاري، وهو إسحاق بن يزيد، وهم في نسبة يحيى، فقال ابن أبي كثير، وإنما هو يحيى بن سعيد بدليل رواية عبد الوهاب، وأن داود، وهشاما لم ينسباه. ثانيهما: أنه اختلف فيه على الأوزاعي مع ذلك بزيادة رجل فيه بينه وبين يحيى بن سعيد من رواية الوليد بن مسلم، وإذا تأملت ما ذكره لم تجد ما اختاره مستقيما، بل رواية الوليد بن مسلم تدل على أنه لم يكن عند الأوزاعي عن يحيى بن سعيد إلا بواسطة، وقد صرح شعيب عنه بأن يحيى أخبره فاقتضى ذلك أن رواية عبد الوهاب بن نجدة إما موهومة وإما مدلسة، ورواية إسحاق عن شعيب صحيحه صريحة، وقد وجدت لإسحاق فيه متابعا عن شعيب وذلك فيما أخرجه أبو عوانة في صحيحه قال: حدثنا أبو إبراهيم الزهري، وكان من الأبدال، حدثنا أبو أيوب سليمان بن عبد الرحمن، حدثنا شعيب بن إسحاق، حدثنا الأوزاعي قال: أخبرني يحيى بن أبي كثير فذكره سواء، وهكذا أخرجه الإسماعيلي في مستخرجه من طريق سليمان بن عبد الرحمن، ثم قال: الحديث المشهور عن يحيى بن سعيد رواه الخلق عنه، وقد رواه داود بن رشيد عن شعيب عن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد. قلت: وهو يدل لما قلناه أن رواية الأوزاعي له عن يحيى بن سعيد مدلسة، وعن يحيى بن أبي كثير مسموعة، وكأنه كان عند شعيب بن إسحاق عن الأوزاعي على الوجهين، والله أعلم.
-
(الحديث الحادي والعشرون) : قال الدارقطني: وأخرج البخاري حديث الأنصاري عن أبيه عن ثمامة عن أنس عن أبي بكر حديث الصدقات، وهذا لم يسمعه ثمامة من أنس ولا عبد الله بن المثنى من ثمامة، قال علي بن المديني: حدثني عبد الصمد، حدثني عبد الله بن المثنى قال: دفع إلي ثمامة هذا الكتاب قال: وحدثنا عفان، حدثنا حماد قال: أخذت من ثمامة كتابا عن أنس نحو هذا، وكذا قال حماد بن زيد عن أيوب أعطاني ثمامة كتابا فذكر هذا. قلت: ليس فيما ذكر ما يقتضي أن ثمامة لم يسمعه من أنس كما صدر به كلامه فأما كون عبد الله بن المثنى لم يسمعه من ثمامة فلا يدل على قدح في هذا الإسناد، بل فيه دليل على صحة الرواية بالمناولة إن ثبت أنه لم يسمعه مع أن في سياق البخاري عن عبد الله بن المثنى، حدثني ثمامة أن أنسا حدثه، وليس عبد الصمد فوق محمد بن عبد الله الأنصاري في الثقة ولا أعرف بحديث أبيه منه، والله أعلم. حديث أنس في النهي عن بيع الثمرة يأتي في البيوع إن شاء الله تعالى.
-
[كتاب الحج]
-
(الحديث الثاني والعشرون) : قال الدارقطني: اتفقا على حديث عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه حديث الجبة في الإحرام، وفيه: واصنع في عمرتك ما تصنع في حجك من حديث ابن جريج وهمام وغيرهما عن عطاء، ورواه الثوري عن ابن جريج، وابن أبي ليلى جميعا عن عطاء عن يعلى بن أمية مرسلا، وكذا قال قتادة ومطر الوراق، ومنصور بن زاذان، وعبد الملك بن سليمان وغير واحد عن عطاء ليس فيه صفوان. قلت: في رواية ابن جريج أخبرني عطاء أن صفوان بن يعلى أخبره عن يعلى به، ورواية جميع من ذكره عن عطاء عن يعلى معنعنة فدل على أنه لم يروه عن يعلى إلا بواسطة ابنه، وابن جريج من أعلم الناس بحديث عطاء، وقد صرح بسماعه منه فالتعليل بمثل هذا غير متجه كما قدمنا غير مرة.
