مالك، عن نافع مولى ابن عمر
٣٬١٤٤ فقرة، ج ٨ ص ٣٣٣
الصفحة ٤٥ من ٧٩
- ج ٩ ص ٣٤٠
حدَّثنا خلفُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ. وحدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِن إجازةً، قال: حدَّثنا أحمدُ بن إبراهيمَ بن جامِع، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيز (٢) ، قال: حدَّثنا حجّاجُ بن منهالٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، قال: أخبرني أنسُ بنُ سيرين، قال: سمِعتُ ابنَ عُمرَ يقولُ: طلَّقَ ابنُ عُمر امرأتَهُ وهي حائضٌ، فذكرَ ذلك عُمرُ لرسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: "ليُراجِعها، فإذا طَهُرَتْ فليُطلِّقها" . قال: قلتُ: أفتحتسِبُ بها؟ قال: فمَهْ (٣) !
-
ومعنى قولِهِ هذا: فمَهْ، أرأيتَ إن عجَزَ واستَحْمقَ؟ أي: فأيُّ شيءٍ يكونُ إذا لو لم يَعتَدَّ بها، إنكارًا منهُ لقولِ أنس: أفَتَعْتَدَّ بها؟ فكأنَّهُ، واللهُ أعلمُ، قال: وهل من ذلكَ بُدٌّ أن تَعتَدَّ بها؟
- ج ٩ ص ٣٤١
أرأيتَ لو عجَزَ؟ بمعنى: تعاجَزَ عن فَرْضٍ آخرَ من فَرائضِ الله عزَّ وجلّ، فلم يُقِمهُ واستحمَقَ، فلم يأتِ به، أكان يُعذَرُ فيه؟ ونحوُ هذا من القولِ والمعنى.
-
والدَّليلُ على أنَّهُ قَدِ اعتدَّ بها ورآها لازِمةً لهُ، لأنَّهُ كان يُفتي أنَّ من طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثًا في الحَيْضِ، لم تحِلَّ لهُ.
-
ولو جازَ أن تكون الطَّلقةُ الواحدةُ في الحَيْضِ لا يُعتدُّ بها، لكانتِ الثَّلاثُ أيضًا لا يُعتدُّ بها، وهذا ما لا إشكالَ فيه عند كلِّ ذي فَهْم.
-
أخبرنا أحمدُ بن محمدٍ وخلفُ بن أحمدَ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن مُصرِّفٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن يحيى، عن أبيهِ، عن اللَّيثِ بن سعدٍ، عن نافع: أنَّ عبد الله بن عُمرَ طلَّقَ امرأتَهُ وهي حائضٌ تَطْليقةً واحدةً، فأمرَهُ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أن يُراجِعَها، ثُمَّ يُمْسِكَها حتّى تطهُرَ، ثُمَّ تحيضَ عندَهُ حَيْضةً أُخرى، ثُمَّ يُمْهِلَها حتّى تَطهُرَ من حَيْضتِها، فإذا أرادَ أن يُطلِّقها، فليُطلِّقها حينَ تَطْهُرُ من قبلِ أن يُجامِعها، فتلكَ العِدَّةُ التي أمرَ اللهُ أن يُطلَّقَ لها النِّساءُ.
قال: وكان عبدُ الله بن عُمرَ إذا سُئلَ عن ذلك، قال لأحَدِهِم: إذا أنتَ طلَّقت امرأتكَ وهي حائضٌ مرَّةً، أو مرَّتينِ فراجِعْها (١) ، فإنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أمرَ بهذا، وإن كُنتَ طلَّقتها ثلاثًا، فقد حَرُمت عليكَ حتّى تنكِحَ زوجًا غيركَ، وعصيتَ اللهَ فيما أمرَكَ به من طَلاقِ امرأتِكَ (٢) .
