مالك، عن نافع مولى ابن عمر

٣٬١٤٤ فقرة، ج ٨ ص ٣٣٣

الصفحة ٧١ من ٧٩

  1. نافعٌ، عن سُليمانَ بن يَسارٍ حديثٌ واحِدٌ، وهُو حديثٌ رابعُ سبعين لنافع

    مالكٌ (١) ، عن نافع، عن سُليمانَ بن يَسارٍ، عن أُمِّ سَلَمةَ: أنَّ امرأة كانت تُهراقُ الدِّماءَ على عَهْدِ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فاسْتَفتَتْ لها أُمُّ سلمةَ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "لِتنظُرْ عَدَدَ (٢) اللَّيالي والأيام التي كانت تحِيضُهُنَّ من الشَّهرِ قبلَ أن يُصِيبَها الذي أصابَها، فلتَتْرُكِ [الصَّلاةَ] (٣) قدرَ ذلك من الشَّهرِ، فإذا خلَّفَتْ (٤) ذلك، فلتَغْتسِلْ، ثُمَّ لْتَسْتَثفِر (٥) بثَوْبٍ، ثُمَّ لتُصلِّي" .

    ج ١٠ ص ٩١
  2. هكذا رواهُ مالكٌ، عن نافع، عن سُليمانَ، عن أُمِّ سَلَمةَ. وكذلك رواهُ أيُّوبُ السِّختِيانِيُّ، عن سُليمانَ بن يَسارٍ (٦) ، كما رواهُ مالكٌ، عن نافع سَواءً.

  3. ورواهُ اللَّيثُ بن سَعْدٍ وصخرُ بن جُويرِيَةَ وعُبيدُ الله بن عُمرَ، على اختِلافٍ عنهُم، عن نافع، عن سُليمانَ بن يسارٍ: أنَّ رجُلًا أخبَرَهُ عن أُمِّ سَلَمةَ. فأدخَلُوا بينَ سُليمانَ بن يَسارٍ وبين أُمِّ سَلَمةَ رجُلًا.

  4. وذكَرَ حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ في هذا الحديثِ: أنَّ المرأةَ المذكُورةَ في هذا الحديثِ، التي كانت تُهراقُ الدِّماءَ، فاسْتَفتَتْ لها أُمُّ سَلَمةَ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عن

    ج ١٠ ص ٩٢ذلك، هي فاطِمةُ بنتُ أبي حُبَيْشٍ. وكذلك ذكر ابنُ عُيينةَ أيضًا، عن أيُّوبَ في هذا الحديثِ.

  5. وحديثُ فاطِمةَ ابْنةِ أبي حُبَيشٍ، رواهُ هشامُ بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ (١) . بخِلافِ هذا اللَّفظِ، وسنَذكُرُهُ هاهنا، وفي بابِ هشام بن عُروةَ، من كِتابِنا هذا، إن شاءَ الله.

  6. وأمّا حديثُ سُليمان بن يسارٍ هذا (٢) :

    فحدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن أحمد، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُبيدٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عن سُليمانَ بن يَسارٍ: أنَّ فاطِمةَ ابنةَ أبي حُبَيشٍ اسْتُحِيضَتْ، حتّى كان المِرْكَنُ (٣) يُنقلُ من تحتِها وعاليه (٤) الدَّمُ، فأمرَتْ أُمَّ سلَمةَ أن تسألَ لها النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فقال: "تَدَعُ أيامَ أقرائها، وتَغْتسِلُ وتَسْتثفِرُ، وتُصلِّي" . قال أيُّوبُ: فقلتُ لسُليمانَ بن يَسارٍ: أيغشاها زَوْجُها؟ قال: إنَّما نُحدِّثُ بما سَمِعنا. أو: لا نُحدِّثُ إلّا بما سَمِعنا (٥) .