- ج ١ ص ٣٥٨
(الحديث الثالث والعشرون) : قال الدارقطني: أخرج البخاري حديث الثوري عن الأعمش عن عمارة عن أبي عطية عن عائشة في التلبية، وتابعه أبو معاوية عن الأعمش، وقال شعبة عن الأعمش عن خيثمة عن أبي عطية به قال: وروي عن يحيى القطان عن الأعمش عن خيثمة أيضا، ورواه إسرائيل، وأبو الأحوص وزهير بن معاوية ومحمد بن فضيل، وأبو خالد وغير واحد عن الأعمش كما قال الثوري، ورواه عبد الله بن داود الخريبي عن الأعمش فأوضحه وبين علته قال: حدثنا الأعمش عن عمارة عن أبي عطية عن عائشة فذكره قال الأعمش: وذكر خيثمة عن الأسود أنه كان يزيد والملك لا شريك لك قال الدارقطني: فيشبه أن يكون دخل الوهم على شعبة من ذكر الأعمش لخيثمة في آخره. قلت: وهو تحقيق حسن ومقتضاه صحة ما اختاره البخاري واعتمده من رواية الأعمش على أن البخاري لم يهمل حكاية الخلاف، بل حكاها عقب حديث الثوري، والله أعلم.
-
(الحديث الرابع والعشرون) : قال الدارقطني: أخرج البخاري حديث أبي مروان عن هشام بن عروة عن أبيه عن أم سلمة أن النبي ﷺ قال لها: إذا صليت الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون. . الحديث، وهذا منقطع، وقد وصله حفص بن غياث عن هشام عن أبيه عن زينب عن أم سلمة، ووصله مالك عن أبي الأسود عن عروة كذلك في الموطأ. قلت: حديث مالك عند البخاري في هذا المكان مقرون بحديث أبي مروان، وقد وقع في بعض النسخ، وهي رواية الأصيلي في هذا عن هشام عن أبيه عن زينب عن أم سلمة موصولا وعلى هذا اعتمد المزي في الأطراف، ولكن معظم الروايات على إسقاط زينب قال أبو علي الجياني: وهو الصحيح، ثم ساقه من طريق أبي علي بن السكن عن علي بن عبد الله بن مبشر عن محمد بن حرب شيخ البخاري فيه على الموافقة، وليس فيه زينب، وكذا أخرجه الإسماعيلي من حديث عبدة بن سليمان ومحاضر وحسان بن إبراهيم كلهم عن هشام ليس فيه زينب، وهو المحفوظ من حديث هشام، وإنما اعتمد البخاري فيه رواية مالك التي أثبت فيها ذكر زينب، ثم ساق معها رواية هشام التي سقطت منها حاكيا للخلاف فيه على عروة كعادته مع أن سماع عروة من أم سلمة ليس بمستبعد، والله أعلم.
-
(الحديث الخامس والعشرون) : قال الدارقطني: وأخرجا حديث ابن جريج عن الزهري عن سليمان بن يسار عن ابن عباس عن الفضل في قصة الخثعمية قال: وقال حجاج في هذا الحديث عن ابن جريج حدثت عن الزهري. قلت: الحديث مخرج عندهما من رواية مالك وغيره عن الزهري فليس الاعتماد فيه على ابن جريج وحده، مع أن حجاجا لم يتابع على هذا السياق، إلا أنه حافظ، وابن جريج مدلس، فتعتمد رواية حجاج إلى أن يوجد من رواية غيره عن ابن جريج مصرحا فيه بالسماع من الزهري فإني لم أره من حديثه إلا معنعنا، والله أعلم.
