نافع بن مالك أبو سهيل عم مالك بن أنس رحمه الله

١٠٠ فقرة، ج ١٠ ص ١٨٧

الصفحة ٢ من ٣

  1. وقد جاءَ في حديثِ إسماعيل بن جعفرٍ، عن أبي سُهَيلٍ، عن أبيه، عن طَلْحةَ بن عُبيدِ الله، قال: فأخبَرهُ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بشرائع الإسلام. وهذا يَقْتضِي الحجَّ، مع ما في حديثِ طَلْحةَ.

    ج ١٠ ص ١٩٨
  2. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: فإذا هُو يَسْألُ عنِ الإسلام، فقال لهُ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "خمسُ صَلَواتٍ" . فإنَّ الأحادِيث عنِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في الإسلام تقتضِي: شهادةَ أن لا إلهَ إلّا الله، وأنَّ محمدًا رسُولُ الله، والإيمانَ بالله، وملائكتِهِ، وكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ، ثُمَّ الصَّلواتِ الخمسَ، والزَّكاةَ، وصومَ رمضانَ، والحجَّ.

  3. وقد مَضَى ما للعُلماءِ في معنى الإسلام، ومعنى الإيمانِ، في بابِ ابنِ شِهاب، عن سالم، من هذا الكِتابِ.

  4. ومن الأحادِيثِ في ذلك، ما (١) حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن أسَدٍ، قال: حدَّثنا سَعِيدُ بن عُثمانَ بن السَّكنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يُوسُف، قال: حدَّثنا البُخارِيُّ، قال (٢) : حدَّثنا عُبَيدُ الله بن موسى، قال: أخبَرنا حَنْظلةُ بن أبي سُفيانَ، عن عِكْرِمةَ بن خالدٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "بُنِي

    ج ١٠ ص ١٩٩الإسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أنْ لا إلهَ إلّا اللَّه، وأنَّ محمدًا رسُولُ اللَّه، وإقام الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والحجِّ، وصَوْم رمضانَ".

  5. وذكَرَ ابنُ وَهْبٍ، عنِ ابنِ لِهيعةَ وحَيْوةَ بن شُرَيح، عن بكرِ بن عَمرٍو المَعافِرِيِّ، أنَّ بُكَير بن الأشجِّ حدَّثهُ، عن نافع، أنَّ رجُلًا أتَى ابنَ عُمرَ، فقال: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ، ما حَملكَ (١) على الحجِّ عامًا، وتُقِيمُ عامًا، وتترُكُ (٢) الجِهادَ في سبِيلِ اللَّه، وقد علِمتَ ما رغَّب اللَّهُ فيه؟ فقال: يا ابنَ أخِي، بُنِي الإسلامُ على خَمْسٍ: إيمانٌ باللَّه ورُسُولهِ (٣) ، والصَّلواتُ الخمسُ، وصِيامُ رمضانَ، وأداءُ الزَّكاةِ، وحجُّ البيتِ. وذكَرَ تمامَ الحديثِ (٤) .

  6. وعلى هذا أكثرُ العُلماءِ، أنَّ أعمدةَ الدِّينِ التي بُنِي عليها خَمْسٌ، على ما في خبرِ ابنِ عُمر هذا، إلّا أنَّهُ جاءَ عن حُذيفةَ رحِمهُ اللَّه خبرٌ، يُخالِفُ ظاهِرُهُ خبرَ ابنِ عُمرَ هذا في الإسلام؛ رواهُ شُعبةُ وغيرُهُ، عن أبي إسحاقَ، عن صِلةَ بن زُفَرَ، عن حُذَيفةَ، قال: الإسلامُ ثمانِيةُ أسْهُم: الشَّهادةُ سهمٌ، والصَّلاةُ سَهْمٌ، والزَّكاةُ سهمٌ، وحجُّ البيتِ سَهْمٌ، وصومُ رمضانَ سهمٌ، والجِهادُ سهمٌ، والأمرُ بالمعرُوفِ سهمٌ، والنَّهيُ عنِ المُنكرِ سهمٌ، وقد خابَ من لا سهمَ لهُ (٥) .

