مالك، عن نافع مولى ابن عمر

٣٬١٤٤ فقرة، ج ٨ ص ٣٣٣

الصفحة ٧٤ من ٧٩

  1. ورواهُ الثَّورِيُّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيه، عن زَيْنب ابنةِ جَحشٍ: أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أمَرَها بذلك (٣) .

    ج ١٠ ص ١٢٩
  2. ورواهُ ابنُ عُيينةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيه مُرسلًا (٤) .

  3. ورَوَى سُهَيلُ بن أبي صالح، عنِ الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن أسماءَ بنتِ عُمَيسٍ: أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أمرَ بمِثلِ ذلك فاطِمةَ ابنةَ أبي حُبَيشٍ (٥) .

    قالوا: فقد بانَ في حديثِ ابنِ إسحاقَ وغيرِهِ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم في هذا الحديثِ أنَّ (٦) النّاسِخَ من الحُكم (٧) في ذلك، جمعُ الصَّلاتينِ بغُسل واحِد: صلاتي اللَّيلِ، وصلاتيِ النَّهارِ، وتغتسِلُ للصُّبحِ غُسلًا واحِدًا، فصارَ القولُ بهذا أوْلَى من القولِ بإيجابِ الغُسلِ لكلِّ صلاةٍ، لقولِهِ: فلمّا جهدَها،

    ج ١٠ ص ١٣٠أمرَها أن تجمعَ الظُّهر والعصرَ في غُسلٍ واحِدٍ، والمغرِبَ والعِشاءَ بغُسلٍ واحِدٍ، وتغتسِلَ للصُّبح.

    قالوا: وقد رُوِيَ عن عليٍّ وابنِ عبّاسٍ مِثلُ ذلك، خِلافَ الرِّوايةِ الأُولى عنهُما.

  4. فذكرُوا ما حدَّثنا به عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البِرتِيُّ، قال: حدَّثنا أبو مَعْمرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جُحادةَ، عن إسماعيلَ بن رَجاءٍ، عن سعِيدِ بن جُبَيرٍ، عنِ ابنِ عبّاس، قال: جاءَتهُ امرأةٌ مُسْتحاضةٌ تسألُهُ، فلم يُفتِها، وقال لها: سَلِي. قال: فأتَتِ ابنَ عُمرَ، فسألتهُ، فقال لها: لا تُصلِّي ما رأيتِ الدَّمَ. فرجَعَتْ إلى ابنِ عبّاسٍ، فأخبَرتهُ، فقال: رحِمهُ الله، إن كادَ ليُكفِّرُكِ. قال: ثُمَّ سألَتْ عليَّ بن أبي طالِبٍ، فقال: تلك وكزةٌ (١) من الشَّيطانِ، أو قُرْحةٌ في الرَّحِم، اغْتَسِلي عندَ كلِّ صَلاتينِ مرّةً، وصلِّي. قال: فلقِيَتِ ابن عبّاسٍ بعدَ ذلك، فسألَتهُ، فقال: ما أجِدُ لكِ إلّا ما قال عليٌّ (٢) .

  5. وروى حمّادُ بن سلمةَ، عن قَيْسِ بن سعدٍ، عن مجُاهِدٍ، قال: قيلَ لابنِ عبّاس: إنَّ أرضَها بارِدةٌ. قال: تُؤَخِّرُ الظَّهرَ، وتُعجِّلُ العصرَ، وتغتسِلُ لهما غُسلًا، وتُؤَخِّرُ المغرِبَ، وتُعجِّلُ العِشاءَ، وتغتسِلُ لهما غُسلًا، وتغتسِلُ للفَجرِ غُسلًا (٣) .

  6. وروى إبراهيمُ النَّخَعِيُّ، عنِ ابنِ عبّاسٍ مِثلَهُ (٤) . وهُو قولُ إبراهيم النَّخعِيِّ (٥) ، وعبدِ الله بن شدّادٍ (٦) ، وفِرقةٍ.

    ج ١٠ ص ١٣١وقال آخرُونَ: تغتسِلُ كلَّ يوم مرّةً، في أيِّ وَقْتٍ شاءَت؛ رواهُ مَعقِلٌ الخَثْعمِيُّ، عن عليٍّ، قال: المُسْتَحاضةُ إذا انقَضَى حَيْضُها، اغْتَسلَتْ كلَّ يوم، واتَّخذَتْ صُوفةً فيها سمنٌ أو زيتٌ (١) .

