شرح نظم اللؤلؤ المكنون (٦)

١١٧ فقرة، ج ٦ ص ١

الصفحة ٢ من ٣

  1. طالب: . . . . . . . . .

    ج ٦ ص ١٠
  2. الحافظ يقول: إنه استعمل المثلية في حقيقتها ومجازها معاً، والجمهور لا يجيزون مثل هذا، لا يجيزون أن يستعمل اللفظ في حقيقته ومجازه، طيب لو كان أمامك رجلٌ شجاع وأبخر، رجلٌ شجاع ورجلٌ أبخر وأسد، ثلاثة أمامك، أسد حقيقي حيوان مفترس، ورجلٌ شجاع، وأبخر، ثم قلت: يا أسد والتفت الثلاثة كلهم، هل أنت في قرارة نفسك تريد الثلاثة كلهم؟ أو تريد واحداً منهم إما الحقيقي الذي هو الأسد، أو المجازي الرجل الشجاع ومجازه هنا قريب من الحقيقة، أو المجاز الثاني البعيد عن الحقيقة؟ لأن الرجال يقال له: أسد لأن الأسد أبخر، أنت إذا قلت: يا أسد إن كنت ممن يجيز إطلاق اللفظ بجميع معانيه أنت تقصد الثلاثة جميعاً بهذا اللفظ، لكن إن كنت ممن لا يجيز وهو الظاهر، ما أنت بتدعو ثلاثة في آنٍ واحد، بل لك حاجة في واحدٍ منهم، على كل حال الشافعية يجيزون استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، والحاكم شافعي وابن حجر شافعي، وجل من تكلم في هذا الباب من الشافعية، والجمهور لا يجيزون.

    ج ٦ ص ١١
  3. الحافظ يقول: الحاكم استعمل المثلية في أعم من حقيقتها ومجازها، فاستعملها في حقيقتها إذا خرج الحديث من طريق غير رواة الشيخين، إنما هم مثلهم في الأوصاف، واستعملها في مجازها إذا خرج عنهم أنفسهم، ودعم ذلك بقصة، رأى رجلٌ ثوب مع شخص فأعجبه فقال: اشترِ لي مثل هذا الثوب، كم يسوى هذا الثوب؟ قال: عشرة دراهم، قال: خذ عشرة دراهم واشترِ لي مثل هذا الثوب، جاءه بعد مدة يسيرة بالثوب نفسه قال: هذا الثوب اتفضل، الموكِل كأنه ندم، قال: أنا ما قلت لك: اشترِ لي الثوب نفسه، اشترِ لي مثل الثوب، اشترِ لي مثل هذا الثوب ما قلت لك: اشتر لي الثوب نفسه، فتحاكما عند شريح القاضي فألزمه بأخذ الثوب، قال: الثوب يلزمك، ولا شيء أشبه بالشيء نفسه .. ، لا شيء أشبه بالشيء من الشيء نفسه، أنت تريد مثل هذا الثوب خذ الثوب نفسه؛ لأنه قد يأتي لك بمثل هذا الثوب قد تختل بعض المواصفات وتقبل، وليس الخبر كالعيان، أنت الآن رأيت هذا الثوب بعينك، وأعجبك من جميع الوجوه هل تتصور أنك إذا بتقول: جيب لي مثل هذا الثوب يجيب لك أفضل منه؟ هذا احتمال، لكن الاحتمال الثاني وهو الأقوى أنه قد يكون يشابهه في جل الأوصاف دون جميعها.

    ج ٦ ص ١٢
  4. فالقول المرجح في هذه المسألة أن شرط الشيخين رجال الشيخين، وعرفنا أن الحاكم هو الذي شهر هذا، وتصرفه في مستدركه يقوي هذا.

