مالك، عن نافع مولى ابن عمر
٣٬١٤٤ فقرة، ج ٨ ص ٣٣٣
الصفحة ٧٣ من ٧٩
- ج ١٠ ص ١١٣
ولمالكٍ وغيرِهِ من العُلماءِ في المرأةِ ينقطِعُ دمُ حيضِها، فتَرى دمًا يومًا أو يومينِ، وطُهرًا يومًا أو يومينِ، مذاهِبُ سنذكُرُها في بابِ هشام بن عُروةَ إن شاءَ الله.
-
وذكَرَ إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: قال محمدُ بن مسلمةَ: أقْصَى ما تحِيضُ النِّساءُ عندَ عُلماءِ أهلِ المدِينةِ، مالكٍ وغيرِهِ: خمسةَ عشَرَ يومًا، فإذا رأتِ المرأةُ الدَّمَ، أمسكَتْ عنِ الصَّلاةِ خمسةَ عشَرَ يومًا، فإنِ انقطَعَ عنها عندَ انقِضاءِ الخمسةَ عشَرَ وفيما دُونَها، عَلِمنا أنَّهُ حيضٌ، واغتسلَتْ عندَ انقِطاعِهِ، وصلَّتْ، وليست مُسْتحاضةً، فإن تمادَى بها الدَّمُ أكثرَ من خمسةَ عشَرَ يومًا، اغتسلَتْ عندَ انقِضاءِ (١) الخَمسةَ عشَر، وعَلِمنا أنَّها مُسْتحاضةٌ، فأمرناها بالغُسلِ، لأنَّها طاهِرٌ، وتُصلِّي من يومِها ذلك، ولا تُصلِّي ما كان قبلَ ذلك، لأنَّها تركتِ الصَّلاةَ باجتِهادٍ في أمرٍ يُختَلَفُ فيه، وقد ذهَبَ وقتُ تِلك الصَّلاةِ، وقُلنا: أقِيمِي طاهِرةً حتّى تُقبِل الحيضةُ، كما قال رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، وذلك أنْ تأتِيَها دَفعةٌ من دَم تُنكِرُهُ بعدَ خمسةَ عشَرَ يومًا، من يوم غُسْلِها، لأنَّهُ أقلُّ الطُّهرِ عندَنا، فإذا رأتِ الدفعةَ بعد خمسةَ عشَرَ من الطُّهرِ، كفَّت عنِ الصَّلاةِ، ما دامَتْ تَرى الدَّمَ إلى خمسَ عشْرَةَ (٢) ، ثُمَّ اغْتَسلت وصلَّت فيما يُسْتقبَلُ كما ذكرنا، فإن لم يكُن بين الدَّفعةِ وبين الطُّهرِ قدرُ
ج ١٠ ص ١١٤خمسةَ عشَرَ يومًا، فهي امرأةٌ حاضَتْ في الشَّهرِ أكثرَ مِمّا تحِيضُ النِّساءُ، فلا تعتدُّ به، ولا تترُكُ الصَّلاةَ لتلك الدَّفعةِ، ولا تزالُ تُصلِّي حتّى يأتيها ودفعةٌ (١) بعد خمسةَ عشَرَ، أو أكثرَ من الطُّهرِ.
قال محمدُ بنُ مسلمةَ: إنَّما أمرَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- المُستحاضةَ أن تترُكَ الصَّلاةَ إذا أقبلَتِ الحيضةُ، فإذا ذهَبَ قدرُها، اغتسلَتْ وصلَّت، وقدرُها عندَنا على ما جاءَ في حديثِ أُمِّ سلمةَ: لتنظُر عددَ اللَّيالي والأيام التي كانت تحِيضُهُنَّ منَ الشَّهرِ، قبلَ أن يُصِيبَها الذي أصابَها، فلتترُكِ الصَّلاةَ قدرَ ذلك من الشَّهرِ، فإنْ جاوزَتْ ذلك فلتَغتسِل، ولتَسْتثفِر بثَوبٍ، ولتُصلِّي، وإنَّما تترُكُ الصَّلاةَ عددَ اللَّيالي والأيام التي كانت تحِيضُهُنَّ، وحيضُها مُستقِيمٌ، قلَّتْ أو كثُرَتْ، لا تزِيدُ عليها، ثُمَّ تغتسِلُ وتُصلِّي وهِي طاهِرٌ حتّى ترى دَفْعةً، فتكُفَّ عددَ اللَّيالي والأيام، فإن رأتْ (٢) دفعةً قبلَ وقتِ حيضِها، لم تكُفَّ عنِ الصَّلاةِ، لأنَّها لو كفَّتْ عنِ الصَّلاةِ بتلك الدَّفعةِ قبلَ وقتِ حَيْضتِها، كانت قد خالفَتْ قولَ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقعدت عنِ الصَّلاةِ أكثرَ من أيام حَيْضِها، والدَّفعةُ في غيرِ أيام الحيضِ عِرْقٌ، لن تُقبلَ معهُ حيضةٌ، وإنَّما أُمِرَتْ أن تكُفَّ عنِ الصَّلاةِ عندَ إقبالِ الحيضةِ، فرأينا إقبالها في غيرِ مَوْضِعها، مخُالِفًا للحديثِ في عددِ اللَّيالي والأيام، فجعلنا ذلك اسْتِحاضةً.
