جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم

٢٨٤ فقرة، ج ٢ ص ٦٩

الصفحة ٢ من ٨

  1. وقد رُوِيَ عن عليِّ بن أبي طالبٍ (١) ، وعبدِ الله بن مسعودٍ (٢) ، أنهما قالا: ما أُبالي بأيِّ أعضائي بدَأْتُ في الوضوء إذا أتمَمْتُ وضوئي، وهم أهلُ اللِّسان، ولم يَبِنْ لهم من الآية إلّا معنَى الجَمع لا معنَى التَّرتيب، وقد أجمَعوا أنّ غَسلَ الأعضاءِ كلِّها مأمورٌ به في غُسْلِ الجَنابةِ، ولا ترتيبَ في ذلك عندَ الجميع، فكذلك غُسلُ أعضاءِ الوضوء لأنّ المعنى في ذلك الغَسلُ لا التَّبديةُ، وقد قال الله

    ج ٢ ص ٨٤عزَّ وجلَّ: {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران: ٤٣] .

    ج ٢ ص ٨٣
  2. ومعلومٌ أنّ السجودَ بعدَ الركوع، وإنّما أرادَ الجمعَ لا الرُّتبة. هذا جُملةُ ما احتجَّ به من احتَجَّ للقائلين بما ذكَرنا.

  3. وأما الذين ذهَبوا إلى إبطال وُضوءِ مَن لم يأت بالوُضوء على ترتيب الآية، وإبطالِ صلاتِه إنْ صلَّى بذلك الوُضوء المنكُوسِ - منهم الشافعيُّ وسائرُ أصحابِه والقائلين بقوله إلّا المُزنيَّ، ومنهم أحمدُ بن حنبلٍ، وأبو عبيدٍ القاسمُ بن سلّامٍ، وإسحاقُ ابن راهويَة، وأبو ثَورٍ، وإليه ذهَب أبو مصعبٍ صاحبُ مالكٍ، ذكَره في "مختصَرِه" وحكَاه عن أهل المدينة ومالك معهم - فمن الحُجَّةِ لهم أنّ الواو تُوجِبُ الرُّتبةَ والجمعَ جميعًا. وحكَى ذلك بعضُ أصحابِ الشافعيِّ، في كتاب "الأصول" ، له، عن نحويِّي الكوفةِ: الكِسائيِّ، والفَرَّاء، وهشام بن معاويةَ، أنّهم قالوا في واو العطف: إنّها تُوجِبُ الجَمْعَ، وتدُلُّ على تَقدِمة المُقدَّم في قولهم: أَعْطِ زيدًا وعَمْرًا، قالوا: وذلك زيادةُ بيانٍ (١) في فائدة الخطاب مع الجمع.

    قالوا: ولو كانت الواوُ تُوجِبُ الرُّتبةَ أحيانًا ولا تُوجِبُها أحيانًا، ولم يكنْ بُدٌّ من بيان مُرادِ الله عزَّ وجلَّ في الآية على ما زعَمَ مُخالفُونا، لكانَ في بيانِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لذلك بفعلِه ما يُوجِبُه؛ لأنه مُذ بعَثَه الله إلى أن ماتَ لم يَتوضَّأ إلّا على الترتيب، فصارَ ذلك فرضًا؛ لأنّه بيانٌ لمرادِ الله عزَّ وجلَّ فيما احتملَ التَّأويلَ من آيةِ الوضوء، كتَبيينه عددَ الصلوات، ومقدارَ الزَّكوات، وغيرَ ذلك من بيانِه للفرائضِ المُجمَلاتِ التي لم يُختلَفْ أنّها مفروضاتٌ، فمَن توضَّأ على غير ما كان يفعَلُه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يُجْزِئْه؛ بدليلِ قوله - صلى الله عليه وسلم -: "كلُّ عملٍ ليس عليه أمرُنا (٢)

  4. فهو رَدٌّ " (١) . وبدليل قوله أيضًا وقد توضَّأ على الترتيب: " هذا وضوءٌ لا يَقبَلُ الله صلاةً إلّا به" (٢) .

