محمد بن عبد الرحمن، أبو الرجال، يكنى أبا عبد الرحمن

١٠٧ فقرة، ج ٨ ص ٢٢٠

الصفحة ٢ من ٣

  1. حدَّثنا سعيدُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْلمةَ القَعْنبيُّ، قال: حدَّثنا خارِجةُ بن عبدِ الله بن سُليمانَ بن زيدِ بن ثابتٍ، عن أبي الرِّجال، عن أُمِّهِ عَمْرةَ، عن عائشةَ، قالت: نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن بَيْع الثَّمَرِ حتَّى يَنْجُو من العاهَة (٣) .

    ج ٨ ص ٢٣٢
  2. حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفَضْل، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمد بن مُنيرٍ، قال: حدَّثنا هشام بنُ يونُس، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذِئبٍ، عن عُثمانَ بن عبدِ الله بن سُراقةَ، عن عبدِ الله بن

    ج ٨ ص ٢٣٣عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بيع الثِّمارِ حتَّى تَنْجُو من العاهَةِ. قال ابنُ سُراقةَ: فسألتُ عبد الله بن عُمرَ: متَّى ذلك؟ قال: طُلُوع الثُّريّا (١) .

  3. وقد رَوَى أبو سعيدٍ الخُدريُّ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِثلَ هذا اللَّفظ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بيع الثِّمارِ حتَّى تَذْهبَ عاهَتُها. من حديثِ ابن أبي ليلَى، عن عَطيَّةَ، عن أبي سَعيد (٢) .

  4. ورُوي عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من وُجُوهٍ كثيرِةٍ، كلُّها صِحاحٌ ثابتةٌ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بيع الثِّمارِ حتَّى يبدُو صلاحُها؛ حتَّى تُزْهِي، وحتّى تَحْمرَّ، وحتّى تُطْعِمَ (٣) ، وحتّى تخرُج من العاهَةِ. ألفاظٌ كلُّها محفُوظةٌ، ومعناها واحِدٌ (٤) .

  5. والمعنَى فيها أن تَنْجُو من العاهَةِ، وهي الجائحةُ في الأغْلَبِ، لأنَّ (٥) الثِّمارَ إذا بَدا صلاحُها نَجَتْ من العاهَةِ جُملةً واحِدةً، ولكنَّها إذا بَدا طيبُها، كان أقرَبَ إلى سَلامتِها، وقلَّما يكونُ سُقُوطُ ما يَسْقُطُ منها إلّا قبلَ ذلك.

  6. ثُمَّ ما اعْتَراها من جائحَةٍ من السَّماءِ أو غيرِها، فقد مَضى القولُ في ذلك كلِّهِ، واختِلافُ العُلَماءِ فيه، في بابِ حُميدٍ الطَّويل، من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادَتهِ هاهُنا.

  7. وقد رَوَى وُهَيبُ (١) بن خالدٍ، عن عِسْلِ بن سُفيانَ، عن عَطاءٍ، عن أبي هُريرةَ قال: قال رسُولُ - صلى الله عليه وسلم -: "إذا طَلَعتِ الثُّريّا صَباحًا، رُفِعتِ العاهَةُ عن أهلِ البَلدِ" . وقد ذكَرْنا هذا الخَبَر، ومَضَى القولُ فيه، في بابِ حُمَيدٍ الطَّويل، والحمدُ للّه.

    ج ٨ ص ٢٣٤
  8. وطُلُوعُ الثُّريّا صباحًا، لاثْنَتي عَشْرةَ ليلةً تمضي من شَهْرِ أيّار، وهُو شهرُ مايُه.

  9. وفي هذا الحديثِ، مع قولهِ - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ حُميدٍ، عن أنَس: "أرأيتَ إن منَعَ الله الثَّمرةَ، فبِمَ يأخُذُ أحدُكُم مالَ أخيهِ؟ " (٢) . دليلٌ واضِح على جَوازِ بيع الثِّمارِ كلِّها، قبل بُدُوِّ صَلاحِها على القَطْع في وَقْتها (٣) ، لأنَّها إذا قُطِعت في الوَقْتِ، أُمِنت فيها العاهَةُ، ولم يَمْنع الله المُشتري شيئًا أرادَهُ.

  10. ومن هذا: جَوازُ بيع القَصِيل (٤) وشِبْهِهِ على القَطْع، وهذا أمر لم يُختَلَف فيه.