  5. مسألة تتعلق بالشرط وحصل فيها نزاع طويل، وكلامٌ شديد من متقدمين ومتأخرين، وهي مسألة السند المعنعن، وحكم الاحتجاج به، والإمام مسلم -رحمه الله تعالى- شنع على من حكم على السند المعنعن بالانقطاع، وعلى من اشترط أكثر من المعاصرة مع إمكان اللقاء، وشدد في المسألة، واستدل بصنيع أهل العلم، وذكر أحاديث أنها لا تثبت على وجه الأرض، ذكر ثلاثة أحاديث لا تثبت إطلاقاً إلا معنعنة، ووجد من يكتب ويذكر أن هذا القول عليه إجماع أهل العلم، وينفي ما نسب إلى الإمام البخاري، من الناحية العملية لا شك أن رأي مسلم عليه العمل، رأي مسلم عليه العمل من الناحية العملية، والقول الثاني وهو اشتراط اللقاء ولو مرة هو اللائق بتحري الإمام البخاري وتثبته، الأحاديث التي ذكرها مسلم وأنها لا توجد عند أحدٍ من الرواة إلا معنعنة هي موجودة في صحيحه بصيغة التحديث، صحيح مسلم نفسه، وللإمام أبي عبد الله محمد بن رشيد بحث نفيس في هذه المسألة اسمه: (السنن الأبين في الخلاف بين الإمامين في السند المعنعن) من أهل العلم من يرى أن السند المعنعن منقطع، ومنهم من يرى أنه متصل بالشرطين المذكورين، وكلٌ على مذهبه في اشتراط اللقاء أو الاكتفاء بالمعاصرة.

    وصححوا وصل معنعنٍ سلم ... من دلسة الراوي واللقاء علم

    الإمام البخاري وهو من أهل التحري والتثبت نقل عنه وتداول أهل العلم من غير نكير القول باشتراط اللقاء، ونسب أيضاً القول لعلي بن المديني، والإمام مسلم نسبه إلى مبتدع، إلى شخصٍ مبتدع، ورد على هذا المبتدع وشدد وشنع على هذا المبتدع، فالذين يقولون: إنه لا يمكن أن يقول البخاري بهذا القول ويصفه مسلم بالبدعة ويشدد النكير عليه وهو شيخه وهو تلميذه، ولولاه لما راح ولا جاء، ما يمكن أن يكون هذا، وصار سبباً لنفي هذا القول عن الإمام البخاري، نقول: يمكن أن يقول البخاري باشتراط اللقاء، يمكن، وهذا القول تداوله الأئمة من قديم، ونسبوه إلى الإمام البخاري، نعم إذا طالبت بالسند المتصل إلى الإمام البخاري قد لا تجد، كغيره من القضايا التي تداولها أهل العلم، وسلموا بها.

    ج ٦ ص ١٣
  6. لكن كيف يقول الإمام مسلم في مقدمة صحيحه ويشنع القول، هذا رجل مبتدع، قولٌ مخترع، يريد هدم السنة ويفعل ويترك إلى آخره، يقول مسلم هذا، هل يقصد البخاري؟ نقول: ما يقصد البخاري، يقصد شخص مبتدع، كيف إذاً البخاري يقول بهذا القول؟ علي بن المديني نسب إليه هذا القول، لماذا لا يقصد البخاري؟ نقول: لا يقصد البخاري، البخاري شيخه، ولا يمكن أن يحصل مثل هذا بين البخاري ومسلم، وقد عرف من حال الإمام مسلم وصنيعه بالإمام البخاري ما عرف، لا يمكن أن يوجه له مثل هذا الكلام، إذاً على من يرد مسلم؟ نقول: مسلم يرد على مبتدع يريد أن يستثمر كلام الإمام البخاري واحتياط الإمام البخاري لرد السنة، يريد أن يستغل هذا الاحتياط لرد السنة.

    ج ٦ ص ١٤
  7. إذا رددنا على الجبائي من المعتزلة أو رددنا على أبي الحسين البصري منهم، وكلٌ منهما يستدل بفعل عمر -رضي الله عنه-، الذي لم يقبل خبر أبي موسى في الاستئذان حتى شهد له أبو سعيد، إذا رددنا على أبي الحسين البصري، أو على أبي علي الجبائي في ردهم السنة استدلالاً بقول عمر هل نحن نرد على عمر؟ لا نرد على عمر، نريد نرد على من يستثمر قول عمر -رضي الله عنه- في رد السنة، كما أننا نرد على من يفهم من آية غير الفهم الصحيح، ولا نرد على الآية، أو من حديث فهمٍ يناسبه يريد أن يستفيد من هذا الفهم للطعن في الدين نرد عليه بعينه.

