عبد الله بن أبي بكر بن حزم

٨٢٥ فقرة، ج ١١ ص ٥

الصفحة ١٦ من ٢١

  1. وعن ابنِ مسعُودٍ في ذلك: عِشْرُونَ ابنَ مخاضٍ، وعِشرُونَ بنتَ مخاضٍ، وعِشرُونَ بنتَ لبُونٍ، وعِشرُونَ حِقّةً، وعِشرُونَ جَذَعةً (١) .

    ج ١١ ص ١٩١
  2. فالاختِلافُ بينَ الحِجازيِّينَ والعِراقيِّينَ في هذه المسألةِ، أن جَعلُوا مكانَ ابنِ لبُونٍ: ابنَ مخاضٍ، فافهَمْ.

    وقال أبو جَعفرٍ الطَّحاويُّ: قولُ من جعلَ في الخَطَأ مكانَ ابنِ لبُونٍ، ابن مخاضٍ أولى، لأنَّ بني اللَّبُونِ، أعلى من بني المخاضِ (٢) .

  3. فلا تثبُتُ هذه الزِّيادةُ، إلّا بتوقيفٍ.

    وقال أبو بكرٍ الرّازيُّ: وأيضًا فإنَّ ابن لبُونٍ بمنزِلةِ ابنةِ (٣) مخاضٍ فيصيرُ مُوجِبُهُ بمنزِلةِ مُوجِبِ أربعين بنت مخاضٍ.

    قال أبو عُمر: أسنانُ الإبِلِ في الدِّياتِ لم تُؤخَذْ قياسًا، ولا نظرًا، وإنَّما أُخِذتِ اتِّباعًا وتسليمًا، وما أُخِذ من جِهةِ الأثرِ، فلا مدخلَ فيه للنَّظرِ، فكلٌّ يقولُ بما قد صحَّ عِندهُ، عن سَلفِهِ رضي اللَّه عنهُم أجمعين.

  4. والذي ذكَرهُ أهلُ اللُّغةِ في بناتِ اللَّبُونِ، وبَناتِ المَخاضِ، وبني اللَّبُونِ، غيرُ ما ذَكَرهُ الرّازيُّ، وذلك أنَّ أبا إسحاقَ الحربيَّ، ذكر عن أبي نصرٍ، عنِ الأصمعيِّ، قال: لقاحُ الإبِلِ، أن تحمِلَ سنةً، وتُجمَّ (٤) سنةً، فإذا وضَعْتِ النّاقةُ، وانقطَعَ لبنُها،

    ج ١١ ص ١٩٢وحملت لتمام سَنةٍ، من يومَ وَضَعتهُ، سُمِّيت: المخاضَ، وولدُها: ابنُ مخاضٍ وبنتُ مخاضٍ، فإذا أتى على حَملِ أُمِّهِ عَشَرةُ أشهُرٍ، فهي العُشَراءُ والعِشارُ، فإذا وضعَتْ لتمام سَنةٍ، فالولدُ: ابنُ لبُونٍ، والأُنْثَى: بنتُ لبُونٍ، لأنَّهُ قد صارَ لأُمِّهِ لبنٌ من الحَملِ الذي كان بَعدهُ، فإذا مَضتِ السَّنةُ، واستحقَّت أُمُّهُ حَمْلًا آخرَ، فهُو حِقُّ سنةٍ، والأُنثى حِقّةٌ، فإذا مَضَتِ الرّابعةُ، ودَخلتِ الخامِسةُ، فهُو جَذَعٌ، والأُنْثَى جَذَعةٌ، ولم يُلقِ سِنًّا، ثُمَّ هُو في السّادِسةِ ثَنِيٌّ، والأُنْثى ثَنِيّةٌ، فإذا دَخلتِ السّابعةُ، فهُو رَبَاعٌ، والأُنْثى رَبَاعيةٌ، فهذا قولُ الأصْمَعيِّ فيما ذكرَ الحَرْبيُّ.

  5. وأخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: أخبَرنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ قال (١) : أخبَرنا عبدُ اللَّه بن ياسين، قال: قال أبو عُبَيدةَ: إذا مَضَى الحولُ، فُطِم الفَصِيلُ، وذلك في الرَّبيع، ولا يُفطَمُ حتّى يأكُل البُقول، فإذا كان عقِبَ الرَّبيع بعدَ رَعْي السَّعدانِ، فُطِمتِ الفُصلانُ في رأسِ الحولِ، وتُلقَّحُ أُمَّهاتُها حينَ تُفطَمُ، فهي حينئذٍ بناتُ مَخاضٍ، إلى أن تُنْتَجَ أُمَّهاتُها في رأسِ القابِل، من تَمام حَوْلينِ، وهي إلى أن تَمْضي الحَوْلانِ بنو مَخاضٍ، فإذا نُتِجَتْ أُمَّهاتُها في رأسِ الحَوْلِ من العام الثّاني، بعدَ ما يتِمُّ لبناتِ المَخاضِ حَوْلانِ من النِّتاج، فهي بناتُ لبُونٍ، حتّى تَسْتوفي العامَ الثالث، فإذا كان رأسُ ثلاثِ سِنينَ، لُقِّحت أُمَّهاتُها أو لم تُلقَّح، فهي حِقاقٌ، الذَّكرُ: حِقٌّ، والأُنثى: حِقّةٌ، فهي كذلك حِقاقٌ، حتّى تَسْتوفي أربعَ سِنين، فإذا كان رأسُ أربع سِنينَ، نُتِجَتْ أُمَّهاتُها أو لم تُنْتَجْ، فهي جِذاعٌ، وجُذعٌ، وجُذعانٌ، الذَّكرُ: جَذَعٌ، والأُنثى: جَذَعةٌ، وهي كذلك جِذاعٌ، حتّى تستوفي خمسَ سنينَ، فإذا كان رأسُ الخَمسِ سِنينَ، فهي الثَّنيُّ، والثِّنيانُ جمعُ الذُّكُورِ منها، والذَّكرُ الواحِدُ: ثنيٌّ، والأُنثى: ثَنِيّةٌ، حتّى تستوفيَ سِتَّ سِنينَ، فإذا كان رأسُ سِتِّ سِنينَ، فهي رُبَعٌ، الذَّكرُ: رَباعٌ، والأُنثَى