    قال مالكٌ: لا يجُوزُ بيعُ الثِّمارِ قبل بُدُوِّ صَلاحِها، إلّا على القَطْع (٥) . وكذلكَ القَصِيلُ.

  11. وهُو قولُ ابن أبي ليلَى، والثَّوريِّ، والأوْزاعيِّ، واللَّيثِ، والشّافِعيِّ (٦) .

    قال مالكٌ والشّافِعيُّ: فإذا اشْتَرَى الثَّمرةَ بعد بُدُوِّ صَلاحِها، فسَواءٌ شَرَطَ (٧) تَبْقيتها، أو لم يَشْترِط، البَيْعُ صحيحٌ.

    ج ٨ ص ٢٣٥وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ: يجُوزُ بيعُ الثِّمارِ قبل بُدُوِّ صلاحِها، وبغير بُدُوِّ الصَّلاح (١) ، إذا لم يَشْترِطِ التَّبقيةَ، ولا القطعَ (٢) ، ولكن باعَها وسكتَ، فإنِ اشْتَرطَ تَبْقيتها، بطَلَ (٣) العَقْدُ، سَواءٌ باعَها قبل بُدُوِّ الصَّلاح، أو بعدهُ.

    وقال محمدُ بن الحَسَن: إذا تَناهى عِظَمُهُ، بشَرْط (٤) تَرْكه، جازَ اسْتِحسانًا.

    قال أبو عُمر: جعلَ أبو حنيفةَ قَولهُ - صلى الله عليه وسلم -: "حتَّى تَنْجُو من العاهَةِ" . ردًّا لقَوله: "حتَّى يبدُو صَلاحُها" . فقال ما ذكَرْنا، واحتجَّ أيضًا بالنَّهيِ عن بَيعْ الغَررِ، وجعَلَ مالكٌ وجُمهُورُ الفُقهاءِ ذلكَ كلَّهُ معنًى واحِدًا، وحَملُوهُ على الأغْلَبِ في أنَّها تَسْلمُ حِينَئذٍ في الأغْلَبِ (٥) ، واللّه أعلمُ.

  12. والحُجَّةُ لمالكٍ والشّافِعيِّ، ومن قال بقولِهما، عُمُومُ قول الله عزَّ وجلَّ: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا (٦) } [البقرة: ٢٧٥] مع قولِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "حتَّى يَبْدُو صلاحُها" . و "حتَّى" غايةٌ، ويَقْتضي هذا القولُ أَنَّه (٧) إذا بَدا صلاحُها، جازَ بيعُها جَوازًا مُطلقًا، سواءٌ شرطَ التَّبقيةَ، أو لم يشترِط، واللّه أعلمُ.

  13. وقد سُئلَ عُثمانُ البتِّيُّ عن بيع الثَّمَرِ قبل أن يُزْهِي، فقال: لولا ما قالَ النّاسُ فيه، ما رأيتُ به بأسًا.

  14. حديثٌ ثالثٌ لأبي الرِّجالِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الرِّجالِ محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أُمِّهِ عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ، أنَّهُ سَمِعها تقولُ: لعَنَ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - المُخْتِفي، والمُختفيةَ. يعني: نَبّاشي (٢) القُبُورِ.

    قال أبو عُمر: هذا التَّفسيرُ في هذا الحديثِ، هُو من قولِ مالكٍ، ولا أعلمُ أحدًا خالَفهُ في ذلكَ، وأصلُ الكَلِمةِ الظُّهُورُ والكَشْفُ، لأنَّ النَّبّاش يَكْشِفُ الميِّتَ عن ثيابِهِ، ويُظهِر، ويَقْلَعُها عنهُ، ومن هذا قولُ الله عزَّ وجلَّ في السّاعة: {أَكَادُ أُخْفِيهَا} [طه: ١٥] ، على قِراءةِ من قَرَأ بفَتح الهمزةِ. قال أبو عُبَيدةَ (٣) : يُقالُ: خَفَيتُ خُبْزَتي: إذا (٤) أخرجتُها من النّار، وأنشدَ لامرِئ القَيْسِ بن عابِسٍ الكِنْديّ (٥) :

    فإن تَكْتُمُوا الدّاءَ لا نَخْفِهِ ... وإن تَبْعثُوا الحربَ لا نقعُدِ

    قال: وقال امرُؤ القيسِ بن حُجْر (٦) :

    خَفاهُنَّ من أنْفاقِهِنَّ كأنَّما ... خَفاهُنَّ ودْقٌ من عَشِيٍّ مُجلَّبِ

    وقال الأصمَعيُّ: مُجلَّبٌ بالجيم، يعني صوتَ الرَّعد.