  8. يعني إذا رددنا على الخارجي الذي يقول بكفر القاتل، قاتل المؤمن المتعمد، وقد استدل بآية النساء هل معنى هذا أننا نرد الآية؟ أو نرد استدلال هذا الخارجي بهذه الآية التي لها ما يوجهها من نصوص أخرى؟ نعم؟ نرد على الاستدلال، فإذا رددنا على المعتزلة في ردهم خبر الذي يرويه شخص واحد ويريدون بذلك أن يردوا السنة فإننا لا نرد على عمر -رضي الله عنه- على احتياط عمر، عمر عرف بالاحتياط والتحري، والدين محفوظ، وكون عمر يتثبت في حديث أو حديثين أو عشرة لا يعني أنه يرد كل السنة، وقد عمل عمر بخبر واحد، وعمل قبله أبو بكر بخبر واحد وهكذا، فمن أراد أن يستغل احتياط الإمام البخاري وشدة تحريه لهدم السنة نرد عليه بعينه ولا نرد عمر.

  9. نظير ذلك: لو جاء شخص من شراح الحديث ويقول: قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((والذي نفسي بيده) ) أي روحي في تصرفه، إذا عرفنا من حال هذا الرجل أنه يثبت صفة اليد على ما يليق بجلال الله وعظمته نرد عليه في هذا الموضوع؟ ما في أحد روحه ليست في تصرف الله -عز وجل-، إذا كان ممن عرف بإثبات اليد، لكن إذا كان ممن ينفي اليد نقول: لا، هذا فرار من إثبات الصفة، بل في الحديث دليلٌ على إثبات صفة اليد لله -عز وجل- على ما يليق بجلاله وعظمته، فتنزل الأمور منازلها.

    ج ٦ ص ١٥
  10. فكون أهل العلم تداولوا هذا القول ونقلوه لا يعني أنه قول خاطئ، ولا يعني أن البخاري إذا احتاط لصحيحه أنه يرد الأحاديث التي لم تثبت بهذه الكيفية، بل نقل عنه تصحيح أحاديث .. ، نقل عنه الترمذي وغيره ما هو أخف من هذا الشرط من شرط مسلم، أخف بكثير من شرط مسلم، لكنه يعتني بصحيحه، وينتقي الأحاديث، كونه وجد في البخاري حديث أو حديثين أو ثلاثة أو عشرة يبدو للناظر فيها أنه أخل بشرطه لا يعني أنه لا يشترط هذا، قد يغفل الإنسان، يسهو الإنسان، يجتهد في تطبيق الشرط ولا يستطيع، فلا نشنع على أهل العلم بمثل هذه المناقشات، يعني كون الحديث يصح ولو لم يثبت اللقاء صححه الأئمة، ومشوا عليه، ودرجوا عليه، وأنت إذا درست إسناد ووجد أن المعاصرة موجودة مع إمكان اللقاء خلاص يكفي، لكن كونك تحتاط.

  11. الحافظ عبد الغني لما ألف عمدة الأحكام وقصد أن تتكون أحاديثها من الصحيحين كونه وقع فيها من أفراد أحدهما لا يعني أنه أخل بشرطه بالجملة، ومع ذلكم لا يعني أنه لا يصحح أحاديث عملية في الأحكام غير ما انتقاه، المقصود أن نفهم المراد بالشرط عند أهل العلم، يشترط أهل العلم في الجملة شروط بمعنى أنهم يرسمون منهج، قد يتخلف هذا الشرط ولا يعني أنه يلزم من عدمه العدم كما هو مقرر في تعريف الشرط، قد ينزل عنه للحاجة، قد يتنازل عنه للحاجة، قد يوردون في بعض الأبواب أحاديث ليست على شروطهم؛ لأنه لم يوجد في الباب غيره، كما صنع أبو داود وغيره، المقصود أن مثل هذه المسألة وإن كتب فيها بعض الفضلاء يبقى لهم فضلهم وغيرتهم على السنة، وحرصهم عليها، هذا شيء لا ينكر، ودقتهم واطلاعهم هذا شيء لا ينكر، لكن أيضاً كوننا نستدرك على أهل العلم بهذه الطريقة معناه أنه يتضمن تجهيل لكل من كتب في الموضوع، ودافع وقال شرط البخاري والشراح الذين تتابعوا على هذا، وأنه علم جديد ابتكرناه نرد به على السابقين، ما هو بصحيح، ولا يعني هذا أن كل من تقدم معصوم لا يخطئ، إلا يخطئ، كما أن الإنسان لا يدعي لنفسه العصمة، وإذا أراد أن يناقش مسألة وأين هو من الأئمة الكبار يعرضها عرض بأسلوب مناسب، ويجعلها بحثاً، لعل المراد كذا، لعل كذا، لا يرد بقوة، وبعدين يتبين الخلل في كلامه.