  7. وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل التِّرمذِيُّ، قال: حدَّثنا الحُميدِيُّ،

    ج ١٠ ص ٩٣قال (١) : حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ السِّختِيانِيُّ، عن سُليمانَ بن يَسارٍ، أَنَّهُ سَمِعهُ يُحدِّثُ، عن أُمِّ سَلَمةَ، أنَّها قالت: كانت فاطِمةُ ابنةُ أبي حُبَيشٍ تُسْتَحاضُ، فسألَتْ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "إنَّهُ ليسَ بالحَيْضةِ، ولكِنَّهُ عِرْقٌ" ، وأمَرَها أن تَدَعَ الصَّلاةَ قدرَ أقْرائها، أو قدرَ حَيْضتِها، ثُمَّ تغتسِلُ، فإن غَلَبها الدَّمُ، اسْتَثفرَتْ بثَوبٍ وصلَّتْ.

  8. وكذلك رواهُ وُهَيبٌ، عن أيُّوبَ، عن سُليمانَ بن يَسارٍ، مِثلهُ؛ أخبَرناهُ أبو محمدٍ عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: أخبرنا أحمدُ بن جعفرِ بن حَمْدانَ (٢) بن مالكٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثني أبي، قال (٣) : حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا وُهيبٌ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عن سُليمانَ بن يَسارٍ، عن أُمِّ سَلَمةَ، أنَّ فاطِمةَ اسْتُحِيضَتْ، وكانت تَغْتسِلُ في مِرْكَنٍ لها، فتَخرُجُ وهو عالِيهِ الصُّفْرةُ والكُدْرة، فاسْتَفتَتْ لها أُمُّ سَلَمةَ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "تَنتَظِرُ (٤) أيامَ قُرُوئها، أو أيامَ حَيْضتِها، فتَدَعُ فيها الصَّلاةَ، وتَغْسِلُ فيما سِوَى ذلك، وتَسْتثفِرُ بثوبٍ وتُصلِّي (٥) " .

    ج ١٠ ص ٩٤قال أبو عُمر: قولُهُ: "تَدَعُ الصلاةَ أيامَ أقْرائها، أو أيامَ حَيْضتِها" يُضارعُ حديث هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، في قِصّةِ فاطِمةَ ابنةِ أبي حُبَيشٍ، حِينَ قال لها رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّما ذلك عِرقٌ، وليسَ بالحَيْضةِ، فإذا أقْبَلتِ الحَيْضةُ فاترُكِي الصَّلاةَ، فإذا ذهبَتْ عَنكِ، فاغْتَسِلي وصلِّي" (١) .

    ويُضارعُ حديث نافع هذا، في قولِهِ: "لتنظُر عددَ اللَّيالي والأيام التي كانت تحِيضُهُنَّ من الشَّهرِ ... " الحديثَ.

  9. وفي هذينِ المعنيينِ تنازُعٌ بينَ العُلماءِ، سَنذكُرُهُ هاهُنا في هذا البابِ، بعد الفَراغِ من طُرُقِ هذا الحديثِ وألفاظِهِ، بعونِ الله، إن شاءَ الله.

  10. وأمّا الاختِلافُ على نافع في هذا الحديثِ:

    فإنَّ أسدَ بن موسى ذكَرَ في مُسندِهِ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ بن سعدٍ، قال: حدَّثنا نافعٌ، عن سُليمانَ بن يَسارٍ، عن أُمِّ سَلَمةَ: أنَّ امرأةً كانت تُهراقُ الدِّماءَ على عَهدِ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-. وساقَ الحديث بمعنَى حديثِ مالكٍ سَواءً، ولم يُدخِل في إسنادِهِ بينَ سُليمانَ وبينَ أُمِّ سلمةَ أحدًا.

  11. وكذلك رواهُ أسدٌ أيضًا، عن أبي خالدٍ الأحمرِ سُليمانَ بن حيّان، عنِ الحجّاج بن أرطأةَ، عن نافع، عن سُليمانَ بن يَسارٍ، عن أُمِّ سَلَمةَ (٢) .

