عبد الله بن أبي بكر بن حزم
٨٢٥ فقرة، ج ١١ ص ٥
الصفحة ١٤ من ٢١
- ج ١١ ص ١٦٧
ورُوِي من حديثِ عائشةَ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِثلُهُ؛ حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا منصُورُ بن أبي مُزاحِم، قال: حدَّثنا أبو مَعْشرٍ، عن عبدِ اللَّه بن يحيى، عن عَمرةَ، عن عائشةَ، قالت: عَطَس عاطِسٌ عندَ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: ما أقولُ يا رسُولَ اللَّه؟ قال: "قُلِ: الحمدُ للَّه" . قال القومُ: ما نَقولُ لهُ يا رسُول اللَّه؟ قال: "قولوا: يرحمُكَ اللَّه" . قال: ما أقولُ لهم يا رسُول اللَّه؟ قال: "قُل: يهديكُمُ اللَّه ويُصلِحُ بالكُم" (١) .
-
وأمّا حديثُ الكُوفيِّينَ: فأخبَرناهُ عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢) : حدَّثنا عُثمانُ بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن منصُورٍ، عن هِلالِ بن يِسافٍ، قال: كان سالمُ بن عُبيدٍ جالِسًا، فعَطَسَ رجُلٌ من القوم، فقال: السَّلامُ عليكُم، فقال: السَّلامُ عليكَ وعلى أُمِّك. ثُمَّ قال بَعْدُ (٣) : لعلَّكَ وجدتَ مِمّا قلتُ لكَ؟ قال: لَودِدتُ أنَّكَ لم تذكُر أُمِّي بخيرٍ ولا بشرٍّ. قال: إنَّما قلتُ لكَ، كما قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، إنّا بينا نَحْنُ عندَ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-،
ج ١١ ص ١٦٨إذ عَطَسَ رجُلٌ من القَوم، فقال: السَّلامُ عليكُم. فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وعليكَ، وعلى أُمِّكَ" . ثُمَّ قال: "إذا عَطَسَ أحدُكُم فليَحْمدِ اللَّه" - قال: فذكَرَ بعضَ المحامِدِ- "وليَقُلْ لهُ من عِندهُ: يَرْحمُكَ اللَّه. وليرُدَّ -يعني عليهم-: يغفِرُ اللَّه لنا ولكُم" .
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (١) : حدَّثنا يحيى بن عبدِ الحميدِ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن مَنصُورٍ، عن هِلالِ بن يِسافٍ، عن رجُلٍ منهم (٢) ، عن سالم بن عُبيدٍ، قال: كُنّا عندَ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فعطَسَ رجُلٌ من القوم، فقال: السَّلامُ عليكُم، فقال النَّبيُّ عليه السَّلامُ: "عليكَ وعلى أُمِّكَ" . ثُمَّ قال: "إذا عَطَسَ أحدُكُم فليقُلِ: الحَمدُ للَّه ربِّ العالمين. أو: الحمدُ للَّه على كلِّ حالٍ، ولتقُل لهُ من عِندهُ: يرحمُكَ اللَّه. وليرُدَّ عليه: يغفِرُ اللَّه لي ولكُم" .
-
وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا تميمُ بن المُنتصِرِ الواسِطيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن يُوسُفَ، عن أبي بِشرٍ وَرْقاءَ، عن مَنصُورٍ، عن هِلالِ بن يِسافٍ، عن خالدِ بن عَرْفَجةَ، عن سالم بن عُبيدٍ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بهذا الحَديثِ.
-
وأخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو قِلابةَ عبدُ الملكِ بن محمدٍ الرَّقاشيُّ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا جعفرُ (٤) بن
ج ١١ ص ١٦٩سُليمانَ، عن عَطاءِ بن السّائبِ، عن أبي عبدِ الرَّحمنِ، عن عبدِ اللَّه بن مَسعُودٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا عَطَسَ أحدُكُم فليقُلِ: الحمدُ للَّه ربِّ العالمين. وليُقَلْ لهُ: يرحمُكَ اللَّه. وليَقُلْ: يَغْفِرُ اللَّهُ لنا ولكُم" (١) .