    قالوا: وأمّا الحديثُ عن عليٍّ وابن مسعودٍ، فغيرُ صحيحٍ عنهما؛ لأنّ حديثَ عليٍّ انفردَ به عبدُ الله بن عَمْرو بن هندٍ الجَمَليُّ، ولم يَسمَعْ من عليٍّ، والمُنقطعُ من الحديث لا تجِبُ به حُجَّةٌ.

    قالوا: وكذلك حديثُ عبد الله بن مسعودٍ أشدُّ انقطاعًا؛ لأنّه لا يُوجَدُ إلّا من روايةِ مُجاهدٍ عن ابن مسعودٍ، ومُجاهدٌ لم يَسمَعْ من ابن مسعودٍ، ولا رآه، ولا أدرَكه. وهو أيضًا حديثٌ مختلَفٌ فيه؛ لأنّ عبدَ الرزاق ومحمدَ بن بكرٍ البُرْسانيَّ رَوَياه عن ابن جُرَيْج، عن سُليمانَ الأحول، عن مُجاهدٍ، عن ابن مسعودٍ قال: ما أُبالي بأيِّهما بدأتُ، باليُمنَى أو باليُسرَى (٣) .

    ج ٢ ص ٨٥
  5. ورواه حفصُ بن غِيَاثٍ، عن ابن جُريج، عن سليمانَ بن موسَى، عن مُجاهدٍ، قال: قال عبد الله بن مسعودٍ: لا بأسَ أنْ تبدأ بيدَيكَ قبلَ رجلَيكَ (٤) .

    ج ٢ ص ٨٦قالوا: وعبدُ الرَّزَّاق أثبَتُ في ابن جُريج من حفص بن غِيَاثٍ، وقد تابَعَه البُرْسانيُّ، وليس في روايتِهما ما يُوجِبُ تقديمًا ولا تأخيرًا؛ لأنّ اليُمنى واليُسرى لا تنازُعَ بين المُسلمين في تَقْديم إحداهُما على الأُخرى؛ لأنّه ليسَ فيهما نَسَقٌ بواو، وقد جمعهما الله بقوله: {وَأَيْدِيَكُمْ} ، وهذا لم يُختلَفْ فيه فيُحتاجَ إليه.

    قالوا: وقد رُوِيَ عن عليِّ بن أبي طالب أنّه قال: أنتم تقرؤون الوصيّةَ قبلَ الدَّين، وقَضَى رسولُ الله بالدَّين قبلَ الوَصيَّة (١) ، وهو مشهورٌ ثابتٌ عن عليٍّ رضي الله عنه (٢) .

    قالوا: فهذا عليٌّ قد أوجَبَت عندَه "أو" التي هي في أكثر أحوالِها بمعنى الواو، القَبلَ والبَعدَ؛ فالواوُ عندَه أحرَى بهذا وأولَى لا محالةَ؛ لأنّ الواوَ أقوَى عملًا في العطف من "أو" عندَ الجميع.

  6. ومن الحُجَّةِ لهم أيضًا ما أخبَرنا به عبدُ الوارثِ بن سفيان، قال: حدَّثنا أحمدُ بن دُحيم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حمادٍ، قال: حدَّثنا عمِّي إسماعيلُ بن إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبد الوهاب، قال: أخبرنا عطَّافُ بن خالدٍ، قال: أخبرني

    ج ٢ ص ٨٧إبراهيمُ بن مسلم بن أبي حُرَّةَ، عن عبد الله بن عباس، قال: ما نَدِمتُ على شيءٍ لم أكنْ عَمِلْتُ به؛ ما نَدِمتُ على المشي إلى بيتِ الله ألّا أكونَ مشَيتُ؛ لأني سمعتُ الله عزَّ وجلَّ يقولُ حين ذكر إبراهيمَ وأمَرَه أن يُناديَ في الناس بالحجِّ، قال: {يَأْتُوكَ رِجَالًا} [الحج: ٢٧] (١) . فبدأ بالرِّجال قبلَ الرُّكبان. فهذا ابنُ عباسٍ قد صرَّحَ بأنّ الواوَ تُوجِبُ عندَه القَبلَ والبَعدَ والتَّرتيبَ.