  12. وكذلك رواهُ أبو أُسامةَ وابنُ نُمَيرٍ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن سُليمانَ بن يَسارٍ، عن أُمِّ سَلَمةَ، قالت: سألَتِ امرأةٌ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم-. بهذا الحديثِ، ليسَ بينَ سُليمانَ وأُمِّ سَلَمةَ فيه أحَدٌ. ذكَرهُ ابنُ أبي شيبةَ في "مُسندِهِ" (٣) ، عن أبي (٤) أُسامةَ وابنِ نُميرٍ، جميعًا، بالإسنادِ المذكُورِ.

  13. وخالَفهُما عن عُبيدِ الله بن عُمرَ: أنسُ بن عِياضٍ، فأدخَلَ بينَ سُليمانَ بن يَسارٍ وبينَ أُمِّ سلمةَ رَجُلًا.

    ج ١٠ ص ٩٥
  14. حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْلمةَ القَعْنبِيُّ، قال: حدَّثنا أنسُ بن عِياضٍ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن سُليمانَ بن يَسارٍ، عن رجُلٍ من الأنصارِ: أنَّ امرأةً كانت تُهراقُ الدَّمَ، فاسْتَفتَتْ لها أُمُّ سلَمةَ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم-. فذكَرَ مِثلَ حديثِ مالكٍ، بمَعناهُ.

  15. وأمّا رِوايةُ من رَوَى عنِ اللَّيثِ هذا الحديث، فأدخَلَ في إسنادِهِ بينَ سُليمانَ بن يَسارٍ وبينَ أُمِّ سلَمةَ رجُلًا: فأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا قُتَيبةُ بن سعِيدٍ ويزِيدُ بن خالدِ بن عبدِ الله بن مَوْهبٍ، قالا: حدَّثنا اللَّيثُ، عن نافع، عن سُليمانَ بن يسارٍ، عن رَجُلٍ أخبَرَهُ، عن أُمِّ سلمةَ: أنَّ امرأةً كانت تُهراقُ الدَّمَ. فذكَرَ معنى حديثِ مالكٍ. قال: فإذا خلَّفَتْ (٣) ذلك، وحَضَرتِ الصَّلاةُ، فلتَغْتسِلْ ".

    قال: أبو داودَ (٤) : وحدَّثنا يعقُوبُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ مَهْدِيٍّ، قال: حدَّثنا صَخْرُ بن جُوَيْرِيةَ، عن نافع، بإسنادِ اللَّيثِ ومعناهُ. قال: "فلتَتْرُكِ الصَّلاةَ قدرَ ذلك، ثُمَّ إذا حَضَرت الصّلاةُ فلتَغْتسِل، ولتَسْتثفِر بثوبٍ، وتُصلِّي".

  16. وعندَ اللَّيثِ في هذا أيضًا: عن يزِيد بن أبي حبِيبٍ، عن جَعْفرِ بن ربِيعةَ، عن عِراكِ بن مالكٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ: أنَّ أُمَّ حبِيبةَ سألَتْ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عنِ الدَّم (١) ، فقال لها رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "امْكُثِي قدرَ ما كانت تحبِسُكِ حَيْضتُكِ، ثُمَّ اغتسِلي" . قالت عائشةُ: رأيتُ مِرْكنها ملآنَ دمًا (٢) .

    ج ١٠ ص ٩٦
  17. وعندَ اللَّيثِ أيضًا، عن يزِيدَ بن أبي حبِيبٍ، عن بُكَيرِ بن عبدِ الله بن الأشَجِّ، عنِ المُنذِرِ بن المُغِير، عن عُرْوةَ بن الزُّبيرِ، أنَّ فاطِمةَ بنت أبي حُبَيشٍ حدَّثتهُ: أنَّها سألَتْ رسُولَ الله، وشكَتْ إليه الدَّمَ، فقال لها رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّما ذلك عِرقٌ، فانْظُرِي، إذا أتاكِ قُرؤُكِ فلا تُصلِّي، فإذا مرَّ قُرؤُكِ فتَطَهَّرِي، ثُمَّ صلِّي ما بينَ القُرءِ إلى القُرءِ" . ذكر ذلك كلَّهُ أبو داودَ (٣) .