-
ورَوَى الشّافِعيُّ، قال (٣) : أخبَرَنا مُسلِمُ بن خالدٍ، عن ابن جُرَيج: أنَّهُم أرسَلُوا إلى نافع يَسْألُونهُ: هل حُسِبَتْ تَطْليقةُ ابن عُمرَ على عَهدِ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فقال: نعم.
- ج ٩ ص ٣٤٢
وحدَّثنا خلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن المُفسِّرِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عليِّ بن سَعيدٍ القاضي المروزيُّ، قال: حدَّثنا أبو السّائبِ، قال: حدَّثنا ابنُ إدريسَ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ ويحيى بن سَعيدٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: طلَّقتُ امْرَأتي وهي حائضٌ، فأتَى عُمرُ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، فذكَرَ ذلك لهُ، قال: "مُرهُ فليُراجِعْها حتّى تطهُرَ، ثُمَّ تحيضَ، ثُمَّ تطهُرَ، فإنْ شاءَ طلَّقها قبلَ أن يُجامِعَها، وإن شاءَ أمسكَ، فإنَّها العِدَّةُ التي قال اللهُ عزَّ وجلَّ" . قال عُبيدُ الله: فقلتُ لنافع: ما فعلَتْ تلكَ (١) التَّطليقةُ؟ قال: اعتُدَّ بها (٢) .
-
فهذه الآثارُ كلُّها تُوضِّحُ لكَ ما قُلنا عن ابن عُمر.
-
وفي قولِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- لعُمرَ: "مُرْهُ فليُراجِعْها" دليلٌ على أنَّها طَلْقةٌ؛ لأنَّهُ لا يُؤمرُ بالمُراجعةِ إلّا لمَن لزِمَتهُ الطَّلْقةُ، ولو لم تَلْزمهُ لقال: دعهُ فليسَ هذا بشيءٍ، أو نحوَ هذا.
-
وقد رُوي عن ابن عُمر في هذا خَبرٌ ظاهِرُهُ على خِلافِ ما ذكَرْنا، وليس كذلكَ لِما وصفنا.
-
أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال (٤) : أخبَرَنا ابنُ جُرَيج،
ج ٩ ص ٣٤٣قال: أخبَرَني أبو الزُّبيرِ، أنَّهُ سمِعَ عبد الرَّحمن بن أيمن مولَى عُروةَ (١) يسألُ ابنَ عُمرَ، وأبو الزُّبيرِ يَسْمعُ، قال: كيفَ تَرَى في رجُلٍ طلَّقَ امرأتهُ حائضًا؟ قال: طلَّق عبدُ الله بن عُمرَ امرأتهُ وهي حائضٌ، [على عهدِ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فسأل عمرُ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: إنَّ عبدَ الله بن عُمرَ طلَّقَ امرأتَهُ وهي حائضٌ] (٢) . قال عبدُ الله: فردَّها عليَّ، ولم يَرَها شيئًا. قال: "وإذا طَهُرتْ فليُطلِّقْ، أو ليُمسِكْ" . قال ابنُ (٣) عُمرَ: وقَرَأ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "يا أيُّها النَّبيُّ، إذا طلَّقتُمُ النِّساءَ فطلِّقُوهُنَّ في قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ" (٤) .
-
رَوَى أبو عاصِم النَّبيلُ هذا الحديثَ عن ابن جُرَيج، فلم يَقُل فيه: ولم يَرَها شَيئًا (٥) .
قال أبو عُمر: قولُهُ في هذا الحديثِ: ولم يَرَها شيئًا، مُنكرٌ عن ابن عُمرَ، لِما ذكَرْنا عنهُ: أنَّهُ اعتدَّ بها.