    ج ٦ ص ١٦
  12. المسألة الخلاف فيها واسع، ولا حجر فيها، وإذا أرادنا أن نتتبع مثل هذه الكلمات بالألفاظ الشديدة التي يفهم منها ما يفهم وقعنا في إشكالات كثيرة.

    وما يماثله وكان الضبط خف ... فحسنٌ لذاته فإن يحف

    يعني يماثل الصحيح بشروطه السابقة، يكون الرواة عدول، هناك تمام الضبط هنا خف الضبط؛ لأنه يقول:

    وما يماثله وكان الضبط خف ... فحسنٌ لذاته. . . . . . . . .

  13. يعني مجرد الاختلاف بين الصحيح لذاته والحسن لذاته الضبط، الضبط خف، وبقية الشروط مشتركة عدالة الرواة، اتصال الإسناد، انتفاء الشذوذ، انتفاء العلة، يبقى الاختلاف في الضبط، يشترط للصحيح تمامه ويتنازل عن تمامه للحديث الحسن، هذا ما يختاره المؤلف، وهو قول ابن حجر، وهو منتزع من كلام الأئمة السابقين، وأهل العلم المتقدمون والمتأخرون يختلفون اختلاف كبير في حد الحسن، حتى أشار الذهبي وغيره إلى أنه لا مطمع في تمييزه، يقول الحافظ -رحمه الله تعالى- العراقي:

    والحسن المعروف مخرجاً وقد ... اشتهرت رواته بذاك حَد

    (حمدٌ) وقال الترمذي: ما سلم ... من الشذوذ مع راوٍ ما اتهم

    بكذبٍ ولم يكن فرداً ورد ... قلتُ: وقد حسن بعض ما انفرد

    وقيل: ما ضعفٌ قريبٌ محتمل ... فيه وما بكل ذا حدٌ حصل

    كل الكلام الذي سمعناه ما له حد، يعني كلها عليها مناقشات وأخذ ورد ولا تحرر الحسن من الصحيح، ولا تفصل الحسن من الضعيف، فالخطابي له تعريف: "الحسن المعروف مخرجاً" عُرف مخرجه، واشتهر رجاله، "بذاك حدٌ حمدٌ" هذا الخطابي، عرف مخرجه، اشتهر رجاله، طيب هل في هذا ما يميز الحسن عن غيره بدقة؟ بمعنى أننا نستطيع أن نميز الحسن من الصحيح، الصحيح اشتهر رجاله، وعُرف مخرجه، الضعيف قد يكون اشتهر رجاله بالضعف، اشتهر رجاله، المقصود أنه ليس في هذا ما يميز الحسن عن غيره، تعريف الترمذي الترمذي اشترط للحديث الحسن شروط ثلاثة:

    وقال الترمذي: ما سلم ... من الشذوذ مع راوٍ ما اتهم

    بكذبٍ ولم يكن فرداً ورد ... . . . . . . . . .

    ج ٦ ص ١٧
  14. اشترط ثلاثة شروط، وهناك مناقشات طويلة يعني لا يتسع لها المقام، لكن نتصور هذه التعريفات.

    وقيل: ما ضعفٌ قريب محتمل ... . . . . . . . . .

  15. هذا كلام ابن الجوزي.