قال أبو عُمر: على هذا النّاسُ في تَشْميتِ العاطِسِ، قولُ: يرحمُكَ اللَّه. واختَلفُوا في كيفيّةِ ردِّهِ، فقال مالكٌ: لا بأسَ أن يقولَ: يَهْديكُمُ اللَّه ويُصلِحُ بالكُم. أو: يغفِرُ اللَّه لكُم. كلُّ ذلك جائزٌ. وهُو قولُ الشّافِعيِّ، قال: أيَّ ذلك قال، فحسُنٌ (٢) .
ج ١١ ص ١٧٠وقال أصحابُ أبي حَنِيفةَ: يقولُ: يَغْفِرُ اللَّه لكُم، ولا يقولُ: يهديكُمُ اللَّه ويُصلِحُ بالَكُم (١) .
-
ورُوي عن إبراهيمَ النَّخعيِّ، أنَّهُ قال: يَهْديكُمُ اللَّه ويُصلِحُ بالكُم، شيءٌ قالتهُ الخَوارِجُ؛ لأنَّهُم لا يَسْتغفِرُونَ للنّاسِ (٢) .
-
واختارَ الطَّحاويُّ قولَ: يَهْديكُمُ اللَّه ويُصلِحُ بالكُم؛ لأنَّها أحسنُ من تحيَّتِهِ. قال: وحالُ من هُدِيَ وأُصلِح بالُهُ، فوقَ المَغفُورِ لهُ (٣) .
-
وروى مالكٌ (٤) ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمر من قولِهِ مِثلهُ.
-
وأمّا تَشْميتُ أهلِ الذِّمّةِ، ففيه حديثُ حَكِيم بن الدَّيلم؛ حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ المكِّيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العَزيزِ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن حَكِيم بن الدَّيلم، عن أبي بُرْدةَ، عن أبي موسى، قال: كان اليهُودُ يَتَعاطسُونَ عندَ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، رَجاءَ أن يقول: يَرْحمُكُمُ اللَّه. فكان يقولُ: "يَهْديكُمُ اللَّه ويُصلِحُ بالَكُم" (٥) .
-
انفردَ به حَكيمُ بن الدَّيلم، وهُو عندَهُم ثِقةٌ مأمُونٌ.
-
وأمّا العاطِسُ إذا لم يَحْمدِ اللَّه، فلا يجِبُ تَشْميتُهُ.
- ج ١١ ص ١٧١
أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بَكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا أحمدُ بن يُونُس، قال: حدَّثنا زُهَيرٌ. قال (٢) أبو داود: وحدَّثنا محمدُ بن كَثيرٍ، قال: أخبَرنا سُفيانُ، المعنى؛ قالا: حدَّثنا سليمانُ التَّيميُّ، عن أنسٍ، قال: عَطَسَ رَجُلانِ عندَ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فشمَّتَ أحدَهُما، وتَركَ الآخَرَ، فقيل: يا رسُولَ اللَّه رجُلانِ عَطَسا، فشمَّتَّ أحدهُما، قال أحمدُ: أو فسَمَّتَّ (٣) أحدهُما، وتركتَ الآخر؟ فقال: "إنَّ هذا حمِدَ اللَّه، وإنَّ هذا لم يَحْمدِ اللَّه" .
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعيدُ بن نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو خَيْثمةَ مُصعبُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا زُهَيرُ بن مُعاويةَ، عنِ التَّيميِّ، عن أنَسٍ، قال: عَطَسَ رجُلانِ عندَ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فشمَّتَ أحدهُما، ولم يُشمِّتِ الآخر، فقالوا: يا رسُولَ اللَّه شمَّتَّ هذا، ولم تُشمِّت هذا؟ قال: "إنَّ (٤) هذا حمِدَ اللَّه، وهذا لم يَحْمدهُ" (٥) .
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيان وسعيدُ بن نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ،
ج ١١ ص ١٧٢قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١) : حدَّثنا قاسمُ بن مالكٍ، عن عاصِم بن كُلَيبٍ، عن أبي بُرْدةَ، عن أبي موسى، قال: سمِعتُ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: "إذا عَطَسَ أحدُكُم فحمِدَ اللَّه، فشمِّتُوهُ، وإذا لم يَحمدِ اللَّه، فلا تُشمِّتُوهُ" .