قال محمدُ بن مسلمةَ: وكان المُغِيرةُ يأخُذُ بالحديثِ، الذي جاءَ فيه عددُ اللَّيالي والأيام (٣) ، وكان مالكٌ يحتاطُ بعد ذلك بثلاثٍ.
ج ١٠ ص ١١٥قال: وقولُ المُغِيرةِ في ذلك أحسنُ، وأحبُّ إليَّ.
وقال أحمدُ بن المُعذَّلِ: أمّا قولُ مالكٍ (١) في المرأةِ التي لم تحِضْ قطُّ، ثُمَّ حاضَتْ فاستمرَّ بها الدَّمُ: فإنَّها تترُكُ الصَّلاةَ إلى أن تُتِمَّ خمسةَ عشَرَ يومًا، فإنِ انقطعَ عنها قبلَ ذلك، علِمنا أنَّهُ حيضٌ واغتسلَتْ، وإنِ انقطَعَ عنها لخمسَ عشْرةَ، فكذلك أيضًا، وهِي حيضةٌ قائمةٌ، تصِيرُ قُرءًا (٢) لها، وإن زادَ الدَّمُ على خمسةَ عشَرَ، اغتسلَتْ عندَ انقِضاءِ الخمسَ عشرةَ، وتوضَّأت لكلِّ صَلاةٍ وصلَّتْ، وكانَ ما بعدَ خمسةَ عشَرَ من دَمِها استِحاضةً، يَغْشاها فيه زَوْجُها، وتُصلِّي فيه، وتصُومُ، ولا تَزالُ بمَنْزِلةِ الطّاهِرِ، حتّى تَرى دمًا قد أقبَلَ غيرَ الدَّم الذي كان بها وهي تُصلِّي، فإن رأتهُ بعدَ خمسِ ليالٍ من يومَ اغتسلَتْ، فهُو حيضٌ مُقبِلٌ، تَترُكُ لهُ الصَّلاةَ خمسَ عشْرةَ ليلةً، لأنَّها ليسَتْ مِمَّن كان لها حيضٌ معرُوفٌ ترجِعُ إليه، وتترُكُ الصَّلاةَ قدرَ أيامِها، إنَّما وقتُها أكثرُ الحيضِ، وهِي خمسَ عشْرةَ، وإذا رأتِ الدَّم المُقبِلَ بعدَما اغتسلَتْ بأقلَّ من خمس ليالٍ، لم تترُك لهُ الصَّلاةَ، وكانتِ استِحاضةً، لأنَّها لم تُتِمَّ من الطُّهرِ أيامها، فيكونُ الذي يُقبِلُ حيضًا مُستأنفًا.
-
فهذا حُكمُ التي ابتُدِئَتْ (٣) في أوَّلِ ما حاضَتْ بالاسْتِحاضةِ.
قال: وأمّا التي لها حيضٌ معرُوفٌ مُستقِيمٌ، وزادَها الدَّمُ على أيامِها، فإنَّها تنتظِرُ إلى تمام خَمْس عَشْرةَ، فإنِ انقطَعَ عنها الدَّمُ قبلَ ذلك، اغتسلَتْ وصلَّت، وكان حَيْضُها مُسْتقِيمًا، وإنِ انقطَعَ الدَّمُ مع تمام خمسةَ عشرَ، فكذلك أيضًا،
ج ١٠ ص ١١٦وإنَّما هي امرأةٌ انتقلَ حيضُها إلى أكثرَ مِمّا كان، وكلُّ ذلك حيضٌ؛ لأنَّ حيضَ المرأةِ يختلِفُ (١) أحيانًا فيَقِلُّ ويكثُرُ، وإن زادَها الدَّمُ على خمسةَ عشرَ، اغتسلَتْ عندَ تمامِها، فصلَّتْ، وكانَتْ مُسْتَحاضةً، وتُصلِّي، وتصومُ، ويأتيها زَوْجُها، حتّى تَرى دمًا قد أقبَلَ سِوَى الدَّم الذي تُصلِّي فيه، فإن رأتهُ قبلَ خمسِ ليالٍ من حِينَ اغتسلَتْ، مضَتْ على حالِ الطَّهارةِ، فإنَّها مُسْتحاضةٌ، وإن رأتهُ بعدَ خمسِ ليالٍ، فأكثرَ، فهُو دَمُ حيضٍ مُسْتأنفٌ، تترُكُ لهُ الصَّلاةَ أيامَها التي كانت تحِيضُها قبلَ أن يختلِط عليها أمرُها، وتزِيدُ ثلاثةَ أيام على ما كانت تَعرِفُ من أيامِها، إلّا أن تكونَ أيامُها والثَّلاثةُ التي تحتاطُ بها، أكثر من خمسَ عشْرةَ، فإن كان كذلك لم تُجاوِز خمسَ عشْرةَ، واغتسلت عندَ تمامِها وصلَّت، فهذا فرقٌ بين المُبتدأةِ بالاستِحاضةِ، وبينَ التي كان لها وقتٌ معلُومٌ.