  7. وقد ذكَرْنا فرضَ الجِهادِ، وما يتعيَّنُ منهُ على كلِّ مُكلَّفٍ، وما منهُ فرضٌ

    ج ١٠ ص ٢٠٠على الكِفايةِ، وأَنَّهُ لا يَجْرِي مجرَى الصَّلاةِ والصَّوم، في غيرِ هذا المَوْضِع، فلا معنَى لإعادتِهِ هاهُنا (١) .

  8. وأمّا الأمرُ بالمعرُوفِ، والنَّهيُ عنِ المُنكرِ، فليسَ يجرِي أيضًا مجرَى الخَمْسِ المذكُورةِ في حديثِ ابنِ عُمرَ (٢) ، لقولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: ١٠٥] ، ولِقولِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا رأيتَ شُحًّا مُطاعًا، وهوًى مُتَّبعًا، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيهِ، فعليكَ بخاصّةِ نفسِكَ" (٣) .

  9. ورُوِيَ عنِ ابنِ مسعُودٍ، وجماعةٍ من الصَّحابةِ والتّابِعِين، رحِمهُمُ اللَّه أنَّهُم كانوا يقولُونَ في تأوِيلِ قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} (٤) الآيةَ. قالوا (٥) : إذا اختلفَتِ القُلُوبُ في آخِرِ الزَّمان، وأُلبِس النّاسُ شِيَعًا، وأُذِيقَ

    ج ١٠ ص ٢٠١بعضُهُم بأسَ بعضٍ، وكان الهوى مُتَّبعًا، والشُّحُّ مُطاعًا، وأُعجِبَ كلُّ ذي رأيٍ برأيِه، فحينئذٍ تأوِيلُ هذه الآيةِ (١) .

  10. وقد قيلَ في تأوِيلِ الآيةِ (٢) : {لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ} من غيرِ أهلِ دِينِكُم، إذا أدَّى الجِزيةَ إليكُم.

  11. وهذا الاختِلافُ في تأوِيلِ الآيةِ، يُخرِجُها من أن تجريَ مجرَى الخَمْسِ التي بُنِي الإسْلامُ عليها.

  12. وقد رُوِي عنِ ابنِ عبّاس: أنَّ أعمِدةَ الإسلام ثلاثةٌ: الشَّهادةُ، والصَّلاةُ، وصومُ رمضانَ.

  13. حدَّثنا أبو محمدٍ إسماعيلُ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عليٍّ رحِمهُ اللَّه، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ محمدُ بن القاسم بن شعبانَ، قال: حدَّثنا عليُّ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا أبو رَجاءٍ سعِيدُ (٣) بن حَفْصٍ البُخاريُّ (٤) ، قال: حدَّثنا مُؤَمَّلُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن مالكٍ النُّكرِيُّ (٥) ، عن أبي الجَوْزاءِ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال حمّادٌ: لا أظُنُّهُ إلّا رَفَعهُ، قال: "عُرَى الإسلام، وقَواعِدُ الدِّينِ ثلاثةٌ بُنِي الإسلامُ عليها، من تركَ منهُنَّ واحِدةً، فهُو حلالُ الدَّم: شَهادةُ أن لا إله إلّا اللَّه، والصَّلاةُ، وصِيامُ رمضانَ" . قال ابنُ عبّاس: نجِدُهُ كثِيرَ المالِ ولا يُزكِّي،

    ج ١٠ ص ٢٠٢فلا نقولُ لهُ بذلك: كافِرٌ، ولا حَلالٌ دمُهُ، ونَجِدُهُ كثِيرَ المالِ ولا يحُجُّ، فلا نَراهُ بذاك كافِرًا، ولا حلَّ دمُهُ (١) .

