عبد الله بن أبي بكر بن حزم
٨٢٥ فقرة، ج ١١ ص ٥
الصفحة ١٥ من ٢١
- ج ١١ ص ١٨١
وإنَّما مدارُ هذا البابِ عندَ الفُقهاءِ، على حديثِ عَمرِو بن حزم، وما كان مِثلهُ: في النَّفسِ مئةٌ من الإبِلِ.
-
وعلى ما قَضَى به عُمرُ بن الخطّابِ على أهلِ الذَّهبِ، والوَرِقِ، والشّاءِ، والبَقرِ، على اختِلافِ الرِّواياتِ عنهُ في ذلك، على حسَبِ ما نذكُرُها، إن شاءَ اللَّه.
-
وأمّا اختِلافُ التّابِعينَ في هذا البابِ، فمُضطرِبٌ جِدًّا، ومنهُ شُذُوذٌ مُخالِفٌ للآثارِ المُسنَدةِ.
-
وأمّا أقاويلُ الفُقهاءِ:
فإنَّ مالكًا (١) والشّافِعيَّ (٢) في أحَدِ قولَيهِ وأبا حنيفةَ وزُفرَ (٣) ذَهبُوا إلى أنَّ الدِّيةَ: من الإبِلِ والدَّنانيرِ والدَّراهِم لا غيرُ، ولم يختلِفُوا هُم، ولا غيرُهُم: أنَّ الإبِلَ: مئةٌ من الإبِلِ، وكذلك لم يختلِفُوا أنَّ الذَّهبَ: ألفُ دينارٍ.
-
واختَلَفُوا في الوَرِقِ، فذهَبَ مالكٌ (٤) أنَّ الدِّيةَ من الوَرِقِ اثْنا عشرَ ألفَ دِرْهم، على ما بَلَغهُ عن عُمرَ بن الخطّابِ: أنَّهُ قوَّمَ الدِّيةَ على أهلِ القُرَى فجَعلَها على أهلِ الذَّهبِ ألفَ دينارٍ، وعلى أهلِ الوَرِقِ اثْنَيْ عشَرَ ألفَ دِرهم.
ج ١١ ص ١٨٢قال مالكٌ (١) : وأهلُ الذَّهَبِ أهلُ الشّام وأهلُ مِصرَ، وأهلُ الوَرِقِ أهلُ العِراقِ.
-
وكذلك قال الشّافِعيُّ (٢) في أحَدِ قولَيهِ: إنَّ الدِّيةَ على أهلِ الوَرِقِ اثْنا عشرَ ألفَ دِرهم.
وقال المُزنيُّ: قال الشّافِعيُّ (٣) : الدِّيةُ الإبِلُ، فإن أعْوَزتِ الإبِلُ، فقِيمَتُها -بالدَّنانيرِ والدَّراهِم، على ما قَوَّمها عُمرُ بن الخطّابِ- ألفُ دينارٍ على أهلِ الذَّهَبِ، واثْنا عشَرَ ألفَ دِرْهم على أهْلِ الوَرِقِ. وذكَرَ قولَ عطاءٍ: كانتِ الدِّيةُ الإبِل، حتّى قوَّمها عُمرُ.
قال الشّافِعيُّ: والعِلمُ مُحيطٌ بأنَّهُ لم يُقوِّمها إلّا قيمةَ يومِها للإعوازِ.
قال: ولا تُقوَّمُ بغيرِ الدَّنانيرِ، والدَّراهِم.
قال: ولو جازَ أن تُقوَّم بغيرِ الدَّنانيرِ والدَّراهِم، جعلنا على أهلِ الخَيْلِ الخيلَ، وعلى أهلِ الطَّعام الطَّعامَ، وهذا لا يقولُهُ أحدٌ.
قال أبو عُمر: قد قالهُ بعضُ من شذَّ في قولِهِ.
قال المُزنيُّ: وقولُهُ القديمُ: على أهلِ الذَّهبِ ألفُ دينارٍ، وعلى أهلِ الوَرِقِ اثنا عشرَ ألفَ دِرْهم.
قال: ورُجُوعُهُ عنِ القديم، رغبةً عنهُ إلى الجديدِ، هُو أشبهُ بالسُّنّةِ.