وقال أحمدُ بن المُعذَّلِ: الذي كان عليه الجملةُ (٢) من العُلماءِ في القدِيم: أنَّ الحيضَ يكونُ خمسَ عشْرةَ ليلةً، لا يُجاوِزُ ذلك، وما جاوَزهُ، فهُو استِحاضةٌ.
قال: وعلى هذا كان قولُ أهلِ المدِينةِ القدِيمُ، وأهلِ الكُوفةِ، حتّى رجعَ عنهُ أبو حنِيفةَ، لحديثٍ بلَغهُ عنِ الجَلْدِ بن أيُّوب، عن مُعاوِيةَ بن قُرّةَ، عن أنسِ بن مالكٍ، أنَّهُ قال في المُستحاضةِ: تَنْتظِرُ عشرًا، لا تُجاوِزُ (٣) . فقال أبو حنِيفةَ: لم أزَلْ أرى أن يكونَ أقلُّ الطُّهرِ أكثرَ من أكثرِ الحَيْضِ، وكنتُ أكرَهُ خِلافهُم، يعني فُقهاءَ الكُوفةِ، حتّى سمِعتُ هذا الحديث عن أنسٍ، فأنا آخُذُ به.
ج ١٠ ص ١١٧قال أحمدُ بن المُعذَّل: واختلفَ قولُ أصحابِهِ في علل (١) الحَيْضِ وانقِطاعِهِ وعودتِهِ، اختِلافًا يدُلُّكَ على أنَّهُم لم يأخُذُوهُ عن أثَرٍ قوِيٍّ، ولا إجماع.
قال: واختلَفَ أيضًا قولُ مالكٍ وأصحابِهِ في عللِ (٢) الحَيْضِ، رَجَع فيها من قولٍ إلى قولٍ، وثبتَ هُو وأهلُ بلدِهِ على أصْلِ قولِهِم في الحيضِ: أنَّهُ خمسَ عشْرةَ.
قال: وإنَّما ذكرتُ لك (٣) اختِلافَ أمرِ الحيضِ، واختِلاطَهُ على العُلماءِ، لتعلمَ أنَّهُ أمرٌ أُخِذَ أكثرُهُ بالاجتِهادِ، فلا يكونُ عِندكَ سُنّةً قولُ أحدٍ من المُختلِفِينَ، فيضيقُ على النّاسِ خِلافُهم.
قال أبو عُمر: قدِ احتجَّ الطَّحاوِيُّ (٤) لمذهبِ الكُوفيِّين في تحدِيدِ الثَّلاثِ، والعشر، في أقلِّ الحيضِ وأكثرِهِ، بحديثِ أُمِّ سَلَمةَ، إذ سألَتْ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عنِ المرأةِ التي كانت تُهراقُ الدَّمَ، فقال: "لتنظُرْ عددَ اللَّيالي والأيام التي كانت تحِيضُهُنَّ منَ الشَّهرِ، فلتَتْرُكْ قدرَ ذلك من الشَّهرِ، ثُمَّ تغتسِلُ، وتُصلِّي" (٥) . قال: فأجابَها بذِكرِ عَددِ الأيام واللَّيالي، من غيرِ مسألةٍ، لها عن مِقدارِ حَيْضِها قبلَ ذلك. قال: وأكثرُ ما يَتناولُهُ أيامٌ عشَرةٌ، وأقلُّهُ ثلاثةٌ.
قال أبو عُمر: ليسَ هذا عِندِي حُجّةً تمنعُ من (٦) أن يكونَ الحيضُ أقلَّ من ثلاثٍ؛ لأَنَّهُ كلامٌ خَرجَ في امْرأةٍ قد عُلِمَ أنَّ حَيْضها أيامٌ، فخرَجَ جَوابُه (٧) على
ج ١٠ ص ١١٨ذلك، وجائزٌ أن يكونَ الحيضُ أقلَّ من ثلاثٍ، لأنَّ ذلك موجُودٌ في النِّساءِ، غيرُ مدفُوع، وأمّا الجَلْدُ بن أيُّوبَ، فإنَّ الحُمَيدِيَّ ذكرَ عنِ ابنِ عُيَينةَ: أنَّهُ كان يُضعِّفُهُ، ويقولُ: من جَلْدٌ! ومن كان جلدٌ! وقال ابنُ المُباركِ: الجَلْدُ بن أيُّوب يُضعِّفُهُ أهلُ البصرةِ، ويقولُونَ: ليس بصاحِبِ حديثٍ. يعني: رِوايتَهُ في قِصّةِ الحيضِ عن أنسٍ.
قال أبو عُمر: للجَلْدِ بن أيُّوبَ أيضًا، حديثٌ آخرُ عن مُعاوِيةَ بن قُرّةَ، عن عائذِ (١) بن عَمرو، أنَّهُ قال لامرأتِهِ: إذا نُفِستِ، لا تغُرِّيني عن دِينِي، حتّى تَمْضِي أربعُونَ ليلةً (٢) .
