الفصل العاشر في عد أحاديث الجامع

٧٣ فقرة، ج ١ ص ٤٦٥

الصفحة ٢ من ٢

  1. عبد الله بن مالك الأزدي المعروف بابن بحينة أربعة أحاديث، عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي أبو عبد الرحمن خمسة وثمانون حديثا، عبد الله بن مغفل المزني ثمانية أحاديث، عبد الله بن هشام بن زهرة التيمي ثلاثة أحاديث، عبد الله بن يزيد الخطمي حديثان.

    ج ١ ص ٤٧٥
  2. عبد الرحمن بن أبزي الخزاعي حديث واحد، عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ثلاثة أحاديث، أبو عبس بن جبر الأنصاري واسمه عبد الرحمن حديث واحد، عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب العبشمي حديث واحد، عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة الزهري، أحد العشرة تسعة أحاديث، عتبان بن مالك الأنصاري حديث واحد، عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية الأموي تسعة أحاديث، عدي بن حاتم الطائي سبعة أحاديث، عروة بن أبي الجعد البارقي حديثان، عقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل النوفلي ثلاثة أحاديث، عقبة بن عامر الجهني تسعة أحاديث، عقبة بن عمرو أبو مسعود الأنصاري البدري أحد عشر حديثا، علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي تسعة وعشرون حديثا، عمار بن ياسر العبسي أربعة أحاديث، عمر بن الخطاب بن نفيل العدوي أمير المؤمنين ستون حديثا، عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي حديثان.

  3. عمرو بن أمية الضمري حديثان، عمرو بن تغلب النمري حديثان، عمرو بن الحارث المصطلقي حديث واحد، عمرو بن العاص السهمي ثلاثة أحاديث، عمرو بن عوف الأنصاري حديث واحد، عمران بن حصين الخزاعي اثنا عشر حديثا، عوف بن مالك الأشجعي حديث واحد، عويمر أبو الدرداء الأنصاري أربعة أحاديث، العلاء بن الحضرمي حديث واحد، الفضل بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي ثلاثة أحاديث، قتادة بن النعمان الأنصاري حديث واحد، قيس بن سعد بن

    ج ١ ص ٤٧٦عبادة الخزرجي حديثان، كعب بن عجرة البلوي حليف الأنصار حديثان، كعب بن مالك الأنصاري أربعة أحاديث، مالك بن الحويرث الليثي أربعة أحاديث، مالك بن ربيعة أبو أسيد الساعدي أربعة أحاديث، مالك بن صعصعة الأنصاري حديث واحد، مجاشع بن مسعود السلمي حديث واحد، أخوه مجالد حديث واحد، محمد بن مسلمة الأنصاري حديث واحد، محمود بن الربيع الأنصاري حديث واحد، مرداس بن مالك الأسلمي حديث واحد، مروان بن الحكم الأموي حديثان، المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري ثمانية أحاديث، المسيب بن حزن والد سعيد المخزومي ثلاثة أحاديث، معاذ بن جبل الأنصاري ستة أحاديث، معاوية بن أبي سفيان الأموي ثمانية أحاديث، معقل بن يسار المزني حديثان، معن بن يزيد السلمي حديث واحد، معيقيب الدوسي حديث واحد.

  4. المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي أحد عشر حديثا، المقداد بن الأسود الكندي حديث واحد، المقدام بن معديكرب الكندي حديثان، نضلة بن عبيد أبو برزة الأسلمي أربعة أحاديث، النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري ستة أحاديث، النعمان بن مقرن المزني حديث واحد، نفيع بن الحارث أبو بكرة الثقفي أربعة عشر حديثا، نوفل بن معاوية الديلي حديث واحد، هانئ أبو بردة بن نيار الأنصاري حديث واحد، واثلة بن الأسقع الليثي حديث واحد، وحشي بن حرب الحبشي حديث واحد، وهب بن عبد الله أبو جحيفة السوائي سبعة أحاديث، يعلى بن أمية التميمي ثلاثة أحاديث.

  5. ذكر

    من لا يعرف اسمه أو اختلف فيه

    أبو بشير الأنصاري حديث واحد، أبو ثعلبة الخشني ثلاثة أحاديث، أبو جهم بن الحارث بن الصمة الأنصاري حديثان، أبو حميد الساعدي أربعة أحاديث، أبو ذر الغفاري أربعة عشر حديثا، أبو رافع مولى رسول الله ﷺ حديث واحد، أبو سعيد بن المعلى الأنصاري حديث واحد، أبو شريح الخزاعي ثلاثة أحاديث، أبو قتادة الأنصاري ثلاثة عشر حديثا، أبو لبابة الأنصاري حديث واحد، أبو هريرة الدوسي أربعمائة وستة وأربعون حديثا، أبو واقد الليثي حديث واحد.

  6. النساء: أسماء بنت أبي بكر الصديق ستة عشر حديثا، أسماء بنت عميس حديث واحد، أميمة بنت خالد بن سعيد بن العاص أم خالد حديثان، حفصة بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين خمسة أحاديث، خنساء بنت خذام حديث واحد، خولة بنت قيس الأنصارية حديث واحد، الربيع بنت معوذ الأنصارية ثلاثة أحاديث، رملة بنت أبي سفيان أم حبيبة أم المؤمنين حديثان: زينب بنت جحش أم المؤمنين حديثان، زينب بنت أبي سلمة بن عبد الأسد حديثان، زينب الثقفية امرأة ابن مسعود حديث واحد، سبيعة بنت الحارث الأسلمية حديث واحد، سودة بنت زمعة العامرية أم المؤمنين حديث واحد، صفية بنت حيي أم المؤمنين حديث واحد، صفية بنت شيبة العبدرية حديث واحد، عائشة بنت أبي بكر الصديق أم المؤمنين مائتان واثنان وأربعون حديثا، فاختة أم هانئ بنت أبي طالب الهاشمية حديثان، فاطمة بنت قيس الفهرية حديث واحد، فاطمة الزهراء بنت سيدنا رسول الله ﷺ حديث واحد، لبابة أم الفضل حديثان، ميمونة بنت الحارث الهلالية

    ج ١ ص ٤٧٧أم المؤمنين سبعة أحاديث، نسيبة أم عطية الأنصارية (١) خمسة أحاديث، هند بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية أم سلمة أم المؤمنين ستة عشر حديثا، أم حرام بنت ملحان حديثان، أم رومان والدة عائشة حديثان، أم سليم الأنصارية حديثان، أم شريك العامرية حديث واحد.

  7. أم العلاء الأنصارية حديث واحد، أم قيس بنت محصن الأسدية حديثان، أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط حديث واحد، بنت خفاف بن إيماء حديث واحد.

  8. فجميع ما في صحيح البخاري من المتون الموصولة بلا تكرير على التحرير ألفا حديث وستمائة حديث وحديثان، ومن المتون المعلقة المرفوعة التي لم يوصلها في موضع آخر من الجامع المذكور مائة وتسعة وخمسون حديثا، فجميع ذلك ألفا حديث وسبعمائة وأحد وستون حديثا، وبين هذا العدد الذي حررته، والعدد الذي ذكره ابن الصلاح وغيره تفاوت كثير، وما عرفت من أين أتى الوهم في ذلك، ثم تأولته على أنه يحتمل أن يكون العاد الأول الذي قلدوه في ذلك كان إذا رأى الحديث مطولا في موضع، ومختصرا في موضع آخر يظن أن المختصر غير المطول إما لبعد العهد به، أو لقلة المعرفة بالصناعة، ففي الكتاب من هذا النمط شيء كثير وحينئذ يتبين السبب في تفاوت ما بين العددين، والله الموفق، وإذا انتهى ما أردت تحريره من فصول هذه المقدمة فلنرجع إلى ما تقدم الوعد به من تحرير الترجمة، فأقول:

    ذكر

    نسبه ومولده ومنشئه ومبدأ طلبه للحديث

    هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه الجعفي، ولد يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال، سنة أربع وتسعين ومائة ببخارى، قال المستنير بن عتيق: أخرج لي ذلك محمد بن إسماعيل بخط أبيه، وجاء ذلك عنه من طرق، وجده بَرْدِزْبَهْ بفتح الباء الموحدة وسكون الراء المهملة وكسر الدال المهملة وسكون الزاي المعجمة وفتح الباء الموحدة بعدها هاء، هذا هو المشهور في ضبطه، وبه جزم بن ماكولا، وقد جاء في ضبطه غير ذلك، وبردزبه بالفارسية الزراع، كذا يقوله أهل بخارى، وكان بردزبه فارسيا على دين قومه، ثم أسلم ولده المغيرة على يد اليمان الجعفي، وأتى بخارى، فنسب إليه نسبة ولاء، عملا بمذهب من يرى أن من أسلم على يده شخص كان ولاؤه له، وإنما قيل له الجعفي لذلك.