قال أبو عُمر: حُجّةُ من جعلَ الدِّيةَ من الوَرِقِ اثْنَي عشَرَ ألفَ دِرهم، ما أخبَرناهُ عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ،
ج ١١ ص ١٨٣قال (١) : حدَّثنا محمدُ بن سُليمانَ الأنباريُّ، قال: حدَّثنا زيدُ بن الحُبابِ، عن محمدِ بن مُسلِم، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن عِكرِمةَ، عنِ ابنِ عبّاس: أنَّ رجُلًا من بني عَدِيٍّ قُتِلَ، فجعلَ النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- دِيَتَهُ اثنَيْ عشَرَ ألفًا.
قال أبو داود: رواهُ ابنُ عُيَينةَ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن عِكْرِمةَ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. لم يذكُر ابنَ عبّاسٍ (٢) .
قال أبو عُمر: ليسَ لمن خالَفَ هذا وقال بعشَرةِ آلافِ دِرهم من الوَرِقِ في الدِّيةِ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حديثٌ: لا مُرسَلٌ، ولا مُسنَدٌ.
-
وأمّا الذي جاءَ عن عُمرَ في الاثْنَي عشَرَ ألفًا، فحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ أيضًا، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣) : حدَّثنا يحيى بن حَكِيم، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا حُسينٌ المُعلِّمُ، عن عَمرِو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّهِ، قال: كانتِ الدِّيةُ على عَهدِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-
ج ١١ ص ١٨٤ثمانِ مئةِ دينارٍ، أو ثمانيةَ (١) آلافِ دِرْهم، ودِيةُ أهلِ الكِتابِ يومئذٍ على النِّصفِ من ديةِ المُسلِمينَ، قال: وكان كذلك حتّى استُخلِفَ عُمرُ، فقامَ خطيبًا، فقال: ألا إنَّ (٢) الإبِلَ قد غَلَتْ. ففَرَضَها عُمرُ على أهْلِ الذَّهَبِ ألفَ دينارٍ، وعلى أهلِ الوَرِقِ اثْنَيْ عشَرَ ألفًا، وعلى أهلِ البَقرِ مِئَتي بَقَرةٍ، وعلى أهلِ الشّاءِ ألْفَي شاةٍ، وعلى أهلِ الحُلَلِ مِئَتي حُلّةٍ. قال: وتَركَ ديةَ أهلِ الذِّمّةِ لم يَرْفعها فيما رفَعَ من الدِّيةِ.
-
وذكرَ عبدُ الرَّزّاقِ (٣) ، عنِ ابنِ جُرَيج، قال: أخبَرني يحيى بن سعيدٍ: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ فرَضَ الدِّيةَ من الذَّهَبِ ألفَ دينارٍ، ومن الوَرِقِ اثْنَيْ عشَرَ ألفَ دِرهم.
-
ورَوَى ابنُ أبي نَجِيح، عن أبيه: أنَّ عُثمانَ قَضَى في الدِّيةِ اثْنَيْ عشرَ ألفَ دِرهم.
-
وروى نافعُ بن جُبيرِ بن مُطعِم، عنِ ابنِ عبّاسٍ مِثل ذلك.
-
وروى الشَّعبيُّ، عنِ الحارِثِ، عن عليٍّ، قال: الدِّيةُ اثنا عشرَ ألفًا.
-
ورَوَى هُشَيمٌ، عن يُونُس، عنِ الحسَنِ: أنَّ عُمرَ قوَّمَ الإبِل في الدِّيةِ كلَّ بعيرٍ (٤) بمئهٍ وعِشرينَ دِرهمًا، اثني عشرَ ألفًا.
-
فهذا ما في الاثْنَي عشَرَ ألفًا عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وعن عُمرَ، وعُثمان، وعليٍّ، وابنِ عبّاسٍ رضي اللَّه عنهُم، إلّا أنَّ الآثارَ عن عُمر، منها ما يَدُلُّ على أنَّ الوَرِقَ والذَّهب إنَّما جَعلَها قِيمةً للإبِلِ، ولم يجعلها أصلًا في الدِّيةِ، ومنها ما يَدُلُّ على أنَّهُ جعلَ الدِّيةَ من الذَّهَبِ والوَرِقِ، وكذلك الآثارُ كلُّها عنِ الصَّحابةِ في هذا البابِ تحتمِلُ التَّأويلَ، على حسَبِ ما ذكَرْنا عن عُمرَ.
ج ١١ ص ١٨٥وقال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ والثَّوريُّ: الدِّيةُ من الوَرِقِ عَشَرةُ آلافِ دِرهم (١) .