    وقيل: ما ضعفٌ قريبٌ محتمل ... فيه وما بكل ذا حدٌ حصل

    ج ٦ ص ١٨هذا الحافظ العراقي، كل التعاريف ما استفدنا منها في تمييز الحسن عن غيره، والسبب في ذلك أن الحسن مرتبة متوسطة بين الصحيح والضعيف، تتباين فيها الوجهات وجهات النظر، تتباين فيها وجهات النظر، من أهل العلم من يرى أن الشروط توافرت فهي بحكم الصحيح، ومنهم من يرى أن هذا الحديث لم تتوافر فينزله إلى الضعيف، ولذا من نتاج هذا البحث يقرر جمعٌ من أهل العلم أن الذي يختلف في تصحيحه وتضعيفه من غير ترجيح أنه يكون من قبيل الحسن.

  16. أو اختلف في الراوي بين توثيقه وتضعيفه من غير ترجيح يكون من رواة الحسن؛ لأن الحسن منزلة متوسطة.

  17. الآن لو يجيء واحد أو عشرة مثلاً يختبرون الإخوان الحاضرين، ويقال لهؤلاء العشرة: ميزوا الحاضرين إلى ثلاثة فئات، ممتاز، وجيد جيداً، وجيد، كلام شفوي ما هو مدون وعليه درجات ومضبوط ومتقن، مع أن المدون تتباين فيه أيضاً الوجهات، لو أعطيت هذه الورقة صححها وأعطى عليها تسعين يأخذها ثاني ويمنحه ثمانين مثلاً أو خمسة وتسعين، من هذا القبيل اختلاف المناقشين للرسائل، إذا خلت اللجنة تجد واحد معطي الطالب خمسة وتسعين والثاني خمسة وثمانين والثالث ثمانين مثلاً، التمييز بالدقة في هذه الأمور فيه صعوبة، وقل مثل هذا في الأحاديث، منزلة متوسطة، يعني لو اختبر جاء عشرة من أهل العلم في هذا الشأن أو في غيره وقال: اختبروهم، أو انتهت الدورة وقيل لعشرة من المشايخ: اختبروا هؤلاء الطلاب وكلٌ حسب اجتهاده، يصنفهم ثلاث فئات، لكن الذي يشهد له الواقع أنهم لن يجعلوا الضعيف جداً مع القوي جداً، لن يجعلوا هذا، هذا ظاهر، يعني شخص راسب يمكن يجي ثاني يصحح له ويعطيه ممتاز؟ هذا ما يمكن، لكن جيد جداً يطلعه إلى الممتاز أو ينزله إلى الجيد هذه كثيرة، وهذا الاحتمال الواقع في ترقية الحسن إلى الصحيح أو إنزاله إلى الضعيف، والتذبذب بين المرتبتين.

  18. ولذا حد الحسن من أصعب ما يدرس، وهو صعبٌ أيضاً في التطبيق، إلا أن صاحب الخبرة والدربة تتكون لديه ملكة تجعله بالقرائن يحكم عليه أنه في مرتبة لا يطلع إلى الصحيح ولا ينزل إلى الضعيف، ولذا تجدون في النقاد من كثر في صنيعه إلحاق الحسان بالصحاح، وجعل لا يميز بين الصحيح والحسن، وفيهم من كثر إلحاق الحسان بالضعيف، ووصف الأول بإيش؟ بالتساهل، ووصف الثاني: بالتشدد، والسبب في ذلك كون الحسن مرتبة متذبذبة.

    ج ٦ ص ١٩
  19. فطالب العلم يقرأ مثل هذه الأمور للتمرين يتمرن عليها، لكن إذا أكثر من التطبيق تتضح له الصورة، والعلم علمٌ عملي، وذكرني أحد الإخوة بمثالٍ كنت قد قرأته قديماً للشيخ علي الطنطاوي -رحمه الله-، قال: لو تحضر كتاب في تعليم السباحة وتعطيه شخص يقرأ هذا الكتاب حفظ كما يحفظ الفاتحة، يحفظه حفظ عن ظهر قلب، وتجي وتحمل هذا الشخص الذي حمل الكتاب وترميه في البحر، فائدته من العلم النظري كبيرة وإلا .. ؟ يمكن يغرق ويموت، يغرق ويموت وهو حافظ للكتاب، هذه العلوم عملية تحتاج إلى مزاولة، فإذا كثر كثرت مزاولة طالب العلم لهذا العلم ومعاناته مع الاطلاع على أعمال أهل العلم في هذا وقراءته تخاريجهم وأحكامهم على الأحاديث -بإذن الله- تتولد إلى ذهنه الملكة، لكن على أن يصحب ذلك سلامة قلب، وإخلاص ونية صالحة، وعفة لسان، لا يلزم أن يكون عرف شيء من علوم الحديث يتهجم على أهل العلم، ويسفه، ويجهل والكبار والصغار، وصحيح وإن ضعفه أحمد، وضعيف وإن .. ، إيش الكلام هذا؟