  7. وأخبرنا خلفُ بن القاسم، قال: أخبرنا عبدُ الله بن جعفرِ بن الوَردِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمد بن سلّام، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بن أبي العوّام، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا أيوبُ بن مُدركٍ، عن أبي عُبيدةَ، عن عونِ بن عبد الله، في قوله عزّ وجلّ: {وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} [الكهف: ٤٩] . قال: ضَجَّ والله القومُ من الصِّغار قبلَ الكبار. فهذا أيضًا مثلُ ما تقدَّمَ عن ابن عباسٍ سواءً (٢) .

    قالوا: وليس الصلاةُ والزكاةُ في التَّقدمَة في معنى هذا الباب في شيءٍ؛ لأنهما فرضَان مختلفان؛ أحدُهما في مالٍ، والثاني في بَدَنٍ، وقد يجِبُ الواحدُ على مَن لا يجبُ عليه الآخَرُ، وكذلك الدِّيةُ والرَّقبةُ شيئان لا يُحتاجُ فيهما إلى الرُّتبة. وأما الطهارةُ ففرضٌ واحدٌ مرتبطٌ بعضُه ببعض كالرُّكوعِ والسُّجود، وكالصَّفا والمَرْوةِ اللذيْن أُمِرْنا بالتَّرتيبِ فيهما.

    ج ٢ ص ٨٨قالوا: والفرقُ بينَ جمعِ زيدٍ وعَمْرٍو في العطاءِ، وبين أعضاءِ الوضوء؛ لأنّه (١) يُمكن أن يُجمعَ بينَ عمرٍو وزيدٍ معًا في عطيّةٍ واحدةٍ، وذلك غيرُ متمكِّنٍ في أعضاءِ الوضوءِ إلّا على الرُّتبة. فالواجبُ ألّا يُقدَّمَ بعضُها على بعضٍ؛ لأنّ رسولَ الله لم يفعلْ ذلك منذُ افترض (٢) الله عليه الوضوءَ إلى أنْ تُوفِّي - صلى الله عليه وسلم -، ولو كان ذلك جائزًا لفَعَله - صلى الله عليه وسلم - ولو مرَّةً واحدةً؛ لأنّه كان إذا خُيِّرَ في أمرَيْن أخَذَ أيسرَهما، فلما لم يفعَلْ ذلك، علِمْنا أنّ الرُّتبةَ في الوضوءِ كالرُّكوع والسجود، ولا يجوزُ أنْ يُقدَّمَ السُّجودُ على الركوع بإجماع.

  8. واحتجُّوا أيضًا بأنّ الواوَ في آيةِ الوضوءِ في الأعضاءِ كلِّها معطوفةٌ على الفاءِ في قوله: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} الآية [المائدة: ٦] . قالوا: وما كان معطوفًا على الفاءِ، فحُكمُه حكمُ الفاءِ، بواوٍ كان معطوفًا أو بغير واوٍ؛ لأنّ أصلَه العطفُ على الفاءِ، وحُكمُها إيجابُ الرُّتبة والعَجَلَةِ. قالوا: وحروفُ العطفِ كلُّها قد أجمعُوا أنّها تُوجِبُ الرُّتبةَ إلّا الواوَ، فإنّهم قد اختلَفُوا فيها، فالواجبُ أن يكونَ حُكمُها حُكمَ أخواتها من حروفِ العطف في إيجابِ التَّرتيب.

  9. وأمّا قولُ الله عزَّ وجلَّ: {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران: ٤٣] . فجائزٌ أن يكونَ عبادتُها في شريعَتِها الرُّكوعَ بعدَ السُّجودِ، فإنْ صحَّ أنّ ذلك ليس كذلك، فالوجهُ فيه أنّ اللهَ عزَّ وجلَّ أمَرَها أولًا بالقُنُوتِ، وهو الطاعةُ، ثم السجودِ، وهي الصلاةُ بعينِها، كما قال: {وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [ق: ٤٠] . أي: أدبارَ الصَّلوات، ثم قال (٣) : {وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} أي: اشكُري مع الشاكرين. ومنه قول الله تعالى: {وَخَرَّ رَاكِعًا} [ص: ٢٤] . أي: سجَدَ شُكرًا لله.

  10. وكذلك قال ابنُ عباسٍ غيرُه: هي سجدةُ شُكرٍ. واحتجُّوا أيضًا بقولِ الله عزَّ وجلَّ: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: ٧٧] . مع إجماع المسلمين أنّه لا يجوزُ لأحدٍ أن يسجُدَ قبلَ أن يركَعَ. قالوا: فهذه الواو قد أوجَبَتِ الرُّتبةَ في هذا الوضعِ من غير خلافٍ.