    وقال آخرُونَ: تغتسِلُ من ظُهْرٍ إلى ظُهْرٍ، وتَوَضَّأُ لكلِّ صلاةٍ؛ رواهُ مالكٌ (٢) ، عن سُميٍّ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ. وهُو قولُ سالم، وعَطاءٍ، والحسنِ (٣) .

  7. ورُوِي مِثلُ ذلك عنِ ابنِ عُمرَ، وأنسِ بن مالكٍ. وهِي رِوايةٌ عن عائشةَ (٤) .

    وقال آخرُونَ: لا تَغتسِلُ إلّا من طُهرٍ إلى طُهرٍ (٥) . رُوِي ذلك عن طائفةٍ من أهلِ المدِينةِ.

    وقال آخرُونَ: لا تتوضَّأُ إلّا عندَ الحدَثِ. وهُو قولُ عِكْرِمةَ، ومالكِ بن أنسٍ. إلّا أنَّ مالكًا يستحِبُّ لها الوُضُوءَ عندَ كلِّ صلاةٍ (٦) .

    وقال آخرُونَ: تَدَعُ المُسْتَحاضةُ الصلاةَ أيامَ أقرائها، ثُمَّ تَغتسِلُ، وتَتَوضَّأُ لكلِّ صَلاةٍ وتُصلِّي.

  8. واحتَجُّوا بحديثِ شَرِيكٍ، عن أبي اليَقْظانِ، عن عدِيِّ بن ثابتٍ، عن

    ج ١٠ ص ١٣٢أبيه، عن جَدِّهِ، عنِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في المُسْتَحاضةِ: "تَدَعُ الصَّلاةَ أيام أقرائها، ثُمَّ تغتسِلُ، وتُصلِّي، وتتوضَّأُ عندَ كلِّ صلاةٍ، وتصومُ، وتُصلِّي" (١) .

  9. وبحديثِ حبِيبِ بن أبي ثابتٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ: أنَّ فاطِمةَ ابنة أبي حُبَيشٍ أتَتْ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسُولَ الله، إنِّي أُسْتَحاضُ فلا ينقطِعُ عنِّي، فأمَرَها أن تَدَع الصَّلاةَ أيام أقرائها، ثُمَّ تغتسِلَ وتَتَوضَّأَ لكلِّ صَلاةٍ، وتُصلِّيَ وإن قطَرَ الدَّمُ على الحَصِيرِ (٢) .

  10. وبما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وأحمدُ بن قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا يحيى بن هاشِم، قال: حدَّثنا هشامُ بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: جاءَت فاطِمةُ ابنةُ أبي حُبَيشٍ إلى رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسُولَ الله، إنِّي امرأةٌ أُسْتَحاضُ، فلا أطهُرُ، أفأدَعُ الصَّلاةَ؟ قال: "لا، إنَّما هُو عِرْقٌ، وليسَ بالحَيْضةِ، فإذا أقْبَلتِ الحَيْضةُ، فدَعِي الصَّلاةَ، وإذا أدبرَتْ فاغسِلي عنكِ الدَّم، وتَوضَّئي عندَ كلِّ صَلاةٍ وصلِّي" (٣) .

  11. ورِوايةُ أبي حنِيفةَ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ لهذا الحديثِ، كرِوايةِ يحيى بن هاشم (١) سواءً، قال فيه: "وتَوضَّئي لكلِّ صَلاةٍ" . وكذلك رِوايةُ حمّادِ بن سَلَمةَ، عن هشام أيضًا، بإسنادِهِ مِثلهُ (٢) . وحمّادُ بن سلمةَ في هشام بن عُروةَ ثَبْتٌ ثِقةٌ.

    ج ١٠ ص ١٣٣
  12. وأمّا سائرُ الرُّواةِ لهُ عن هشام بن عُروةَ، فلم يذكُرُوا فيه: الوُضُوءَ لكلِّ صلاةٍ: لا مالكٌ، ولا اللَّيثُ، ولا ابنُ عُيينةَ، ولا غيرُهُم، إلّا من ذكرتُ لك، فيما عَلِمت.

  13. وروى شُعبةُ قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن مَيْسرةَ، والمُجالِدُ بن سعِيدٍ، وبيانٌ، قالوا: سمِعنا عامرًا الشَّعبِي يُحدِّثُ، عن قُمَيرَ امرأةِ مسرُوقٍ، عن عائشةَ، أنَّها قالت في المُسْتَحاضةِ: تَدَعُ الصَّلاةَ أيامَ حَيْضتِها وتغتسِلُ غُسلًا واحِدًا، ثُمَّ تتوضَّأُ عندَ كلِّ صَلاةٍ (٣) .