  20. طالب العلم بحاجة إلى الأدب، بحاجة ماسة إلى أن يتأدب، وهو أولى الناس بأن يكون قدوة لغيره، وإذا أراد طالب العلم أن يتأدب بأدب مناسب يتعامل به مع الكبار فليقرأ مقدمة: (موضح أوهام الجمع والتفريق) للخطيب البغدادي، أو مقدمة معه أيضاً يقرأ مقدمة: (القول المسدد) للحافظ ابن حجر، ويقرأ في: (جامع بيان العلم فضله) للإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر، والجامع لأخلاق الراوي، وكتاب السمعاني في أدب طالب العلم، المقصود أن هناك كتب ألفت في هذا الباب ينبغي أن يكون طالب العلم على علمٍ بها، فيتأدب مع الكبار والصغار، وفي الكتاب ... نعم؟

  21. طالب: . . . . . . . . .

  22. (جامع بيان العلم وفضله) ، (جامع بيان العلم) من أنفس ما كتب في الباب، يعني لا يستغني عنه طالب علم، لكن مقدمة الخطيب لـ (موضح أوهام الجمع والتفريق) لأنه بصدد الرد على الكبار، هذه الأوهام حصلت من كبار، فقدم بمقدمة يحتاجها كل طالب علم، وفي هذا الكتاب الذي ندرسه آداب الشيخ والطالب، ويأتي -إن شاء الله- بيانها بالتفصيل.

    . . . . . . . . . ... فحسنٌ لذاته فإن يحف

    بمثله صحح بالمجموعِ ... . . . . . . . . .

    ج ٦ ص ٢٠
  23. إن يحف الحسن لذاته فإنه يعني إن يضم إليه يحف بطريقٍ آخر بمثله صحح، يعني حسن لذاته مع طريق آخر حسن لذاته يكون المجموع صحيح لغيره.

    والحسن المعروف بالعدالة ... والصدق راويه إذا أتى له

    طرقٌ أخرى نحوها من الطرق ... صححته كمتنِ: (لولا أن أشق)

    إذ تابعوا محمد بن عمرو ... عليه فارتقى الصحيح يجري

    المقصود أن الحسن لذاته إذا حف بطرقٍ أخرى نحو هذا الطريق فإنه يرتقي ويكون في الدرجة الثانية من درجات القبول وهو الصحيح لغيره.

    . . . . . . . . . صحح بالمجموعِ ... واكتسب القوة بالجموعِ

    اكتسب القوة بالجموع؛ لأنك إذا نظرت إلى مفرداته وجدتها لا تصل إلى درجة الصحيح، لكن بمجموعها ترتقي، أنت لو ربطت حبل في هذه السارية قلت: قم يا فلان، اسحب هذا الحبل حتى ينقطع، عجز تأتي بثاني يسحبه معه ينقطع، حصلت هذه القوة بالمجموع ما حصلت بواحد؛ لأنك لو أتيت بالثاني بمفرده ما انقطع هذا، فالقوة إنما تحصل بالمجموع، حسن مع حسن يساوي صحيح، وقل مثل ذلك في الضعيف الذي ضعفه قابل للانجبار يرتقي إلى الحسن لغيره بالمجموع.

    ويطلق الوصفان للترددِ ... إن أطلقوهما مع التفردِ

    إذا قيل: هذا حديث حسن صحيح الوصفان الحسن والصحة.