    ج ٨ ص ٢٣٧قال أبو عُبيدةَ: والغالبُ على هذا النَّحوِ، أن يكونَ: خَفَيتُ، بغيرِ ألفٍ، وقد يكونُ أيضًا بالألفِ، بمعنًى واحِدٍ أخفِيها (١) : أُظهرها، ويكونُ من الأضْدادِ، ويُقالُ: خَفَيتُ الشَّيءَ، أظهرتُهُ، وأخْفَيتُهُ سَتَرتُهُ.

    ج ٨ ص ٢٣٦
  15. ومِمَّن قَرَأ: "أخْفِيها" بفتح الهمزة: سعيدُ بن جُبَيرٍ، لم يُختلف عنهُ، ومُجاهِدٌ على اختِلافٍ عنهُ (٢) .

  16. وقد رُوِيَ هذا الحديثُ مُسندًا من حديثِ مالكٍ، وغيرِهِ، رواهُ عن مالك: يحيى الوُحاظيُّ، وغيرُ.

  17. حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدٍ، قال: أخبرنا الميمُونُ بن حَمْزةَ، قال: حدَّثنا الطَّحاويُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن أبي داود البُرُلُّسيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بن صالح الوُحاظيُّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن أبي الرِّجال، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ قالت: لعَنَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - المُخْتَفي والمُخْتَفيةَ (٣) .

  18. رِوايةُ الوُحاظيِّ مَشْهُور عنهُ في توصيلِ هذا الحديثِ، وكذلك رواهُ عبدُ الله بن عبدِ الوهّابِ، عن مالكٍ.

  19. حدَّثناهُ خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الله محمدُ بن أحمد بن يحيى، قال: حدَّثنا هشامُ بن إسحاق، قال: حدَّثنا جَعْفرُ بن محمدٍ القلانِسيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عبدِ الوهّابِ، قال: سمِعتُ مالك بن أنسٍ، قيلَ لهُ: حدَّثكَ أبو الرِّجالِ

    ج ٨ ص ٢٣٨محمدُ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أُمِّهِ عَمْرةَ، عن عائشةَ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لعَنَ المُخْتَفِي والمُخْتَفيةَ.

    قال أبو عُمر: لا أعلمُ اختِلافًا بينَ أهل العِلم: أنَّ المقصُودَ باللَّعنِ في هذا الحديثِ، هُو النَّبّاشُ الذي يحفُرُ على الميِّتِ فينبِشُهُ، ويُخرِجُهُ، ويُجرِّدُهُ من ثيابِهِ ويأخُذُها، وأمّا من فعلَ ذلك بوَليِّهِ من الموتَى لعُذرٍ ما، ووَجْهٍ غيرُ الوَجْهِ الذي ذكَرْنا، فلا بأسَ بذلك.

  20. وقد أخرجَ جابرُ بن عبدِ الله أباهُ من قَبرهِ الذي دُفِنَ فيه، ودَفَنهُ في غيرِ ذلكَ المَوضِع، وفعلَ ذلك مُعاويةُ بشُهداءِ أُحُدٍ، حين أرادَ أن يُجري العَيْن، وذلكَ بمَحْضرٍ جَماعة (١) من الصَّحابةِ، ولم يَبْلُغني أنَّ أحدًا أنكَرهُ يومئذٍ.

  21. واختلَفَ الفُقهاءُ في النَّبّاش (٢) : هل عليه القَطْعُ إذا بلَغَ ما نَزَعهُ (٣) من الميِّتِ من الثِّيابِ، ما يَجِبُ (٤) فيه القَطْعُ أم لا؟

    فقال الكُوفيُّونَ: لا قطعَ عليه، لأنَّ القبرَ ليسَ بحِرزٍ، ولأنَّ الميِّتَ لا يملكُ (٥) .

    وقال مالكٌ: عليه القطعُ، لأنَّ القبرَ كالبيت (٦) .