    ج ٢ ص ٨٩
  11. واحتجُّوا أيضًا بقول الله عزَّ وجلَّ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: ١٥٨] . مع قول رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "نبدأُ بما بدَأ الله به" . ورجَّحوا قولهم بأنّ الاحتياطَ في الصلوات واجبٌ، وهو ما قالوه؛ لأنّ مَن صلَّى بعدَ أن توضَّأ على النَسَقِ كانت صلاتُه تامةً بإجماع.

    قالوا: ومن الدليل على ثبوتِ الترتيب في الوضوءِ دخولُ المسح بينَ الغَسْل؛ لأنّه لو قدَّم ذِكرَ الرِّجلَينِ وأخَّرَ مسْحَ الرأسِ لَما فُهِمَ المرادُ من تقديم المَسح، فأدخَلَ المَسْحَ بين الغَسْلَين ليُعلِمَ أنّه مُقدَّمٌ عليه ليُثبتَ ترتيبَ الرأس قبلَ الرِّجلين، ولولا ذلك لقال: فاغسِلُوا وجوهَكم وأيديَكم وأرجُلَكم، وامسَحوا برءوسِكم، ولَما احتاجَ أن يأتيَ بلفظٍ مُلْتَبس مُحتمِلٍ للتأويلِ لولا فائدةُ التَّرتيبِ في ذلك؛ ألا ترَى أنّ تقديمَ ذِكْرِ الرأس ليس على مَن جعل الرِّجلَين ممسُوحَتَين، فلفائدة وجوبِ الترتيبِ ورَدَتِ الآيةُ بالتَّقديم والتأخير، واللهُ أعلمُ. هذا جملةُ ما احتَجَّ به الشَّافعيُّون في هذه المسألة.

    قال أبو عُمر: أمّا ما ادَّعَوْه عن العَرَب، ونَسَبُوه إلى الفَرّاء والكسائيِّ وهشام، فليس بمشهورٍ عنهم، والذي عليه جماعةُ أهل العربية أنّ الواوَ إنّما تُوجبُ التَّسويةَ، وأمّا ما ذكَرُوه من آيةِ الوصيَّةِ والدَّيْنِ فلا معنَى له؛ لأنّ المالَ إذا كان مأمُونًا وبدَرَ الورثةُ فنفَّذوا الوصيَّةَ قبلَ أداءِ الدَّين، ثم أدَّوا الدَّينَ بعدُ من مالِ الميتِ، لم تَجِبْ عليهم إعادةُ الوصيَّةِ، ولو نفَّذوا الوصيَّةَ ولم يكُنْ في المالِ ما يُؤدَّى منه الدَّينُ، وكانوا قد علِمُوا به ضمِنُوا؛ لأنّهم قد تعَدَّوا، وكذلك قولُه: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} . ولسنا نُنكِرُ إذا صحِبَ الواوَ بيانٌ يدُلُّ على التَّقدمة أنَّ ذلكَ كذلكَ لمَوْضعِ البيان،

    ج ٢ ص ٩٠وإنّما قلنا: إنَّ حقَّ الواو في اللُّغة التَّسويةُ لا غيرُ، حتى يأتيَ إجماعٌ يدُلُّ على غير ذلك ويُبيِّنُ المرادَ فيه. والإجماعُ في آيةِ الوضوءِ معدومٌ، بل أكثرُ أهلِ العلم على خلافِ الشافعيِّ في ذلك، معَ ما رُوِيَ في ذلك عن عليٍّ وابن مسعود.

  12. وأمّا ما ادَّعَوه من أنّ فِعْلَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في الآيةِ بيانٌ، كبَيانِه ركَعاتِ الصلواتِ، فخطَأٌ؛ لأنّ الصلواتِ فرضُها مُجمَلٌ لا سبيلَ إلى الوصولِ لمُرادِ الله منها إلّا بالبيان، فصارَ البيانُ فيها فرضًا بإجماعٍ، وليس آيةُ الوضوءِ كذلك؛ لأنّا لو تُرِكْنا وظاهِرَها، كان الظاهرُ يُغْنِينا عن غيرِه؛ لأنّها مُحكمَةٌ مُستَغْنيةٌ عن بيانٍ، فلم يكُنْ فعلُه فيها - صلى الله عليه وسلم - إلّا على الاستحبابِ وعلى الأفضل، كما كان يَبْدأُ بيَمينه قبلَ يسارِه، وكان يُحبُّ التَّيامُنَ في أمرِه كلِّه، وليس ذلك بفرْضٍ عندَ الجميع.

