نافع بن مالك أبو سهيل عم مالك بن أنس رحمه الله
١٠٠ فقرة، ج ١٠ ص ١٨٧
الصفحة ٣ من ٣
- ج ١٠ ص ٢٠٩
وقد رَوَى هذا الحديثَ أنسُ بن مالكٍ، وعبدُ اللَّه بن عبّاسٍ بأكملِ سِياقِهٍ من حديثِ طَلْحةَ، ومن حديثِ أبي هريرةَ أيضًا.
-
حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن
ج ١٠ ص ٢١٠وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (١) : حدَّثنا شبّابةُ، عن سُليمانَ بن المُغِير، عن ثابتٍ، عن أنَسٍ، قال: كُنّا قد نُهِينا أن نسألَ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكانَ يُعجِبُنا أن يأتيَ الرَّجُلُ من أهلِ البادِيةِ العاقِلُ، فيَسْألهُ ونحنُ نسمعُ، فجاءَهُ رجُل من أهلِ البادِيةِ، فقال: يا محمدُ، أتانا رسُولُكَ، فزعمَ لنا أنَّكَ تزعُمُ، أنَّ اللَّه أرسلكَ. فقال له رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "صدقَ" . فقال: من خلَقَ السَّماواتِ؟ قال: "اللَّه" . قال: فمن خلَقَ الأرضَ؟ قال: "اللَّه" . قال: فمَنْ نصبَ الجِبالَ؟ قال: "اللَّه" . قال: فبالذي خلَقَ السَّماواتِ، وخلقَ الأرضَ، ونصبَ الجِبالَ، آللَّه أرسلكَ؟ قال: "نعم" . قال: وزعَمَ رسُولُكَ أنَّ علينا خمسَ صَلَواتٍ في يومِنا وليلتنا (٢) . قال: "صدقَ" . قال: فبالذي خلقَ السَّماءَ، وخلقَ الأرضَ، ونصبَ الجِبال، آللَّه أمركَ بهذا؟ قال: "نعم" . قال: وزعَمَ رسُولُكَ أنَّ علينا صومَ شَهْرٍ في سَنتِنا. قال: "صدقَ" . قال: فبالذي خلَقَ السَّماءَ، وخلَقَ الأرضَ، ونصَبَ الجِبالَ، آللَّه أمركَ بهذا؟ قال: "نعم" . قال: وزعَمَ رسُولُكَ أنَّ علينا الحجَّ، منِ استطاع إليه سبِيلًا. قال: "صَدَقَ" قال: فبالذي خلَقَ السَّماءَ، وخلقَ الأرضَ، ونصبَ الجِبالَ، آللَّه أمركَ بهذا؟ قال: "نعم" . فقال: والذي بعثكَ بالحقِّ، لا أزِيدُ عليها شيئًا، ولا أنقُصُ منها.
ج ١٠ ص ٢١١فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن صدَقَ، دخلَ الجنّةَ" .
-
وهذا (١) الحديث حُجّةٌ في إجازةِ العَرْض والقراءةِ على المُحَدِّث.
-
وحدَّثنا سعِيدُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٢) : حدَّثنا محمدُ بن فُضَيلٍ، عن عَطاءِ بن السّائبِ، عن سالم بن أبي الجَعْدِ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: جاءَ أعْرابِيٌّ إلى النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: السَّلامُ عليكَ يا غُلام بني عبدِ المُطَّلِبِ. فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وعليكَ" فقال: إنِّي رجُلٌ من أخْوالِك من بني سَعْدِ بن بكرٍ، وأنا رسُولُ قومِي إليكَ ووافِدُهُم، وأنا سائلُكَ فمُشتدّةٌ مَسْألتِي إيّاكَ، وناشِدُكَ فمُشتدّةٌ مُناشدتِي إيّاكَ. قال: "قُلْ يا أخا بني سَعْدٍ" . قال: من خَلقَكَ، وهُو خالِقُ من قَبلكَ، وخالِقُ من بعدَكَ؟ قال: "اللَّه" قال: فنَشدتُكَ بذلك، أهو أرسلكَ؟ قال: "نعم" . قال: من خلَقَ السَّماواتِ السَّبعَ، والأرضِينَ السَّبعَ، وأجْرَى بينهُنَّ الرِّزقَ؟ قال: "اللَّه" . قال: فأنشُدُكَ بذلك، أهو أرسلَكَ؟ قال: "نعم" . قال: وإنّا قد وجَدْنا في كِتابِكَ، وأتَتْنا رُسُلُكَ: أن نُصلِّي في اليوم واللَّيلةِ خمسَ صَلَواتٍ لمواقِيتِها، فأنشُدُكَ بذلك، أهُو أمركَ به؟ قال: "نعم" . قال (٣) : فإنّا قد وجَدْنا في كِتابِكَ، وأتتنا رُسُلُكَ أن نأخُذَ من حَواشِي أمْوالِنا، فتُردَّ على فُقرائنا، فنَشدتُكَ بذلك، أهو أمركَ بذلك؟ قال: "نعم" . قال: ووجَدْنا في كِتابِكَ، وأتتنا رُسُلُكَ، أن نصُومَ شهرًا من السَّنةِ، شهرَ رمضانَ، فنَشدتُكَ بذلك، آللَّه أمركَ به؟ قال: "نعم" . ثُمَّ قال: وأمّا الخامِسةُ، يعني الحجَّ، فلستُ أسألُكَ عنها. قال: ثُمَّ قال:
ج ١٠ ص ٢١٢أما والذي بعثكَ بالحقِّ، لأعمَلَنَّ بها، ولآمُرَنَّ أطاعني من قومِي. ثُمَّ رجَعَ.