-
ولم يقُلهُ أحدٌ عنهُ غيرُ أبي الزُّبيرِ، وقد رواهُ عنهُ جماعةٌ جِلَّةٌ، فلم يَقُل ذلك واحدٌ منهُم. وأبو الزُّبيرِ ليسَ بحُجَّةٍ فيما خالَفهُ فيه مِثلُهُ، فكيفَ بخِلافِ من (٦) هُو أثبتُ منهُ؟
- ج ٩ ص ٣٤٤
ولو صحَّ، لكان معناهُ عِندي والله أعلمُ: ولم يَرَها على استِقامةٍ، أي: ولم يَرَها شيئًا مُستقيمًا؛ لأنَّهُ لم يَكُن طلاقُهُ لها على سُنَّةِ الله وسُنَّةِ رسُولِهِ. هذا أولى المعاني بهذه اللَّفظةِ إن صَحَّت.
-
وكلُّ من رَوَى هذا الخبَرَ من الحُفّاظِ، لم يذكُرُوا ذلكَ، وليسَ من خالَفَ الجماعةَ الحُفّاظَ بشيءٍ فيما جاءَ به.
-
وقدِ احتجَّ بعضُ من ذهَبَ إلى أنَّ الطَّلاقَ في الحَيْضِ لا يَقَعُ، وأنَّ المُطلِّقَ لا يعتدُّ بتلكَ التَّطليقة، بما رُوي عن الشَّعبيِّ، أنَّهُ قال: إذا طلَّقَ الرَّجُلُ امرأتهُ وهِيَ حائضٌ، لم يَعتدَّ بها، في قولِ ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- (١) .
-
وهذا من الشَّعبيِّ إنَّما معناهُ: لا يَعْتدُّ بتلك الحيضة في العِدَّةِ، ولم يُرِدْ: لا يعتدُّ بتلكَ التَّطْليقةَ.
-
وقد رُوي عنهُ ذلك منصُوصًا: رواهُ شَرِيكٌ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، في رَجُلٍ طلَّقَ امرأتهُ وهي حائضٌ، قال: يَقَعُ عليها الطَّلاقُ، ولا يُعتدُّ بتلكَ الحَيْضة (٢) .
-
واختلَفَ العُلماءُ في أمْرِ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- المُطلِّقَ في الحَيْضِ بالمُراجعةِ، فقال قومٌ: عُوقِبَ بذلكَ، لأنَّهُ تَعدَّى ما أُمِرَ به، ولم يُطلِّق للعِدَّةِ، فعُوقِبَ بإمساكِ من لم يُرِد إمساكَهُ، حتّى يُطلِّق كما أُمِرَ للعِدَّةِ، وقال آخرُونَ: إنَّما أُمِرَ بذلكَ قطعًا للضَّررِ في التَّطويلِ عليها؛ لأنَّهُ إذا طلَّقها في الحَيْضِ، فقد طلَّقها في وقتٍ لا تَعتدُّ به من قُرْئها الذي تَعتدُّ به، فتطُولُ عِدَّتُها، فنُهي عن أن يُطوِّلَ عليها، وأُمِرَ أن لا يُطلِّقها إلّا عندَ استِقبالِ عدَّتِها.
- ج ٩ ص ٣٤٥
واختلَفَ الفُقهاءُ في المُطلِّقِ زَوْجتَهُ وهي حائضٌ: هل يُجبَرُ على رَجْعتِها أم لا (١) ؟
-
فقال الشّافِعيُّ وأبو حَنِيفةَ وأصحابُهُما، والثَّوريُّ، والأوزاعيُّ، وابنُ أبي ليلى، وأحمدُ بن حَنْبل، وأبو ثورٍ، والطَّبريُّ: يُؤمَرُ برَجْعتِها إذا طلَّقها حائضًا، ولا يُجبرُ على ذلكَ (٢) .
وقال مالكٌ وأصحابُهُ: يُجبَرُ على مُراجعتِها إذا طلَّقها في الحَيْضِ، وفي (٣) دم النِّفاسِ.