  13. وأمّا ما احتَجُّوا به من قول الله عزَّ وجلّ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} مع قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نبدَأُ بما بدأ اللهُ به" . فلا حُجَّةَ فيه؛ لأنّا كذلك نقولُ: نبدأُ بما بَدَأ الله به. هذا الذي هو أولى، ولسنا نختلفُ في ذلك، وإنّما الخلافُ بيننا وبينهم فيمَنْ لم يبدأْ بما بَدَأ الله به، هل يفسُدُ عملُه في ذلك أم لا؟ وقد أَرَيْناهُم أنّه لا يفسُدُ بالدلائلِ التي ذكَرنا، على أنّ قوله - صلى الله عليه وسلم -: "نبدأُ بما بَدَأ الله به" ظاهِرُه أنّه سُنّةٌ، واللهُ أعلمُ؛ لأنّ فعلَه ليس بفَرضٍ إلّا أن يصحَبَه دليلٌ يُدخِلُه في حيِّز الفُرُوض. ولو كان فَرْضًا لقال: ابدَءوا بما بَدَأ الله. يأمُرُهم بذلك. ولفظُ الأمر في هذا الحديث لا يُوجدُ إلا من رواية من يُحتجُّ به.

  14. وهذا الإدخالُ والاحتجاجُ على غير مذهَبِ أصحابِنا المالكيِّين؛ لأنهم يذهبُون إلى أنَّ أفعالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الوجوبِ أبدًا، حتى يقومَ الدليلُ على أنّها أُريدَ بها النَّدْبُ. وهذه المسألةُ خارجةٌ على مذهَبِهم عن أصلهم. هذا وقد يَنفصلُ من هذا بما يطولُ ذِكرُه. وقد يحتَمِلُ أن يُحتَجَّ بقولِه - صلى الله عليه وسلم -: "نبدأُ بما بَدَأ الله به" . على أنّ الواوَ لا تُوجِبُ التَّرتيبَ؛ لأنّها لو كانت تُوجِبُ التَّرتيبَ لم يحتَجْ رسولُ الله أنْ يقولَ لهم:

    ج ٢ ص ٩١"نبدَأُ بما بَدأ اللهُ به" ؛ لأنهم أهلُ اللِّسانِ الذي نزَلَ القرآنُ به، فلو كان مفهومًا في فَحْوَى الخطابِ أنّ الواوَ تُوجِبُ القَبْلَ والبَعْدَ ما احْتاجَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، واللهُ أعلمُ، أن يُبيِّن لهم ذلك، وإنّما بيَّن لهم ذلك لأنّ المرادَ كانَ من السَّعْي بين الصفا والمروة، أن يبدأَ فيه بالصَّفا، ولم يكنْ ذلك بَيِّنًا في الخطاب، فبيَّنَه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -.

  15. وقد اختلفَ الفُقهاءُ فيمَنْ نكَّسَ السَّعْيَ بين الصَّفا والمَرْوة فبَدأ بالمروةِ قبلَ الصَّفا؛ فقال منهم قائلون: لا يُجزِئُه، وعليه أن يُلْغيَ ابْتداءَه بالمَرْوة ويَبْنيَ على سَعْيِه من الصَّفا ويَخْتُمَ بالمروة، منهم: مالكٌ، والشافعيُّ، والأوزاعيُّ، وأبو حنيفةَ، ومَن قال بقَولهم.

    وقال بعضُ العراقيِّين: يُجزِئُه ذلك. وإنّما الابتداءُ عندَهم بالصَّفا اسْتحبابٌ.

  16. وقد اختُلِفَ عن عطاءٍ؛ فرُوي عنه أنّه يُلْغِي الشَّوْطَ، وهو الذي عليه العملُ عندَ الفقهاء، ورُوِيَ عنه أنّه مَن جَهِلَ ذلك أجزَأ عنه. والحُجَّةُ لمالكٍ ومَن قال بقوله ما قدَّمنا ذِكْرَه.