-
وحُجَّتُهُم في ذلك، ما رواهُ الشَّعبيُّ، عن عَبِيدةَ، عن عُمرَ: أنَّهُ جعلَ الدِّيةَ على أهلِ الذَّهبِ ألفَ دينارٍ، وعلى أهلِ الوَرِقِ عشَرةَ آلافِ دِرهم، وعلى أهلِ البَقرِ مِئَتي بَقرةٍ، وعلى أهلِ الشِّياهِ (٢) ألفي (٣) شاةٍ، وعلى أهلِ الإبِلِ مئةً من الإبِلِ، وعلى أهلِ الحُللِ مِئَتي حُلّةٍ (٤) .
قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ عن عُمر، ما يدُلُّ على أنَّ الدَّراهِم والدَّنانيرَ، صِنفٌ من أصنافِ الدِّيةِ، لا على وجهِ البدلِ والقيمةِ، وكذلك يدُلُّ ظاهِرُ حديثِ يحيى بن سعيدٍ أيضًا، عن عُمر، وهُو الظّاهِرُ في الحديثِ عن عليٍّ، وعُثمان، وابنِ عبّاسٍ، واللَّه أعلمُ.
-
وأمّا مالكٌ والشّافِعيُّ وأبو حنيفةَ، فإنَّهُم لا يرونَ أن يُؤخذَ في الدِّيةِ شيءٌ إلّا الإبِلُ، أوِ الذَّهبُ، أوِ الورِقُ لا غير، وكذلك قال اللَّيثُ بن سعدٍ.
قال مالكٌ (٥) : لا يُقبَلُ من أهلِ الإبِلِ إلّا الإبِلُ، ولا من أهْلِ الذَّهَبِ إلّا الذَّهبُ، ولا من أهلِ الوَرِقِ إلّا الورِقُ.
وقال أبو يُوسُف ومحمدُ بن الحسنِ: الدِّيةُ من الرِّقةِ (٦) عشَرةُ آلافِ دِرهم على أهلِ الوَرِقِ، ومن الذَّهَبِ ألفُ دينارٍ على أهلِ الذَّهَبِ، وعلى أهلِ الإبِلِ مئةُ
ج ١١ ص ١٨٦بَعيرٍ، وعلى أهلِ البَقرِ مِئَتا بقرةٍ، وعلى أهلِ الشّاءِ ألفا شاةٍ، وعلى أهلِ الحُللِ مِئَتا حُلّةٍ يمانيةٍ.
قال: ولا يُؤخَذُ في البَقرِ إلّا الثَّنيُّ (١) فصاعِدًا، ولا يُؤخذُ من الحُللِ إلّا اليمانيةُ، قيمةُ كلِّ حُلّةٍ خمسُونَ دِرهمًا فصاعِدًا.
-
ومذهَبُ الثَّوريِّ في ذلك، كمذهبِ أبي يُوسُف ومحمدٍ، وذكرهُ الثَّوريُّ عن عُمرَ، ولم يُخالِفهُ.
-
وأمّا أبو حنيفةَ فخالَفَ ما رواهُ في ذلك عن عُمر في البَقرِ، والشّاءِ، والحُللِ.
قال أبو عُمر: رُوي ذلك عن عُمرَ من حديثِ الشَّعبيِّ وغيرِهِ، وبه قال عَطاءٌ وطاوُوسٌ وطائفةٌ من التّابِعينِ (٢) ، وهُو قولُ الفُقهاءِ السَّبعةِ المدنيِّين.
-
واختلَفَ الفُقهاءُ أيضًا في أسنانِ ديةِ الخطأ، إذا قُضي بالدِّيةِ إبِلًا، فقال مالكٌ (٣) والشّافِعيُّ (٤) وأصحابُهُما: ديةُ الخَطَأ أخماسًا. وكذلك قال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ (٥) .
-
إلّا أنَّهُمُ اختلفُوا في الأسنانِ من كلِّ صِنْفٍ، فقال مالكٌ والشّافِعيُّ: عِشرُونَ بنتَ مَخاضٍ، وعِشرُونَ ابنَ لبُونٍ، وعِشرُونَ بنتَ لبُونٍ، وعِشرُونَ حِقّةً، وعِشرُونَ جَذَعةً.
وقال أبو حنيفةَ: عِشرُونَ ابنَ مخاضٍ (٦) ، وعِشرُونَ بنتَ مخاضٍ، وعِشرُونَ بنتَ لبُونٍ، وعِشرُونَ حِقّةً، وعِشرُونَ جَذَعةً.