-
وروى عنِ الجَلْدِ بن أيُّوبَ، هشامُ بن حسّانٍ، وعُمرُ بن المُغِيرةِ، وعبدُ العزيزِ بن عبدِ الصَّمدِ، وغيرُهُم، ولهُ سماعٌ منِ الحسنِ ونُظَرائهِ، ولكِنَّهُم يُضعِّفُونهُ في حديثِهِ في الحَيْضِ.
-
وأمّا الاستِظهارُ، فقد قال مالكٌ باستِظهارِ ثلاثةِ أيام (٣) . وقال غيرُهُ: تَسْتظهِرُ يومينِ.
-
وحكى عبدُ الرَّزّاقِ (٤) عن مَعْمرٍ، قال: تَسْتظهِرُ يومًا واحِدًا على حَيْضتِها، ثُمَّ هي مُسْتحاضةٌ.
-
وذكرَ عنِ ابنِ جُرَيج، عن عَطاءٍ، وعَمرِو بن دِينارٍ: تَسْتظهِرُ بيوم واحِدٍ (٥) .
ج ١٠ ص ١١٩قال أبو عُمر: احتجَّ بعضُ أصحابِنا في الاسْتِظهارِ بحديثٍ رَواهُ حَرامُ بن عُثمانَ، عن ابني (١) جابر، عن جابرٍ، عنِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- (٢) . وهُو حديثٌ لا يصِحُّ، وحرامُ بن عُثمانَ ضعِيفٌ مترُوكُ الحديثِ (٣) .
-
واحتجُّوا فيه من جِهةِ النَّظرِ بالقِياسِ على المُصرّاةِ في اختِلاطِ اللَّبنينِ، فجعَلُوا كذلك اختِلاطَ الدَّمَينِ: دم الاستِحاضةِ، ودم الحيضِ.
-
وفي السُّنّةِ، من حديثِ ابنِ سِيرِينَ، وغيرِهِ، عن أبي هريرةَ: أنَّ المُصرّاةَ تُستَبرأُ ثلاثةَ أيام (٤) . ليُعلَم بذلك مِقدارُ لَبنِ التَّصرِيةِ، من لَبنِ العادةِ.
-
فجَعلُوا كذلك التي (٥) يزِيدُ دمُها على عادتِها، ليُعْلَمَ بذلك أحَيْضٌ هُو أم اسْتِحاضةٌ؟ استِبراءً واستِظهارًا.
-
وفي هذا المعنى نظرٌ؛ لأنَّ الاحتِياط إنَّما يجِبُ أن يكونَ في عَملِ الصَّلاةِ، لا في تَرْكِها، وسيأتي هذا المعنى بأوضحَ من هذا في بابِ هشام بن عُروةَ، إن شاءَ الله.
- ج ١٠ ص ١٢٠
وأمّا الشّافعيُّ، فإنَّهُ قال (١) : الحيضُ أقلُّ ما يكونُ يومٌ وليلةٌ، وأكثرُهُ خمسةَ عشرَ يومًا، فإن تمادَى بالمُبتدأةِ الدَّمُ أكثرَ من خمسةَ عشَرَ يومًا، اغتسلَتْ، وقَضتِ صلاةَ أربَعةَ عشَرَ يومًا، لأنَّها مُستحاضةٌ بيقينٍ إذا زادَتْ على خمسةَ عشَرَ يومًا، فإنَّ حيضَها أقلُّ الحَيْضِ احتِياطًا للصَّلاةِ، وإنِ انقطَعَ دمُها لخمسةَ عشرَ يومًا، أو دُونها، فهُو كلُّهُ حيضٌ.
وقال الشّافعيُّ (٢) : إذا زادتِ المرأةُ على أيام حَيْضِها نظرَتْ، فإن كان الدَّمُ ثخِينًا محُتدِمًا، فتلك الحيضةُ، تدَعُ لها الصَّلاةَ، فإذا جاءَها الدَّمُ الأحمرُ، فذلك الاستِحاضةُ، تَغتسِلُ وتُصلِّي، ولا تَسْتظهِرُ بثلاثةِ أيام ولا بشيءٍ. قال: فإن لم يكُنِ الدَّمُ بالوصفِ الذي وصَفنا، تركتِ الصَّلاةَ أيامَ (٣) أقرائها ثمَّ تغتسِلُ وتُصلِّي، تعملُ عِندهُ على التَّميِيزِ، فإن لم تُميِّز، فعلى الأيام، فإن لم تعرِف، رجعَتْ إلى العُرفِ والعادةِ واليقِينِ.
-
وقولُ أبي ثورٍ في هذا كلِّهِ، مِثلُ قولِ الشّافعيِّ سَواءً.