-
وهُو أولى، لِما يَقْتضيهِ الأمرُ من وُجُوبِ الائتِمارِ، واستِعمالِ المأمُورِ ما أُمِرَ به، حتّى يُخرِجَهُ عن حَيِّز (٤) الوُجُوبِ دليلٌ، ولا دليلَ ها هُنا على ذلك، والله أعلمُ.
وقال داودُ بن عليٍّ: كلُّ من طلَّقَ امرأتَهُ حائضًا، أُجبِرَ على رَجْعتِها، وإن طَلَّقها نُفَساءَ، لم يُجبَر على رَجْعتِها.
-
وهذا إذا طَلَّقها واحدةً، أوِ اثْنَتينِ، عندَ جَميعِهِم.
-
وجُملةُ قولِ مالكٍ وأصحابِهِ في هذه المسألةِ: أنَّ الحائضَ والنُّفساءَ لا يجُوزُ طَلاقُ واحدةٍ منهُما حتّى تَطْهُر، فإن طلَّقَها زَوْجُها في دَم حَيْضٍ، أو دم نِفاسٍ طَلْقةً، أو طَلْقتينِ، لَزِمهُ ذلك، وأُجبِرَ على الرَّجعةِ أبدًا، ما لم تخرُجْ من عِدَّتِها، وسَواءٌ أدركَ ذلك في تلكَ الحَيْضةِ التي طلَّق فيها، أوِ الطُّهرِ الذي بَعدَهُ،
ج ٩ ص ٣٤٦أوِ الحَيْضةِ الثّانيةِ، أوِ الطُّهرِ بعدَها، إذا كان طلاقُهُ في الحَيْضِ، يُجبَرُ على رَجْعتِها أبدًا في ذلكَ كلِّهِ، ما لم تَنْقَضِ العِدَّةُ.
-
هذا قولُ مالكٍ وأصحابِهِ، إلّا أشهبَ بنَ عبدِ العزيزِ، فإنَّهُ قال: يُجبَرُ على الرَّجْعةِ ما لم تَطْهُر، أو حتى تحيضَ ثم تَطهُرَ (١) ، فإذا صارَت في الحالِ التي أباحَ لهُ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- طَلاقَها، لم يُجبَر على رَجْعتِها.
-
ولا خِلافَ بينهُم، أعني مالكًا وأصْحابَهُ: أنَّ المُطلِّقَ في الحَيْضِ إذا أُجبِرَ على الرَّجعةِ، وقُضِي بذلك عليه، ثُمَّ شاءَ طَلاقَها، أنَّهُ لا يُطلِّقُها في ذلكَ الحيضِ، ولكِن يُمهِلُ حتّى تطهُرَ، ثُمَّ تحيضَ، ثُمَّ تطهُرَ، ثُمَّ (٢) إن شاءَ حينئذٍ طلَّقَ، وإن شاءَ أمسكَ. على ما في الحديثِ، ولا يُطلِّقُها بعدَ طُهْرِها من ذلك الدَّم الذي ارْتَجعها فيه بالقَضاءِ، فإن فعَلَ، لَزِمهُ.
-
ولا يُؤمَرُ ها هُنا، ولا يُجبَرُ على الرَّجْعةِ إلّا ما ذكَرْنا، عن أشهَبَ: أنَّهُ قال: يُجبَرُ على الرَّجعةِ، ما لم تخرُجْ إلى الطُّهرِ الثّاني. قال: كيفَ أُجبِرُهُ على الرَّجعةِ، في مَوْضِع لهُ أن يُطلِّقَ فيه.
وقال اللَّيثُ بن سعدٍ: إذا أجبرتُهُ على الرَّجعةِ، فطهُرَتْ من تلكَ الحَيْضةِ، لم أمنَعْهُ من الوَطْءِ حتّى تحيضَ ثُمَّ تطهُرَ، فيُطلِّقُ قبلَ المسيسِ.