- ج ١١ ص ١٨٧
وهُو قولُ عبدِ اللَّه بن مسعُودٍ، رواهُ الثَّوريُّ وشعبةُ وغيرُهُما، عن منصُورٍ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّه بن مسعُودٍ (١) .
-
ورَوى زيدُ بن جُبَيرٍ، عن خِشْفِ (٢) بن مالكٍ، عن عبدِ اللَّه بن مسعُودٍ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِثلَهُ مرفُوعًا (٣) . إلّا أنَّ خِشْفَ بن مالكٍ ليسَ بمعرُوفٍ (٤) .
-
وأمّا قولُ مالكٍ والشّافِعيِّ، فرُوي عن سليمانَ بن يَسارٍ، وليسَ فيه عن صاحِبٍ شيءٌ، ولكِنَّهُ عليه أهلُ المدينةِ، وكذلك حَكَى ابنُ جُرَيج عنِ ابنِ شِهاب (٥) .
-
وذكرَ مَعْمرٌ، عنِ ابنِ شِهابٍ: أنَّ ديةَ الخَطَأ أرباعًا: ثلاثُونَ حِقّةً، وثلاثُون جَذَعةً، وعِشرُونَ ابنة مخاضٍ، وعِشرُونَ ابنَ لبُونٍ (٦) .
- ج ١١ ص ١٨٨
وكذلك رَوى مَعْمر (١) وابنُ جُرَيج (٢) ، عنِ ابنِ طاوُوسٍ، عن أبيه.
-
ورَوَى أبو إسحاقَ، عن عاصِم بن ضَمْرةَ، عن عليٍّ، في دِيةِ الخَطَأ أرباعًا: خمسٌ وعِشرُونَ جَذَعةً، وخمسٌ وعِشرُونَ حِقّةً، وخمسٌ وعِشرُونَ بنتَ مخاضٍ، وخمسٌ وعِشرُونَ بنتَ لبُونٍ (٣) .
-
وبِهذا قال عطاءٌ، إلّا أنَّهُ جعلَ مكانَ بناتِ لبُونٍ: بني لبُونٍ (٤) .
-
ورَوَى سُليمانُ بن موسى، عن عَمرِو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى: أنَّ من قُتِلَ خَطأً، فديتُهُ مئةٌ من الإبِلِ: ثلاثُونَ بنتَ مَخاضٍ وثلاثُونَ بنتَ لبُونٍ، وثلاثُونَ حِقّةً، وعَشْرٌ (٥) ابنُ لبُونٍ.
-
ذكرُه أبو داودَ، قال (٦) : حدَّثنا هارُونُ بن زيدِ بن أبي الزَّرقاءِ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بن راشِدٍ، قال: أخبرنا سُليمانُ بن مُوسى، فذكرهُ.
-
وذكرَ مَعْمرٌ، عنِ ابنِ أبي نَجيح، عن مُجاهِدٍ، في دِيةِ الخَطَأ، مِثلَ ذلك سَواءً (٧) .
ج ١١ ص ١٨٩قال أبو عُمر: اتَّفقَ مالكٌ وأبو حَنِيفةَ والشّافِعيُّ وأصْحابُهُم، على أنَّ دِيةَ الخَطَأ أخماسًا، على حَسَبِ ما ذكَرْنا عنهُم، منِ اختِلافِهِم في أسْنانِ الإبِلِ.
-
واتَّفقَ مالكٌ وأبو حَنِيفةَ، على أنَّ دِيةَ العَمدِ إذا قُبِلَتْ، ودِيةُ العَمدِ الذي لا قِصاصَ فيه، أرباعًا: خمسٌ وعِشرُونَ بنتَ مخاضٍ، وخمسٌ وعِشرُونَ بنتَ لبُونٍ، وخمسٌ وعِشرُونَ حِقّةً، وخمسٌ وعِشرُونَ جَذَعةً.
-
وأمّا الشّافِعيُّ (١) ، فالدِّياتُ عندَهُ دِيتانِ: مُخفَّفةٌ، ومُغلَّظةٌ. إحداهُما، وهي المُخفَّفةُ: دِيةُ الخَطَأ أخماسًا، على ما قدَّمنا ذِكرهُ عنهُ وعن مالكٍ. وهُو قولُ سُليمان بن يَسارٍ، وابنِ شِهاب، وأهلِ المدينةِ. والأُخرى: المُغلَّظةُ في العَمْدِ الذي لا قِصاصَ فيه، وفي شِبْهِ العَمدِ. والتَّغليظُ عندَهُ في ذلك كلِّهِ سواءٌ، وليسَ عندَ الشّافِعيِّ ديةٌ تُؤخَذُ أرباعًا.