  9. وأما ولده إبراهيم بن المغيرة فلم نقف على شيء من أخباره، وأما والد محمد فقد ذكرت له ترجمة في كتاب الثقات لابن حبان، فقال: في الطبقة الرابعة إسماعيل بن إبراهيم والد البخاري، يروي عن حماد بن زيد ومالك، وروى عنه العراقيون، وذكره ولده في التاريخ الكبير، فقال: إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة سمع من مالك، وحماد بن زيد، وصافح ابن المبارك، وسيأتي بعد قليل قول إسماعيل عند موته أنه لا يعلم في ماله حراما ولا شبهة، ومات إسماعيل ومحمد صغير، فنشأ في حجر أمه، ثم حج مع أمه وأخيه أحمد، وكان أسن منه فأقام

    ج ١ ص ٤٧٨هو بمكة مجاورا يطلب العلم ورجع أخوه أحمد إلى بخارى فمات بها فروى غنجار في تاريخ بخاري واللالكائي في شرح السنة في باب كرامات الأولياء منه أن محمد بن إسماعيل ذهبت عيناه في صغره فرأت والدته الخليل إبراهيم في المنام فقال لها يا هذه قد رد الله على ابنك بصره بكثرة دعائك قال فأصبح وقد رد الله عليه بصره وقال الفربري سمعت محمد بن أبي حاتم وراق البخاري يقول سمعت البخاري يقول ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب قلت وكم أتى عليك إذ ذاك فقال عشر سنين أو أقل ثم خرجت من الكتاب فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره فقال يوما فيما كان يقرأ للناس سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم فقلت يا أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم فانتهرني فقلت له ارجع إلى الأصل إن كان عندك فدخل فنظر فيه ثم رجع فقال كيف هو يا غلام فقلت هو الزبير وهو بن عدي عن إبراهيم فأخذ القلم وأصلح كتابه وقال لي صدقت قال فقال له أنسيأن ابن كم حين رددت عليه فقال ابن إحدى عشرة سنة قال فلما طعنت في ست عشرة سنة حفظت كتب بن المبارك ووكيع وعرفت كلام هؤلاء يعني أصحاب الرأي قال ثم خرجت مع أمي وأخي إلى الحج قلت فكان أول رحلته على هذا سنة عشر ومائتين ولو رحل أول ما طلب لأدرك ما أدركته أقرانه من طبقة عالية ما أدركها وإن كان أدرك ما قاربها كيزيد بن هارون (١) وأبي داود الطيالسي (٢) وقد أدرك عبد الرزاق وأراد أن يرحل إليه وكان يمكنه ذلك فقيل له إنه مات فتأخر عن التوجه إلى اليمن ثم تبين أن عبد الرزاق كان حيا فصار يروي عنه بواسطة قال فلما طعنت في ثماني عشرة وصنفت كتاب قضايا الصحابة والتابعين ثم صنفت التاريخ في المدينة عند قبر النبي ﷺ وكنت أكتبه في الليالي المقمرة قال وقل اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة إلا أني كرهت أن يطول الكتاب وقال سهب بن السري قال البخاري دخلت إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين وإلى البصرة أربع مرات وأقمت بالحجاز ستة أعوام ولا أحصي كم دخلت إلى الكوفة وبغداد مع المحدثين وقال حاشد بن إسماعيل كان البخاري يختلف معنا إلى مشايخ البصرة وهو غلام فلا يكتب حتى أتى على ذلك أيام فلمناه بعد ستة عشر يوما فقال قد أكثرتم علي فاعرضوا علي ما كتبتم فأخرجناه فزاد على خمسة عشر ألف حديث فقرأها كلها عن ظهر قلب حتى جعلنا نحكم كتبنا من حفظه وقال أبو بكر بن أبي عياش الأعين كتبنا عن محمد بن إسماعيل وهو أمرد على باب محمد بن يوسف الفريابي قلت كان موت الفريابي سنة اثنتي عشرة ومائتين وكان سن البخاري إذ ذاك نحوا من ثمانية عشر عاما أو دونها وقال محمد بن الأزهر السجستاني كنت في مجلس سليمان ابن حرب والبخاري معنا يسمع ولا يكتب فقيل لبعضهم ماله لا يكتب فقال يرجع إلى بخاري ويكتب من حفظه وقال محمد بن أبي حاتم عن البخاري كنت في مجلس الفريابي فقال حدثنا سفيان عن أبي عروة عن أبي الخطاب عن أبي حمزة فلم يعرف أحد في المجلس من فوق سفيان فقلت لهم أبو عروة هو معمر بن راشد وأبو الخطاب هو قتادة بن دعامة وأبو حمزة هو أنس بن مالك قال وكان الثوري فعولا لذلك يكنى المشهورين

    ج ١ ص ٤٧٩ذكر

    مراتب مشايخه الذين كتب عنهم وحدث عنهم

    قد تقدم التنبيه على كثرتهم، وعن محمد بن أبي حاتم عنه، قال: كتبت عن ألف وثمانين نفسا، ليس فيهم إلا صاحب حديث، وقال أيضا: لم أكتب إلا عمن قال الإيمان قول وعمل، قلت: وينحصرون في خمس طبقات: (الطبقة الأولى) : من حدثه عن التابعين مثل: محمد بن عبد الله الأنصاري حدثه عن حميد، ومثل مكي بن إبراهيم حدثه عن يزيد بن أبي عبيد، ومثل أبي عاصم النبيل حدثه عن يزيد بن أبي عبيد أيضا، ومثل عبيد الله بن موسى حدثه عن إسماعيل بن أبي خالد، ومثل أبي نعيم حدثه عن الأعمش، ومثل خلاد بن يحيى حدثه عن عيسى بن طهمان، ومثل علي بن عياش، وعصام بن خالد حدثاه عن حريز بن عثمان، وشيوخ هؤلاء كلهم من التابعين.

  10. (الطبقة الثانية) : من كان في عصر هؤلاء، لكن لم يسمع من ثقات التابعين كآدم بن أبي إياس، وأبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر، وسعيد بن أبي مريم، وأيوب بن سليمان بن بلال، وأمثالهم.

  11. (الطبقة الثالثة) : هي الوسطى من مشايخه، وهم من لم يلق التابعين؛ بل أخذ عن كبار تبع الأتباع، كسليمان بن حرب، وقتيبة بن سعيد، ونعيم بن حماد، وعلي ابن المديني، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي بكر، وعثمان ابني أبي شيبة، وأمثال هؤلاء، وهذه الطبقة قد شاركه مسلم في الأخذ عنهم.

  12. (الطبقة الرابعة) : رفقاؤه في الطلب، ومن سمع قبله قليلا، كمحمد بن يحيى الذهلي، وأبي حاتم الرازي، ومحمد بن عبد الرحيم صاعقة، وعبد بن حميد، وأحمد بن النضر، وجماعة من نظرائهم، وإنما يخرج عن هؤلاء ما فاته عن مشايخه، أو ما لم يجده عند غيرهم.

  13. (الطبقة الخامسة) : قوم في عداد طلبته في السن والإسناد، سمع منهم للفائدة كعبد الله بن حماد الآملي، وعبد الله بن أبي العاص الخوارزمي، وحسين بن محمد القباني وغيرهم، وقد روى عنهم أشياء يسيرة، وعمل في الرواية عنهم مما روى عثمان بن أبي شيبة عن وكيع، قال: لا يكون الرجل عالما حتى يحدث عمن هو فوقه وعمن هو مثله، وعمن هو دونه، وعن البخاري أنه قال: لا يكون المحدث كاملا حتى يكتب عمن هو فوقه، وعمن هو مثله وعمن هو دونه.

  14. ذكر

    سيرته وشمائله وزهده وفضائله

    قال ورَّاقه: سمعت محمد بن خراش يقول: سمعت أحيد بن حفص يقول: دخلت على إسماعيل والد أبي عبد الله عند موته فقال: لا أعلم من مالي درهما من حرام ولا درهما من شبهة، قلت: وحكى وراقه أنه ورث من أبيه مالا جليلا، وكان يعطيه مضاربة، فقطع له غريم خمسة وعشرين ألفا فقيل له: استعن بكتاب الوالي فقال: إن أخذت منهم كتابا طمعوا، ولن أبيع ديني بدنياي، ثم صالح غريمه على أن يعطيه كل شهر عشرة دراهم، وذهب ذلك المال كله، وقال: سمعته يقول: ما توليت شراء شيء قط ولا بيعه كنت آمر إنسانا فيشتري لي قيل له: ولم قال لما فيه من الزيادة والنقصان والتخليط، وقال غنجار في تاريخه: حدثنا أحمد بن محمد بن عمر المقري، حدثنا أبو سعيد بكر بن منير، قال: كان حمل إلى محمد بن إسماعيل بضاعة أنفذها إليه أبو حفص، فاجتمع بعض التجار إليه بالعشية، وطلبوها منه بربح

    ج ١ ص ٤٨٠خمسة آلاف درهم، فقال لهم: انصرفوا الليلة فجاءه من الغد تجار آخرون، فطلبوا منه البضاعة بربح عشرة آلاف درهم فردهم، وقال: إني نويت البارحة أن أدفعها إلى الأولين فدفعها إليهم، وقال: لا أحب أن أنقض نيتي، وقال وراق البخاري: سمعته يقول: خرجت إلى آدم بن أبي إياس، فتأخرت نفقتي حتى جعلت أتناول حشيش الأرض، فما كان في اليوم الثالث أتاني رجل لا أعرفه، فأعطاني صرة فيها دنانير، قال: وسمعته يقول: كنت أستغل في كل شهر خمسمائة درهم فأنفقها في الطلب، وما عند الله خير وأبقى، وقال عبد الله بن محمد الصيارفي: كنت عند محمد بن إسماعيل في منزله، فجاءته جاريته وأرادت دخول المنزل، فعثرت على محبرة بين يديه، فقال لها: كيف تمشين؟ قالت: إذا لم يكن طريق كيف أمشي، فبسط يديه، وقال: اذهبي فقد أعتقتك، قيل له: يا أبا عبد الله، أغضبتك؟ قال: فقد أرضيت نفسي بما فعلت، وقال وراق البخاري: رأيته استلقى ونحن بفربر في تصنيف كتاب التفسير، وكان أتعب نفسه في ذلك اليوم في التخريج، فقلت له: إني سمعتك تقول: ما أتيت شيئا بغير علم فما الفائدة في الاستلقاء؟.

    قال: أتعبت نفسي اليوم، وهذا ثغر خشيت أن يحدث حدث من أمر العدو، فأحببت أن أستريح وآخذ أهبة، فإن غافصنا العدو كان بنا حراك، قال: وكان يركب إلى الرمي كثيرا فما أعلم أني رأيته في طول ما صحبته أخطأ سهمه الهدف إلا مرتين؛ بل كان يصيب في كل ذلك ولا يسبق، قال: وركبنا يوما إلى الرمي ونحن بفربر، فخرجنا إلى الدرب الذي يؤدي إلى الفرضة، فجعلنا نرمي فأصاب سهم أبي عبد الله وتد القنطرة التي على النهر، فانشق الوتد، فلما رأى ذلك نزل عن دابته، فأخرج السهم من الوتد، وترك الرمي، وقال لنا: ارجعوا فرجعنا فقال لي: يا أبا جعفر، لي إليك حاجة وهو يتنفس الصعداء، فقلت: نعم، قال: تذهب إلى صاحب القنطرة فتقول: إنا أخللنا بالوتد فنحب أن تأذن لنا في إقامة بدله، أو تأخذ ثمنه، وتجعلنا في حل مما كان منا، وكان صاحب القنطرة حميد بن الأخضر، فقال لي: أبلغ أبا عبد الله السلام، وقل له: أنت في حل مما كان منك فإن جميع ملكي لك الفداء، فأبلغته الرسالة فتهلل وجهه، وأظهر سرورا كثيرا، وقرأ ذلك اليوم للغرباء خمسمائة حديث، وتصدق بثلاثمائة درهم.