قال أبو عُمر: شمَّتَ، وسمَّتَ، لُغتانِ معرُوفتانِ عندَ أهلِ العِلم لا يختلِفُونَ في ذلك.
قال الخليلُ بن أحمدَ (٢) : التَّسميتُ، لُغةٌ في تَشْميتِ العاطِسِ.
-
ورُوِيَ عن ثَعْلبٍ، أنَّهُ سُئلَ عن معنى التَّشميتِ والتَّسميتِ، فقال: أمّا التَّشميتُ، فمعناهُ: أبعدَ اللَّه عنك الشَّماتةَ، وجنَّبكَ ما يُشمَتُ به عليكَ. وأمّا التَّسميتُ، فمعناهُ: جَعلكَ اللَّه على سَمْتٍ حسنٍ، ونحوِ هذا.
قال أبو عُمر: وهذا كلُّهُ إنَّما يَنْويهِ الدّاعي لهُ بصَلاح الحالِ، والغُفْرانِ، والرَّحمةِ، على ما جاءَ في سُنّةِ التَّشميتِ، مِمّا قد ذكرنا في هذا البابِ، والحمدُ للَّه.
-
ومِن أدَبِ العُطاسِ: أن يضعَ العاطِسُ يَدهُ على فيه، ويخفِضَ بالعَطْسةِ صوتهُ، ويقولَ: الحمدُ للَّه على كلِّ حالٍ.
-
أخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا مُضرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن مِقْلاصٍ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني إدريسُ بن يحيى الخَوْلانيُّ، قال: أخبَرني عبدُ اللَّه بن عيّاشٍ، عنِ
ج ١١ ص ١٧٣ابنِ هُرمُز، عن أبي هريرةَ، أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا عَطَسَ أحدُكُم، فليَضَعْ كفَّهُ على وَجهِهِ، وليَخْفِض صَوْتَهُ" (١) .
-
وحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عنِ ابنِ عَجْلان، عن سُميٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، قال: كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا عَطَسَ، وضَعَ يَدهُ، أو ثَوْبهُ على فيه، وخَفضَ، أو غضَّ بها صَوْتهُ. شكَّ يحيى.
-
واختلَفَ الفُقهاءُ في وُجُوبِ تَشْميتِ العاطِسِ، فذهب قومٌ إلى أنَّ ذلك ندبٌ لا إيجابٌ، وأوجَبهُ آخرُونَ على الكِفايةِ، كردِّ السَّلام سواءً.
-
وقد مَضَى القولُ في ردِّ السَّلام، في بابِ زيدِ بن أسلمَ، من كِتابِنا هذا.
وقال أهلُ الظّاهِرِ: ذلك واجِبٌ مُتَعيِّنٌ على كلِّ أحدٍ.
-
والأصلُ في هذا البابِ: ما حدَّثناهُ عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣) : حدَّثنا محمدُ بن داودَ بن سُفيانَ وخُشَيشُ بن أصْرَمَ، قالا: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عنِ الزُّهريِّ، عنِ ابنِ المُسيِّبِ،
ج ١١ ص ١٧٤عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "للمُسلِم على أخِيهِ: رَدُّ السَّلام، وتَشْميتُ العاطِسِ، وإجابةُ الدَّعوةِ، وعيادةُ المَريضِ، واتِّباعُ الجَنائزِ" .
-
وقد تكلَّمنا على ما يجِبُ من الفُرُوضِ على الكِفايةِ، في صَدْرِ كِتابِنا، كِتابِ "جامِع بيانِ العِلم وفضلِهِ وما ينبغي في رِوايتِهِ وحملِهِ" (١) فأغْنَى ذلك عن ذِكْرهِ (٢) ها هُنا.