-
فضحِكَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حتّى بدَتْ نَواجِذُهُ، ثُمَّ قال: "والذي نَفْسِي بيدِهِ، لئنْ صدَقَ، ليدخُلنَّ الجنّةَ" .
قال أبو عُمر: في هذه الأحادِيثِ كلِّها ذِكْرُ الحجِّ، وهِي أحادِيثُ ثابتةٌ حِسانٌ صحِيحةٌ.
-
وقولُهُ في حديثِ ابنِ عبّاس: وأمّا الخامِسةُ، فلا أسألُكَ عنها، يعني الحجَّ. بعد أن جَعلَها خامِسةً، ففيه دليل على أنَّ الإسلامَ، ودِينهُ على خمسةِ أعْمِدةٍ عِندهُ (١) ، فمنها الحجُّ.
-
والمعنى في قولِهِ ذلك، أنَّ العربَ كانت تعرِفُ الحجَّ، وتحُجُّ كلَّ عام في الأغْلَبِ، فلم يرَ في ذلك ما يحتاجُ فيه إلى المُناشَدةِ، وكان ذلك مِمّا ترغَبُ فيه العَربُ لأسواقِها، وتَبرُّرِها، وتَحنُّفِها، فلم يحتَجْ في الحجِّ، إلى ما احتاجَ في غيرِهِ من السُّؤالِ والمُناشدةِ، واللَّه أعلمُ.
-
وأظُنُّ سُقُوط ذِكْرِ الحجِّ من حديثِ مالكٍ، حديثِ طَلْحةَ بن عُبيدِ اللَّه، كان على ما في حَدِيثِ ابنِ عبّاسٍ، فلم يذكُرهُ أحدُ رُواتِهِ فيه، واللَّه أعلمُ.
-
ومِن الدَّليلِ على جَوازِ تأخِيرِ الحجِّ: إجماعُ العُلماءِ على تَرْكِ تفسِيقِ القادِرِ على الحجِّ، إذا أخَّرهُ العامَ والعامينِ، ونحوهُما، وأنَّهُ إذا حجَّ بعدَ أعوام من حِينِ اسْتِطاعتِهِ، فقد أدَّى الحَجَّ الواجِب عليه في وَقْتِهِ.
-
وليسَ عندَ الجميع، كمن فاتَتهُ الصَّلاةُ، حتّى خرجَ وَقْتُها، فقَضاها بعدَ خُرُوجِ وقتِها، ولا كمَنْ فاتهُ صِيامُ رمضانَ، لمرَضٍ أو سَفَرٍ فقَضاهُ، ولا عَمّنْ أفسدَ حَجَّهُ، فلزِمهُ قَضاؤُهُ.
- ج ١٠ ص ٢١٣
فلمّا أجمعُوا أنَّهُ لا يُقالُ لمن حجَّ (١) بعدَ أعوام، من وقتِ استِطاعتِهِ: أنتَ قاضٍ لما كان وجبَ عليكَ، ولم تأتِ بالحجِّ في (٢) وقتِهِ. عَلِمنا أنَّ وقتَ الحجِّ مُوسَّعٌ فيه، وأنَّهُ على التَّاخِيرِ والتَّراخِي، لا على الفَورِ، وباللَّه التَّوفيقُ.
-
ومِمّا نزعَ به من رآهُ على التَّراخِي، ما ذكَرَ اللَّه في كِتابِهِ من أمرِ الحجِّ، في سُورةِ الحجِّ، وهِي مكِّيّةٌ.
-
ومِن ذلك أيضًا أنَّ قول اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: ٩٧] ، ونزلت في عام أُحُدٍ، وذلك سنةَ ثلاثٍ من الِهجْرةِ، ولم يحُجَّ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلّا سَنةَ عَشْرٍ.