    قال: وسمعته يقول لأبي معشر الضرير: اجعلني في حل يا أبا معشر، فقال: من أي شيء؟ فقال: رويت حديثا يوما، فنظرت إليك وقد أعجبت به وأنت تحرك رأسك ويديك، فتبسمت من ذلك، قال: أنت في حل يرحمك الله يا أبا عبد الله، قال: وسمعته يقول: دعوت ربي مرتين فاستجاب لي؛ يعني في الحال، فلن أحب أن أدعو بعد فلعله ينقص حسناتي.

    قال: وسمعته يقول: لا يكون لي خصم في الآخرة، فقلت: إن بعض الناس ينقمون عليك التاريخ يقولون فيه اغتياب الناس، فقال: إنما روينا ذلك رواية ولم نقله من عند أنفسنا، وقد قال النبي ﷺ بئس أخو العشيرة، قال: وسمعته يقول: ما اغتبت أحدا قط منذ علمت أن الغيبة حرام، قلت: وللبخاري في كلامه على الرجال توق زائدة، وتحر بليغ يظهر لمن تأمل كلامه في الجرح والتعديل، فإن أكثر ما يقول: سكتوا عنه، فيه نظر، تركوه ونحو هذا، وقل أن يقول: كذاب أو وضاع، وإنما يقول: كذبه فلان، رماه فلان؛ يعني بالكذب، أخبرني أحمد بن عمر اللؤلؤي عن الحافظ أبي الحجاج المزي، أن أبا الفتح الشيباني أخبره، أخبرنا أبو اليمان الكندي، أخبرنا أبو منصور القزاز، أخبرنا الخطيب أبو بكر بن ثابت، أخبرني أبو الوليد الدربندي، أخبرنا محمد بن أحمد بن سليمان، حدثنا أحمد بن محمد بن عمر، سمعت بكر بن منير يقول: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: إني لأرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدا، وبه إلى أبي بكر بن منير، قال: كان محمد بن إسماعيل البخاري ذات يوم يصلي، فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة، فلما قضى صلاته، قال: انظروا أي شيء هذا الذي آذاني في صلاتي؟ فنظروا، فإذا الزنبور قد ورمه في سبعة

    ج ١ ص ٤٨١عشر موضعا ولم يقطع صلاته، قلت: ورويناها عن محمد بن أبي حاتم وراقه، وقال في آخرها: كنت في آية، فأحببت أن أتمها، وقال وراقه أيضا: كنا بفربر، وكان أبو عبد الله يبني رباطا مما يلي بخارى، فاجتمع بشر كثير يعينونه على ذلك، وكان ينقل اللبن، فكنت أقول له: يا أبا عبد الله، إنك تكفي ذلك، فيقول: هذا الذي ينفعني، قال: وكان ذبح لهم بقرة، فلما أدركت القدور دعا الناس إلى الطعام، فكان معه مائة نفس أو أكثر، ولم يكن علم أنه يجتمع ما اجتمع، وكنا أخرجنا معه من فربر خبزا بثلاثة دراهم، وكان الخبز إذ ذاك خمسة أمنان بدرهم، فألقيناه بين أيديهم، فأكل جميع من حضر، وفضلت أرغفة صالحة، وقال: وكان قليل الأكل جدا كثير الإحسان إلى الطلبة، مفرط الكرم، وحكى أبو الحسن يوسف بن أبي ذر البخاري أن محمد بن إسماعيل مرض فعرضوا ماءه على الأطباء، فقالوا: إن هذا الماء يشبه ماء بعض

  15. أساقفة النصارى، فإنهم لا يأتدمون، فصدقهم محمد بن إسماعيل، وقال: لم آتدم منذ أربعين سنة، فسألوا عن علاجه، فقالوا: علاجه الآدم، فامتنع حتى ألح عليه المشايخ، وأهل العلم، فأجابهم إلى أن يأكل مع الخبز سكرة.

    وقال الحاكم أبو عبد الله الحافظ: أخبرني محمد بن خالد، حدثنا مقسم بن سعد، قال: كان محمد بن إسماعيل البخاري إذا كان أول ليلة من شهر رمضان يجتمع إليه أصحابه، فيصلي بهم، ويقرأ في كل ركعة عشرين آية، وكذلك إلى أن يختم القرآن، وكان يقرأ في السحر ما بين النصف إلى الثلث من القرآن، فيختم عند السحر في كل ثلاث ليال، وكان يختم بالنهار في كل يوم ختمة، ويكون ختمه عند الإفطار كل ليلة، ويقول: عند كل ختمة دعوة مستجابة.

    وقال محمد بن أبي حاتم الوراق: كان أبو عبد الله إذا كنت معه في سفر يجمعنا بيت واحد إلا في القيظ، فكنت أراه يقوم في الليلة الواحدة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة في كل ذلك يأخذ القداحة، فيوري نارا بيده، ويسرج ويخرج أحاديث فيعلم عليها، ثم يضع رأسه فقلت له: إنك تحمل على نفسك كل هذا ولا توقظني، قال: أنت شاب فلا أحب أن أفسد عليك نومك، قال: وكان يصلي في وقت السحر ثلاث عشرة ركعة، ويوتر منها بواحدة، قال: وكان معه شيء من شعر النبي ﷺ فجعله في ملبوسه، قال: وسمعته يقول وقد سئل عن خبر حديث يا أبا فلان تراني أدلس، وقد تركت عشرة آلاف حديث لرجل فيه نظر، وتركت مثلها أو أكثر منها لغيره لي فيه نظر.

    وقال الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي السليماني: سمعت علي بن محمد بن منصور يقول: سمعت أبي يقول: كنا في مجلس أبي عبد الله البخاري، فرفع إنسان من لحيته قذاة وطرحها إلى الأرض، قال: فرأيت محمد بن إسماعيل ينظر إليها وإلى الناس، فلما غفل الناس رأيته مد يده، فرفع القذاة من الأرض، فأدخلها في كمه، فلما خرج من المسجد رأيته أخرجها وطرحها على الأرض، فكأنه صان المسجد عما تصان عنه لحيته.

  16. وأخرج الحاكم في تاريخه من شعره قوله:
  17. اغتنم في الفراغ فضل ركوع … فعسى أن يكون موتك بغته

    كم صحيح رأيت من غير سقم … ذهبت نفسه الصحيحة فلته

    قلت: وكان من العجائب أنه هو وقع له ذلك أو قريبا منه كما سيأتي في ذكر وفاته، ولما نعي إليه عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي الحافظ أنشد:

    إن عشت تفجع بالأحبة كلهم … وبقاء نفسك لا أبا لك أفجع

    ج ١ ص ٤٨٢ذكر

    ثناء الناس عليه وتعظيمهم له

    فأولهم مشايخه، قال سليمان بن حرب، ونظر إليه يوما فقال: هذا يكون له صيت، وكذا قال أحمد بن حفص نحوه، وقال البخاري: كنت إذا دخلت على سليمان بن حرب يقول: بين لنا غلط شعبة، وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت البخاري يقول: كان إسماعيل بن أبي أويس إذا انتخبت من كتابه نسخ تلك الأحاديث لنفسه، وقال: هذه الأحاديث انتخبها محمد بن إسماعيل من حديثي، قال: وسمعته يقول: اجتمع أصحاب الحديث فسألوني أن أكلم لهم إسماعيل بن أبي أويس؛ ليزيدهم في القراءة، ففعلت فدعا الجارية فأمرها أن تخرج صرة دنانير، وقال: يا أبا عبد الله، فرقها عليهم، قلت: إنما أرادوا الحديث، قال: أجبتك إلى ما طلبوا من الزيادة غير أني أحب أن يضم هذا إلى ذاك، قال: وقال لي ابن أبي أويس: انظر في كتبي وجميع ما أملك لك، وأنا شاكر لك أبدا ما دمت حيا.

  18. وقال حاشد بن إسماعيل، قال لي أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري: محمد بن إسماعيل أفقه عندنا، وأبصر بالحديث من أحمد بن حنبل، فقال له رجل من جلسائه: جاوزت الحد، فقال له أبو مصعب: لو أدركت مالكا، ونظرت إلى وجهه ووجه محمد بن إسماعيل لقلت كلاهما واحد في الحديث والفقه، قلت: عبر بقوله: ونظرت إلى وجهه عن التأمل في معارفه، وقال عبدان بن عثمان المروزي: ما رأيت بعيني شابا أبصر من هذا، وأشار إلى محمد بن إسماعيل، وقال محمد بن قتيبة: البخاري كنت عند أبي عاصم النبيل فرأيت عنده غلاما، فقلت له: من أين؟ قال: من بخارى، قلت: ابن من؟ قال: ابن إسماعيل، فقلت: أنت من قرابتي، فقال لي رجل بحضرة أبي عاصم: هذا الغلام يناطح الكباش؛ يعني يقاوم الشيوخ، وقال قتيبة بن سعيد: جالست الفقهاء والزهاد والعباد فما رأيت منذ عقلت مثل محمد بن إسماعيل، وهو في زمانه كعمر في الصحابة، وعن قتيبة أيضا قال: لو كان محمد بن إسماعيل في الصحابة لكان آية، وقال محمد بن يوسف الهمداني: كنا عند قتيبة، فجاء رجل شعراني يقال له أبو يعقوب، فسأله عن محمد بن إسماعيل؟ فقال: يا هؤلاء، نظرت في الحديث، ونظرت في الرأي، وجالست الفقهاء والزهاد والعباد، فما رأيت منذ عقلت مثل محمد بن إسماعيل، قال: وسئل قتيبة عن طلاق السكران، فدخل محمد بن إسماعيل، فقال قتيبة للسائل: هذا أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وعلي ابن المديني قد ساقهم الله إليك، وأشار إلى البخاري، وقال أبو عمرو الكرماني: حكيت لمهيار بالبصرة عن قتيبة بن سعيد أنه قال: لقد رحل إلي من شرق الأرض ومن غربها فما رحل إلي مثل محمد بن إسماعيل، فقال مهيار: صدق قتيبة، أنا رأيته مع يحيى بن معين وهما جميعا يختلفان إلى محمد بن إسماعيل، فرأيت يحيى منقادا له في المعرفة، وقال إبراهيم بن محمد بن سلام: كان الرتوت من أصحاب الحديث مثل سعيد بن أبي مريم، وحجاج بن منهال، وإسماعيل بن أبي أويس، والحميدي، ونعيم بن حماد، والعدني؛ يعني محمد بن يحيى بن أبي عمر، والخلال؛ يعني الحسين بن علي الحلواني، ومحمد بن ميمون هو الخياط، وإبراهيم بن المنذر، وأبي كريب محمد بن العلاء، وأبي سعيد عبد الله بن سعيد الأشج، وإبراهيم بن