-
وأمّا مالكٌ وأبو حنيفةَ، فالدِّياتُ عندَهُما ثلاثُ دياتٍ: دِيةُ الخَطَأ، على ما ذكرنا عنهُما وعن كلِّ واحِدٍ منهُما، ودِيةُ العَمدِ الذي لا قِصاصَ فيه، والدِّيةُ المُغلَّظةُ.
-
واتَّفقَ مالكٌ والشّافِعيُّ وأبو حَنِيفةَ وأبو يُوسُفَ، على أنَّ الدِّيةَ المُغلَّظةَ ثلاثُون حِقّةً، وثلاثُونَ جَذَعةً، وأربعُونَ خَلِفةً في بُطُونِها أولادُها.
-
وخالَفهُم محمدُ بن الحسنِ، فقال: في المُغلَّظةِ ثلاثٌ وثلاثُونَ حِقّةً، وثلاثٌ وثلاثُونَ جَذَعةً، وأربعٌ وثلاثُونَ خَلِفةً.
قال أبو عُمر: فالدِّياتُ عندَ مالكٍ، وأبي حنيفةَ ثلاثُ دياتٍ: ديةُ الخطأ أخماسًا، ودِيةُ العَمدِ، الذي لا قصاصَ فيه أرباعًا، والدِّيةُ المُغلَّظةَ أثلاثًا، على حسَبِ ما ذكرنا عنهُم، إلّا أنَّ محمد بن الحسنِ خالَفهُم في أسنانِ الدِّيةِ المُغلَّظةِ، على حسَبِ ما ترى.
- ج ١١ ص ١٩٠
ورُوي مِثلُ قولِ محمدِ بن الحسنِ، عن زيدِ بن ثابتٍ (١) . وهُو صحيحٌ مشهُورٌ عنهُ.
-
ورُوي مِثلُ قولِ مالكٍ والشّافِعيِّ وأبي حنيفةَ في أسنانِ الدِّيةِ المُغلَّظةِ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- من وُجُوهٍ.
- واختلَفُوا فيما تُغلَّظُ فيه الدِّيةُ:
-
فقال مالكٌ (٢) : الدِّيةُ تُغلَّظُ على الأبِ في قتلِهِ ابنَهُ، وكذلك الجدُّ لا غير، ولا تُغلَّظُ الدِّيةُ في غيرِ ذلك. وأنكر شِبه العَمدِ ولم يعرِفهُ.
-
والتَّغليظُ عِند مالكٍ في النَّفسِ، وفي الجِراح على أهلِ الإبِلِ في الجِنْسِ، وعلى أهلِ الذَّهَبِ والوَرِقِ زيادةً، اعتِبارًا بقيمةِ الإبِلِ.
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ: لا تُغلَّظُ الدِّيةُ إلّا في شِبْهِ العَمدِ. قالوا: والتَّغليظُ في النَّفسِ، دُونَ الجِراح.
وقال الشّافِعيُّ (٣) : تُغلَّظُ الدِّيةُ في شِبْهِ العَمدِ، وفي العَمدِ الذي لا قِصاصَ فيه، التَّغليظُ في ذلك سواءٌ.
قال: والتَّغليظُ في النَّفسِ، والجِراح جميعًا.
قال أبو عُمر: قد ذكَرْنا شِبه العَمدِ ومَعناهُ، وما للعُلماءِ فيه من التَّنازُع، والمعاني في كِتابِ "الأجْوِبةِ عنِ المسائلِ المُسْتَغربةِ" (٤) والحمدُ للَّه.
قال أبو عُمر: دِيةُ الخَطأ تكونُ أخماسًا عندَ مالكٍ والشّافِعيِّ ومن تابَعهُما على ما ذكَرْنا عنهُم وعن أهلِ المَدينةِ: عِشرُونَ بنتَ مخاضٍ، وعِشرُونَ ابنَ لبُونٍ، وعِشرُونَ بنتَ لبُونٍ، وعِشرُونَ حِقّةً، وعِشرُونَ جَذَعةً.
- ج ١١ ص ١٩١
وتكونُ أيضًا أخماسًا عندَ أبي حنيفةَ، والثَّوريِّ، والكُوفيِّينَ، على ما ذكَرْنا عنهم.