قال أبو عُمر: لم يختلِفِ العُلماءُ كلُّهُم: أنَّ الرَّجُلَ إذا طلَّق في طُهرٍ قد مَسَّ فيه: أنَّهُ لا يُجبرُ على الرَّجْعةِ، ولا يُؤمَرُ بها، وإن كان طَلاقُهُ قد وقَعَ على غيرِ سبيلِ السُّنَّةِ.
-
وطلاقُ السُّنَّةِ هُو الطَّلاقُ الذي أذِنَ اللهُ تعالى فيه للعِدَّةِ، كما قال في كِتابِهِ: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: ١] .
- ج ٩ ص ٣٤٧
وأجمعَ العُلماءُ على أنَّ من طلَّقَ امرأتَهُ وهي طاهِرٌ طُهرًا لم يَمسَّها فيه (١) ، طَلْقةً واحدةً، ثُمَّ تركها حتّى تَنْقضي عِدَّتُها، أو راجَعَها مُراجَعةَ رَغْبةٍ، أنَّهُ مُطلِّقٌ للسُّنَّةِ، وأنَّهُ قد طلَّقَ للعِدَّةِ التي أمرَ اللهُ بها.
-
واختلفُوا فيمَنْ طلَّقَ امرأتهُ ثلاثًا مجُتمِعاتٍ، في طُهْرٍ لم يَمسَّها فيه، أو أردَفَها في كلِّ طُهْرٍ من الأطهارِ التي يُعتدُّ بها في عِدَّتِها تَطْليقةً، بعدَ أن طَلَّقها واحدةً في طُهرٍ لم يَمَسَّها فيه: هل هُو بهذَين الفِعْلَينِ، أو بأحَدِهِما مُطلِّقٌ للسُّنَّةِ، أم لا (٢) ؟
فقال مالكٌ وأصحابُهُ: طَلاقُ السُّنَّةِ، أن يُطلِّقَ طَلْقةً في طُهْرٍ لم يَمسَّ فيه، ولو كان في آخِرِ ساعَةٍ منهُ، ثُمَّ يُمْهِلَها (٣) حتّى تَنْقضِيَ عِدَّتُها، وذلكَ بظُهُورِ (٤) أوَّلِ الحَيْضةِ الثّالثةِ في الحُرَّةِ، أوِ الحَيْضةِ الثّانيةِ في الأمَةِ، فتَتِمُّ للحُرَّةِ ثلاثةُ أقراءٍ، وللأمةِ قُرءانِ.
-
والقُرءُ: الطُّهرُ المُتَّصِلُ بالدَّم عندَهُم.
-
فإن طلَّقها في كلِّ طُهرٍ تَطْليقةً، أو طلَّقها ثلاثًا مجُتمِعاتٍ في طُهرٍ لم يَمسَّها فيه، فقد لَزِمهُ، وليسَ بمُطلِّقٍ للسُّنَّةِ عندَ مالكٍ وجُمهُورِ أصْحابِهِ. وهُو قولُ الأوزاعيِّ، وأبي عُبَيدٍ.
وقال أشْهَبُ: لا بأسَ أن يُطلِّقها في كلِّ طُهْرٍ تَطْليقةً، ما لم يَرْتجِعها في خِلالِ ذلك، وهُو يُريدُ أن يُطلِّقها ثانيةً، فلا يَسَعُهُ ذلك؛ لأنَّهُ يُطَوِّل العِدَّةُ عليها، فإذا لم يَرْتجِعها، فلا بأسَ أن يُطلِّقها في كلِّ طُهرٍ مرَّةً.
- ج ٩ ص ٣٤٨
وعلى هذا يُخرَّجُ ما رواهُ يحيى بن يحيى في "المُوطَّأ" (١) عن مالك (٢) في تَفسيرِ قِراءةِ ابن عُمر: "يا أيُّها النَّبيُّ إذا طلَّقتُمُ النِّساءَ فطلِّقُوهُنَّ لقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ" قال يحيى: قال مالكٌ: يُريدُ بذلكَ: أن يُطلِّقَ الرَّجُلُ امرأتهُ في كلِّ طُهرٍ. وهذا التَّفسيرُ لم يروِهِ أحدٌ عن مالكٍ في "الموطَّأ" غيرُ يحيى، والله أعلمُ.