قال أبو عُمر: الدَّمُ المُحتدِمُ، هُو الذي ليسَ برقِيقٍ، ولا بمُشرِقٍ، وهُو إلى الكُدْرةِ، والدَّمُ الأحمرُ المشرِقُ تقولُ لهُ العربُ: دمٌ عبِيطٌ. والعَبِيطُ هُو الطَّرِيُّ، غيرُ المُتغيِّرِ، تقولُ العربُ: اعتبطَ ناقَتَهُ، وبعِيرَهُ: إذا نحرَهُما من غيرِ عِلّةٍ، ومن هذا قولُهُم (٤) :
من لم يمُتْ عَبْطةً يمُتْ هَرَمًا
ج ١٠ ص ١٢١أي: من لم يمُت في شبابِهِ وصِحَّتِهِ، مات هَرَمًا، يقولُون: اعتبطَ الرَّجُلُ، إذا ماتَ شابًّا صحِيحًا.
-
وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ والثَّورِيُّ في التي يزِيدُ دمُها على أيام عادتِها: إنَّها تُرَدُّ إلى أيامِها المعرُوفةِ، فإن زادَتْ، فإلى أقصى مُدّةِ الحيضِ. وذلك عندَهُم عشرةُ أيام، تترُكُ الصَّلاةَ فيها، فإنِ انقطعَ، وإلّا فهي مُسْتحاضةٌ. والعمَلُ عندَهُم على الأيام، لا على التَّميِيزِ، تجلِسُ عندَهُم أيام أقرائها، إلى آخِرِ مُدّةِ الحيضِ.
-
وذكرَ بِشرُ بن الولِيدِ، عن أبي يُوسُف، عن أبي حنِيفةَ في المُبتدَأةِ (١) ترى الدَّمَ ويستمِرُّ بها، أنَّ حيضَها عشرٌ، وطُهرها عِشرُونَ (٢) . وأكثرُ الحيضِ عندَهُ عشَرَةُ أيام، وأقلُّهُ ثلاثةٌ (٣) .
وقال أبو يُوسُف: تأخُذُ في الصَّلاةِ بالثَّلاثةِ أقلِّ الحيضِ، وفي الأزواجِ بالعشرِ، ولا تقضِي صومًا عليها إلّا بعد العشَرةِ، وتصُومُ العشْرَ (٤) من رمضان، وتقضِي سبعًا (٥) .
-
وقال الأوزاعِيُّ، وسُئلَ -فيمن تَسْتطهِرُ بيوم أو يومينِ، بعد أيام حَيْضِها، إذا تطاولَ بها الدَّمُ- فقال: يجُوزُ. ولم يُوقِّت للاسْتِطهارِ وقتًا.
وقال أحمدُ بن حَنْبل (٦) : أقلُّ الحيضِ يومٌ وليلةٌ، وأكثرُهُ خمسةَ عشَرَ يومًا، فمن (٧) طبق بها الدَّمُ، وكانت مِمَّن تُميِّزُ، وعلِمَتْ إقبالهُ بأنَّهُ أسودُ ثخِينٌ،
ج ١٠ ص ١٢٢أو أحمرُ يضرِبُ إلى السَّوادِ، وفي إدبارِهِ يصيرُ إلى الرِّقّةِ والصُّفرةِ، تَرَكتِ الصَّلاةَ في إقبالِهِ، فإذا أدبَرَ اغتسلَتْ وصلَّت، وتوضَّأت لكلِّ صلاةٍ، فإن لم يكُن دَمُها مُنْفصِلًا، وكانت لها أيامٌ من الشَّهرِ تَعرِفُها، أمسكَتْ عنِ الصَّلاةِ فيها، واغتسلَتْ إذا جاوَزَتها، وإن كانت لا تَعرِفُ أيامها، بأن تكون أُنسِيتها، وكان دمُها مُشكلًا لا ينفصِلُ، قعدَتْ سِتّةَ أيام أو سبعةً في كلِّ شهرٍ، على حديثِ حمنةَ بنتِ جَحشٍ.
-
وأمّا المُبتدأةُ بالدَّم، فإنَّها تحتاطُ، فتجلِسُ يومًا وليلةً، وتغتسِلُ، وتتوضَّأُ لكلِّ صلاةٍ، وتُصلِّي، فإنِ انقطَعَ عنها الدَّمُ في خمسةَ عشرَ اغتسلَتْ عندَ انقِطاعِهِ، وتفعلُ من ذلك مِثلَ ذلك ثانيةً وثالِثةً، فإن كان بمعنًى واحِدٍ، عمِلَتْ عليه، وأعادَتِ الصَّومَ إن كانت صامَتْ، وإنِ استمرَّ بها الدَّمُ، ولم تُميِّز قعدَتْ في كلِّ شهرٍ سِتًّا أو سبعًا؛ لأنَّ الغالِبَ من النِّساءِ أنَّهُنَّ هكذا يحِضنَ.
-
وقولُ إسحاقَ بن راهُوية وأبي عُبيدٍ في هذا البابِ، نحوُ قولِ (١) أحمدَ بن حَنْبل في استِعمالِ الثَّلاثةِ الأحاديث:
حديثِ فاطِمةَ بنتِ أبي حُبيشٍ، في تميِيزِ إقبالِ حَيْضتِها، وإدبارِها.