    موسى هو الفراء وأمثالهم، يقضون لمحمد بن إسماعيل على أنفسهم في النظر والمعرفة.

    قلت: الرتوت: بالراء المهملة والتاء المثناة من فوق، وبعد الواو مثناة أخرى، هم الرؤساء، قاله ابن الأعرابي وغيره، وقال أحمد بن حنبل: ما أخرجت خراسان مثل محمد

    ج ١ ص ٤٨٣بن إسماعيل، رواها الخطيب بسند صحيح عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، ولما سأله ابنه عبد الله عن الحفاظ، فقال: شبان من خراسان، فعده فيهم فبدأ به.

    وقال يعقوب بن إبراهيم الدورقي، ونعيم بن حماد الخزاعي: محمد بن إسماعيل البخاري فقيه هذه الأمة، وقال بندار: محمد بن بشار هو أفقه خلق الله في زماننا، وقال الفربري: سمعت محمد بن أبي حاتم يقول: سمعت حاشد بن إسماعيل يقول: كنت بالبصرة، فسمعت بقدوم محمد بن إسماعيل، فلما قدم قال محمد بن بشار: قدم اليوم سيد الفقهاء.

    وقال محمد بن إبراهيم البوشنجي: سمعت بندارا سنة ثمان وعشرين يقول: ما قدم علينا مثل محمد بن إسماعيل، وقال بندار: أنا أفتخر به منذ سنين، وقال موسى بن قريش: قال عبد الله بن يوسف التنيسي: البخاري يا أبا عبد الله انظر في كتبي وأخبرني بما فيها من السقط فقال: نعم، وقال البخاري: دخلت على الحميدي وأنا ابن ثمان عشرة سنة؛ يعني أول سنة حج، فإذا بينه وبين آخر اختلاف في حديث، فلما بصر بي، قال: جاء من يفصل بيننا، فعرضا علي الخصومة، فقضيت للحميدي، وكان الحق معه.

    وقال البخاري: قال لي محمد بن سلام البيكندي: انظر في كتبي فما وجدت فيها من خطأ فاضرب عليه، فقال له بعض أصحابه: من هذا الفتى؟ فقال: هذا الذي ليس مثله، وكان محمد بن سلام المذكور يقول: كلما دخل على محمد بن إسماعيل تحيرت ولا أزال خائفا منه؛ يعني يخشى أن يخطئ بحضرته، وقال سليم بن مجاهد: كنت عند محمد بن سلام، فقال لي: لو جئت قبل لرأيت صبيا يحفظ سبعين ألف حديث، وقال حاشد بن إسماعيل: رأيت إسحاق بن راهويه جالسا على المنبر، والبخاري جالس معه، وإسحاق يحدث، فمر بحديث فأنكره محمد، فرجع إسحاق إلى قوله، وقال: يا معشر أصحاب الحديث، انظروا إلى هذا الشاب، واكتبوا عنه فإنه لو كان في زمن الحسن بن أبي الحسن البصري لاحتاج إليه لمعرفته بالحديث وفقهه.

    وقال البخاري: أخذ إسحاق بن راهويه كتاب التاريخ الذي صنفته، فأدخله على عبد الله بن طاهر الأمير، فقال: أيها الأمير، ألا أريك سحرا، وقال أبو بكر المديني: كنا يوما عند إسحاق بن راهويه، ومحمد بن إسماعيل حاضر، فمر إسحاق بحديث ودون صحابيه عطاء الكنجاراني، فقال له إسحاق: يا أبا عبد الله، أيش هي كنجاران؟ قال: قرية باليمن، كان معاوية بعث هذا الرجل الصحابي إلى اليمن، فسمع منه عطاء هذا حديثين، فقال له إسحاق: يا أبا عبد الله، كأنك شهدت القوم.

    وقال البخاري: كنت عند إسحاق بن راهويه، فسئل عمن طلق ناسيا، فسكت طويلا مفكرا، فقلت: أنا، قال النبي ﷺ : إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم، وإنما يراد مباشرة هؤلاء الثلاث: العمل، والقلب، أو الكلام والقلب، وهذا لم يعتقد بقلبه فقال لي إسحاق: قويتني قواك الله وأفتي به.

  19. وقال أبو الفضل أحمد بن سلمة النيسابوري: حدثني فتح بن نوح النيسابوري، قال: أتيت علي ابن المديني، فرأيت محمد بن إسماعيل جالسا عن يمينه، وكان إذا حدث ألتفت إليه مهابة له، وقال البخاري: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي ابن المديني، وربما كنت أغرب عليه، قال حامد بن أحمد، فذكر هذا الكلام لعلي ابن المديني فقال لي: دع قوله هو ما رأى مثل نفسه، وقال البخاري أيضا: كان علي ابن المديني يسألني عن شيوخ خراسان فكنت أذكر له محمد بن سلام فلا يعرفه إلى أن قال لي يوما: يا أبا عبد الله، كل من أثنيت عليه فهو عندنا الرضى، وقال البخاري: ذاكرني أصحاب عمرو بن علي الفلاس بحديث، فقلت: لا أعرفه، فسروا بذلك، وصاروا إلى عمرو بن علي فقالوا له: ذاكرنا محمد بن إسماعيل بحديث فلم يعرفه، فقال عمرو بن علي: حديث لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث.

    وقال أبو عمرو الكرماني: سمعت عمرو بن علي الفلاس يقول: صديقي أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ليس بخراسان مثله، وقال رجاء بن رجاء الحافظ: فضل محمد بن إسماعيل على العلماء كفضل الرجال على النساء، وقال

    ج ١ ص ٤٨٤أيضا: هو آية من آيات الله تمشي على ظهر الأرض، وقال الحسين بن حريث: لا أعلم أني رأيت مثل محمد بن إسماعيل كأنه لم يخلق إلا للحديث، وقال أحمد بن الضوء: سمعت أبا بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير يقولان: ما رأينا مثل محمد بن إسماعيل، وكان أبو بكر بن أبي شيبة يسميه البازل؛ يعني الكامل.

    وقال أبو عيسى الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فقال له لما قام: يا أبا عبد الله، جعلك الله زين هذه الأمة، قال أبو عيسى: فاستجاب الله تعالى فيه، وقال أبو عبد الله الفربري: رأيت عبد الله بن منير يكتب عن البخاري، وسمعته يقول: أنا من تلامذته، قلت: عبد الله بن منير من شيوخ البخاري، قد حدث عنه في الجامع الصحيح، وقال: لم أر مثله، وكانت وفاته سنة مات أحمد بن حنبل.

    وقال محمد بن أبي حاتم الوراق: سمعت يحيى بن جعفر البيكدني يقول: لو قدرت أن أزيد من عمري في عمر محمد بن إسماعيل لفعلت، فإن موتي يكون موت رجل واحد، وموت محمد بن إسماعيل فيه ذهاب العلم، وقال أيضا: سمعته يقول له: لولا أنت ما استطبت العيش ببخارى، وقال عبد الله بن محمد المسندي: محمد بن إسماعيل إمام، فمن لم يجعله إماما فاتهمه، وقال أيضا: حفاظ زماننا ثلاثة؛ فبدأ بالبخاري، وقال علي بن حجر: أخرجت خراسان ثلاثة: البخاري فبدأ به، قال: وهو أبصرهم وأعلمهم بالحديث وأفقههم، قال: ولا أعلم أحدا مثله.

    وقال أحمد بن إسحاق السرماري: من أراد أن ينظر إلى فقيه بحقه وصدقه فلينظر إلى محمد بن إسماعيل، وقال حاشد: رأيت عمرو بن زرارة، ومحمد بن رافع عند محمد بن إسماعيل، وهما يسألانه عن علل الحديث، فلما قاما قالا لمن حضر المجلس لا تخدعوا عن أبي عبد الله فإنه أفقه منا وأعلم وأبصر، قال: وكنا يوما عند إسحاق بن راهويه، وعمرو بن زرارة وهو يستملي على أبي عبد الله، وأصحاب الحديث يكتبون عنه، وإسحاق يقول: هو أبصر مني، وكان أبو عبد الله إذ ذاك شابا، وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي: أخبرني عبد الله بن محمد الفرهياني، قال: حضرت مجلس ابن إشكاب، فجاءه رجل ذكر اسمه من الحفاظ، فقال: ما لنا بمحمد بن إسماعيل من طاقة، فقام ابن إشكاب وترك المجلس غضبا من التكلم في حق محمد بن إسماعيل، وقال عبد الله بن محمد بن سعيد بن جعفر: لما مات أحمد بن حرب النيسابوري ركب إسحاق بن راهويه، ومحمد بن إسماعيل يشيعان جنازته، وكنت أسمع أهل المعرفة ينظرون، ويقولون: محمد أفقه من إسحاق.