-
فإن قيلَ: إنَّ مَكّةَ كانت ممنُوعةً منهُ، ومن المُسلِمِينَ، قيلَ: قدِ افْتَتحها سنةَ ثمانٍ في رمضانَ، ولم يحُجَّ حَجَّتهُ التي لم يحُجَّ بعد فرْضَ الحجِّ عليه غيرَها، إلّا في سنةِ عَشْرٍ، وأمرَ عتّابِ بن أُسيدٍ إذ ولّاهُ مكّةَ سَنةَ ثمانٍ أن يُقِيم الحجَّ للنّاسِ، وبعَثَ أبا بكرٍ الصَّدِّيق، رضِي اللَّه عنهُ، سنةَ تِسْع (٣) . فأقامَ للنّاسِ الحجَّ، وحجَّ هُو -صلى اللَّه عليه وسلم- سنةَ عَشْرٍ من الهِجرةِ، فصادَفَ الحجَّ في ذي الحِجّةِ، وأخبَرَ أنَّ الزَّمانَ قدِ اسْتَدارَ كهيئَتِهِ يومَ خلقَ اللَّه السَّماواتِ والأرضَ (٤) . وأنَّ الحجَّ في ذي الحِجّةِ إلى يوم القِيامةِ، إبطالًا لما كانتِ العربُ في جاهِلِيَّتِها عليه في تأخِيرِ الحجِّ
ج ١٠ ص ٢١٤للنَّسيء (١) الذي كانوا يُنسِؤُونهُ (٢) لهُ عامًا بعد عام، فأنزلَ اللَّه تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا} الآية [التوبة: ٣٧] .
-
نقلَتْ ذلك كلَّهُ الكافّةُ، لم يختلِفُوا فيه، واستقرَّ الحجُّ من حِجّةِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في ذي الحِجّةِ إلى يوم القِيامةِ إن شاءَ اللَّه.
-
وأمّا قولُهُ في حديثِ مالكٍ: واللَّه لا أزِيدُ على هذا ولا أنقُصُ منهُ، فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أفلَحَ إن صدَقَ" . ففيه دليلٌ -واللَّهُ أعلمُ- على أنَّ من أدَّى فرائضَ اللَّه وجبَتْ لهُ الجنّةُ إذا اجتنَبَ محارِمهُ، لأنَّ الفلاحَ مَعناهُ البقاءُ في نعِيم الجنّةِ التي أُكُلُها دائمٌ وظِلُّها، وفاكِهتُها لا مَقْطُوعةٌ ولا ممنُوعةٌ، وعلى أداءِ فرائضِ اللَّه واجتِنابِ محارِمِهِ وعَدَ اللَّه المُؤمِنِين بالجنّةِ، واللَّه لا يُخلِفُ المِيعادَ.
-
كان عُمرُ بن عبدِ العزيزِ رحِمهُ اللَّه يقولُ في خُطبتِهِ: ألا إنَّ أفضَلَ الفَضائلِ أداءُ الفرائضِ، واجتِنابُ المَحارِم (٣) .
-
وشكا رجُلٌ إلى سَلْمانَ الفارِسِيِّ: أنَّهُ لا يَقدِرُ على القِيام باللَّيلِ. فقال لهُ: يا ابن أخِي، لا تَعْصِ اللَّه بالنَّهارِ، تَسْتغنِ عنِ القِيام باللَّيل (٤) .
-
وأصلُ الفَلاح في اللُّغةِ: البَقاءُ والدَّوامُ، قال الشّاعِرُ (٥) :
ج ١٠ ص ٢١٥لِكلِّ همٍّ من الأُمُورِ سعَهْ ... والمسيُ والصُّبحُ لا فلاحَ معَهْ
أي: لا بقاءَ معهُ.
وقال لبِيدٌ (١) :
اعْقِلِي إن كُنتِ لمّا تَعقِلِي ... ولقد أفلَحَ من كان عقَلْ
وقال الرّاجِزُ:
لو كان حيٌّ مُدرِكَ الفَلاحِ
أدرَكهُ مُلاعِبُ الرِّماحِ
أي: لو كان أحدٌ يبقَى ولا يمُوتُ، لكان ذلك مُلاعِبَ الأسِنّةِ، وهُو أبو البراءِ عامرُ بن مالكٍ.
-
ومنَ المعنى الذي ذكَرْنا، قولُ المُؤَذِّنِ: حيَّ على الفَلاح. ومنهُ قولُ اللَّه عزَّ وجلَّ: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الأعلى: ١٤] . وقولُهُ: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: ١٥٧] .