    قال أبو عُمر: في حديثِ مالكٍ من الفِقهِ: أنَّهُ لا فرضَ من الصَّلاةِ إلّا الخمسُ الصلوات، في اليوم واللَّيلةِ.

  14. وأنَّهُ لا فرضَ من الصِّيام، إلّا صومُ شهرِ رمضانَ.

  15. وفيه: أنَّ الزَّكاةَ فرِيضةٌ، على حسبِ سُنَّتها (٢) المعلُومةِ. وقد بيَّنّا ذلك في غيرِ موضِع من كِتابِنا هذا، وفي سائرِ كُتُبِنا.

  16. ولم يُذكر في حديثِ مالكٍ: الحجُّ.

  17. وقد قال بعضُ من تكلَّمَ في "المُوطَّأ" من أصحابِنا ومن قبلهُ منهُم: إنَّ الحجَّ لم يَكُن حِينئذٍ مُفتَرضًا، وأنَّهُ بعدَ ذلك نزل فرضُهُ.

  18. ومن قال هذا القولَ، زعمَ أنَّ فرضَ الحجِّ على منِ استطاعَ السَّبِيلَ إليه، يجِبُ في فورِ الاستِطاعةِ، على حَسَبِ المُمكِنِ.

  19. وهذه مسألةٌ ليسَ فيها لمالكٍ جَوابٌ، وقدِ اختلَفَ فيها المالكِيُّونَ: فطائفةٌ منهُم قالت: وُجُوبُ الحجِّ على الفورِ، ولا يجُوزُ تأخِيرُهُ، مع القُدرر عليه. وإلى هذا ذهب بعضُ البغدادِيِّين المُتأخِّرِين من المالكِيِّين، وهُو قولُ داود.

    وقالت طائفةٌ منهُم: بل ذلك على التَّراخِي. وعلى هذا القولِ أكثرُ المالكِيِّين من أهلِ المغرِبِ، وبعضِ العِراقِيِّينَ منهُم، وإليه ذهبَ أبو عبدِ اللَّه محمدُ بن أحمد بن خُوَيْزمَنْداد البصرِيُّ المالكِيُّ، ولهُ احتجَّ في كِتابِ "الخِلافِ" ، وجاءَتِ الرِّوايةُ عن مالكٍ رحِمهُ اللَّه: أَنَّهُ سُئلَ عنِ المرأةِ تكونُ صَرُورةً (٣) مُسْتطِيعةً على الحجِّ، تَسْتأذِنُ

    ج ١٠ ص ٢٠٣زَوْجَها في ذلك، فيأبى أن يأذنَ لها، هل يُجبَرُ على الإذنِ (١) لها؟ قال: نعم ولكِنْ لا يُعجَّلُ عليه، ويُؤَخَّرُ العامَ بعد العام.

  20. وهذه الرِّوايةُ عن مالكٍ، تدُلُّ على أنَّ الحجَّ عندَهُ ليسَ على الفَورِ، بل على التَّراخِي، واللَّهُ أعلمُ.

  21. واختلَفَ قولُ أبي يُوسُف في هذه المسألةِ، فرُوِي عنهُ: أَنَّهُ على الفَوْرِ. ورُوِي عنهُ: أَنَّهُ في سَعةٍ من تأخِيرِهِ أعوامًا. وهُو قولُ محمدِ بن الحسنِ، والشّافعيِّ.

    قال الشّافعيُّ (٢) : يجُوزُ تأخِيرُ الحجِّ بعدَ الاستِطاعةِ، العامَ بعد العام. ولم يحدَّ.

  22. وقال سحنُونٌ، وسُئل عنِ الرَّجُلِ يجِدُ ما يحُجُّ به، فيُؤَخِّرُ ذلك سِنِينَ كثِيرةً، مع قُدْرتهِ على ذلك، هل يُفسَّقُ بتأخِيرِهِ الحجَّ، وتردُّ شهادتُهُ؟ قال: لا يُفسَّقُ، ولا (٣) تُردُّ شهادتُهُ، وإن مَضَى من عُمرِهِ سِتُّونَ سنةً، فإذا زادَ على السِّتِّينَ، فُسِّقَ ورُدَّت شَهادتُهُ.