  14. ورَوَى الثَّورِيُّ، عن فِراسٍ وبيانٍ، عنِ الشَّعبِيِّ، عن قُمَيرَ، عن عائشةَ مِثلهُ (٤) .

    قالوا: فلمّا رُوِي عن عائشةَ: أنَّها أفتَتْ بعدَ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- في المُستحاضةِ: أنَّها تتوضَّأُ لكلِّ صلاةٍ -فقد كان رُوِي عنها مرفوعًا ما تقدَّمَ ذِكرُهُ، من حُكم المُستحاضةِ: أنَّها تَغْتسِلُ لكلِّ صلاةٍ. ومن حُكمِها أنَّها تجمعُ بينَ الصَّلاتينِ بغُسل واحِدٍ- عَلِمنا بفتواها وجَوابِها، بعدَ وفاةِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أنَّ الذي أفتَتْ به، هُو النّاسخُ عندَها؛ لأنَّهُ لا يجُوزُ عليها أن تدَعَ النّاسِخَ، وتُفتِيَ بالمنسُوخ، ولو فعلَتْ لسقطَتْ رِوايتُها.

  15. فهذا وجهُ تهذِيبِ الآثارِ في هذا المعنى.

    ج ١٠ ص ١٣٤قالوا: وأمّا حديثُ أُمِّ حبِيبةَ وقِصَّتُها، فمُختَلَفٌ فيه، وأكثرُهُم يقولُون فيه: إنَّها كانت تغتسِلُ، من غيرِ أن يأمُرها بذلك رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-. وهذا قد يَجُوزُ أن تكونَ أرادَتْ به العِلاج، ويَجُوزُ أن تكونَ مِمَّن لا تعرِفُ أقراءَها، ولا إدبارَ حَيْضتِها، ويكونُ دمُها سائلًا، وإذا كان كذلك، فليسَتْ صلاةٌ إلّا وهي تَحتمِلُ أن تكونَ عندَها طاهِرًا من حيضٍ، فليسَ لها أن تُصلِّيها إلّا بعدَ الاغتِسالِ، فلِذلك أُمِرَتْ بالغُسلِ.

  16. والمُسْتحاضةُ قد تكونُ استِحاضتُها على مَعانٍ مخُتلِفة:
  17. فمنها: أن تكونَ مُسْتحاضةً قدِ استَمرَّ بها الدَّمُ، وأيامُ حَيْضتِها معرُوفةٌ، فسبِيلُها أن تدَعَ الصَّلاةَ أيام حَيْضتِها، ثُمَّ تغتسِلَ وتتوضَّأَ بعد ذلك لكلِّ صلاةٍ.

  18. ومنها: أن تكونَ مُسْتحاضةً، قدِ استمرَّ بها دمُها، فلا ينقطِعُ عنها، وأيامُ حَيْضتِها قد خفِيَتْ عليها، فسبِيلُها أن تغتسِلَ لكلِّ صلاةٍ؛ لأنَّهُ لا يأتي عليها وقتٌ، إلّا احتملَ أن تكون فيه حائضًا، أو طاهِرًا من حيضٍ، أو مُستحاضةً، فيُحتاطُ لها، فتُؤمرُ بالغُسلِ.

  19. ومنها: أن تكونَ مُسْتحاضةً، قد خفِيَتْ عليها أيامُ حَيْضتِها، ودَمُها غيرُ مُستمِرٍّ بها، يَنْقطِعُ ساعةً، ويعُودُ بعدَ ذلك، تكونُ هكذا في أيامِها كلِّها، فتكونُ قد أحاطَ عِلمُها: أنَّها في وَقْتِ انقِطاع دَمِها طاهِرٌ من محيضٍ طُهْرًا يُوجِبُ عليها غُسلًا، فلَها إذا اغتسلت أن تُصلِّي في حالِها تلك ما أرادَتْ من الصَّلواتِ، بذلك الغُسلِ، إن أمكَنَها ذلك.

    قالوا: فلمّا وجَدْنا المرأةَ قد تكونُ مُسْتحاضةً لكلِّ وَجْهٍ من هذه الوُجُوهِ التي مَعانِيها وأحكامُها مُختلِفةٌ، واسمُ الاسْتِحاضةِ يجمعُها، ولم يكُن في حديثِ عائشةَ تِبيانُ اسْتِحاضةِ تِلك المرأةِ، لم يَجُز لنا أن نحمِلَ ذلك على وجهٍ من تلك الوُجُوهِ،

    ج ١٠ ص ١٣٥دُونَ غيرِها إلّا بدليلٍ، ولا دليلَ إلّا ما كانت عائشةُ تُفتِي به في المُستحاضةِ: أنَّها تَدَعُ الصَّلاةَ أيام حَيْضتِها، ثُمَّ تغتسِلُ غُسلًا واحِدًا، ثُمَّ تتوضَّأُ عندَ كلِّ صلاةِ.