  17. وأمّا تَرجيحُهم بالاحتياطِ في الصلاة، فأصْلٌ غيرُ مُطَّردٍ عند الجميع، ألا تَرَى أنّ الشافعيَّ لم يَرَ ذلك حُجَّةً في اختلاف نيّة المأموم والإمام، وفي الجُمُعة خَلفَ العَبْد، وفي الوضوءِ بما حَلَّت فيه النَّجاسةُ إذا كان فوقَ القُلَّتيْن ولم يتغيّر؟ وهذا كلُّه الاحتياطُ فيه غيرُ قوله، ولم يَرَ للاحتياطِ معنًى إذ قامَ له الدَّليلُ على صحَّة ما ذهبَ إليه، فكذلك لا معنى لِمَا ذكروه من الاحتياطِ مع ظاهرِ قولِ الله عزَّ وجلَّ، والمشهورِ من لسانِ العَرَب.

  18. وأمّا قولُهم: مَن فعَل فِعلَنا كان مُصلِّيًا بإجماع. فهذا أيضًا أصلٌ لا يُراعيه أحدٌ من الفقهاءِ مع قيامِ الدَّليل على ما ذهَب إليه.

  19. وأمّا قولهم: إنّ وجوبَ التَّرتيبِ أوجَبَ التَّقديمَ والتأخيرَ في آيةِ الوضوء، فظَنٌّ، والظَّنُّ لا يُغْني من الحقِّ شيئًا، والتَّقديمُ والتَّأخيرُ في القرآنِ كثيرٌ، وهو معروفٌ في لسانِ العَرب، مُتكرِّرٌ في كتاب الله، فليس في قولِهم ذلك شيءٌ يلزَم، واللهُ أعلمُ.

  20. أخبَرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المؤمن، قال: أخبَرنا أحمدُ بن سَلْمانَ النَّجَّادُ ببغدادَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمدَ بن حنْبلٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبد الله الأنصاريُّ، قال: حدَّثنا عَوْفُ بن أبي جَميلةَ الأعرابيُّ، قال: حدَّثني عبدُ الله بن عَمْرِو بن هندٍ الجَمَليُّ، أنّ عليًّا قال: ما أُبالي بأيِّ أعضائي بدَأْتُ إذا أتْمَمْتُ وُضوئي. قال عوفٌ: ولم يَسمَعْ من عليٍّ (١) .

    ج ٢ ص ٩٢
  21. وذكَر عبدُ الرَّزّاق، عن ابن جُريج، عن عطاءٍ، قال: أحَبُّ إليَّ أن يبدأَ بالأول فالأول؛ المَضمَضةِ، ثم الاستنشاقِ، ثم الوجه، ثم اليَدَين، ثم المسح على الرأس، ثم الرِّجلين. قال: فإن قدَّمَ شيئًا على شيءٍ، فلا حرجَ. وهو يكرهُه.

    قال أبو عُمر: قولُ مالكٍ مثلُ قولِ عطاءٍ سواءٌ، وأمّا على قولِ من لم يَرَ بتَنكيسِ السَّعي وتَنكيسِ الطَّواف بأسًا، فالحُجَّةُ عليه أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بَدَأ بالصَّفا وخَتَمَ بالمروة في السَّعي، وطافَ بالبيت على رُتْبته، ثم قال: "خذُوا عنِّي مناسِكَكم" (٢) . والحجُّ في الكتاب مُجمَلٌ، وبيانُه له كبيانِه لسائرِ المُجملاتِ من الصلواتِ والزَّكَوات، إلّا أن يُجمَعَ على شيءٍ من ذلك فيخرُجَ بدَليله، وبالله التوفيق.

  22. ذكَر عبدُ الرزاق (٣) ، عن الثوريِّ، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: دفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه السَّكِينةُ وأمرَهُم بالسَّكِينة وأن يوضعوا في وادي مُحَسّر وأمرهم بمثل حَصَى الخَذْف وقال: "خُذُوا عني مَناسككم لعلي لا أحج بعد عامي هذا" (٤) .