-
حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن إبراهيمَ (٣) بن الحدّادِ، قال: حدَّثنا زكريّا بن يحيى السِّجزيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ بن حبيبِ بن الشَّهيدِ، قال: حدَّثنا حُميدُ بن عبدِ الرَّحمنِ الرُّؤاسيُّ، عنِ الحَسنِ بن صالح، عن سِماكِ بن حَرْبٍ، عن عِكْرِمةَ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: من سلَّمَ عليكَ من خَلْقِ اللَّه، فارْدُدْ عليه، وإن كان مَجُوسيًّا، فإنَّ اللَّهَ يقولُ: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} (٤) [النساء: ٨٦] .
-
وأمّا تَشْميتُ العاطِسِ في الخُطبةِ، فسيأتي في بابِ أبي الزِّنادِ، من كِتابِنا هذا عندَ ذِكرِ قولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا قُلتَ لصاحِبِكَ يوم الجُمُعةِ والإمامُ يخطُبُ: أنْصِت، فقد لَغَوتَ" (٥) إن شاءَ اللَّه.
- ج ١١ ص ١٧٥
حديثٌ مُرسَلٌ مُوَفِّي عِشرينَ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ
مالكٌ (١) ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم، عن أبيه، أنَّ في الكِتابِ الذي كَتَبهُ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لعَمرِو بن حَزْم في العُقولِ: "أنَّ في النَّفسِ مئةً من الإبِلِ، وفي الأنفِ إذا أُوعِيَ جَدْعًا، مئةٌ من الإبِلِ، وفي المأمُومةِ ثُلُثُ الدِّيةِ، وفي الجائفةِ مِثلُها، وفي العَيْنِ خمسُونَ، وفي اليَدِ خمسُونَ، وفي الرِّجْلِ خمسُونَ، وفي كلِّ إصْبَع مِمّا هُنالكَ عَشْرٌ من الإبِلِ، وفي السِّنِّ خمسٌ، وفي المُوضِحةِ خَمْسٌ" .
-
لا خِلافَ، عن مالكٍ في إرسالِ هذا الحديثِ، بهذا الإسْنادِ. وقد رُوي مُسندًا من وَجْهٍ صالح.
-
وهُو كِتابٌ مشهُورٌ عندَ أهلِ السِّيرِ، مَعرُوفٌ ما فيه عندَ أهلِ العِلْم، مَعْرِفةً تَسْتغني بشُهرتِها عنِ الإسنادِ؛ لأنَّهُ أشبَهَ التَّواتُرَ في مجيئهِ، لتلقِّي النّاسِ لهُ بالقَبُولِ والمعرِفةِ.
-
وقد رَوَى مَعْمرٌ هذا الحديثَ عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حزم، عن أبيه، عن جدِّهِ. وذكرَ ما ذَكَرهُ مالكٌ سواءً في الدِّياتِ. وزاد في إسنادِهِ: عن جدِّهِ (٢) .
-
ورُوي هذا الحديثُ أيضًا عنِ الزُّهريِّ، عن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حزم، عن أبيه، عن جدِّهِ، بكمالِهِ (٣) .
- ج ١١ ص ١٧٦
وكِتابُ عَمرِو بن حزم مَعرُوفٌ عندَ العُلماءِ، وما فيه فمُتَّفقٌ عليه، إلّا قليلًا، وباللَّه التَّوفيقُ.
-
ومِمّا يدُلُّك على شُهرةِ كِتابِ عَمرِو بن حزم وصِحَّتِهِ، ما ذكَرهُ ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ واللَّيثِ بن سعدٍ، عن يحيى بن سَعيدٍ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، قال: وُجِد كِتابٌ عندَ آلِ حَزْم، يَذْكُرُونَ: أنَّهُ من رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فيه: "وفيما هُنالكَ من الأصابع عَشْرٌ، عَشْرٌ" . فصارَ القَضاءُ في الأصابع إلى عَشْرٍ، عَشْرٍ (١) .