-
(الحديث السادس والعشرون) : قال الدارقطني: وأخرج البخاري حديث الليث عن خالد عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك، قال: وقال هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن حفصة عن عمر، وقال روح بن القاسم عن زيد بن أسلم عن أمه عن حفصة عن عمر. قلت: الظاهر أنه كان عند زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر، وعن أمه عن حفصة عن عمر؛ لأن الليث وروح بن القاسم حافظان وأسلم مولى عمر من الملازمين له العارفين بحديثه، وفي سياق حديث زيد بن أسلم عن أمه عن حفصة
ج ١ ص ٣٥٩زيادة على حديثه عن أبيه عن عمر كما بينته في كتاب تغليق التعليق فدل على أنهما طريقان محفوظان، وأما رواية هشام بن سعد فإنها غير محفوظة؛ لأنه غير ضابط، والله أعلم، وقد رواه مالك عن زيد بن أسلم عن عمر لم يذكر بينهما أحدا ومالك كان يصنع ذلك كثيرا.
-
[من كتاب الصيام]
-
(الحديث السابع والعشرون) : قال الدارقطني: أخرج مسلم حديث الأشج عن أبي خالد عن الأعمش عن الحكم ومسلم البطين وسلمة بن كهيل عن سعيد وعطاء، ومجاهد عن ابن عباس أن امرأة زعمت أن أختها ماتت وعليها صوم. . الحديث. قال: وقال البخاري: ويذكر عن أبي خالد فذكره، قال الدارقطني: وخالفه جماعة منهم شعبة وزائدة، وابن نمير، وأبو معاوية وجرير وغير واحد عن الأعمش عن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وبين زائدة في روايته من أين دخل الوهم على أبي خالد، فقال في آخر الحديث، فقال الحكم وسلمة بن كهيل، وكانا عند مسلم حين حدث بهذا الحديث ونحن سمعناه من مجاهد عن ابن عباس. قلت: قد أوضحت هذه الطرق في كتابي تغليق التعليق وبينت أنه لا يلحق الشيخين في ذكرهما لطريق أبي خالد لوم؛ لأن البخاري علقه بصيغة يشير إلى وهمه فيه، وأما مسلم فأخرجه مقتصرا على إسناده دون سياق متنه لكن للحديث علة أخرى لم يتعرض لها الدارقطني، وهي اختلافهم في سياق متنه، وسنوضح ذلك إن شاء الله تعالى في موضعه إذا يسر الله علينا الوصول بمنه وقوته.
-
[من كتاب البيوع]
-
(الحديث الثامن والعشرون) : قال الدارقطني: أخرج البخاري من حديث الليث عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة أنه سمعه يقول: قال النبي ﷺ : إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب. . الحديث، وقد اختلف على سعيد فرواه عبيد الله بن عمر من رواية محمد بن عبيد ويحيى بن سعيد الأموي عنه عن سعيد عن أبيه، ورواه عبدة بن سليمان عن ابن إسحاق عن سعيد هكذا وخالف بن المبارك ومعتمر بن سليمان وعقبة بن خالد، وأبو أسامة وغيرهم فرووه عن عبيد الله بن عمر عن سعيد عن أبي هريرة لم يقولوا عن أبيه، وكذا قال غير واحد عن ابن إسحاق، وكذا رواه أيوب بن موسى وإسماعيل بن أمية وأسامة بن زيد وغيرهم عن سعيد ليس فيه عن أبيه، وأخرجها مسلم على اختلافها واقتصر البخاري على حديث الليث. قلت: الليث إمام، وقد زاد فيه عن أبيه فلا يضره من نقصه على أنه في مثل هذا لا يبعد أن يكون الحديث عند سعيد على الوجهين لكثرة من رواه عنه دون ذكر أبيه، وإذا صح أنه عنده على الوجهين فلا يضره الاختلاف مع أن الحديث عند الشيخين من غير طريق المقبري عن أبي هريرة أيضا، والله أعلم.