    قال أبو عُمر: لا أعلمُ أحدًا قال: إنَّهُ يُفسَّقُ، وتُردُّ شَهادتُهُ إذا جاوزَ السِّتِّينَ غير سحنُونٍ، وهذا توقِيتٌ لا يجِبُ إلّا بتوقِيفٍ، مِمَّن يجِبُ التَّسلِيمُ لهُ، وكلُّ من قال بالتَّراخِي في هذه المسألةِ، لا يحدُّ في ذلك حدًّا، والحُدُودُ في الشَّرع لا تُؤخَذُ إلّا عمَّن لهُ أن يُشرِّع، واللَّهُ أعلمُ.

  23. وكلُّ هؤلاءِ يأبَونَ أن يكونَ الحجُّ على الفورِ، خِلافًا لمن قال ذلك من المُتأخِّرينَ (٤) .

  24. وقدِ اختلَفَ في هذينِ الوَجهينِ أصحابُ مالكٍ وأصحابُ أبي حَنِيفةَ وأصحابُ الشّافعيِّ، إلّا أنَّ جُمهُورَ أصحابِ الشّافعيِّ: أنَّهُ على التَّراخِي. وهُو تحصِيلُ مذهبِهِ.

    ج ١٠ ص ٢٠٤
  25. وقال أبو العبّاسِ أحمدُ بن عُمرَ بن سُرَيج (١) محُتجًّا لقولِ الشّافعيِّ ومن تابَعهُ، على أنَّ الحجَّ ليسَ على الفَورِ عندَ الاستِطاعةِ، قال: وَجهُ الأمرِ في ذلك، أنّا وجدنا المُسلِمِينَ في مَشارِقِ الأرضِ ومَغارِبِها، لا يُفسِّقُونَ من تأخَّرَ عامًا، أو عامينِ بعدَ بُلُوغِهِ، مع استِطاعتِهِ على الحجِّ، ولا يُسقِطُونَ شَهادتهُ، ولا يزعُمُونَ أنَّهُ قد تركَ أداءَ الحجِّ في وَقْتِهِ، وأنَّهُ ليسَ كتارِكِ الصَّلاةِ، حتّى خرجَ وَقتُها، فيكونُ قاضِيًا لها بعد خُرُوج وقتِها، ووجَدْنا هذا من شأنِهِم، ليسَ مِمّا يحدُثُ في عَصرٍ دُونَ عصرٍ، فعَلِمنا أنَّ ذلك مِيراثُ الخَلَفِ عنِ السَّلفِ، ووجَدْنا فرائضَ كثِيرةً سَبِيلُها كَسبِيلِ الحجِّ في ذلك، منها: قَضاءُ الصَّوم، والصَّلاةِ، فلم نَرهُم ضيَّقُوا على الحائضِ إذا طَهُرَتْ في قَضاءِ الصلاةِ في أوَّلِ وَقتِها، ولها أن تُؤَخِّرَهُ ما دامَ في وَقتِها سَعةٌ، ولا في قَضاءِ ما عَليها من الصَّوم، ولا على المُسافِرِ إذا انصرفَ من سَفرِهِ، وكلُّهُم لا يُؤمَنُ عليه هَجْمةُ الموتِ، وقالت عائشةُ: إنَّهُ ليكونُ عليَّ الصَّومُ من رمضانَ، فما أقْضِيهِ حتّى يدخُل شَعبانُ (٢) .

  26. فتبيَّنَ بذلك: أنَّ هذه أُمُورٌ لم يُضيِّقها المُسلِمُونَ، فبطلَ بذلك قولُ من شذَّ فضَيَّقها.