-
أخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ بن مَرْوانَ، قال: حدَّثنا أبو الطَّيِّبِ أحمدُ بن عَمرو الجَرِيريُّ (٢) ، قال: حدَّثنا حامِدُ بن شُعَيبٍ البَلْخيُّ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيرِ بن حربٍ ومحمدُ بن سُليمانَ المِنقريُّ، قالوا: حدَّثنا الحَكَمُ بن مُوسى، قال: حدَّثنا يحيى بن حَمْزةَ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن داودَ. قال المِنقريُّ: الجزريُّ، ثُمَّ اتَّفقُوا، قال: حدَّثنا الزُّهريُّ، عن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم، عن أبيه، عن جَدِّهِ: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كتبَ - قال في حَديثِ عبدِ الوارثِ: إلى أهلِ اليَمنِ- ثُمَّ اتَّفقُوا: بكِتابٍ فيه الفَرائضُ والسُّننُ والدِّياتُ، وبعَثَ به مع عَمرِو بن حزم، فقدِمَ به على أهلِ اليَمنِ، وهذه نُسختُهُ: "بِسم اللَّه الرَّحمنِ الرَّحيم، من محمدٍ النَّبيِّ، إلى شُرَحبيل بن عَبدِ كُلالٍ والحارِثِ بن عبدِ كُلالٍ ونُعَيم بن عبدِ كُلالٍ، قَيْلِ
ج ١١ ص ١٧٧ذي رُعَينٍ (١) ، ومَعافِرَ، وهمدانَ، أمّا بعدُ. فذكرَ الحديثَ في الصَّدَقاتِ إلى آخِرِها، وفيه: "منِ اعتبط مُؤمِنًا (٢) قَتْلًا عن بيِّنةٍ، فإنَّهُ قَوَدٌ، إلّا أن يُرْضِي أولياءَ المقتُولِ، وفي النَّفسِ الدِّيةُ، مئةٌ من الإبِلِ، وفي الأنفِ إذا أُوعِب جَدْعُهُ الدِّيةُ، وفي اللِّسانِ الدِّيةُ، وفي الشَّفَتينِ الدِّيةُ، وفي البَيْضتينِ الدِّيةُ، وفي الذَّكرِ الدِّيةُ، وفي الصُّلبِ الدِّيةُ، وفي العَيْنينِ الدِّيةُ، وفي الرِّجلِ الواحِدةِ نِصفُ الدِّيةِ، وفي المأمُومةِ نِصفُ الدِّيةِ، وفي المُنَقِّلةِ خَمسَ عشْرةَ من الإبِلِ، وفي الجائفةِ ثُلُثُ الدِّيةِ، وفي كلِّ إصبَع من الأصابع من اليَدِ والرِّجلِ عَشْرٌ من الإبِلِ، وفي السِّنِّ خَمسٌ من الإبِلِ، وفي المُوضِحةِ خمسٌ من الإبِلِ، وأنَّ الرَّجُل يُقتلُ بالمرأةِ، وعلى أهلِ الذَّهبِ ألفُ دينارٍ" . وذكرُوا تمامَ الحديثِ (٣) .
قال أحمدُ بن زُهَيرٍ: سَمِعتُ يحيى بن مَعينٍ، يقولُ: الحَكَمُ بن مُوسى ثِقةٌ، وسُليمانُ بن داود الذي يروي عنِ الزُّهريِّ حديث الصَّدقاتِ والدِّياتِ: مجهُولٌ لا يُعرفُ (٤) .
ج ١١ ص ١٧٨قال أبو عُمر: هكذا وقعَ عندَ شَيْخي في أصلِهِ: "في المأمُومةِ نِصفُ الدِّيةِ" . وهُو خطأٌ من الكاتِبِ.
-
والمحفُوظُ في هذا الحديثِ، وغيرِهِ: "أنَّ في المأمُومةِ ثُلُثَ الدِّيةِ" لا يختلِفُ العُلماءُ في ذلك، منَ السَّلفِ والخَلَفِ، وأهلُ العِراقِ يقولُون لها: الآمّةُ، وأهلُ الحِجازِ: المأمُومةُ. وكذلك في كِتابِ عَمرِو بن حَزْم: المأمُومةُ فيها ثُلُثُ الدِّيةِ. كذلك نقلَ الثِّقاتُ.
-
وأمّا ما في حديثِ مالكٍ من الفِقهِ، فقولُهُ: "في النَّفسِ مئةٌ من الإبِلِ" .