    وقال أبو داودَ: سمِعتُ أحمد بن حَنْبل يقولُ: في الحَيْضِ حديثانِ، والآخرُ في نَفْسي منهُ شيءٌ.

    قال أبو داودَ: يعني أنَّ في الحيضِ ثلاثةَ أحادِيثَ، هي أُصُولُ هذا البابِ، أحدُها: حديثُ مالكٍ، عن نافع، عن سُليمانَ بن يَسارٍ. والآخرُ: حديثُ هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ. والثالثُ الذي في قلبِهِ منهُ شيءٌ، هُو حديثُ حَمْنةَ بنتِ جَحْشٍ، الذي يروِيهِ ابنُ عَقيل (٤) .

    ج ١٠ ص ٩٧قال أبو عُمر: أمّا حديثُ نافع، عن سُليمانَ بن يَسارٍ، فقد مَضَى في هذا البابِ مجُوَّد الإسنادِ، والحمدُ لله.

  18. وأمّا حديثُ عائشةَ، في قِصّةِ فاطِمةَ ابنةِ أبي حُبيشٍ:

    فحدَّثناهُ سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل، قال: حدَّثنا الحُميدِيُّ، قال (١) : حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا هشامُ بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ: أنَّ فاطِمةَ بنت أبي حُبَيش الأسدِيّةَ كانت تُسْتَحاضُ، فسألَتْ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال لها: "إنَّما هو عِرقٌ وليسَ بالحَيْضةِ، فإذا أقْبَلتِ الحَيْضةُ، فاترُكِي الصلاةَ، وإذا أدْبرَتْ فاغْتَسِلي وصلِّي" . أو (٢) قال: "اغْسِلي عنكِ الدَّمَ وصلِّي" .

  19. وهذا حديثٌ رواهُ عن هشام جماعةٌ كثِيرةٌ، منهُم: حمّادُ بن سَلَمةَ، وحمّادُ بن زيدٍ، ومالكُ بن أنسٍ، وأبو حَنِيفةَ، ومحمدُ بن كُناسةَ، وابنُ عُيينةَ. وزادَ بعضُهُم فيه ألفاظًا لها أحكامٌ، سنذكُرُها إن شاءَ الله في بابِ هشام بن عُرْوةَ، من هذا الكِتابِ.

  20. وأمّا الحديثُ الذي ذكَرَ أنَّهُ الثالثُ، حديثُ حَمْنةَ:

    فأخبَرناهُ أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا زكرِيّا بن عدِيٍّ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عَمرٍو، عن عبدِ الله بن محمدِ بن عَقيلٍ، عن إبراهيمَ بن محمدِ بن طَلْحةَ، عن عِمران بن طَلْحةَ، عن أُمِّهِ حَمْنةَ بنتِ جَحْشٍ (٣) .

  21. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا زُهَيرُ بن حربٍ وغيرُهُ، قالا: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا زُهَيرُ بن محمدٍ، عن عبدِ الله بن محمدِ بن عَقيلٍ، عن إبراهيمَ بن محمدِ بن طلحةَ، عن عمِّهِ عِمرانَ بن طَلْحةَ، عن أُمِّهِ حَمْنةَ ابنةِ جَحَشٍ، بمعنًى واحِدٍ، قالت: كنتُ أُسْتَحاضُ حَيْضةً كثِيرةً شدِيدةً، فأتيتُ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أسْتَفتِيهِ وأُخبِرُهُ، فوَجَدتُهُ في بيتِ زَيْنبَ بنتِ جَحْشٍ، فقلتُ: يا رسُولَ الله، إنِّي أُسْتَحاضُ حَيْضةً كثِيرةً شَدِيدةً قد مَنعتني من الصَّلاةِ والصَّوم، فماذا تَرى فيها (٢) ؟ فقال: "أنعَتُ لكِ الكُرسُفَ (٣) ، فإنَّهُ يُذهِبُ الدَّمَ" . قلتُ: هُو أكثرُ من ذلك. قال: "فتَلجَّمِي (٤) " . قلتُ: هُو أكثَرُ من ذلك. قال: "فاتَّخِذِي ثوبًا" . قلتُ: هُو أكثَرُ من ذلك، إنَّما أثُجُّ ثجًّا. قال رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "سآمُرُكِ أمرين، أيَّهُما فعَلتِ أجزَأ عنكِ من الآخرِ، وإن قَويتِ عليهما، فأنتِ أعلمُ، إنَّما هي رَكْضةٌ من الشَّيطانِ،