قال أبو عُمر: قولُ مالكٍ في طَلاقِ السُّنَّةِ، إجماعٌ لا اختِلافَ فيه أنَّهُ طَلاقُ السُّنَّةِ الذي أمرَ اللهُ عزَّ وجلَّ به للعِدَّةِ، يُوافِقُهُ على ذلكَ غيرُهُ، وهُو لا يُوافِقُ غيَرهُ على أقوالِهِم في طلاقِ السُّنَّةِ.
-
ويَعضُدُ قولَهُ من جِهَةِ النَّظرِ: أنَّ المُطلِّق في كلِّ طُهْرٍ تَطْليقةً، يَقَعُ بَعضُ طلاقِهِ بغيرِ عِدَّةٍ كامِلةٍ، بل يَقَعُ طلاقُهُ كلُّهُ بغيرِ عِدَّةٍ كامِلةٍ؛ لأنَّ كلَّ طَلْقةٍ، إنَّما تكونُ بإزائها حَيْضةٌ واحدةٌ، وليسَ شأنُ الطَّلاقِ أن يُعتَدَّ منهُ بحَيْضةٍ واحدةٍ، بلِ الواجِبُ أن تكونَ ثلاثةَ قُرُوءٍ لكلِّ طَلْقة (٣) ، وأن تُستَقبَلَ العِدَّةُ بالطَّلاقِ، لقولِهِ: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: ١] أو "لقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ" (٤) .
-
وكلُّ طَلاقٍ لا (٥) يُوجِبُ العِدَّةَ الكامِلةَ، فهُو بخِلافِ ما أمرَ اللهُ به من الطَّلاقِ للعِدَّةِ، على ظاهِرِ الخِطابِ، فإن جُعِلَتِ الثَّلاثةَ قُرُوءٍ للطَّلقةِ الأُولى، كانتِ الثّانيةُ والثّالثةُ بغيرِ أقراءٍ تَعْتَدُّ بها، ومعلُومٌ أنَّ الطَّلقةَ الثّانيةَ بقُرءَين، والطَّلقةَ الثّالثةَ بقُرءٍ واحدٍ، وهذا خِلافُ حُكم العِدَّةِ في المُطلَّقاتِ.
ج ٩ ص ٣٤٩وقال أحمدُ بن حَنْبل: طلاقُ السُّنَّةِ، أن يُطلِّقها طاهِرًا من غيرِ جِماع واحدةً، وَيدَعُها حتّى تنقضيَ عِدَّتُها. قال: ولو طلَّقها ثلاثًا في طُهرٍ لم يُصِبها فيه، كان أيضًا مُطلِّقًا للسُّنَّةِ، وكان تارِكًا للاختيارِ.
وقال سُفيانُ الثَّوريُّ، وأبو حَنِيفةَ، وسائرُ أهلِ الكُوفةِ: من أرادَ أن يُطلِّقَ امرأتَهُ ثلاثًا للسُّنَّةِ، طلَّقها حين تطهُرُ (١) من حَيْضتِها قبلَ أن يُجامِعها طلقةً واحدةً، ثُمَّ يَدَعُها حتّى تحيض، ثُمَّ تطهُر، فإذا طهُرَتْ طَلَّقها أُخرَى، ثمَّ يَدَعها حتّى تحيضَ ثم تطهرَ، فإذا طَهُرَت (٢) وطلَّقَها ثالِثةً، حَرُمت عليه حتّى تنكِحَ زوجًا غيرَهُ. ويَبْقَى علَيها عندَهُم من عِدَّتِها حَيْضةٌ؛ لأنَّ الأقْراءَ عندَهُمُ: الحَيْضُ. ومن فعلَ هذا عندَهُم، فهُو مُطلِّقٌ للسُّنَّةِ.
