مالك، عن محمد بن أبي بكر الثقفي حديث واحد

٦٢ فقرة، ج ٨ ص ١٧٨

الصفحة ٢ من ٢

  1. وهُو قولُ جُمهُورِ فُقَهاءِ الأمصارِ، وأهل الحديثِ (٣) .

    ج ٨ ص ١٨٥
  2. ومِمَّن قالَ بذلك منهُم: سُفيانُ الثَّوريُّ، وأبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ، وابنُ أبي ليلى، والحسنُ بن حيٍّ، والشّافِعيُّ، وأحمدُ بن حَنْبل، وإسحاقُ بن راهُويةَ، وأبو ثورٍ، وداودُ بنُ عليٍّ، والطَّبريُّ، وأبو عُبَيدٍ.

  3. إلّا أنَّ هؤُلاءِ اختلفُوا في شيءٍ من ذلك.

    فقال الثَّوريُّ، والشّافِعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهُم، وأبو ثور: يَقْطعُها في أوَّلِ حَصاةٍ يَرْمِيها (٤) من جَمْرةِ العَقَبةِ.

    وقال أحمدُ وإسحاقُ، وطائفةٌ من أهل النَّظرِ والأثَر: لا يَقْطعُ التَّلبيةَ حتَّى يَرْمي جمرةَ العَقَبةِ بأسْرِها.

    ج ٨ ص ١٨٦قالوا: وهُو ظاهِرُ الحديث: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يَزَل يُلبِّي، حتَّى رَمَى جَمْرةَ العَقَبةِ.

  4. ولم يَقُل أحدٌ من رُواةِ هذا (١) الحديث: حتَّى رَمَى بعضها. على أنَّه قال بعضُهُم في حديثِ عائشةَ: ثُمَّ قطَعَ التَّلبيةَ في آخِرِ حَصاةٍ.

  5. حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن داود، عن ابن جُرَيج، عن عَطاءٍ، عن ابن عبّاس، عن الفَضْلِ بن عبّاس: أنَّهُ كان رِدفَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لبَّى حتَّى رَمَى (٢) جمرةَ العَقَبة (٣) .

  6. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرٌ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، عن ابن جُريج، قال: أخبرني عَطاءٌ، عن ابن عبّاس: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أردَفَ الفَضْل من جَمعْ، وأنَّ الفَضْلَ حدَّثهُ، فذكَرَ الحديثَ مِثلَهُ (٤) .

  7. وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا التِّرمِذيُّ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٥) : حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أبي حَرْملةَ،

    ج ٨ ص ١٨٧قال: أخبرنا كُريبٌ، عن ابن عبّاس، عن الفَضْلِ بن عبّاس، وكان رِدْفَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من (١) المُزْدَلفةِ، حتَّى رَمَى حَمْرةَ العَقَبة، قال: لم أزَلْ أسمَعُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يُلبِّي، حتَّى رَمَى (٢) الجَمْرةِ، جَمْرةَ العَقَبةِ.

  8. ورَوَى سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن زَيْدِ (٣) بن أسلَمَ، عن عَطاءِ بن يَسارٍ، عن ابن عبّاس: سَمِعتُ عُمرَ يُهِلُّ بالمُزْدلفةِ، فقلتُ: يا أميرَ المُؤمِنينَ فِيمَ الإهْلالُ؟ قال: وهَلْ قَضَينا نُسُكنا بَعْدُ (٤) .

  9. ذكرهُ ابنُ المُقرئ عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن محمدِ بن عبدِ الله بن يزيد المُقرئ، عن جَدِّهِ، عن سُفيانَ.

    قال أبو عُمر: من اعتبَرَ الآثارَ المرفُوعةَ في هذا البابِ، مِثلَ حديثِ محمدِ بن أبي بكرٍ الثَّقفيِّ، عن أَنَسٍ. وحديثِ ابن (٥) عُمرَ، وحديثِ ابن عبّاس، وغيرِها، استدلَّ على الإباحَةِ في ذلك، ولهذا ما اختلَفَ السَّلفُ فيه هذا الاختِلافَ، ولم يُنكِر بعضُهُم على بعضٍ، ولمّا كان ذلك مُباحًا، استحبَّ كلُّ واحِدٍ منهُم ما ذكَرْنا عنهُ، ومالَ إليه، استِحبابًا لا إيجابًا، والله أعلمُ.

  10. أخبرنا إبراهيمُ بن شاكِرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عُثمان، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عُثمانَ، وسعيدُ بن خُمَير (٦) ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن صالح،

    ج ٨ ص ١٨٨قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ خليل، قال: حدَّثنا عليُّ بن مُسهِرٍ، قال: أخبرنا الأعمشُ، عن سُلَيمان بن مَيْسرةَ، عن طارِقِ بن شِهابٍ، قال: أفاضَ عبدُ الله من عَرَفاتٍ، وهُو يُلبِّي، فسَمِعهُ رجُلٌ، فقال: من هذا المُلبِّي، وليسَ بحينِ التَّلبيةِ (١) ؟ فقيل لهُ: هذا (٢) ابنُ أُمِّ عبدٍ، فاندَسَّ بين النّاسِ وذهَبَ، فذُكِرَ ذلك (٣) لعبدِ الله، فجعَلَ يُلبِّي: لبَّيكَ عددَ التُّراب (٤) .