-
وحديثِ أُمِّ سَلَمةَ في عَددِ اللَّيالي والأيام المعرُوفةِ لها، إذا كانت لا تُميِّزُ انفِصالَ دَمِها.
-
وحديثِ حمنةِ بنتِ جحشٍ فيمَنْ لا تعرِفُ أيامَها، ولا تُميِّزُ دَمها (٢) .
وقال الطَّبرِيُّ: أقلُّ الحيضِ يومٌ وليلةٌ، وأكثرُهُ خمسةَ عشَرَ يومًا، فإن تمادَى بها الدَّمُ أكثرَ من خمسةَ عشَرَ يومًا، قضَتْ صلاةَ أربعةَ عشرَ يومًا، وخمسَ عشْرةَ ليلةً، إلّا أن يكونَ لها عادةٌ، فتَقْضِي ما زادَ على عادتِها (٣) .
- ج ١٠ ص ١٢٣
واختلفُوا في الحامِلِ تَرى الدَّم، هل ذلك استِحاضةٌ لا تمنعُها من الصَّلاةِ، أم هُو حيضٌ تَكُفُّ معهُ عنِ الصَّلاةِ (١) ؟
فقال مالكٌ (٢) ، والشّافعيُّ، واللَّيثُ بن سعدٍ، والطَّبرِيُّ: هُو حيضٌ، وتدعُ الصَّلاةَ. هذا هُو المشهُورُ من مذهبِ الشّافعيِّ، وقد رُوِي عنهُ: أنَّهُ ليسَ بحيضٍ.
-
والمشهُورُ من مذهبِ مالكٍ أيضًا: أنَّهُ حيضٌ يمنعُها من الصلاةِ إلّا ابنَ خُوَيْزمَنْدادَ قال: إنَّ هذا في مذهبِ مالكٍ، إذا رأتِ الدَّم في أيام عادتِها، فحِينئذٍ يكونُ حيضًا.
-
واختلفَ قولُ مالكٍ وأصحابِهِ في حُكم الحامِلِ إذا رأتِ الدَّم، فرُوِي عنهُ الفَرقُ بين أوَّلِ الحملِ وآخِرِهِ، ورُوِي عنهُ، وعن أصحابِهِ في ذلك رِواياتٌ، لم أرَ لذِكْرِها وَجهًا، وأصحُّ ما في ذلك على مذهبِه روايةُ (٣) أشهبَ عنهُ: أنَّ الحامِلَ في رُؤيتِها الدَّمَ، كغيرِ الحامِلِ سواءً.
-
وقال الثَّورِيُّ وأبو حنِيفةَ وأصحابُهُ والحسنُ بن حيٍّ وعُبيدُ الله (٤) بن الحسنِ والأوزاعِيُّ: ليسَ بحيضٍ، وإنَّما هُو اسْتِحاضةٌ، لا تكُفُّ به عنِ الصَّلاةِ. وهُو قولُ ابنِ عُليّةَ وداودَ.
- ج ١٠ ص ١٢٤
وحُجّةُ هؤُلاءِ، ومن قال بقولِهِم: أنَّ الأُمّةَ مُجمعةٌ على أنَّ الحامِلَ تُطلَّقُ للسُّنّةِ إذا استبانَ حملُها، من أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ، وأنَّ الحملَ كلَّهُ كالطُّهرِ الذي لم يُجامَعْ فيه.
-
ومن حُجَّتِهِم أيضًا، قولُهُ -صلى الله عليه وسلم-: "لا تُوطأُ حامِلٌ حتّى تضعَ، ولا حائلٌ حتّى تحِيضَ" (١) . قالوا: فهذا دليلٌ على أنَّ الحملَ ينفِي الحيضَ.
-
ومن حُجّةِ مالكٍ، ومن ذهبَ مذهبهُ، في أنَّ الحامِلَ تحِيضُ، ما يُحِيطُ به العِلمُ بأنَّ الحائضَ قد تحمِلُ، فكذلك جائزٌ أن تحِيضَ، كما جائزٌ أن تحمِلَ، والأصلُ في الدَّم الظّاهِرِ من الأرحام، أن يكونَ حيضًا، حتّى يتجاوزَ المِقدارَ الذي لا يكونُ مِثلُهُ حيضًا، فيكونُ حِينَئذٍ اسْتِحاضةً؛ لأنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- إنَّما حكَمَ بالاسْتِحاضةِ في دم زائدٍ على مِقدارِ الحيضِ، وليسَ في قولِهِ -صلى الله عليه وسلم-: "لا تُوطَأُ حامِلٌ حتّى تضعَ، ولا حائلٌ حتّى تحِيضَ" ما يَنْفِي أن يكونَ حيضٌ على حَملٍ، لأنَّ الحديثَ إنَّما وردَ في سَبْيِ أوطاسٍ، حِين أرادُوا وطئَهُنَّ، فأُخبرُوا أنَّ الحامِلَ لا براءةَ لرحِمِها بغيرِ الوَضْع، والحائل لا براءةَ لرحِمِها بغيرِ الحَيضِ، لا أنَّ (٢) الحامِلَ لا تحِيضُ، والله أعلمُ.