-
وهذا مَوْضِعٌ فيه تَنازُعٌ بينَ العُلماءِ، بعدَ إجماعِهِم أنَّ على أهْلِ الإبِلِ في دِيةِ النَّفسِ إذا أُتلِفَتْ خطأً: مئةً من الإبِلِ، لا خِلافَ بين عُلماءِ المُسلِمينَ في ذلك، ولا يختلِفُونَ أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- جَعلَها كذلك، وإنَّما تَنازعُوا واختلفُوا في الدِّيةِ على أهلِ الوَرِقِ والذَّهبِ.
-
واختَلَفُوا أيضًا، هل يُؤخَذُ فيها: الشّاءُ، والبَقرُ، والحُلَلُ، أم لا تكونُ إلّا في الثَّلاثةِ الأصْنافِ: الإبِلِ، والذَّهبِ، والوَرِقِ؟ على حَسَبِ ما نُورِدُهُ في هذا البابِ، مُهذَّبًا مُمهَّدًا إن شاءَ اللَّه.
-
ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (١) ، عن مَعْمرٍ، عنِ الزُّهريِّ، قال: كانتِ الدِّيةُ على عَهْدِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مئةَ بَعِيرٍ، لكلِّ بَعِيرٍ أُوقيّةٌ، فذلك أربعةُ آلافٍ، فلمّا كان عُمرُ غَلِتِ الإبِلُ، ورَخُصتِ الوَرِقُ، فجَعلَها عُمرُ أُوقيّةً ونِصفًا، ثُمَّ غَلَتِ الإبِلُ، ورَخُصتِ الوَرِقُ، فجَعلَها عُمرُ أُوقيَّتينِ، فذلك ثمانيةُ آلافٍ، ثُمَّ لم تَزلِ الإبِلُ تَغلُو، ويَرْخُصُ الوَرِقُ، حتّى جَعلَها عُمرُ اثْنَي عشَرَ ألفًا، أو ألفَ دينارٍ، ومن البَقرِ مِئَتا بَقَرةٍ، ومن الشّاءِ ألفا (٢) شاةٍ.
- ج ١١ ص ١٧٩
وذكَرَ عبدُ الرَّزّاقِ (١) أيضًا، عنِ ابنِ جُرَيج، عن عَطاءٍ، قال: كانتِ الدِّيةُ الإبِلَ، حتّى كان عُمرُ، فجَعَلَها لمّا غَلَتِ الإبِلُ عِشرينَ ومئةً، لكلِّ (٢) بَعيرٍ. قال: قلتُ لعطاءٍ: فإن شاءَ القَرَويُّ أعْطَى مئةَ ناقةٍ، أو مِئَتي بَقَرةٍ، أو ألفي شاةٍ، ولم يُعطِ ذَهَبًا؟ قال: نعم، إن شاءَ أعْطَى إبِلًا، ولم يُعطِ ذَهَبًا، هُو الأمرُ الأوَّلُ. قال: قلتُ لعطاءٍ: أيُعطي القَرَويُّ إن شاءَ بقرًا، أو غنمًا؟ قال: لا يَتَعاقلُ أهلُ القُرَى من الماشيةِ غيرَ الإبِلِ، يقولُ: هُو عَقْلُهُم على عَهدِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
قال عطاءٌ: وكان يُقالُ: على أهلِ الإبِلِ الإبِلُ، وعلى أهلِ الذَّهبِ الذَّهبُ، وعلى أهلِ الورِقِ الورِقُ، وعلى أهلِ الغنم الغنمُ، وعلى أهلِ البزِّ الحُللُ (٣) .
قال: قلتُ لعطاءٍ: البَدويُّ صاحِبُ البَقَرِ والشّاءِ، ألَهُ أن يُعطي إبِلًا إن شاءَ، وإن كرِهَ المُتَّبعُ؟ قال: ما أرَى إلّا أنَّهُ ما شاءَ المَعقولُ لهُ (٤) حقُّهُ لهُ، ماشيةُ العاقِلُ ما كانت لا تُصرَفُ إلى غيرِها إن شاءَ (٥) .