    ج ١٠ ص ٩٩فتَحَيَّضِي سِتّةَ أيام، أو سَبْعةً في عِلم الله، ثُمَّ اغْتَسِلِي، حتّى إذا رأيتِ أنَّكِ قد طَهُرتِ واسْتَنْقَيْتِ فصلِّي أربعًا وعِشرِينَ ليلةً، أو ثلاثًا وعِشرِينَ ليلةً وأيامها، وصُومِي، فإنَّ ذلك يُجزِئكِ، وكذلك فافعلي كلَّ شَهْرٍ كما تحِيضُ النِّساءُ، وكما يَطْهُرنَ لمِيقات حيضِهِنَّ وطُهرِهِنَّ، وإن قَويتِ على أن تُؤَخِّرِي الظُّهرَ، وتُعجِّلِي العصرَ، ثُمَّ تَغْتسِلِينَ، وتجمعِينَ بين الصَّلاتينِ: [الظُّهرِ والعَصرِ، وتُؤَخِّرِينَ المغرِبَ، وتُعجِّلِينَ العِشاءَ، ثُمَّ تَغْتسِلِينَ وتجمعِين بين الصَّلاتينِ] (١) فافعلي، ثُمَّ تَغْتسِلِينَ مع الفَجْرِ، فافعلي، وصُومِي، إن قَدرتِ على ذلك ". قال رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: " وهذا أحبُّ الأمرينِ إليَّ ".

    قال أبو داودَ: وما عَدا هذه الثَّلاثةَ الأحادِيثِ، ففيها اختِلافٌ واضطِرابٌ.

    قال: وأمّا حديثُ عدِيِّ بن ثابتٍ، والأعمشِ، عن حبِيبِ بن أبي ثابتٍ. وحديثُ أيُّوبَ أبي (٢) العَلاءِ، فهي كلُّها ضعِيفةٌ لا تَصِحُّ.

    ج ١٠ ص ٩٨
  22. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا محمدُ بن أبي عدِيٍّ، عن محمدِ بن عَمرٍو، قال: حدَّثني ابنُ شِهاب، عن عُروةَ بن الزُّبيرِ، عن فاطِمةَ ابنةِ أبي حُبَيشٍ: أنَّها كانت تُستحاضُ، فقال لها النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "إذا كان دَمُ الحَيْضِ فإنَّهُ دَمٌ أسودُ يُعرَفُ، فإذا كان ذلك فأمْسِكِي عنِ الصَّلاةِ، وإذا كان

    ج ١٠ ص ١٠٠الآخَرُ فتَوَضَّئي وصلِّي، فإنَّما هُو عِرقٌ". قال ابنُ المُثنَّى: حدَّثنا به ابنُ أبي عدِيٍّ من كِتابِهِ هكذا، ثُمَّ حدَّثنا به من حِفظِهِ، فقال: حدَّثنا محمدُ بن عَمرٍو، عنِ الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ: أنَّ فاطِمةَ كانت تُسْتَحاضُ. وذكرهُ.

    قال أبو عُمر: اختُلِف عنِ الزُّهرِيِّ في هذا الحديثِ اختِلافًا كثِيرًا، فمرّةً يروِيهِ عن عَمْرةَ عن عائشةَ، ومرّةً عن عُروةَ عن عائشة، ومرّةً عن عُرْوةَ وعَمْرةَ عن عائشةَ، ومرّةً عن عُرْوةَ، عن فاطِمةَ بنتِ أبي حُبَيشٍ.