  22. وحدَّثني عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ بُندار، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، قال: سَمِعتُ مالكًا يقولُ: القَبْرُ حِرزُ للميِّتِ، كما أنَّ البيتَ حِرزٌ للحَيِّ.

    ج ٨ ص ٢٣٩قال أبو عُمر: وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، من حديثِ أبي ذرّ: أنَّهُ سمَّى القَبْرَ بيتًا في حديثٍ ذكَرَهُ (١) .

    وقال اللهُ عزَّ وجلَّ: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} [المرسلات: ٢٥، ٢٦] . وقدِ احتَجَّ (٢) ابنُ القاسم في قطع النَّبّاشِ بهذه الآيةِ.

  23. وأمّا نَبْشُ الموتَى وإخراجُهُم لمعنًى غَيرِ هذا المعنى؛ فحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَير، قال (٣) : حدَّثنا خالدُ بن خِداشٍ، قال: حدَّثنا غسّانُ بن مُضَرَ، قال: حدَّثنا سَعيدُ بن يزيدَ، عن أبي نَضْرةَ، عن جابرِ بن عبدِ الله قال: دَعاني أبي، وقد حَضَر قِتالُ أُحُدٍ، فقال لي: يا جابرُ لا أُراني إلّا أوَّل مَقتُولٍ يُقتَلُ غدًا من أصْحابِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنِّي لن أدعً أحدًا أعزَّ عَليَّ (٤) مِنكَ غيرَ نَفْسِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنَّ لكَ أخَواتٍ، فاسْتَوصِ بهِنَّ خيرًا، وإنَّ عَليَّ دينًا فاقْضِ عنِّي. فكان أوَّلَ قَتِيلٍ من أصْحابِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. قال: فدَفنتُهُ هُو وآخَرُ في قَبْرٍ واحِدٍ، فكان في نَفْسي منهُ شيءٌ، فاسْتَخرجتُهُ بعدَ سِتَّةِ أشْهُرٍ، كيومَ دَفَنتُهُ.

  24. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ بُنْدار (٥) ، قال: حدَّثني سَعيدُ بن عامرٍ،

    ج ٨ ص ٢٤٠قال: حدَّثنا شُعبَةُ، عن ابن (١) أبي نَجِيح، عن عَطاءٍ، عن جابرِ بن عبدِ الله قال: دُفِنَ مع أبي رَجُلٌ في القَبْرِ، فلم تَطِبْ نَفْسي حتَّى حَوَّلتُهُ (٢) .

  25. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا بُندارٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَعْفرٍ، قال: حدَّثنا شُعبَةُ، عن أبي مَسْلمةَ، عن أبي نَضْرةَ، عن جابرِ بن عبدِ الله، أنَّ أباهُ قال له: إنِّي مُعَرِّضُ نَفْسي للقَتْل، ولا أُراني إلّا مَقتُولًا، وإنِّي لا أدعُ أحَدًا (٣) بعدَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أحبَّ إليَّ مِنك. وأوصاهُ ببناتِهِ، ودَيْنٍ عليه، فقُتِلَ يوم أُحُدٍ، فدُفِنُوا بأُحُدٍ، قال: فلَمْ تَطِب أنْفسُنا (٤) فاسْتَخرجناهُم بعدَ سِتَّةِ، أو سَبْعةِ أشهُرٍ، فوَجَدْناهُم لم يتغيَّرُوا، غيرَ أنَّ طرَفَ أُذُنِ أحَدِهِم تَغَيَّر (٥) .

  26. وأخبرنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن يُوسُف. وأخبرنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ. قالا: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا حامِدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن أبي الزُّبيرِ، سمِعَ جابرًا يقولُ: لمّا أرادَ مُعاويةُ أن يُجرِيَ العينَ التي في أسفلِ أُحُدٍ، عِندَ قُبُورِ الشُّهداءِ الذين بالمدينةِ، أمَرَ مُناديًا يُنادِي (٦) : من كان لهُ ميِّت فليأتِهِ فليُخرِجهُ. قال جابرٌ: فذَهَبتُ إلى أبي، فأخْرَجناهُم رِطابًا يَتَثنَّونَ.

    ج ٨ ص ٢٤١قال أبو سَعيد: لا أُنكرُ بعدَ هذا مُنكرًا أبدًا. قال: فأصابَتِ المِسْحاةُ إصبَعَ رجُلٍ منهُم، فقَطَرَ الدَّمُ (١) .