  20. ذكر

    طرف من ثناء أقرانه وطائفة من أتباعه عليه تنبيها بالبعض على الكل

    قال أبو حاتم الرازي: لم تخرج خراسان قط أحفظ من محمد بن إسماعيل، ولا قدم منها إلى العراق أعلم منه، قال محمد بن حريث: سألت أبا زرعة عن أبي لهيعة؟ فقال لي: تركه أبو عبد الله؛ يعني البخاري، وقال الحسين بن محمد بن عبيد المعروف بالعجلي: ما رأيت مثل محمد بن إسماعيل ومسلم حافظ، ولكنه لم يبلغ مبلغ محمد بن إسماعيل، قال العجلي: ورأيت أبا زرعة وأبا حاتم يستمعان إليه، وكان أمة من الأمم دينا فاضلا، يحسن كل شيء، وكان أعلم من محمد بن يحيى الذهلي بكذا وكذا، وقال عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي: قد رأيت العلماء بالحرمين والحجاز والشام والعراق، فما رأيت فيهم أجمع من محمد بن إسماعيل، وقال أيضا: هو أعلمنا وأفقهنا وأكثرنا طلبا، وسئل الدارمي عن حديث، وقيل له: إن البخاري صححه، فقال محمد بن إسماعيل أبصر مني، وهو أكيس خلق الله، عقل عن الله

    ج ١ ص ٤٨٥ما أمر به، ونهى عنه من كتابه وعلى لسان نبيه، إذا قرأ محمد القرآن شغل قلبه وبصره وسمعه وتفكر في أمثاله، وعرف حلاله من حرامه.

    وقال أبو الطيب حاتم بن منصور: كان محمد بن إسماعيل آية من آيات الله في بصره ونفاذه في العلم، وقال أبو سهل محمود بن النضر الفقيه: دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيت علماءها، فكلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل فضلوه على أنفسهم، وقال أبو سهل أيضا: سمعت أكثر من ثلاثين عالما من علماء مصر يقولون: حاجتنا في الدنيا النظر إلى محمد بن إسماعيل، وقال صالح بن محمد جزرة: ما رأيت خراسانيا أفهم من محمد بن إسماعيل، وقال أيضا: كان أحفظهم للحديث، قال: وكنت أستملي له ببغداد، فبلغ من حضر المجلس عشرين ألفا، وسئل الحافظ أبو العباس الفضل بن العباس المعروف بفضلك الرازي، أيما أحفظ محمد بن إسماعيل أو أبو زرعة؟ فقال: لم أكن التقيت مع محمد بن إسماعيل فاستقبلني ما بين حلوان وبغداد، قال: فرجعت معه مرحلة، وجبدت كل الجهد على أن آتي بحديث لا يعرفه، فما أمكنني، وها أنا ذا أغرب على أبي زرعة عدد شعر رأسه، وقال محمد بن عبد الرحمن الدغولي: كتب أهل بغداد إلى محمد بن إسماعيل البخاري كتابا فيه:

    المسلمون بخير ما بقيت لهم … وليس بعدك خير حين تفتقد

    وقال إمام الأئمة أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة: ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من محمد بن إسماعيل، وقال أبو عيسى الترمذي: لم أر أعلم بالعلل والأسانيد من محمد بن إسماعيل البخاري، وقال له مسلم: أشهد أنه ليس في الدنيا مثلك، وقال أحمد بن سيار في تاريخ مر: ومحمد بن إسماعيل البخاري طلب العلم، وجالس الناس، ورحل في الحديث ومهر فيه وأبصر، وكان حسن المعرفة حسن الحفظ وكان يتفقه.

    وقال أبو أحمد بن عدي: كان يحيى بن محمد بن صاعد إذا ذكر البخاري قال: ذاك الكبش النطاح، وقال أبو عمرو الخفاف: حدثنا التقي النقي العالم الذي لم أر مثله محمد بن إسماعيل، قال وهو أعلم بالحديث من أحمد وإسحاق وغيرهما بعشرين درجة، ومن قال فيه شيئا فعليه مني ألف لعنة، وقال أيضا: لو دخل من هذا الباب وأنا أحدث لملئت منه رعبا، وقال عبد الله بن حماد الأيلي: لوددت أني كنت شعرة في جسد محمد بن إسماعيل، وقال سليم ابن مجاهد: ما رأيت منذ ستين سنة أحدا أفقه ولا أورع من محمد بن إسماعيل، وقال موسى بن هارون الحمال الحافظ البغدادي عندي: لو أن أهل الإسلام اجتمعوا على أن يصيبوا آخر مثل محمد بن إسماعيل لما قدروا عليه، وقال عبد الله بن محمد بن سعيد بن جعفر: سمعت العلماء بمصر يقولون: ما في الدنيا مثل محمد بن إسماعيل في المعرفة والصلاح، ثم قال عبد الله وأنا أقول قولهم، وقال الحافظ أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة: لو أن رجلا كتب ثلاثين ألف حديث لما استغنى عن تاريخ محمد بن إسماعيل.

    وقال الحاكم أبو أحمد في الكنى: كان أحد الأئمة في معرفة الحديث وجمعه، ولو قلت: إني لم أر تصنيف أحد يشبه تصنيفه في الحسن والمبالغة لفعلت، ولو فتحت باب ثناء الأئمة عليه ممن تأخر عن عصره لفني القرطاس، ونفدت الأنفاس، فذاك بحر لا ساحل له، وإنما ذكرت كلام ابن عقدة وأبي أحمد عنوانا لذلك، وبعد ما تقدم من ثناء كبار مشايخه عليه لا يحتاج إلى حكاية من تأخر؛ لأن أولئك إنما أثنوا بما شاهدوا، ووصفوا ما علموا بخلاف من بعدهم، فإن ثناءهم ووصفهم مبني على الاعتماد على ما نقل إليهم، وبين المقامين فرق ظاهر، وليس العيان كالخبر.

  21. ذكر

    جمل من الأخبار الشاهدة لسعة حفظه وسيلان ذهنه، واطلاعه على العلل سوى ما تقدم

    أخبرني أبو العباس البغدادي، عن الحافظ أبي الحجاج المزي، أن أبا الفتح الشيباني أخبره، أخبرنا أبو اليمان الكندي، أخبرنا أبو منصور القزاز، أخبرنا الخطيب أبو بكر بن ثابت الحافظ، حدثني محمد بن الحسن الساحلي، حدثنا أحمد بن الحسين الرازي، سمعت أبا أحمد بن عدي الحافظ يقول: سمعت عدة من مشايخ بغداد يقولون: إن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد، فسمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وأرادوا امتحان حفظه، فعمدوا إلى مائة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس لكل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوا ذلك على البخاري، وأخذوا عليه الموعد للمجلس، فحضروا وحضر جماعة من الغرباء من أهل خراسان وغيرهم، ومن البغداديين، فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب رجل من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه، فما زال يلقى عليه واحدا بعد واحد حتى فرغ، والبخاري يقول: لا أعرفه، وكان العلماء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض، ويقولون فهم الرجل، ومن كان لم يدر القصة يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الحفظ، ثم انتدب رجل من العشرة أيضا فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة، فقال: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، فلم يزل يلقى عليه واحدا واحدا حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، ثم انتدب الثالث والرابع إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من إلقاء تلك الأحاديث المقلوبة، والبخاري لا يزيدهم على: لا أعرفه، فلما علم أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول فقال: أما حديثك الأول فقلت كذا، وصوابه كذا، وحديثك الثاني كذا وصوابه كذا، والثالث والرابع على الولاء، حتى أتى على تمام العشرة، فرد كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، فأقر الناس له بالحفظ وأذعنوا له بالفضل، قلت: هنا يخضع للبخاري، فما العجب من رده الخطأ إلى الصواب فإنه كان حافظا؛ بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقوه عليه من مرة واحدة، وروينا عن أبي بكر الكلوذاني، قال: ما رأيت مثل محمد بن إسماعيل كان يأخذ الكتاب من العلم، فيطلع عليه

    اطلاعة فيحفظ عامة أطراف الأحاديث من مرة واحدة، وقد سبق ما حكاه حاشد بن إسماعيل في أيام طلبهم بالبصرة معه، وكونه كان يحفظ ما يسمع ولا يكتب.

    وقال أبو الأزهر: كان بسمرقند أربعمائة محدث، فتجمعوا وأحبوا أن يغالطوا محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق، وإسناد العراق في إسناد الشام، وإسناد الحرم في إسناد اليمن، فما استطاعوا مع ذلك أن يتعلقوا عليه بسقطة، وقال غنجار في تاريخه: سمعت أبا القاسم منصور بن إسحاق بن إبراهيم الأسدي يقول: سمعت أبا محمد عبد الله بن محمد بن إبراهيم يقول: سمعت يوسف بن موسى المروزي يقول: كنت بالبصرة في جامعها إذ سمعت مناديا ينادي: يا أهل العلم، لقد قدم محمد بن إسماعيل البخاري، فقاموا إليه، وكنت معهم فرأينا رجلا شابا ليس في لحيته بياض، فصلى خلف الأسطوانة فلما فرغ أحدقوا به، وسألوه أن يعقد لهم مجلسا للإملاء، فأجابهم إلى ذلك، فقام المنادي ثانيا في جامع البصرة فقال: يا أهل العلم، لقد قدم محمد بن إسماعيل البخاري، فسألناه أن يعقد مجلس الإملاء فأجاب بأن

    ج ١ ص ٤٨٧يجلس غدا في موضع كذا، فلما كان الغد حضر المحدثون والحفاظ والفقهاء والنظارة، حتى اجتمع قريب من كذا كذا ألف نفس فجلس أبو عبد الله للإملاء، فقال قبل أن يأخذ في الإملاء: يا أهل البصرة، أنا شاب وقد سألتموني أن أحدثكم وسأحدثكم بأحاديث عن أهل بلدكم تستفيدونها؛ يعني ليست عندكم، قال: فتعجب الناس من قوله، فأخذ في الإملاء، فقال: حدثنا عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي رواد العتكي ببلدكم، قال: حدثني أبي عن شعبة عن منصور وغيره عن سالم بن أبي الجعد عن أنس بن مالك: أن أعرابيا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، الرجل يحب القوم. . .