  23. حديثٌ ثالثٌ لجعفرِ بن محمد متّصلٌ

    مالكٌ (١) ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرِ بن عبد الله، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا وقَفَ على الصَّفا يُكبِّرُ ثلاثًا ويقولُ: "لا إله إلّا اللهُ وحدَه لا شَرِيكَ له، له المُلْكُ وله الحَمْدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ" . يصنَعُ ذلك ثلاثَ مراتٍ ويدعُو، ويصنَعُ على المَرْوة مثلَ ذلك.

    ج ٢ ص ٩٣
  24. في هذا الحديث أنَّ الوُقوفَ على الصَّفا والمَرْوة، والمشْيَ بينَهما والسَّعيَ، من شعائرِ الحجِّ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خُذوا عَنِّي مَناسِكَكم" . وفيه أنّ الصَّفا والمروةَ موضِعُ دعاءٍ تُرجَى فيه الإجابةُ.

  25. وفيه أنّ الدعاءَ يُفتَتَحُ بالتَّكْبيرِ والتَّهليل.

  26. وفيه أنّ عددَ التَّكبير في ذلك الموضعِ ثلاثٌ، والتَّهليلَ مرَّةٌ واحدةٌ، ثم الدُّعاءُ والذِّكْرُ. والدُّعاءُ في ذلك الموضِع وغيرِه من سائرِ مواقفِ الحجِّ مندوبٌ إليه، مُسْتَحبٌّ؛ لما فيه من الفضلِ ورجاءِ الإجابة، وليس بفَرض عند الجميع، ومَن زاد على ما ذُكِر في هذا الحديث من التكبير والتَّهليلِ والذِّكْرِ، فلا حَرَجَ، وأحَبُّ إليَّ استعمالُ ما فيه على حَسَبِه، وبالله التوفيقُ.

  27. وكذلك أُحِبُّ للمرتَقي على الصَّفا والمروةِ أن يَعْلُو عليهما حتى يَبْدُوَ له البيتُ؛ لما رواه عبدُ الرزاق، عن مالكٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يصعَدُ على الصَّفا والمروة حتى يَبْدُوَ له البيتُ (٢) .

  28. وهو حديثٌ انفَرَدَ به عبدُ الرزاق، عن مالكٍ. فإنْ لم يفعَلْ فلا حَرَجَ. وكذلك انفرد الوليدُ بن مسلم عن مالك، عن جَعْفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لمّا انتهى إلى المقام قرَأَ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: ١٢٥] فصلّى رَكْعتَيْنِ قَرأَ فيهما بفاتحة الكتاب و {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، ثم عاد إلى الرُّكنِ فاستلَمَه، ثم خرجَ إلى الصَّفا فقال: "نبدأُ بما بدأ الله به {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: ١٥٨] " . والذي انفردَ به الوليدُ وأغْرَبَ فيه عن مالك قولُه: "لمّا انتهى إلى مقام إبراهيم قرأ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} " ، وسائرُ ذلك في "الموطأ" .

    ج ٢ ص ٩٤
  29. حديث رابعٌ لجعفر بن محمد

    مالكٌ (١) ، عن جعفر بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابر، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا نَزَلَ بينَ الصَّفا والمَرْوة مَشَى، حتى إذا انصبَّتْ قَدَماه في بَطْنِ المَسِيلِ سَعَى حتى يخرجَ منه.

    ج ٢ ص ٩٥
  30. هكذا قال يحيى عن مالكٍ في هذا الحديث: إذا نَزَل بين الصَّفا والمروة. وغيرُه من رواة "الموطأ" يقول: إذا نَزَل من الصَّفا (٢) مشَى (٣) ، حتى إذا (٤) انصبَّتْ قَدَماه في بطن المسيلِ سَعَى حتى يخرُجَ منه.