    قال أبو عُمر: وقد روينا: أنَّ طَلْحةَ بن عُبيدِ الله رآهُ بعد قَتْلهِ، ودَفْنِهِ مولًى لهُ في النَّوم، فشَكا إليه: أنَّ الماءَ يُؤذِيهِ، فنبَشهُ، وأخرجَهُ من جَنبِ ساقيةٍ كان دُفِنَ إليها، ووجدَ جَنْبهُ قَدِ اخضرَّ، فدَفَنهُ في غيرِ ذلكَ الموضِع. وقد ذكَرْنا هذا الخبر في كِتابِ الصَّحابةِ (٢) في بابِ طلحةَ على وجهِهِ، والحمدُ للّه.

  27. وقد رَوَى مالكٌ، عن أبي الرِّجال، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، موقُوفًا من قولها: كَسْرُ عَظم المُؤمِنِ ميِّتًا، ككسرِهِ وهُو حيٌّ.

  28. وأكثرُ الرُّواة للموطأ (٣) يقولُون فيه: عن مالك: أنَّهُ بَلَغهُ، أنَّ عائشةَ كانت تقولُ: كَسْرُ عظم المؤمن ميِّتًا، ككَسْرِهِ وهُو حَيٌّ. تعني في الإثْم (٤) .

  29. وهُو حديثٌ يدخُلُ في هذا البابِ، من جِهَةِ المعنى، ومن جِهَةِ الإسنادِ أيضًا، ولا أعلمُ أحدًا رَفَعهُ عن مالكٍ.

  30. وقد رُوِيَ مرفُوعًا إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُسندًا من حديثِ عائشةَ، من رِوايةِ عَمْرةَ وغيرِها، فرأيتُ ذِكرهُ هاهُنا، لأنَّ أصلهُ من رِوايةِ مالكٍ، وهُو من هذا البابِ أيضًا، لأنَّهُ يَدُلُّ على كَراهةِ حَفْرِ قُبُورِ المؤمنين (٥) .

  31. حدَّثنا سعيدُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا أبو أسامَةَ، عن سَعْدِ (١) بن سعيدٍ، قال: سمِعتُ عَمْرةَ، تقولُ: سَمِعتُ عائشةَ، تَقُولُ: سمِعتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "كَسْرُ عَظْم المُؤمِنِ ميِّتًا، ككَسرِهِ حَيًّا" (٢) .

    ج ٨ ص ٢٤٢
  32. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصْبَغ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن شُعبةَ، عن محمدِ (٣) بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: قالت عَمرةُ: أعْطِني قِطْعةً من أرضِكَ أُدفَنْ فيها، فإنَّ عائشةَ قالت: كَسْرُ عَظْم الميِّتِ، ككَسْرِهِ، وهُو حيٌّ. قال محمدٌ: وكان مولًى بالمدينةِ يُحدِّثُ عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِثلَهُ (٤) .

  33. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسَينِ (٥) الكُوفيُّ، قال: حدَّثنا أبو (٦) حُذيفةُ، قال: حدَّثنا زُهَير، يعني ابن محمدٍ،

    ج ٨ ص ٢٤٣عن إسماعيلَ بن أبي حَكِيم، عن القاسم بن محمدٍ، عن عائشةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "كسرُ عَظْم المُؤمِنِ ميِّتًا، ككَسرِهِ حيًّا" (١) .

    قال أبو عُمر: هذا كلامٌ عامٌّ، يُرادُ به الخُصُوصُ، لإجْماعِهِم على أنَّ كسرَ عظم الميِّتِ، لا ديةَ فيه ولا قَوَدَ، فعَلِمنا أنَّ المعنى ككسرِهِ حيًّا في الإثم، لا في القَوَدِ، ولا الدِّيةِ، لإجماع العُلماءِ على ما ذكَرتُ لك.

  34. وفي لَعنِ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - النَّبَّاشِ، دليلٌ على أنَّ كلَّ من أتَى المُحرَّماتِ، وارتكَبَ الكبائر المَحْظُوراتِ في أذَى المُسلمين، وظُلمِهِم، جائزٌ لعنُهُ، واللّه أعلمُ.