    ج ١ ص ٤٨٦
  22. الحديث، ثم قال: هذا ليس عندكم عن منصور، إنما هو عندكم عن غير منصور، قال يوسف بن موسى: فأملى عليهم مجلسا من هذا النسق يقول في كل حديث: روى فلان هذا الحديث عندكم كذا، فإما من رواية فلان؛ يعني التي يسوقها فليست عندكم، وقال حمدويه بن الخطاب لما قدم البخاري قدمته الأخيرة من العراق، وتلقاه من تلقاه من الناس وازدحموا عليه وبالغوا في بره قيل له في ذلك، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة، كأنه يشير إلى قصة دخوله التي ذكرها يوسف بن موسى، أنبئت عن أبي نصر بن الشيرازي، عن جده أن الحافظ أبا القاسم بن عساكر أخبرهم، أخبرنا إسماعيل بن أبي صالح، أنبأنا أبو بكر بن خلف، أخبرنا الحاكم أبو عبد الله، ح وقرأته عاليا على أبي بكر الفرضي، عن القاسم بن مظفر، أخبرنا علي بن الحسين بن علي، عن الحافظ أبي الفضل بن ناصر، وأبي الفضل الميهني قالا: أخبرنا أبو بكر بن خلف، قال ابن ناصر إجازة: أخبرنا الحاكم، قال: حدثني أبو سعيد أحمد بن محمد النسوي، حدثني أبو حسان مهيب بن سليم، سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: اعتللت بنيسابور علة خفيفة، وذلك في شهر رمضان، فعادني إسحاق بن راهويه في نفر من أصحابه، فقال لي: أفطرت يا أبا عبد الله، فقلت: نعم فقال؛ يعني تعجلت في قبول الرخصة، فقلت: أخبرنا عبدان، عن ابن المبارك، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: من أي المرض أفطر؟ قال من أي مرض كان كما قال الله عز وجل : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ قال البخاري: لم يكن هذا عند إسحاق، وقال محمد بن أبي حاتم الوراق: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: لو نشر بعض أستاري (١) هؤلاء لم يفهموا كيف صنفت البخاري ولا عرفوه، ثم قال: صنفته ثلاث مرات، وقال أحيد بن أبي جعفر والي بخارى، قال لي محمد بن إسماعيل يوما: رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام، ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر، فقلت له: يا أبا عبد الله بتمامه، فسكت، وقال سليم بن مجاهد: قال لي محمد بن إسماعيل: لا أجيء بحديث عن الصحابة والتابعين إلا عرفت مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم، ولست أروي حديثا من حديث الصحابة والتابعين؛ يعني من الموقوفات إلا وله أصل أحفظ ذلك عن كتاب الله وسنة رسوله، وقال علي بن الحسين

    بن عاصم البيكندي قدم علينا محمد بن إسماعيل، فقال له رجل من أصحابنا: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: كأني أنظر إلى سبعين ألف حديث من كتابي، فقال له محمد بن إسماعيل: أوتعجب من هذا القول! لعل في هذا الزمان من ينظر إلى مائتي ألف ألف من كتابه، وإنما عني نفسه، وقال محمد بن حمدويه: سمعت البخاري يقول: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح، قال وراقه: سمعته يقول: ما نمت البارحة حتى عددت كم أدخلت في تصانيفي من الحديث، فإذا نحو مائتي ألف حديث، وقال أيضا: لو قيل لي تمن لما قمت حتى أروي عشرة آلاف حديث في الصلاة خاصة، وقال أيضا: قلت له: تحفظ جميع ما أدخلت في مصنفاتك؟ فقال: لا يخفى علي جميع ما فيها، وصنفت جميع كتبي ثلاث مرات، قال: وبلغني أنه شرب البلاذر، فقلت له مرة في خلوة: هل من دواء للحفظ؟ فقال: لا أعلم، ثم أقبل علي فقال: لا أعلم شيئا أنفع للحفظ

    ج ١ ص ٤٨٨من نهمة الرجل ومداومة النظر.

  23. وقال أقمت بالمدينة بعد أن حججت سنة حردا أكتب الحديث، قال: وأقمت بالبصرة خمس سنين، معي كتبي أصنف وأحج وأرجع من مكة إلى البصرة، قال: وأنا أرجو أن يبارك الله تعالى للمسلمين في هذه المصنفات، وقال البخاري: تذكرت يوما أصحاب أنس فحضرني في ساعة ثلاثمائة نفس، وما قدمت على شيخ إلا كان انتفاعه بي أكثر من انتفاعي به، وقال وراقه: عمل كتابا في الهبة فيه نحو خمسمائة حديث، وقال: ليس في كتاب وكيع في الهبة إلا حديثان مسندان أو ثلاثة، وفي كتاب ابن المبارك خمسة أو نحوها، وقال أيضا: ما جلست للتحديث حتى عرفت الصحيح من السقيم، وحتى نظرت في كتب أهل الرأي وما تركت بالبصرة حديثا إلا كتبته، قال: وسمعته يقول: لا أعلم شيئا يحتاج إليه إلا وهو في الكتاب والسنة، قال: فقلت له: يمكن معرفة ذلك؟ قال: نعم.

    وقال أحمد بن حمدون الحافظ: رأيت البخاري في جنازة ومحمد بن يحيى الذهلي يسأله عن الأسماء والعلل، والبخاري يمر فيه مثل السهم، كأنه يقرأ: قل هو الله أحد، وقرأت على عبد الله بن محمد المقدسي، عن أحمد بن نعمة شفاها، عن جعفر بن علي مكاتبة أن السلفي أخبرهم، أخبرنا أبو الفتح المالكي، أخبرنا أبو يعلى الخليل بن عبد الله الحافظ، أخبرني أبو محمد المخلدي في كتابه، أخبرنا أبو حامد الأعمش الحافظ، قال: كنا يوما عند محمد بن إسماعيل البخاري بنيسابور، فجاء مسلم بن الحجاج فسأله عن حديث عبيد الله بن عمر، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية ومعنا أبو عبيدة.

  24. الحديث بطوله، فقال البخاري: حدثنا ابن أبي أويس، حدثني أخي، عن سليمان بن بلال، عن عبيد الله فذكر الحديث بتمامه، قال: فقرأ عليه إنسان حديث حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن موسى ابن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: كفارة المجلس إذا قام العبد أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، فقال له مسلم في أحسن من هذا الحديث ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح تعرف بهذا الإسناد في الدنيا حديثا، فقال محمد بن إسماعيل: إلا أنه معلول فقال مسلم: لا إله إلا الله وارتعد، أخبرني به فقال: استر ما ستر الله، هذا حديث جليل رواه الناس عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج، فألح عليه وقبل رأسه، وكاد أن يبكي فقال: اكتب إن كان ولا بد: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا موسى بن عقبة، عن عون بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : كفارة المجلس، فقال له مسلم: لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أنه ليس في الدنيا مثلك، وهكذا روى الحاكم هذه القصة في تاريخ نيسابور، عن أبي محمد المخلدي، ورواها البيهقي في المدخل، عن الحاكم أبي عبد الله على سياق آخر، قال: سمعت أبا نصر أحمد بن محمد الوراق يقول: سمعت أحمد بن حمدون القصار، وهو أبو حامد الأعمش يقول: سمعت مسلم بن الحجاج، وجاء إلى محمد بن إسماعيل فقبل بين عينيه، وقال: دعني حتى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله حدثك محمد بن سلام، حدثنا مخلد بن يزيد، أخبرنا ابن جريج حدثني موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: كفارة المجلس أن يقول إذا قام من مجلسه: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، فقال محمد بن إسماعيل: وحدثنا أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين قالا: حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: حدثني موسى بن عقبة، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: كفارة المجلس أن يقول إذا قام من مجلسه: سبحانك ربنا وبحمدك، فقال محمد بن إسماعيل: هذا حديث مليح، ولا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا حديثا غير هذا، إلا أنه معلول.

  25. حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا سهيل، عن عون بن عبد الله قوله: قال محمد بن إسماعيل: هذا أولى، ولا يذكر لموسى بن عقبة مسندا عن سهيل، ورواها الحاكم في علوم الحديث له بهذا الإسناد أخصر

    ج ١ ص ٤٨٩من هذا السياق، وقال في آخرها كلاما موهوما، فإنه قال فيه: إن البخاري قال: لا أعلم في الباب غير هذا الحديث الواحد، ولم يقل البخاري ذلك، وإنما قال ما تقدم، ولا يتصور وقوع هذا من البخاري، مع معرفته بما في الباب من الأحاديث، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

  26. ذكر

    فضائل الجامع الصحيح سوى ما تقدم في الفصول الأولى وغيرها

    قال أبو الهيثم الكشميهني: سمعت الفربري يقول: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: ما وضعت في كتاب الصحيح حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين، وعن البخاري قال: صنفت الجامع من ستمائة ألف حديث في ست عشرة سنة، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله، وقال أبو سعيد الإدريسي: أخبرنا سليمان بن داود الهروي، سمعت عبد الله بن محمد بن هاشم يقول: قال عمر بن محمد بن بجير البجيري: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: صنفت كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلت فيه حديثا حتى استخرت الله تعالى، وصليت ركعتين، وتيقنت صحته، قلت: الجمع بين هذا وبين ما تقدم أنه كان يصنفه في البلاد أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبه وأبوابه في المسجد الحرام، ثم كان يخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويدل عليه قوله: إنه أقام فيه ست عشرة سنة فإنه لم يجاور بمكة هذه المدة كلها، وقد روى ابن عدي، عن جماعة من المشايخ أن البخاري حول تراجم جامعه بين قبر النبي ﷺ ومنبره، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين، قلت: ولا ينافي هذا أيضا ما تقدم؛ لأنه يحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوله من المسودة إلى المبيضة.