    ويطلق الوصفان للترددِ ... إن أطلقوهما مع التفردِ

    ويطلقان باعتبار الطرقِ ... في غير فردٍ فادره وحققِ

    إذا قال أهل العلم وهذا أكثر ما يوجد عند الترمذي: هذا حديثٌ حسن صحيح، أولاً: هل هذا التعبير فيه إشكال وإلا ما فيه إشكال؟ كيف؟ من أي وجه يكون الإشكال؟ الترمذي كثيراً ما يقول: حسن صحيح، وجه الإشكال؟

  24. طالب: . . . . . . . . .

  25. لكن هل المقصود من الكلمة واضح من أول وهلة وإلا لا؟

  26. طالب: . . . . . . . . .

  27. نقول: استشكل الوصف بالصحة والحسن هذا مشكل، كيف مشكل؟

    ج ٦ ص ٢١
  28. طالب: . . . . . . . . .

  29. حسنٌ صحيح، يعني إذا قلنا: الحديث حسن لوصفان متباينان، إذا قلنا: حسن معناه أنه قصر عن رتبة الصحيح، فإذا أضفنا إلى ذلك صحيح أنه طلع نزل عن رتبة الصحيح ثم طلع إليها، كيف في آنٍ واحد؟

  30. طالب: . . . . . . . . .

  31. صحيح، أو أثبت القصور ثم نفى هذا القصور، يعني نظير ذلك إذا قلت: تخرجت، وقيل: ما تقديرك؟ قلت: جيد جداً ممتاز، تجي وإلا ما تجي؟ تجي؟! مع اتحاد الجهة ما يمكن تجي، تقديرك العام يمكن يصير جيد جداً ممتاز؟

  32. طالب: . . . . . . . . .

  33. إيه مع اتحاد الجهة ما يمكن يجي، لكن مع انفكاك الجهة تقديرك العام جيد جداً، والتخصص ممتاز، ممكن، وهنا نقول: مع انفكاك الجهة ممكن، لكن مع اتحاد الجهة كيف؟ يعني طالب ينزل عن التسعين ويطلع فوق التسعين يصير؟ ما يمكن إلا ما انفكاك الجهة، وهو نظير ما نحن فيه.

  34. كيف ينزل الحديث عن درجة الصحيح ثم يطلع إليها؟ يعني إثبات للقصور ونفي لهذا القصور، إثبات ونفي في آنٍ واحد، ما يمكن، لكن مع انفكاك الجهة سهل، يمكن الطالب في مواد التخصص يصير ممتاز، وفي التقدير العام جيد جداً، سهل.

  35. وهنا إن كان الحديث مروي من طرق من أكثر من طريق بعضها صحيح وبعضها حسن الأمر ظاهر، مثل التخصص والتقدير العام، نعم؟

  36. طالب: . . . . . . . . .

  37. بعضها صحيح وبعضها حسن، فعلى هذا مع تعدد الطرق هذا إذا تعددت الطرق محمولٌ على أنه ثبت بأسانيد صحيحها وأسانيد حسنة، وغاية ما هنالك أن الإمام حذف حرف العطف، فعليه أن يقول: صحيح وحسن، أو حسنٌ وصحيح، حسنٌ من طريق، وصحيح من طريق.

  38. يرد على هذا أنه إذا لم يعرف إلا من طريقٍ واحد، يعني ما في إلا طريق واحد كيف؟ يعني إذا قلت: جيد جداً ممتاز وهو ما فيه إلا مادة واحدة، كيف تقول: جيد جداً ممتاز؟ نقول: اللجنة اختلفوا واحدٍ قال: صحيح ممتاز، وواحد قال: يستحق جيد جداً، وهنا اختلف العلماء هل يصل إلى درجة الصحيح أو إلى درجة الحسن؟ وغاية ما هنالك أن يقال: إن الإمام حذف حرف التردد، فعليه أن يقول: حسنٌ أو صحيح، يتردد في حكمه؛ لأن النقاد ترددوا، أو الناقد نفسه تردد هل بلغ أو لم يبلغ؟ واضح؟

  39. الكلام في هذه المسألة كثير جداً، بلغت الأقوال بضعة عشر قولاً في هذه المسألة، لكن هذه من أوضح ما يقال مما يناسب الظرف، منهم من يقول: السند لا يصل إلى درجة الصحيح والمتن لورود ما يشهد له يصل، ومنهم من يقول: إن الحديث وهو يسند القول السابق مشرب، الصحة مشربة بحسن، صحته مشربة بحسن، يعني أنه ليس بصحيح بمعنى الإطلاق ولا بحسن في مرتبة بينهما، يعني مثل ما تقول: حامض حلو بين الأمرين، مشرب، ومنهم من يقول: الحسن المراد به الحسن اللغوي، ألفاظه حسنة وجميلة، وصحته من حيث الثبوت، المقصود أن هناك أقوالٌ كثيرة لا نطيل بذكرها.