  27. ثُمَّ نظَرْنا في أمرِ الحجِّ، إذا أخَّرهُ المرءُ المُدّةَ الطَّوِيلةَ، كَرجُلٍ تركَ أن يحُجَّ خمسِينَ سنةً، وهُو مُستطِيعٌ في ذلك كلِّهِ، فوجَدْنا ذلك مُسْتنكرًا، لا يأمُرُ بذلك

    ج ١٠ ص ٢٠٥أحدٌ من أهلِ العِلم، غيرَ أنَّهُ إذا حجَّ بعد المُدّةِ الطَّوِيلةِ، لم يكُن قاضِيًا للحجِّ، كقضاءِ من تركَ الصَّلاةَ حتّى خرجَ وقتُها، فقُلنا: الوَقتُ ممدُودٌ بعدُ، وإن كان قد أخَّرَ تأخِيرًا مُسْتنكرًا، فإذا ماتَ عَلِمنا أنَّهُ قد أخَّر الفرضَ حتّى فاتَ بموتِهِ، وصارَ الموتُ علامةً لتَفرِيطِهِ، حِينَ فاتَ وقتُ حجِّهِ.

  28. فإن قال قائلٌ: فمتى يكونُ عاصِيًا؟ وبماذا عَصَى؟ قُلنا: أمّا المَعْصِيةُ، فتأخِيرُهُ الفرضَ حتّى خرجَ وقتُهُ، ويَقعُ عِصْيانُهُ بالحالِ التي عَجزَ فيها عن (١) النُّهُوضِ إلى الحجِّ، وبانَ ذلك بالموتِ، وكذلك قال عُمرُ بن الخطّابِ: من ماتَ ولم يحُجَّ، فليَمُتْ يهُودِيًّا إن شاءَ، أو نصرانِيًّا (٢) . فعلَّقَ الوقت بالموتِ، أي: يمُوتُ كما يمُوتُ اليهُودِيُّ والنَّصرانيُّ دُونَ أن يحُجَّ، والنَّصرانِيُّ واليهُودِيُّ يمُوتُ كافِرًا بكُفرِهِ، وهذا يمُوتُ عاصِيًا بتَركِهِ الحجَّ مُسْتطِيعًا لهُ.

    قال أبو عُمر: الذي عِندِي في ذلك، واللَّهُ أعلمُ: أنَّهُ إذا جازَ لهُ التَّأخِيرُ، وكان مُباحًا لهُ، وهُو مُغَيَّبٌ عنهُ موتُهُ، فلم يَمُت عاصِيًا، إذا كانت نِيَّتُهُ مُنْعقِدةً على أداءِ ما وجَبَ من ذلك عليه، وهُو كمَنْ ماتَ في آخِرِ وقتِ صَلاةٍ، لم يَظُنَّ أنَّهُ يفُوتُهُ كلُّ الوَقْتِ، واللَّه أعلمُ.

  29. وقدِ احتجَّ بعضُ النّاسِ لسُحنُونٍ، بما رُوي في الحديثِ المأثُورِ عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّهُ قال: "مُعترَكُ أُمَّتِي من السِّتِّينَ إلى السَّبعِينَ" (٣) . وقلَّ من يُجاوِزُ ذلك.

  30. وهذا لا حُجّةَ فيه؛ لأنَّهُ كلامٌ خرجَ على الأغلَبِ من أعمارِ أُمَّتِهِ، لو صَحَّ الحديثُ.

    ج ١٠ ص ٢٠٦
  31. وفيه: دليلٌ على التَّوسِعةِ إلى السَّبعِينَ، لأنَّهُ من الأغلَبِ أيضًا.

  32. ولا يَنْبغِي أن يُقطَع بتَفسِيقِ من صحَّتْ عَدالتُهُ ودِينُهُ وأمانتُهُ، بمِثلِ هذا من التَّأوِيلِ الضَّعِيفِ، وباللَّه التَّوفيقُ.