-
ومِمَّن قال: إنَّ الحامِل إذا رأتِ الدَّمَ، كفَّت عنِ الصلاةِ، كالحائضِ سواءً: ابنُ شِهابٍ الزُّهرِيُّ (٣) ، وقَتادةُ، واللَّيثُ بن سعدٍ، وإسحاقُ بن راهُوية، وابنُ مهدِيٍّ، وجماعةٌ.
-
واختُلِف فيه على عائشةَ، فرُوِي عنها (٤) مِثلُ قولِ مالكٍ، والزُّهرِيِّ.
- ج ١٠ ص ١٢٥
ورُوِي عنها: أنَّها لا تَدَعُ الصَّلاةَ على حالٍ. رواهُ سُليمانُ بن مُوسى، عن عطاءٍ، عن عائشةَ (١) .
-
وهُو قولُ جُمهُورِ التّابِعِين بالحِجازِ والعِراقِ، وبه قال أحمدُ بن حَنْبل، وأبو ثورٍ، وأبو عُبيدٍ.
-
وأمّا غُسلُ المُستحاضةِ ووُضُوؤُها (٢) ، فأجمعُوا أنَّ عليها، إذا كانت مِمَّن تُميِّزُ دمَ حَيْضَتِها، من دَم استِحاضتِها، أن تغتسِلَ عندَ إدبارِ حَيْضتِها، وكذلك إذا لم تعرِف ذلك وقعدَتْ ما أُمِرَتْ به من عَدَدِ اللَّيالي والأيام، التي كانت تحِيضُهُنَّ من الشَّهرِ، اغتسلَتْ عندَ انقِضاءِ ذلك، على حسَبِ ما جاءَ منصُوصًا في حديثِ أُمِّ سلَمةَ، وغيرِهِ، على مذاهِبِ العُلماءِ في ذلك، مِمّا قد ذكَرْناهُ في هذا البابِ، والحمدُ لله.
-
ثُمَّ اختلفُوا فيما علَيها بعد ذلك من غُسلٍ، أو وُضُوءٍ.
-
فذهَبَت طائفةٌ من أهلِ العِلْم، إلى أنَّ المُسْتَحاضةَ تغتسِلُ لكلِّ صلاةٍ، بحديثِ ابنِ شِهاب، عن عُروةَ وعمرةَ، جميعًا عن عائشةَ: أنَّ أُمَّ حبِيبةَ بنت جَحشٍ - وبعضُ أصحابِ ابنِ شِهابٍ يقولُ عنهُ فيه: حَمْنةَ بنتَ جَحشٍ، ولا يصِحُّ عنهُ. وقال معمرٌ وابنُ عُيينةَ وإبراهيمُ بن سعدٍ ويُونُسُ بن يزِيد وغيرُهُم: أُمَّ حبِيبةَ بنتَ جَحْش (٣) ، وهو الصواب- استُحِيضت، فاسْتَفتَتْ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال لها: "إنَّما ذلك عِرقٌ، فاغتسِلِي، ثُمَّ صلِّي" . فكانت تغتسِلُ لكلِّ صلاةٍ (٤) .
ج ١٠ ص ١٢٦قالوا: فهي أعلمُ بما أُمِرَتْ به، وقد فهِمَتْ ما جُووِبَتْ عنهُ.
قالوا: وقد قال محمدُ بن إسحاقَ في هذا الحديثِ، عنِ ابنِ شِهاب، عن عُروةَ، عن عائشةَ: أنَّ أُمَّ حبِيبةَ ابنةَ جَحشٍ استُحِيضَتْ في عَهدِ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فأمَرَها رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بالغُسلِ لكلِّ صلاةٍ ... وساق الحديثَ (١) .
-
واحتجُّوا أيضًا بما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا مُسلِمٌ، قال: حدَّثنا أبانُ وهشامٌ الدِّسْتوائيُّ، قالا: حدَّثنا يحيى بن أبي كَثِيرٍ، عن أبي سَلَمةَ. قال أبانُ: عن أُمِّ حبِيبةَ. وقال هشامٌ: إنَّ أُمَّ حبِيبةَ سألَتْ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قالت: إنِّي أُهراقُ الدِّماءَ، فأمَرَها أن تغتسِلَ عندَ كلِّ صَلاةٍ وتُصلِّي (٢) .
-
وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٣) . وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البِرْتِيُّ، قالا جميعًا: حدَّثنا أبو مَعْمرٍ. قال أبو داودَ: عبدُ الله بن عَمرِو بن أبي الحجّاجِ أبو مَعْمرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن حُسينٍ المُعلِّم،
ج ١٠ ص ١٢٧عن يحيى بن أبي كثِيرٍ، عن أبي سَلَمةَ، قال: أخبَرتني زينبُ بنتُ أُمِّ سلمةَ: أنَّ امرأةً كانت تُهراقُ الدِّماء على عَهدِ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، وكانت تحتَ عبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ، أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أمَرَها أن تغتسِلَ عندَ كلِّ صلاةٍ. قال أبو داود: وفي حديثِ ابنِ عَقِيلٍ في قِصّةِ حَمْنةَ الأمرانِ (١) جميعًا، قال: "إن قَوِيتِ فاغتسِلي لكلِّ صلاةٍ، وإلّا فاجمَعِي بينَ الصَّلاتينِ بغُسلٍ واحِدٍ" .