  31. ولا أعلمُ لروايةِ يحيى وجهًا إلّا أن تُحمَلَ على ما رواه الناسُ؛ لأنّ ظاهرَ قوله نزَلَ بين الصَّفا والمروة يدُلُّ على أنّه كان راكبًا فنزَل بين الصَّفا والمروة. وقولُ غيرِه: نزَل من الصَّفا. والصَّفا جبلٌ، لا يحتَملُ إلّا ذلك، وقد يُمكنُ أن يكونَ شُبِّهَ على يحيى برواية ابن جُريج، عن أبي الزبير، عن جابرٍ، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - طافَ في حجَّةِ الوداع على راحلَتِه بالبيت وبينَ الصَّفا والمروة؛ ليَراه الناسُ، وليُشرِفَ لهم ليسألوه؛ لأنّ الناسَ غَشُوه (٥) . وهذا خبرٌ لم يَذْكُر فيه "وبين الصَّفا والمروة" غيرُ ابن جُرَيْج، وإنّما المحفوظُ في هذا حديثُ ابن شهابٍ، عن عُبيدِ الله بن عبد الله، عن ابن عباسٍ، أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - طاف بالبيت على راحِلَتِه يستَلِمُ الرُّكنَ بمِحْجَنِه (٦) .

  32. وهذا الحديثُ وإن كان ثابتَ الإسنادِ عندَهم (١) صحيحًا، فإنّ العلماءَ قد أجمَعوا على أنّه لم يكنْ لغيرِ عُذْرٍ وضرورةٍ.

    ج ٢ ص ٩٦
  33. واختَلفُوا في العُذْرِ؛ فقال سعيدُ بن جبيرٍ وطائفةٌ: كان شاكيًا - صلى الله عليه وسلم - (٢) .

    وقال آخرون: بل كان ذلك منه لشدَّةِ ما غَشِيَه من السّائلينَ ليُشْرِفَ لهم ويُعلِّمَهم ويُفَهِّمهم، وذلك في حين طَوافِه بالبيت، لا بين الصَّفا والمروة.

  34. وقد وَهِم فيه ابنُ جريجٍ حين ذكَر فيه الصَّفا والمروةَ؛ لأنّ ذلك كان منه في طوافِ الإفاضةِ، واللهُ أعلمُ.

  35. وحديثُ ابن جريج حدَّثناه عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا أحمدُ بن حنبلٍ، قال (٤) : حدَّثنا يحيى، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنّه سَمِعَ جابرَ بن عبد الله يقولُ: طاف النبيُّ عليه السلام في حَجَّةِ الوداع على راحلَتِه بالبيتِ وبين الصَّفا والمروة؛ ليَراه الناسُ وليسألُوه، فإنّ الناسَ غَشُوه.

    قال أبو عُمر: قولُه في هذا الحديث: وبين الصَّفا والمروة. تدفَعُه الآثارُ المتواترةُ عن جابرٍ بمثل رواية مالكٍ هذه؛ لأنّ قولَه: "انصبَّت قَدَماه في بَطْنِ المَسِيل" يدفَعُ أنْ يكونَ راكبًا.

  36. أخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال أخبرنا محمدُ بن معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٥) : حدَّثنا يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا

    ج ٢ ص ٩٧جعفرُ بن محمد، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا جابرٌ، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نزَلَ - يعني على الصَّفا - حتى إذا انصبَّت قدَماه في الوادي رمَلَ، حتى إذا صَعِد مَشَى.

  37. والوجهُ عند أهلِ العلم في طوافِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - راكبًا أنّه كانَ في طوافِ الإفاضَةِ، وحينئذٍ ألَظَّ (١) الناسُ به يَسألونَه، وفي حديث طاوسٍ بيانُ ذلك.

  38. روَى ابنُ عيينةَ، عن عبد الله بن طاوسٍ، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ أصحابَه أن يُهَجِّرُوا بالإفاضة، وأفاضَ في نِسائه ليلًا، فطافَ على راحلتِه (٢) .

  39. وفي حديثِ أمِّ سَلَمة أنّها اشتكَتْ يومئذٍ، فقال لها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "طُوفي راكبةً من وراءِ الناس" (٣) .

  40. وممّا يدُلُّ على كَراهة الطَّوافِ راكبًا من غير عُذْرٍ، أنِّي لا أعلمُ خلافًا بين علماءِ المسلمين أنّهم لا يستحبُّون لأحدٍ أن يطوفَ بين الصَّفا والمروة على راحلةٍ راكبًا، ولو كان طَوافُه راكبًا لغيرِ عُذْرٍ لكان ذلك مُستحَبًّا عندَهم أو عندَ مَن صَحَّ عندَه ذلك منهم.