  33. ومِمّا احتجَّ به ابنُ خُوَيْز مَنْداد، في جَوازِ تأخِيرِ الحجِّ، وأنَّهُ ليسَ على الفورِ، حديثُ ضِمام بن ثَعْلبةَ السَّعدِيِّ، من بني سَعدِ بن بكرٍ، قدِمَ على النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فسألهُ عنِ الإسلام، فذكَرَ الشَّهادةَ، والصَّلاةَ، والزَّكاةَ، وصومَ رمضانَ، والحجَّ، وقال في آخِرِ الحديثِ: هل عليَّ غيرُها؟ قال: "لا إلّا أن تطَّوَّعَ. . . " الحديثَ. على نحوِ ما ذكَرَهُ مالكٌ من حديثِ طلحةَ بن عُبيدِ اللَّه، في الأعرابِيِّ من أهلِ نجدٍ، إلّا أنَّهُ ليسَ في حديثِ مالكٍ ذِكرُ الحجِّ.

  34. وقد رَوَى حديثَ ضمام هذا: عبدُ اللَّه بن عبّاسٍ (١) ، وأبو هريرةَ، وأنسُ بن مالكٍ، وفيها كلِّها ذِكرُ الحجِّ، وحديثُ أنسٍ أحسَنُها سِياقةً وأتمُّها، ونَحوُهُ حديثُ ابنِ عبّاسٍ.

  35. واختُلِفَ في وَقتِ قُدُومِهِ، فقيل: قدِمَ ضِمامُ بن ثَعْلبةَ على رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في سنةِ خَمْسٍ. وقيل: في سَنةِ سبع. وقال ابنُ هشام، عن أبي عُبيدةَ في سَنةِ تِسع: سَنةِ وَفدِ أكْثَرِ (٢) العربِ. وذكَرَ ابنُ إسحاق قُدُومَ ضِمام بن ثَعْلبةَ على النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولم يذكُرِ العامَ الذي قدِمَ فيه (٣) .

    ج ١٠ ص ٢٠٧وقال الواقِدِيُّ: قدِمَ ضِمامُ بن ثعلبةَ وافِدُ بني سعدِ بن بكرٍ عامَ الخندقِ، بعدَ انصِرافِ الأحزابِ، فأسلَمَ، فكانَ أوَّلَ من قدِمَ من وفدِ العربِ. ويُقالُ: أوَّلُ من قدِمَ وافِدًا على النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بلالُ بن الحارثِ المُزنِيُّ، من وفدِ مُزينةَ.

  36. أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قِراءةً منِّي عليه، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرِ بن حربٍ وعُبيدُ بن عبدِ الواحِدِ البزّارُ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أيُّوبَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سَعْدِ بن إبراهيمَ، عن محمدِ (١) بن إسحاقَ، قال: حدَّثني محمدُ بن الولِيدِ بن نُوَيفِع (٢) مولى آل الزُّبيرِ (٣) ، عن كُرَيبِ مولى ابنِ عبّاسٍ، عنِ ابنِ عبّاس: أنَّ ضِمامَ بن ثَعْلبةَ، أخا بني سَعْدِ بن بكرٍ لمّا أَسلمَ، سألَ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن فرائضِ الإسلام، فعدَّ عليه رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الصَّلواتِ الخَمْسَ، فلم يَزِدْ عليهِنَّ، ثُمَّ الزَّكاةَ، ثُمَّ صِيامَ رمضانَ، ثُمَّ حجَّ البيتِ، ثُمَّ أعلَمهُ بما حرَّمَ اللَّهُ عليه، فلمّا فرغَ قال: أشهدُ أن لا إله إلّا اللَّه، وأنَّكَ رسُولُ اللَّه، وسأفعَلُ ما أمرتَني به ولا أزِيدُ ولا أنقُصُ. ثُمَّ ولَّى، فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن يَصْدُقْ يدخلِ الجنّةَ" (٤) .