    ويطلق الوصفان للترددِ ... إن أطلقوهما مع التفردِ

    يعني إذا مع التفرد ليس له إلا إسناد واحد يطلق تردد، هل بلغ أو لم يبلغ؟ وهذا ذكرناه.

    ويطلقان باعتبار الطرقِ ... في غير فردٍ فادره وحققِ

    واقبل زيادة بها تفردا ... راويهما ما لم ينافِ الأجودا

    هذه مسألة: زيادة الثقة، وهي من المعضلات، زيادة الثقة هل تقبل زيادة الثقة؟ إذا جاءنا هذا الثقة بحديثٍ مستقل تفرد به عن غيره من الرواة يقبل وإلا ما يقبل؟ يقبل؛ لأننا ما نشترط. . . . . . . . .، لكن اشترك الرواة في رواية حديث عشرة، تسعة رووه بدون جملته الأخيرة، رواه واحد باللفظ الذي ذكروه وزاد جملة: ((إن الله يحب التوابين) )، ((إنك لا تخلف الميعاد) ) زيادة: ((من المسلمين) ) في زكاة الفطر، ((جعلت تربتها) ) المقصود أن الزيادات في هذا كثيرة، فهل تقبل باعتباره ثقة؟ ولو تفرد بالحديث نقبل فكيف لا نقبل زيادة؟ أو نقول: لو كانت محفوظة تواطأ على روايته التسعة كلهم، لكن لما تفرد بها شككنا، المسألة خلافية، والمتأخرون جروا على قواعد مطردة، منهم من يقبلها مطلقاً؛ لأن من زادها معه زيادة علم، ومنهم من يردها مطلقاً لأن عدمها متيقن، ووجودها مشكوكٌ فيه.

    واقبل زيادات الثقات منهمُ ... ومن سواهم فعليه المعظمُ

    ج ٦ ص ٢٣المقصود أن المسألة مختلفٌ فيها، فالأكثر على أنها تقبل مطلقاً، وهناك نُقُول عن أهل العلم عن ابن حبان، عن ابن عبد البر، جمع من الأئمة يقبلون، وهناك من تصرفات الأئمة الكبار ما فيه قبول بعض الزيادات، ومن رد وقال: إن عدم ذكر هذه الزيادة هو المتعين له وجه؛ لأنه لو كانت محفوظة وتصرف بعض الكبار الأئمة يقوي الرد، فالأئمة الكبار في كلامهم ما يؤيد القبول، وفي صنيعهم ما يؤيد الرد.

    ج ٦ ص ٢٢
  40. ونخلص بهذا إلى أنه زيادة الثقة، ومنها تعارض الوصل والإرسال، ومنها تعارض الوقف والرفع، لا يمكن القول بقبولها باطراد، ولا الرد باطراد، إذاً ماذا نصنع؟ نصنع صنيع الأئمة الكبار إذا تأهلنا، ما هو من الآن نقبل ونرد، إنما نعرف كيف نقبل؟ وكيف نرد؟ هناك قرائن تجعل القبول متعين، وهناك قرائن تجعل الرد هو الراجح، وهذه القرائن لا يمكن أن تلوح إلا للمتأهل، فطالب العلم المبتدئ في وقت التمرين وهو يخرج أحاديث لنفسه ما يلزم الناس بالعمل بها، يخرج أحاديث لنفسه ويتمرن يجري على هذه القواعد، ويعرض تخريجه على أهل الخبرة، ويعرض النتائج على أقوال أهل العلم، وإذا أكثر من هذا سوف تتكون لديه الأهلية -إن شاء الله تعالى-.