    وقد تَكلَّمنا على هذا المعنى، في غيرِ هذا الموضِع، وقد لعَنَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - آكِلَ الرِّبا، ومُوكِلهُ (٢) . والواصِلةَ والمُسْتَوصِلَةَ (٣) . والخمرَ وشارِبَها ... الحديث (٤) . وكثيرًا مِمَّن يطُولُ الكِتابُ بذِكْرِهِم.

  35. وتفرَّدَ حَبيبٌ، عن مالكٍ، عن محمدِ بن عَمرِو بن عَلْقمةَ، عن خالدِ بن عبدِ الله بن حَرْملةَ، عن الحارِثِ بن خُفافِ بن إيماء (٥) ، قال: ركَعَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، ثُمَّ رفَعَ رأسهُ، فقال: "غِفار غَفرَ الله لها، وأسلَمُ سالمَها الله، وعُصَيَّةُ عَصَتِ الله ورَسُولهُ،

    ج ٨ ص ٢٤٤اللَّهُمَّ الْعَنْ بني لِحْيان، ورِعْلًا (١) ، وذَكْوانَ ". قال خُفافٌ: فجعلَ لعنُ الكَفَرةِ (٢) من أجلِ ذلكَ.

    قال الدّارقُطنيُّ: تَفرَّدَ به حبيبٌ، عن مالكٍ، وهُو صحيحٌ عن محمدِ بن عَمرٍو.

  36. وفي قول من قال في هذا الحديث: "كَسْرُ عظم المُؤمِنِ " دليلٌ على أنَّ غيرَ المُؤمِنِ بخِلافِهِ، واللّه أعلمُ.

  37. وقدِ اختلَفَ الفُقهاءُ في نَبْشِ قُبُورِ المُشرِكينَ (٣) طَلَبًا للمال، فقال مالكٌ: أكرهُهُ، وليسَ بحرام.

    وقال أبو حنيفةَ، والشّافِعيُّ: لا بأسَ بنبشِ قُبُورِ المُشرِكينَ طَلبًا للمال.

    وقال الأوزاعيُّ: لا يُفْعَلُ، لأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لمّا مرَّ بالحِجْرِ، سَجَّى ثوبهُ على رأسِهِ، واسْتَحَثَّ راحِلتِهِ، ثُمَّ قال: "لا تَدخُلُوا بُيُوتَ الذين ظَلَمُوا، إلّا أن تَدْخُلُوها، وأنتُم باكُونَ، مخافةَ أن يُصيبكُم مِثلُ ما أصابَهُم".

    قال الأوْزاعيُّ: فقد نَهَى أن يَدْخلُوها عليهم وهي بيوتُهم، فكيفَ يَدْخلُونَ قُبورَهُم (٤) .

    قال أبو عُمر: هذا حديثٌ يَرْويهِ ابنُ شِهابٍ مُرْسلًا (٥) ، ورواهُ مالكٌ (٦) ، عن عبدِ الله بن دينارٍ، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. من حديثِ القَعْنبيِّ (٧) .

  38. ورُوِىَ من غيرِ هذا الوجهِ أيضًا: أنَّهُ لمّا أتَى ذلك الوادي، أمرَ النّاس فأسرَعُوا، وقال: "هذا وادٍ ملعُونٌ" (١) .

    ج ٨ ص ٢٤٥
  39. ورُوي عنهُ أنَّهُ: أمرَ بالعَجِينِ فطُرِحَ (٢) .

  40. وقد رَوَى محمدُ بن إسحاق، عن إسماعيلَ بن أُميةَ، عن بُجَيرِ بن أبي (٣) بُجَير (٤) ، قال: سمِعتُ عبد الله بن عَمرٍو (٥) يقولُ: سمِعتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - حينَ خَرَجنا إلى الطّائفِ، فمَرَرنا بقَبرٍ، فقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "هذا قبرُ أبي رِغال، وهُو أبو ثَقِيف (٦) ، وكان من ثمُودَ، وكان بهذا الحَرَم يدفعُ عنهُ، فلمّا خرجَ أصابتهُ النِّقمةُ بهذا المكانِ، ودُفِنَ فيه، وآيةُ ذلكَ: أنَّهُ دُفِنَ مَعهُ غُصنٌ من ذَهَبٍ، إن أنتُم نبَشتُم عنهُ، أصَبْتُمُوهُ مَعهُ، فابْتَدرهُ النّاسُ فاسْتَخرجُوا مَعهُ الغُصنَ" (٧) .