    وقال الفربري: سمعت محمد بن حاتم وراق البخاري يقول: رأيت البخاري في المنام خلف النبي ﷺ ، والنبي ﷺ يمشي، فكلما رفع النبي ﷺ قدمه وضع أبو عبد الله قدمه في ذلك الموضع.

    وقال الخطيب: أنبأنا أبو سعد الماليني، أخبرنا أبو أحمد بن عدي، سمعت الفربري يقول: سمعت نجم بن فضيل، وكان من أهل الفهم يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام خرج من قبره والبخاري يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا خطا خطوة يخطو محمد ويضع قدمه على خطوة النبي ﷺ ، قال الخطيب: وكتب إلى علي بن محمد الجرجاني من أصبهان أنه سمع محمد بن مكي يقول: سمعت الفربري يقول: رأيت النبي ﷺ في النوم، فقال لي: أين تريد؟ فقلت: أريد محمد بن إسماعيل، فقال: أقرئه مني السلام، وقال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي فيما قرأنا على فاطمة وعائشة بنتي محمد بن الهادي، أن أحمد بن أبي طالب أخبرهم، عن عبد الله بن عمر بن علي أن أبا الوقت أخبرهم عنه سماعا، أخبرنا أحمد بن محمد بن إسماعيل الهروي، سمعت خالد بن عبد الله المروزي يقول: سمعت أبا سهل محمد بن أحمد المروزي يقول: سمعت أبا زيد المروزي يقول: كنت نائما بين الركن والمقام، فرأيت النبي ﷺ في المنام، فقال لي: يا أبا زيد، إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي؟ فقلت: يا رسول الله، وما كتابك؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل، وقال الخطيب: حدثني محمد بن علي الصوري، حدثنا عبد الغني بن سعيد، حدثنا أبو الفضل جعفر بن الفضل، أخبرنا محمد بن موسى بن يعقوب بن المأمون، قال: سئل أبو عبد الرحمن النسائي، عن العلاء، وسهيل فقال: هما خير من فليح، ومع هذا فما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل، وقال أبو جعفر العقيلي: لما صنف البخاري كتاب الصحيح عرضه علي ابن المديني وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم فاستحسنوه، وشهدوا له بالصحة إلا أربعة أحاديث، قال العقيلي: والقول فيها قول البخاري وهي صحيحة، وقال الحاكم أبو أحمد: رحم الله محمد بن إسماعيل الإمام فإنه الذي ألف الأصول، وبين للناس، وكل من عمل بعده فإنما أخذه من

    ج ١ ص ٤٩٠كتابه، كمسلم فرق أكثر كتابه في كتابه، وتجلد فيه حق الجلادة حيث لم ينسبه إليه، وقال أبو الحسن الدارقطني الحافظ: لولا البخاري لما راح مسلم ولا جاء، وقال أيضا: إنما أخذ مسلم كتاب البخاري فعمل فيه

    مستخرجا، وزاد فيه أحاديث.

  27. ذكر

    ما وقع بينه وبين الذهلي في مسألة اللفظ، وما حصل له من المحنة بسبب ذلك، وبراءته مما نسب إليه من ذلك

    قال الحاكم أبو عبد الله في تاريخه: قدم البخاري نيسابور سنة خمسين ومائتين، فأقام بها مدة يحدث على الدوام، قال: فسمعت محمد بن حامد البزار يقول: سمعت الحسن بن محمد بن جابر يقول: سمعت محمد بن يحيى الذهلي يقول: اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح العالم فاسمعوا منه، قال: فذهب الناس إليه، فأقبلوا على السماع منه حتى ظهر الخلل في مجلس محمد بن يحيى، قال: فتكلم فيه بعد ذلك، وقال حاتم بن أحمد بن محمود: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: لما قدم محمد بن إسماعيل نيسابور ما رأيت واليا ولا عالما فعل به أهل نيسابور ما فعلوا به؛ استقبلوه من مرحلتين من البلد أو ثلاث، وقال محمد بن يحيى الذهلي في مجلسه: من أراد أن يستقبل محمد بن إسماعيل غدا فليستقبله، فإني أستقبله، فاستقبله محمد بن يحيى وعامة علماء نيسابور، فدخل البلد، فنزل دار البخاريين، فقال لنا محمد بن يحيى: لا تسألوه عن شيء من الكلام، فإنه إن أجاب بخلاف ما نحن عليه وقع بيننا وبينه، وشمت بنا كل ناصبي ورافضي وجهمي ومرجئ بخراسان، قال: فازدحم الناس على محمد بن إسماعيل حتى امتلأت الدار والسطوح، فلما كان اليوم الثاني أو الثالث من يوم قدومه قام إليه رجل، فسأله عن اللفظ بالقرآن، فقال: أفعالنا مخلوقة، وألفاظنا من أفعالنا، قال: فوقع بين الناس اختلاف، فقال بعضهم: قال لفظي بالقرآن مخلوق، وقال بعضهم: لم يقل فوقع بينهم في ذلك اختلاف حتى قام بعضهم إلى بعض، قال: فاجتمع أهل الدار فأخرجوهم.

    وقال أبو أحمد بن عدي: ذكر لي جماعة من المشايخ أن محمد بن إسماعيل لما ورد نيسابور، واجتمع الناس عنده حسده بعض شيوخ الوقت، فقال لأصحاب الحديث: إن محمد بن إسماعيل يقول لفظي بالقرآن مخلوق، فلما حضر المجلس قام إليه رجل، فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول في اللفظ بالقرآن: مخلوق هو أو غير مخلوق؟ فأعرض عنه البخاري ولم يجبه ثلاثا، فألح عليه، فقال البخاري: القرآن كلام الله غير مخلوق وأفعال العباد مخلوقة، والامتحان بدعة فشغب الرجل، وقال: قد قال لفظي بالقرآن مخلوق.

    وقال الحاكم: حدثنا أبو بكر بن أبي الهيثم، حدثنا الفربري، قال: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: إن أفعال العباد مخلوقة، فقد حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا مروان بن معاوية، حدثنا أبو مالك، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله يصنع كل صانع وصنعته، قال البخاري: وسمعت عبيد الله بن سعيد - يعني أبا قدامة السرخسي - يقول: ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: إن أفعال العباد مخلوقة، قال محمد بن إسماعيل: حركاتهم وأصواتهم وأكسابهم وكتابتهم مخلوقة، فأما القرآن المبين المثبت في المصاحف الموعى في القلوب فهو كلام الله غير مخلوق، قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ قال: وقال إسحاق بن راهويه: أما الأوعية فمن يشك أنها مخلوقة؟ وقال أبو حامد بن الشرقي: سمعت محمد بن يحيى الذهلي يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن زعم لفظي بالقرآن مخلوق فهو

    ج ١ ص ٤٩١مبتدع، ولا يجالس، ولا يكلم، ومن ذهب بعد هذا إلى محمد بن إسماعيل فاتهموه فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مذهبه.

    وقال الحاكم: ولما وقع بين البخاري وبين الذهلي في مسألة اللفظ انقطع الناس عن البخاري إلا مسلم بن الحجاج، وأحمد بن سلمة، قال الذهلي: ألا من قال باللفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنا، فأخذ مسلم رداءه فوق عمامته، وقام على رءوس الناس، فبعث إلى الذهلي جميع ما كان كتبه عنه على ظهر جمال، قلت: وقد أنصف مسلم فلم يحدث في كتابه عن هذا، ولا عن هذا، وقال الحاكم أبو عبد الله: سمعت محمد بن صالح بن هانئ يقول: سمعت أحمد بن سلمة النيسابوري يقول: دخلت على البخاري فقلت: يا أبا عبد الله، إن هذا رجل مقبول بخراسان، خصوصا في هذه المدينة، وقد لج في هذا الأمر حتى لا يقدر أحد منا أن يكلمه فيه فما ترى، قال: فقبض على لحيته، ثم قال: وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد، اللهم إنك تعلم أني لم أرد المقام بنيسابور أشرا ولا بطرا ولا طلبا للرياسة، وإنما أبت علي نفسي الرجوع إلى الوطن؛ لغلبة المخالفين، وقد قصدني هذا الرجل حسدا لما آتاني الله لا غير، ثم قال لي: يا أحمد، إني خارج غدا لتخلصوا من حديثه لأجلي، وقال الحاكم أيضا عن الحافظ أبي عبد الله بن الأخرم، قال: لما قام مسلم بن الحجاج، وأحمد بن سلمة من مجلس محمد بن يحيى بسبب البخاري، قال الذهلي: لا يساكنني هذا الرجل في البلد، فخشي البخاري وسافر، وقال غنجار في تاريخ بخارى: حدثنا خلف بن محمد، قال: سمعت أبا عمرو أحمد بن نصر النيسابوري الخفاف بنيسابور يقول: كنا يوما عند أبي إسحاق القرشي، ومعنا محمد بن نصر المروزي، فجرى ذكر محمد بن إسماعيل، فقال محمد بن نصر سمعته يقول: من زعم أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب، فإني لم أقله، فقلت له: يا أبا عبد الله، قد خاض الناس في هذا فأكثروا، فقال: ليس إلا ما أقول لك، قال أبو عمرو: فأتيت البخاري فذاكرته بشيء من الحديث حتى طابت نفسه، فقلت: يا أبا عبد الله، هاهنا من يحكي عنك أنك تقول لفظي بالقرآن مخلوق، فقال: يا أبا عمرو، احفظ عني، من زعم من أهل نيسابور، وسمى غيرها من البلدان بلادا كثيرة أنني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب؛ فإني لم أقله إلا أني قلت: أفعال العباد مخلوقة.

  28. وقال الحاكم: سمعت أبا الوليد حسان بن محمد الفقيه يقول: سمعت محمد بن نعيم يقول: سألت محمد بن إسماعيل لما وقع في شأنه ما وقع عن الإيمان، فقال: قول وعمل ويزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق، وأفضل أصحاب رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي على هذا حييت، وعليه أموت، وعليه أبعث إن شاء الله تعالى.