قال ابنُ جُرَيج: وأخبَرنا ابنُ طاوُوسٍ، عن أبيه: أنَّهُ كان يقولُ: على النّاسِ كلِّهِم أجْمَعينَ، أهلِ القَرْيةِ، وأهلِ الباديةِ، مئةٌ من الإبِلِ، فمَنْ لم تكُن عندَهُ إبِلٌ، فعَلَى أهلِ الوَرِقِ الوَرِقُ، وعلى أهلِ البَقَرِ البَقَرُ، وعلى أهلِ الغَنم الغَنمُ، وعلى أهلِ البَزِّ البَزُّ. قال: يُعطونَ من أيِّ صِنْفٍ كان بقيمةِ الإبِلِ ما كانت، ارْتَفعَتْ أوِ انْخَفضَتْ قيمتُها يومئذٍ. قال طاوُوسٌ: وحقُّ المَعقولِ لهُ الإبِلُ (٦) .
ج ١١ ص ١٨٠قال ابنُ جُرَيج: وقال عَمرُو بن شُعَيبٍ: كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُقيمُ الإبِل على أهْلِ القُرَى أربعَ مئةِ دينارٍ أو عِدْلَها من الوَرِقِ، ويُقيمُها على أثْمانِ الإبِلِ، فإذا غَلَتِ رفَعَ في قِيمَتِها، وإذا هانَتْ، نقَصَ من قِيمَتِها على أهلِ القُرَى، على نحوِ الثَّمنِ ما كان. قال: وقَضَى أبو بكرٍ في الدِّيةِ على أهلِ (١) القُرَى حينَ كَثُرَ المالُ، وغَلَتِ الإبِلُ، فأقامَ مئةً من الإبِلِ، بسِتِّ مئةِ دينارٍ، إلى ثمانِ مئةِ دينارٍ.
-
وقَضَى عُمرُ في الدِّيةِ على أهلِ القُرَى اثْنَيْ عشَرَ ألفَ دِرهم. قال: إنِّي أرَى الزَّمانَ تختلِفُ فيه الدِّيةُ، تَنْخفضُ (٢) مرّةً من قِيمةِ الإبِلِ، وتَرْتفِعُ مرّةً أُخْرَى، وأرَىَ المالَ قد كَثُر. قال: وأنا أخْشَى عليكُمُ الحُكّامَ بَعدِي، وأن يُصابَ الرَّجُلُ المُسلِمُ، فتَهلِكَ ديتُهُ بالباطِلِ، وأن تَرْتفِعَ دِيَتُهُ بغيرِ حقٍّ، فتُحمَلَ على أقوام مُسْلِمينَ فتَجْتاحَهُم، فليسَ على أهلِ القُرَى زيادةٌ في تَغْليظِ عَقْلٍ، ولا في الشَّهَرِ الحَرام، ولا في الحُرْمةِ (٣) ، وعلى (٤) أهلِ القُرَى فيه تغليظٌ، لا يُزادُ فيه على اثْنَي عشَرَ ألفًا، وعَلى (٥) أهلِ الباديةِ على أهْلِ الإبِلِ مئةٌ من الإبِلِ على أسْنانِها، كما قَضَى رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وعلى أهلِ البَقَرِ مِئَتا بَقَرةٍ، وعلى أهلِ الشّاءِ ألفا شاةٍ، ولم أقسِمْ (٦) على أهلِ القُرى إلّا عقلهُم يكونُ ذهبًا ووَرِقًا، فيُقامُ عليهم، ولو كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى على أهلِ القُرى في الذَّهَبِ والوَرِقِ عَقْلًا مُسمًّى، لا زيادةَ فيه ابْتُغِيَ قَضاءَ رسُولِ اللَّه فيه، ولكِنَّهُ يُقيمُهُ على أثمانِ الإبِلِ (٧) .
ج ١١ ص ١٨١قال أبو عُمر: الأحاديثُ التي ذكَرْنا في هذا البابِ عنِ الزُّهريِّ، وعَطاءٍ، وعَمرِو بن شُعَيبٍ مُرْسلةٌ.
-
وفيه أحاديثُ مُسْندةٌ، سَنذكُرُها بعد ذِكْرِ أقاويلِ الفُقهاءِ في هذا البابِ، حجّةً لهم، وتنبيهًا على أُصُولِهِم إن شاءَ اللَّه.