  37. حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ (١) . وحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ. قالا: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢) : حدَّثنا أبو بكر بن علي (٣) . وحدَّثنا عبدُ اللَّه، قال: حدَّثنا حمزةُ، قال: حدَّثنا عليُّ بن سعِيدِ بن بشِيرٍ (٤) ، قال (٥) : حدَّثنا إسحاقُ بن أبي إسرائيلَ، قال: حدَّثنا أبو عُمارةَ حمزةُ بن الحارثِ بن عُمَيرٍ، قال: سمِعتُ أبي يَذْكُرُ عن عُبيدِ اللَّه بن عُمرَ، عن سَعِيدِ بن أبي سَعِيدٍ المقبُرِيِّ، عن أبي هريرةَ، قال: بينما النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مع أصحابِهِ، جاءَهُم رَجُلٌ من أهلِ البادِيةِ، فقال: أيَّكُمُ ابنُ عبدِ المُطَّلِبِ؟ قالوا: هذا الأمغرُ المُرتفِقُ. قال: إنِّي سائلُكَ فمُشتَدٌّ عليكَ في المسألةِ، قال: "سَلْ عمّا بدا لك" . قال: أنشُدُكَ بربِّ من قبلكَ، وربِّ من بعدِكَ، آللَّهُ أرسلكَ؟ قال: "اللَّهُمَّ نعم" . قال: فأنشُدُكَ باللَّه، آللَّه أمركَ أن نُصلِّيَ خمسَ صلواتٍ في كلِّ يوم وليلةٍ؟ قال: "اللَّهُمَّ نعم" . قال: أنشُدُكَ باللَّه، آللَّه أمركَ أن تأخُذ من أموالِ أغنِيائنا، فترُدَّهُ على فُقرائنا؟ قال: "اللَّهُمَّ نعم" . قال: وأنشُدُكَ باللَّه آللَّهُ أمركَ أن نصُومَ هذا

    ج ١٠ ص ٢٠٩الشَّهرَ من اثْنَي عشَرَ شهرًا؟ قال: "اللَّهُمَّ نعم" . قال: وأنشُدُكَ باللَّه، آللَّهُ أمركَ أن نحُجَّ هذا البيتَ منِ استطاعَ إليه سبِيلًا؟ قال: "اللَّهُمَّ نعم" . قال: فإنِّي آمنتُ وصدَّقتُ، وأنا ضِمامُ بن ثَعْلبةَ.

    قال أبو عُمر: قولُهُ في هذا الحديثِ: الأمغرُ المُرتفِقُ. يُرِيدُ الأبيض المُتَّكِئَ، والأمغرُ: هُو الذي يشُوبُ بياضَهُ حُمرةٌ.

    ج ١٠ ص ٢٠٨
  38. وأصلُ الأمغرِ: الأبيضُ الوَجْهِ والثَّوبِ، وقد يكونُ الأحمرُ، كِنايةً عنِ الأبيضِ، كما قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بُعِثتُ إلى الأحمرِ والأسودِ" (١) . يُرِيدُ الأبيضَ والأسودَ.

  39. وفي خَبرِ ضِمام هذا، دليلٌ على أنَّ فرضَ الحجِّ قد كان تقدَّمَ قبلَ وقتِ وِفادتِهِ على النَّبيِّ عليه السَّلامُ، وأنَّ ذلك قد كان اشتهَرَ، وانتشرَ في قَبائلِ العربِ، وظهَرَ ظُهُور الصَّلاةِ، والزَّكاةِ، التي كان يخرُجُ فيها السُّعاةُ (٢) إليهمْ، ويأخُذُونها منهُم على مِياهِهِم.

  40. وكظُهُورِ صوم شهرِ رمضانَ؛ لأنَّهُ على ذلك كلِّهِ وقَفهُ وسألهُ عنهُ، لتقدُّم عِلْم ضِمام بأنَّ ذلك كلَّهُ دِينُهُ الذي بُعِثَ به، وإليه (٣) يدعُو، وأنَّهُ الإسلامُ، ومَعانِيهِ وشرائعُهُ التي كان يُقاتِلُ من أبَى منها.