قال: وكذلك رَوَى سعِيدُ بن جُبيرٍ -عنِ ابنِ عبّاسٍ وعليٍّ- أنَّها تغتسِلُ لكلِّ صلاةٍ.
قال أبو عُمر: هذا الحديثُ رواهُ همّامٌ، عن قَتادةَ، عن أبي حسّانٍ، عن سعِيدِ بن جُبَيرٍ: أنَّ امرأةً أتتِ ابن عبّاسٍ بكِتابٍ، بعدما ذهَبَ بصرُهُ، فدفَعهُ إلى ابنِهِ فتبرَّأ منهُ، فدفَعهُ إليَّ، فقرأتُهُ، فقال لابنِه: أَلا هَذْرَمتهُ (٢) كما هذرمهُ الغُلامُ المُضَرِيُّ (٣) فإذا فيه: بسم الله الرَّحمنِ الرَّحِيم، منَ امرأةٍ من المُسلِمِينَ، أنَّها استُحِيضَتْ، فاستفتَتْ عليًّا، فأمَرَها أن تغتسِلَ وتُصلِّي. فقال ابنُ عبّاس: اللَّهُمَّ لا أعلَمُ القولَ، إلّا ما قال عليٌّ. ثلاث مرّاتٍ (٤) .
قال قَتادةُ: وأخبَرني عَزْرةُ (٥) ، عن سعِيدٍ، أنَّهُ قيلَ لهُ: إنَّ الكُوفةَ أرضٌ بارِدةٌ، وإنَّهُ يشُقُّ عليها الغُسلُ لكلِّ صلاةٍ. فقال: لو شاءَ اللهُ لابتَلاها بما هُو أشدُّ منهُ (٦) .
- ج ١٠ ص ١٢٨
وقال يزِيدُ بن إبراهيمَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن سعِيدِ بن جُبيرٍ: إنَّ امرأةً من أهلِ الكُوفةِ استُحِيضَتْ، فكتبَتْ إلى عبدِ الله بن عُمرَ، وعبدِ الله بن عبّاسٍ، وعبدِ الله بن الزُّبيرِ، تُناشِدُهُمُ اللهَ، وتقولُ: إنِّي امرأةٌ مُسلِمةٌ، أصابني بَلاءٌ، وإنَّها استُحِيضَتْ مُنذُ سِنِينَ، فما ترونَ في ذلك؟ فكان أوَّلَ من وقعَ الكِتابُ في يَدِهِ ابنُ الزُّبيرِ، فقال: ما أعلمُ لها إلّا أن تدَعَ قُرأها، وتغتسِلَ عندَ كلِّ صلاةٍ، وتُصلِّي. فتتابعُوا على ذلك (١) .
-
فهذا كلُّهُ حُجّةُ من جعلَ على المُستحاضةِ الغُسل لكلِّ صلاةٍ.
وقال آخرُونَ: يجِبُ عليها أن تغتسِلَ للظُّهرِ والعصرِ غُسلًا واحِدًا، تُصلِّي به الظُّهرَ في آخِرِ وقتِها، والعصرَ في أوَّلِ وقتِها، وتغتسِلَ للمغرِب والعِشاءِ غُسلًا واحِدًا، تُقدِّمُ الأُولى، وتُؤَخِّرُ الآخِرةَ (٢) ، وتغتسِلَ للصُّبحِ غُسلًا.
-
واحتجُّوا بما رواهُ محمدُ بن إسحاقَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: إنَّما هي سَهْلةُ بنتُ سُهيلِ بن عَمرٍو استُحِيضَتْ، وإنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كان يأمُرُها بالغُسلِ عندَ كلِّ صلاةٍ، فلمّا جهَدَها ذلك، أمرَها أن تجمعَ الظُّهرَ والعصرَ في غُسلٍ واحِدٍ، والمغرِبَ والعشاءَ في غُسلٍ واحِدٍ، وتغتسِلَ للصُّبح (٣) .
- ج ١٠ ص ١٢٩
ورواهُ شُعبةُ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: استُحِيضتِ امرأةٌ على عَهدِ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فأُمِرَتْ أن تُعجِّلَ العصرَ، وتُؤَخِّرَ الظُّهر، وتغتسِلَ لهما غُسلًا واحِدًا، وتُؤَخِّرَ المغرِب، وتُعجِّلَ العِشاءَ، وتغتسِلَ لهما غُسلًا واحِدًا (١) ، وتغتسِلَ لصلاةِ الصُّبح غُسْلًا. قال شُعبةُ: قلتُ لعبدِ الرَّحمنِ: أعَنِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: لا أُحدِّثُكَ عنِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بشيءٍ (٢) .