وقال مالكٌ والأوزاعيُّ وأبو عُبيدٍ القاسمُ بن سلّام: ليسَ هذا بمُطلِّقٍ للسُّنَّةِ. وليسَ عندَهُمُ المُطلِّقُ للسُّنَّةِ إلّا من طلَّقَ على الوجهِ الأوَّلِ الذي حَكَينا عن مالكٍ وأصحابِهِ، حاشى أشهبَ.
-
وقال الشّافِعيُّ وأصحابُهُ وأبو ثورٍ وأحمدُ بن حَنْبل وداودُ بن عليٍّ: ليس في عَددِ الطَّلاقِ سُنَّةٌ ولا بِدعةٌ، وإنَّما السُّنَّةُ في وَقْتِ الطَّلاقِ، فإذا أرادَ الرَّجُلُ أن يُطلِّقَ امرأتَهُ للسُّنَّةِ، أمْهَلها حتّى تحيضَ، ثُمَّ تطهُرَ، فإذا طَهُرت طَلَّقها من قبلِ أن يُجامِعَها كَمْ شاءَ؛ إن شاءَ واحدةً، وإن شاءَ اثْنتينِ، وإن شاءَ ثلاثًا، أيَّ ذلكَ فعلَ فهُو مُطلِّقٌ للسُّنَّةِ.
-
وأجمعَ العُلماءُ: أنَّ طلاقَ السُّنَّةِ إنَّما هُو في المدخُولِ بها، وأمّا غيرُ المدخُولِ بها، فليسَ في طلاقِها سُنَّةٌ، ولا بِدعةٌ، وإنَّ أمرَ الله عزَّ وجلَّ ومُرادَ رسُولِهِ -صلى الله عليه وسلم-
ج ٩ ص ٣٥٠في الطَّلاقِ للعِدَّةِ، هُو طلاقُ المدخُولِ بها من النِّساءِ، فأمّا غيرُ المدخُولِ بهنَّ (١) ، فلا عِدَّةَ عليهنَّ، ولا سُنَّةَ، ولا بِدعةَ في طلاقِهِنَّ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} الآيةَ [الأحزاب: ٤٩] .
-
ويُطلِّقُ غيرَ المدخُولِ بها زوُجُها في كلِّ وَقْتٍ متى شاءَ من الطَّلاقِ، واحدةً أو أكثرَ، إلّا أنَّهُ إن طلَّقَ عندَ مالكٍ وأصحابِهِ غيرَ المدخُولِ بها ثلاثًا، لزِمهُ، وهُو عندَهُم عاصٍ في فِعلِهِ.
وقال أشهبُ: لا يُطلِّقُها، وإن كانت غيرَ مدخُولٍ بها حائضًا.
وقال ابنُ القاسم: يُطلِّقُها متى شاءَ، وإن كانت حائضًا. وعليه النّاسُ.
قال أبو عُمر: من حُجَّةِ من قال: إنَّ الطَّلاقَ لا يكونُ للسُّنَّةِ في المدخُولِ بها إلّا واحدةً، ولا تكونُ الثَّلاثُ المُجْتمِعاتُ للسُّنَّةِ على حالٍ من الأحوالِ، قولُ الله عزَّ وجلَّ: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: ٢٢٩] . ثُمَّ قال: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} [البقرة: ٢٣٠] . ومرَّتان لا تكونان إلّا في وَقْتينِ، والثَّلاثُ في ثلاثةِ أوقاتٍ.
-
ودليلٌ آخرُ، وهُو قولُ الله عزَّ وجلَّ: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} إلى قولِهِ: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: ١] فأيُّ أمرٍ يحدُثُ بعد الثَّلاثِ، والأمرُ إنَّما أُريدَ به المُراجعةُ؟