  23. وقد ذكَرْنا كثِيرًا من ذلك في بابِ هشام بن عُروةَ.

  24. وقال فيه سُهَيلُ بن أبي صالح، عنِ الزُّهرِيِّ، عن عُرْوةَ: حدَّثتني فاطِمةُ ابنةُ أبي حُبيشٍ، أنَّها أمرَتْ أسماءَ أن تسألَ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم-. وأسماءُ حدَّثتنِي: أنَّها أمرَتْ فاطِمةَ ابنةَ أبي حُبَيشٍ تسألُ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عنِ الحَيْضِ، فأمَرَها أن تَقعُدَ أيامها التي كانت تقعُدُ، ثُمَّ تَغْتسِلَ (١) .

  25. وأكثرُ أصحابِ ابنِ شِهابٍ يقولُونَ فيه: عن عُروةَ وعَمْرةَ، عن عائشةَ: أنَّ أُمَّ حبِيبةَ بنت جَحْشٍ، خَتَنةَ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، وهي تحتَ عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ، استُحِيضت (٢) .

  26. هكذا يقولُونَ عنِ ابنِ شِهابٍ في هذا الحديثِ: أُمُّ حبِيبةَ، لا يذكُرُونَ فاطِمةَ بنت أبي حُبَيشٍ.

  27. وحديثُ ابنِ شِهابٍ في هذا البابِ مُضْطرِبٌ.

  28. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن يحيى، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا اللَّيثُ بن سعدٍ، عنِ ابنِ شِهاب، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: اسْتَفتت أُمُّ حَبِيبةَ بنتُ جَحشٍ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، قالت: إنِّي أُسْتَحاضُ، فقال: "إنَّما ذلك عِرقٌ، فاغْتَسِلِي ثُمَّ صلِّي" . فكانت تَغتسِلُ عندَ كلِّ صَلاةٍ (١) .

    ج ١٠ ص ١٠١
  29. ورواهُ عِراكُ بن مالكٍ، عن عُروةَ، بخِلافِ رِوايةِ هشام والزُّهرِيِّ.

  30. حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا مُطَّلِبُ بن شُعَيبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن يزِيدَ بن أبي حبِيبٍ، عن جَعْفرِ بن ربِيعةَ، عن عِراكِ بن مالكٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ: أنَّ أُمَّ حبِيبةَ سألَتْ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عنِ الدَّم. قالت عائشةُ: لقد رأيتُ مِرْكَنها ملآن دمًا. فقال لها رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "امكُثِي قدرَ ما تحبِسُكِ حَيْضتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي" (٢) .

  31. وبِإسنادِهِ، عنِ اللَّيثِ، عن يزِيدَ بن أبي حبِيبٍ، عن بُكَيرِ بن الأشجِّ، عنِ المُنذِرِ بن المُغِيرةِ، عن عُرْوةَ بن الزُّبيرِ، أنَّ فاطِمةَ بنتَ أبي حُبَيشٍ حدَّثتهُ: أنَّها أتَتِ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فشكَتْ إليه الدَّمَ، فقال لها رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّما ذلك عِرقٌ،

    ج ١٠ ص ١٠٢فانظُرِي، فإذا أتاكِ قُرْؤُكِ فلا تُصلِّي، فإذا مرَّ القُرءُ فتَطهَّرِي، ثُمَّ صلِّي ما (١) بينَ القُرءِ إلى القُرْءِ" (٢) .

    قال أبو عُمر: لهذا الاختِلافِ ومِثلِهِ عن عُروةَ، واللهُ أعلمُ، ضعَّفَ أهلُ العِلْم بالحديثِ ما عَدا حديثَ هشام بن عُروةَ، وسُليمانَ بن يَسارٍ، من أحادِيثِ الحَيْضِ والاسْتِحاضةِ.