  11. أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عليُّ ابنُ المدينيِّ، قال: حدَّثنا يحيى بن سَعيدٍ، عن إسماعيل بن خالدٍ، قال: حدَّثني وَبَرةُ، قال: سألتُ ابن عُمرَ عن التَّلبيةِ يومَ عَرَفةَ، فقال: التَّكبيرُ أحبُّ إليَّ (٥) .

  12. وذكَرَ ابنُ وَهْب، عن عَمرِو بن الحارِثِ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: يُهِلُّ ما دُونَ عَرَفةَ، ويُكبِّرُ يومَ عَرَفةَ (٦) .

  13. وذكَرَ حمّادُ بن زَيْدٍ، عن سَلَمةَ بن عَلْقمةَ، عن محمدِ بن سِيرينَ، قال: حَجَجتُ زَمنَ ابن الزُّبيرِ، فسمِعتُهُ يومَ عَرفةَ يقولُ: ألا وإنَّ أفضَلَ الدُّعاءِ اليومَ التَّكبيرُ. وهذا على الأفْضلِ عِندَهُ، والله أعلمُ.

  14. ومن حُجَّةِ منِ اختارَ التَّلبيةَ، حتَّى يَرْمِي (٧) جَمْرةِ العَقَبة: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -

    ج ٨ ص ١٨٩كذلكَ فعَلَ، وقال: "خُذُوا عنِّي مَناسِككُم" (١) . وهُو المُبيِّنُ عن الله مُرادهُ، وهي زيادةٌ في الرِّوايةِ يجِبُ قبُولهُا.

  15. ومن جِهَةِ النَّظرِ، أنَّ المُحرِمَ لا يحِلُّ من شَيءٍ من إحرامِهِ، ولا يُلْقي عنهُ شيئًا من تَفَثهِ (٢) حتَّى يَرْمي جَمْرةَ العَقَبةِ، فإذا رَماها، فقد حلَّت لهُ أشياءُ كانت مَحْظُورةً عليه، وذلكَ أوَّلُ إحْلالهِ، فيَنْبغي أن تكونَ تَلْبيتُهُ بالحجِّ، على حَسَبِ ما كانت عليه من حينِ أحرمَ، إلى ذلكَ الوقتِ، والله أعلمُ.

  16. ومعنى التَّلبيةِ، إجابةُ إبراهيمَ فيما ذَكرُوا.

    قال مُجاهِدٌ وغيرُهُ: لمّا أُمِرَ إبراهيمُ - صلى الله عليه وسلم - أن يُؤَذِّنَ في النّاسِ بالحجِّ، قامَ على المَقام، فقال: يا عِبادَ الله أجيبُوا الله. فقالوا: ربَّنا لبَّيكَ، ربَّنا لبَّيكَ، فمن حَجَّ البيتَ، فهُو مِمَّن أجابَ دَعْوتهُ (٣) .

  17. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤) : حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال (٥) : حدَّثنا وكيعٌ، عن ابن جُرَيج، عن عَطاءٍ، عن ابن عبّاس، عن الفضل بن عبّاس: أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لبَّى حتَّى رَمَى جَمْرةَ العَقَبةِ.

  18. واختلَفَ الفُقهاءُ في قَطْع التَّلبيةِ في العُمرةِ (١) :
  19. فقال الشّافِعيُّ: يَقْطعُ التَّلبيةَ في العُمْرةِ إذا افتتحَ الطَّوافَ (٢) .

    وقال مالكٌ: لا يَقْطعُ المُحرِمُ التَّلبيةَ في العُمرةِ، إذا أحرمَ من التَّنعيم، حتَّى يَرى البيتَ، وأمّا من أحرمَ من المواقيتِ بعُمْرةٍ، فإنَّهُ يَقْطعُ التَّلبيةَ إذا دخَلَ الحَرَمَ وانتهى إليه. قال: وبَلَغني ذلك عن ابن عُمرَ، وعُروةَ بن الزُّبير (٣) .

  20. واختلَفَ العُلماءُ في التَّلبيةِ في الطَّوافِ (٤) للحاجِّ:
  21. فكان رَبِيعةُ بن أبي عبدِ الرَّحمنِ يُلبِّي إذا طافَ بالبيتِ، ولا يَرى بذلكَ (٥) بأسًا (٦) . وبه قال الشّافِعيُّ، وأحمدُ بن حنبل: أنَّهُ لا بأس بذلكَ. وكرِهَ (٧) ذلك سالمٌ.

    وقال ابنُ عُيَينةَ: ما رأيتُ أحَدًا يُقْتدَى به يُلبِّي حولَ البيتِ، إلّا عَطاءَ بن السّائب (٨) .

    وقال إسماعيلُ: لا يَزالُ الرَّجُلُ مُلبِّيًا، حتَّى يبلُغَ الغايةَ التي إليها تكونُ اسْتِجابتُهُ، وهُو المَوْقِفُ بعرفةَ (٩) .

  22. وقد تقدَّمَ قولُ عليٍّ، وابنِ عُمرَ، واختيارُ مالكٌ لذلكَ، والحمدُ لله.