  20. هذا كلُّهُ من حُجّةِ من يَنْفِي إيجابَ الغُسلِ على (١) كلِّ مُستحاضةٍ لكلِّ صلاةٍ.

  21. وهِي (٢) جُملةُ مَذهبِ أبي حَنِيفةَ وأصحابِهِ، والثَّورِيِّ، ومالكٍ، واللَّيثِ، والشّافعيِّ، والأوزاعِيِّ، وعامّةِ فُقهاءِ الأمْصارِ.

  22. إلّا أنَّ مالكًا (٣) يَسْتحِبُّ للمُسْتحاضةِ الوُضُوءَ لكلِّ صلاةٍ، ولا يُوجِبُهُ عليها، وسائرُ من ذكَرْنا يُوجِبُ الوُضُوءَ عليها لكلِّ صلاةٍ فرضًا، كما يُوجِبُهُ على سَلِسِ البَوْلِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قد تَعبَّدَ من ليسَ على وُضُوءٍ من عِبادِهِ المُؤمِنِينَ، إذا قامَ إلى الصَّلاةِ أن يتوضَّأ، وسَلِسُ البَوْلِ والمُسْتحاضةُ ليسا على وُضُوءٍ، فلمّا أُمِرا جميعًا بالصَّلاةِ، ولم يَكُن حدَثُهُما الدّائمُ بهما يَمْنعُهُما من الصَّلاةِ، وكان عليهما أن يُصلِّيا على حالِهِما، فكذلك يتوضَّآنِ للصَّلاةِ، لأنَّ الحدَثَ يقطعُ الصَّلاةَ بإجماع من العُلماءِ، وعلى صاحِبِهِ أن ينصرِفَ من صلاتِهِ من أجلِهِ، والمُستحاضةُ مأمُورةٌ بالصَّلاةِ، وكذلك سَلِسُ البولِ، لا ينصرِفُ واحِدٌ منهُما عن صِلاتِهِ، بل يُصلِّي كلُّ واحِدٍ منهُما على حالِهِ، فكذلك يتَوضَّأُ وهُو على حالِهِ، لا يضُرُّهُ دوامُ حَدَثِهِ لوُضُوئهِ، كما لا يضُرُّهُ لصَلاتِهِ، لأنَّهُ أقْصَى ما يَقدِرُ عليه، فكما لا تسقُطُ عنهُ الصَّلاةُ، فكذلك لا يسقُطُ عنهُ الوُضُوءُ لها.

  23. هذا أقوَى ما احتجَّ به من أوجبَ الوُضُوءَ على هؤُلاءِ لكلِّ صلاةٍ.

  24. وأمّا مالكٌ، فإنَّهُ لا يُوجِبُ على المُستحاضةِ، ولا على صاحِبِ السَّلَسِ وُضُوءًا؛ لأنَّهُ لا يرفع به حَدَثًا.

  25. وقد قال عِكرِمةُ وأيُّوبُ وغيرُهُما: سواءٌ دمُ الاستِحاضةِ، أو دمُ جُرح، لا يُوجِبُ شيءٌ من ذلك وُضُوءًا.

    ج ١٠ ص ١٣٦
  26. وروى مالكٌ (١) ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه أنَّهُ قال: ليسَ على المُستحاضةِ إلّا أن تغتسِلَ (٢) غُسلًا واحِدًا، ثُمَّ تتوضَّأ بعد ذلك لكلِّ صلاةٍ.

    قال مالكٌ (٣) : والأمرُ عندَنا على حديثِ هشام بن عُروةَ، عن أبيه، وهُو أحبُّ ما سَمِعتُ إليَّ.

  27. والوُضُوءُ عليها عندَهُ استِحبابٌ، على ما ذكَرْنا عنهُ؛ لأنَّهُ لا يرفعُ الحدَثَ الدّائم، فوَجْهُ الأمرِ به الاستِحبابُ، والله أعلمُ.

  28. وقدِ احتجَّ بعضُ أصحابِنا على سُقُوطِ الوُضُوءِ، بقولِ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- لفاطِمةَ بنتِ أبي حُبَيشٍ: "فإذا ذهَبَ قدرُ الحَيْضةِ، فاغْتَسِلي وصلِّي" (٤) . ولم يذكُر وُضُوءًا، ولو كان الوُضُوءُ واجِبًا عليها، لما سكتَ عن أن يأمُرَها به.