  32. فهذه الأحادِيثُ المرفُوعةُ في هذا البابِ.

  33. وأمّا أقاوِيلُ الصَّحابةِ، والتّابِعِينَ، وسائرِ فُقهاءِ المُسلِمِينَ، فسنوردُ منها ها هنا ما فيه شِفاءٌ واكتِفاءٌ، إن شاءَ الله.

    قال أبو عُمر: أمّا قولُهُ في حديثِ مالكٍ في هذا البابِ، عن نافع، عن سُليمانَ بن يَسارٍ، عن أُمِّ سلمةَ: أنَّ امرأةً كانت تُهراقُ الدِّماءَ على عَهدِ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-.

  34. فمعناهُ عندَ جميع العُلماءِ: أنَّها كانتِ امرأةً لا يَنْقطِعُ دمُها، ولا تَرى منهُ طُهرًا ولا نقاءً، وقد زادَها ذلك على أيامِها المعرُوفةِ لها، وتمادَى بها، فسألَتْ عن ذلك، لتعلَمَ هل حُكمُ ذلك الدَّم، كحُكم دم الحيضِ، أو هل هُو حيضٌ، أو غيرُ حيضٍ؟ فأجابَها رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بجَوابٍ مَنَعها به من الصَّلاةِ في أيام حَيْضتِها، فبانَ بذلك أنَّ الحائضَ لا تُصلِّي، وهو إجماعٌ. وأمَرَها -صلى الله عليه وسلم- أن تغتسِلَ وتُصلِّي، إذا خلَّفت ذلك.

  35. واحتملَتْ ألفاظُ هذه الأحادِيثِ من التَّأوِيلِ، ما أوجبَ اختِلافَ العُلماءِ في هذا البابِ، على ما نذكُرُهُ عنهُم، إن شاءَ الله.

    ج ١٠ ص ١٠٣
  36. والذي أجمَعُوا عليه: أنَّ المرأةَ لها ثَلاثةُ أحكام في رُؤيتِها الدَّمَ الظّاهرَ (١) السّائلَ من فرْجِها، فمِن ذلك دمُ الحيضِ المعرُوفُ، تَترُكُ لهُ الصَّلاةَ، إذا كان حَيْضًا.

  37. وللحَيضِ عندَهُم مِقدارٌ اختَلَفُوا فيه، وكلُّهُم يقولُ: إذا جاوزَ الدَّمُ ذلك المِقدارَ، فليسَ بحيضٍ. والحيضُ خِلْقةٌ في النِّساءِ، وطبعٌ (٢) مُعتادٌ معرُوفٌ منهُنَّ، وحُكْمُهُ ألّا تُصلِّي معهُ المرأةُ ولا تصُومَ، فإذا انقطَعَ عنها، كان طُهرُها منهُ الغُسلَ.

  38. ومِن ذلك أيضًا الوجهُ الثّانِي، وهُو دَمُ النِّفاسِ عندَ الوِلادةِ، ولهُ أيضًا عندَ العُلماءِ حَدٌّ محدُودٌ اختلفُوا فيه على ما نَذكُرُهُ عنهُم إن شاءَ الله، وطُهرُها عندَهُمُ انقِطاعُهُ، والغُسلُ منهُ، كالغُسلِ من الحَيْضِ سواءً (٣) .

  39. والوجهُ الثّانِي (٤) : دمٌ ليسَ بعادةٍ، ولا طبع منهُنَّ، ولا خِلْقةٍ، وإنَّما هُو عِرقٌ انقطَعَ سائلُ دمِهِ، لا انقِطاعَ لهُ إلّا عندَ البُرءِ منهُ.

  40. فهذا حُكمُهُ أن تكونَ المرأةُ فيه طاهِرًا، لا يَمْنعُها من صلاةٍ ولا صَوْم، بإجماع من العُلماءِ، واتِّفاقٍ من الآثارِ المرفُوعةِ، إذا كان معلُومًا أنَّهُ دمُ العِرْقِ، لا دمُ الحيضِ.