  29. ذكر

    تصانيفه والرواة عنه

    تقدم ذكر الجامع الصحيح، وذكر الفربري أنه سمعه منه تسعون ألفا، وأنه لم يبق من يرويه غيره، وأطلق ذلك بناء على ما في علمه، وقد تأخر بعده بتسع سنين أبو طلحة منصور بن محمد بن علي بن قريبة البزدوي، وكانت وفاته سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، ذكر ذلك من كونه روى الجامع الصحيح، عن البخاري أبو نصر بن ماكولا وغيره، ومن رواة الجامع أيضا ممن اتصلت لنا روايته بالإجازة إبراهيم بن معقل النسفي، وفاته منه قطعة من آخره رواها بالإجازة، وكذلك حماد بن شاكر النسوي، والرواية التي اتصلت بالسماع في هذه الأعصار وما قبلها هي رواية

    ج ١ ص ٤٩٢محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفربري، ومن تصانيفه أيضا الأدب المفرد، يرويه عنه أحمد بن محمد بن الجليل بالجيم البزار، ورفع اليدين في الصلاة، والقراءة خلف الإمام، يرويهما عنه محمود بن إسحاق الخزاعي، وهو آخر من حدث عنه ببخارى، وبر الوالدين يرويه عنه محمد بن دلويه الوراق، والتاريخ الكبير يرويه عنه أبو أحمد محمد بن سليمان بن فارس، وأبو الحسن محمد بن سهل النسوي وغيره، والتاريخ الأوسط يرويه عنه عبد الله بن أحمد بن عبد السلام الخفاف، وزنجويه بن محمد اللباد، والتاريخ الصغير يرويه عنه عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأشقر، وخلق أفعال العباد يرويه عنه يوسف بن ريحان بن عبد الصمد، والفربري أيضا، وكتاب الضعفاء يرويه عنه أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد الدولابي، وأبو جعفر شيخ بن سعيد، وآدم بن موسى الخواري، وهذه التصانيف موجودة مروية لنا بالسماع أو بالإجازة، ومن تصانيفه أيضا الجامع الكبير، ذكره ابن طاهر، والمسند الكبير، والتفسير الكبير ذكره الفربري، وكتاب الأشربة ذكره الدارقطني في المؤتلف والمختلف في ترجمة كيسة، وكتاب الهبة ذكره وراقه كما تقدم، وأسامي الصحابة ذكره أبو القاسم بن منده، وأنه يرويه من طريق ابن فارس عنه، وقد نقل منه أبو القاسم البغوي الكبير في معجم الصحابة له، وكذا ابن منده في المعرفة، ونقل أيضا من كتاب الوحدان له وهو من ليس له إلا حديث واحد من الصحابة، وكتاب المبسوط ذكره الخليلي في الإرشاد، وأن مهيب بن سليم رواه عنه، وكتاب العلل ذكره أبو القاسم بن منده أيضا، وأنه يرويه عن

    محمد بن عبد الله بن حمدون، عن أبي محمد عبد الله بن الشرقي عنه، وكتاب الكنى ذكره الحاكم أبو أحمد ونقل منه، وكتاب الفوائد ذكره الترمذي في أثناء كتاب المناقب من جامعه، وممن روى عنه من مشايخه عبد الله بن محمد المسندي، وعبد الله بن منير، وإسحاق بن أحمد السرماري، ومحمد بن خلف بن قتيبة ونحوهم، ومن أقرانه أبو زرعة، وأبو حاتم الرازيان، وإبراهيم الحربي، وأبو بكر بن أبي عاصم، وموسى بن هارون الجمال، ومحمد بن عبد الله بن مطين، وإسحاق بن أحمد بن زيرك الفارسي، ومحمد بن قتيبة البخاري، وأبو بكر الأعين.

  30. ومن الكبار الآخذين عنه من الحفاظ صالح بن محمد الملقب جزرة، ومسلم بن الحجاج، وأبو الفضل أحمد بن سلمة، وأبو بكر بن إسحاق بن خزيمة، ومحمد بن نصر المروزي، وأبو عبد الرحمن النسائي، وروى أيضا عن رجل عنه، وأبو عيسى الترمذي، وتلمذ له وأكثر من الاعتماد عليه، وعمر بن محمد البحيري، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وأبو بكر البزار، وحسين بن محمد القباني، ويعقوب بن يوسف بن الأخرم وعبد الله بن محمد بن ناجية، وسهل بن شاذويه البخاري، وعبيد الله بن واصل، والقاسم بن زكريا المطرز، وأبو قريش محمد بن جمعه، ومحمد بن محمد بن سليمان الباغندي، وإبراهيم بن موسى الجويري، وعلي بن العباس التابعي، وأبو حامد الأعمشي، وأبو بكر أحمد بن محمد بن صدقة البغدادي، وإسحاق بن داود الصواف، وحاشد بن إسماعيل البخاري، ومحمد بن عبد الله بن الجنيد، ومحمد بن موسى النهرتيري، وجعفر بن محمد النيسابوري، وأبو بكر بن أبي داود، وأبو القاسم البغوي، وأبو محمد بن صاعد، ومحمد بن هارون الحضرمي، والحسين بن إسماعيل المحاملي البغدادي، وهو آخر من حدث عنه ببغداد.

  31. ذكر

    رجوعه إلى بخارى وما وقع بينه وبين أميرها، وما اتصل بذلك من وفاته

    قال أحمد بن منصور الشيرازي: لما رجع أبو عبد الله البخاري إلى بخارى نصبت له القباب على فرسخ من البلد، واستقبله عامة أهل البلد حتى لم يبق مذكور، ونثر عليه الدراهم والدنانير، فبقي مدة، ثم وقع بينه وبين الأمير، فأمره بالخروج من بخارى، فخرج إلى بيكند.

    وقال غنجار في تاريخه: سمعت أحمد بن محمد ابن عمر يقول: سمعت بكر بن منير يقول: بعث الأمير خالد بن أحمد الذهلي والي بخارى إلى محمد بن إسماعيل، أن أحمل إليّ كتاب الجامع والتاريخ لأسمع منك. فقال محمد بن إسماعيل لرسوله: قل له: إني لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب السلاطين، فإن كانت له حاجة إلى شيء منه فليحضرني في مسجدي أو في داري، فإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان، فامنعني من المجلس؛ ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة أني لا أكتم العلم. قال: فكان سبب الوحشة بينهما.

    وقال الحاكم: سمعت محمد بن العباس الضبي يقول: سمعت أبا بكر بن أبي عمرو يقول: كان سبب مفارقة أبي عبد الله البخاري البلد أن خالد بن أحمد خليفة بن طاهر سأله أن يحضر منزله، فيقرأ التاريخ، والجامع على أولاده فامتنع من ذلك، وقال: لا يسعني أن أخص بالسماع قوما دون قوم آخرين، فاستعان خالد بحريث بن أبي الورقاء وغيره من أهل بخارى حتى تكلموا في مذهبه، فنفاه عن البلد قال: فدعا عليهم فقال: اللهم أرهم ما قصدوني به في أنفسهم وأولادهم وأهاليهم.

    قال: فأما خالد، فلم يأت عليه إلا أقل من شهر حتى ورد أمر الظاهرية بأن ينادى عليه، فنودي عليه، وهو على أتان وأشخص على أكاف، ثم صار عاقبة أمره إلى الذل والحبس.

    ج ١ ص ٤٩٣
  32. وأما حريث بن أبي الورقاء فإنه ابتلي في أهله، فرأى فيها ما يجل عن الوصف.

  33. وأما فلان، فإنه ابتلي في أولاده، فأراه الله فيهم البلايا.

    وقال ابن عدي: سمعت عبد القدوس بن عبد الجبار يقول: خرج البخاري إلى خَرْتنك قرية من قرى سمرقند، وكان له بها أقرباء، فنزل عندهم. قال: فسمعته ليلة من الليالي وقد فرغ من صلاة الليل يقول في دعائه: اللهم قد ضاقت عليّ الأرض بما رحبت، فاقبضني إليك. قال: فما تم الشهر حتى قبضه الله.

    وقال محمد بن أبي حاتم الوراق: سمعت غالب بن جبريل، وهو الذي نزل عليه البخاري بخرتنك يقول: إنه أقام أياما، فمرض حتى وجه إليه رسول من أهل سمرقند يلتمسون منه الخروج إليهم، فأجاب، وتهيأ للركوب، ولبس خفيه وتعمم، فلما مشى قدر عشرين خطوة، أو نحوها إلى الدابة ليركبها، وأنا آخذ بعضده قال: أرسلوني، فقد ضعفت، فأرسلناه فدعا بدعوات ثم اضطجع فقضى. ثم سال منه عرق كثير، وكان قد قال لنا: كفنوني في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة. قال: ففعلنا، فلما أدرجناه في أكفانه وصلينا عليه، ووضعناه في حفرته، فاح من تراب قبره رائحة طيبة كالمسك، ودامت أياما، وجعل الناس يختلفون إلى القبر أيامًا، يأخذون من ترابه إلى أن جعلنا عليه خشبًا مشبكًا.

    وقال الخطيب: أخبرنا علي بن أبي حامد في كتابه، أخبرنا محمد بن محمد بن مكي، سمعت عبد الواحد بن آدم الطواويسي يقول: رأيت النبي ﷺ في النوم، ومعه جماعة من أصحابه، وهو واقف في موضع، فسلمت عليه فرد علي السلام، فقلت: ما وقوفك هنا يا رسول الله؟ قال: أنتظر محمد بن إسماعيل. قال: فلما كان بعد أيام بلغني موته، فنظرت فإذا هو قد مات في الساعة التي رأيت فيها النبي ﷺ .

    وقال مهيب بن سليم: كان ذلك ليلة السبت ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومائتين، وكذلك قال الحسن بن الحسين البزار في تاريخ وفاته، وفيها أرخه أبو الحسين بن قانع، وأبو الحسين بن المنادي، وأبو سليمان بن زبر وآخرون.

    قال الحسن: وكانت مدة عمره اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يوما، تغمده الله برحمته آمين.