  29. ومِمَّن قال بأنَّ الوُضُوءَ على المُستحاضةِ غيرُ واجِبٌ: رَبِيعةُ، وعِكرِمةُ (٥) ، وأيُّوبُ، وطائفةٌ، واللهُ المُوفِّقُ للصَّوابِ.

  30. وأمّا الأحادِيثُ المرفُوعةُ في إيجابِ الغُسلِ لكلِّ صلاةٍ، وفي الجمع بين الصَّلاتينِ بغُسلٍ واحِدٍ، وفي الوُضُوءِ (٦) لكلِّ صَلاةٍ على المُستحاضةِ، فكلُّها مُضطرِبةٌ، لا تجِبُ بمِثلِها حُجّةٌ.

  31. نافعٌ، عن زيدِ بن عبدِ الله بن عُمرَ حديثٌ واحِدٌ، وهُو حديثٌ خامِسُ سبعين لنافع

    مالكٌ (١) ، عن نافع، عن زيدِ بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، عن أمِّ سلَمةَ زوجِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "الذي يشرَبُ في آنِيةِ الفِضّةِ، إنَّما يُجرجِرُ في بَطنِهِ نارَ جهنَّم" .

    ج ١٠ ص ١٣٧
  32. هكذا روى مالكٌ هذا الحديثَ، بهذا الإسنادِ، بلا شكٍّ في شيءٍ منهُ (٢) ، إلّا ابنَ وَهْبٍ، رواهُ عن مالكٍ، عن نافع، عن زيدِ بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن عبدِ الله بن عبدِ الله بن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ (٣) . فلم يصنع ابنُ وَهْبٍ شيئًا.

  33. والصَّوابُ عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديثِ، ما رواهُ يحيى، وجُمهُورُ رُواةِ "المُوطَّأ" عن مالكٍ، عن نافع، عن زيدِ بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي بكر، عن أُمِّ سلَمةَ، عنِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-.

  34. وكذلك رواهُ عُبيدُ الله بن عُمرَ، كما رواهُ مالكٌ سَواءً؛ أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عليُّ بن المدِينيِّ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمرَ، قال: أخبرني نافعٌ، عن زيدِ بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي بكرٍ، عن أُمِّ سلمةَ، عنِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، قال: "الذي يَشْربُ في إناءٍ من فِضّةٍ، فإنَّما يُجرجِرُ في بَطنِهِ نارَ جهنَّمَ" (٤) .

    ج ١٠ ص ١٣٨قال عليٌّ: عبدُ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي بكرٍ، كانت عائشةُ عمَّتَهُ لأبيه وأُمِّهِ، وكانت أُمُّ سلَمةَ خالَتَهُ، أُختَ أُمِّهِ لأبِيها وأُمِّها، أمُّهُ قُرَيْبةُ (١) بنتُ أبي أُميّةَ. قال عليٌّ: ولا أعلمُ أحدًا كان يدخُلُ على زَوْجتينِ من أزواجِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، إحداهُما عمَّتُهُ، والأُخرَى خالتُهُ، غيرَهُ.

  35. ورواهُ ابنُ عُليّةَ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن زيدِ بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن عبدِ الرَّحمنِ، أو عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أُمِّ سلمةَ، على الشَّكِّ (٢) .

  36. والصَّوابُ ما قالهُ مالكٌ، إلّا (٣) أنَّهُ اختُلِفَ عنهُ في: عبدِ الله بن عبدِ الله بن أبي بكرٍ، أو عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي بكرٍ.

  37. وقال القعنبِيُّ (٤) ، وطائفةٌ فيه كما قال يحيى.

  38. وإن كان عبدَ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، فهُو أبو عَتِيقٍ (٥) ، وأُمُّ سلَمةَ خالتُهُ.

  39. ورَوَى هذا الحديثَ شُعبةُ، عن سعدِ بن إبراهيمَ، عن نافع، عنِ امْرأةِ ابنِ عُمرَ، عن عائشةَ، عنِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، قال: "الذي يشرَبُ في إناءِ الفِضّةِ، أو إناءٍ من فِضّةٍ، إنَّما يُجرجِرُ في بَطنِهِ نارًا" .

    ج ١٠ ص ١٣٩
  40. حدَّثناهُ أحمدُ بن قاسم بن عيسى، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا البَغوِيُّ (١) ، قال: حدَّثنا يعقُوبُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا غُندرٌ، قال: حدَّثنا شُعبةُ. فذكرهُ بإسنادِهِ.