    ج ١١ ص ١٩٣رَباعيةٌ، فهي كذلك، حتّى تستوفيَ سبع سِنينَ، فإذا كان رأسُ سبع سِنينَ، فهي سَدَسٌ، الذَّكرُ والأُنثى سَواءٌ، سَدِيسٌ وسَدَسٌ، فهي كذلك، حتّى تستوفيَ ثمانيَ سِنينَ، فإذا كان رأسُ ثماني سِنينَ، فهي بُزْلٌ وبُزَّلٌ، الذَّكرُ بازِلٌ، والأُنثى بَزُولٌ، إلى تِسع سِنينَ، ويُقالُ: أوَّلُ ما يخرُجُ بازِلُهُ، وهُو نابُهُ، فطر نابُهُ، ثُمَّ يكونُ مُخلِفَ عام، ومُخلِفَ عامينِ، ومُخلِفَ ثلاثةِ أعوام، ومُخلِفَ أربعةِ أعوام، ومُخلِفَ خمسةِ أعوام، فإذا جاوَزَ خمسةَ أعوام ببزلِهِ، فهُو عَوْدٌ.

    قال أبو عُمر: هذا كلُّهُ قولُ أبي عُبيدةَ. وقال أبو عُبيدٍ عن غيرِ واحِدٍ: إذا دخلَ في السَّنةِ الرّابعة، فهُو حِقٌّ، والأُنثى حِقّةٌ؛ لأنَّها اسْتَحقَّت أن يُحمَل عليها، واسْتَحقَّ أن يُحملَ عليه ويُركَب، فإذا دخلَ في الخامِسةِ، فهُو جَذَعٌ، وجَذَعةٌ، فإذا دخلَ في السّادِسةِ، وألقى ثنيَّتهُ، فهُو ثَنيٌّ، فإذا دخلَ في السَّابعة، فهُو رَباعٌ ورَباعيةٌ، فإذا دخلَ في الثّامِنةِ، فألقى السِّنَّ الذي بعدَ الرَّباعيةِ، فهُو سَدِيسٌ وسَدَسٌ، فإذا دخلَ في التّاسِعةِ، فطَر نابُهُ وطلَعَ، فهُو بازِلٌ، فإذا دخلَ في العاشِر (١) ، فهُو مُخلِفٌ، ثُمَّ ليسَ لهُ اسمٌ، ولكِن يُقالُ: بازِلُ عام، وبازِلُ عامَينِ، ومُخلِفُ عام، ومُخلِفُ عامينِ، إلى ما زادت.

    قال أبو عُبيدٍ: وإذا لُقِّحتِ النّاقةُ، فهي خَلِفةٌ، فلا تزالُ خَلِفةً إلى عَشَرةِ أشْهُرٍ، فإذا بَلغتِ عَشَرةَ أشهُرٍ، فهي عُشَراءُ.

    وقال النَّضرُ بن شُمَيلٍ: بنتُ مخاضٍ لسَنةٍ، وبنتُ لبُونٍ لسَنتينِ، وحِقّةٌ لثلاثٍ، وجَذَعةٌ لأربع، وثنيٌّ لخمسٍ، ورَباعٌ لستٍ، وسَدِيسٌ لسبع، وبازِلٌ لثمانٍ.

    وقال أبو حاتِم: قال بعضُهُم: إذا ألْقَى رَباعيتهُ، فهُو رباعٌ، وإذا ألقى ثَنِيَّتهُ، فهُو ثنيٌّ. لا أدري أسمِعتُهُ من الأصمعيِّ، أم لا؟

    ج ١١ ص ١٩٤وقال الأصمعيُّ: والجُذُوعةُ وقتٌ، وليسَ بسِنٍّ.

    قال أبو عُمر: أجمعَ العُلماءُ على أنَّ دياتِ الرِّجالِ، شَريفِهِم ووَضيعِهِم سَواءٌ، إذا كانوا أحْرارًا مُسلِمينَ، وكذلك ذُكُورُ الصِّبيانِ في دياتِهِم كآبائهِمُ، الطِّفلُ والشَّيخُ في ذلك سواءٌ، وكذلك الطِّفلةُ، كأُمِّها في دِيَتِها.

  6. وقد أجمعَ العُلماءُ على أنَّ دِيةَ المرأةِ، على النِّصفِ من ديةِ الرَّجُلِ، إلّا أنَّ العُلماءَ في جِراح النِّساءِ مُختلِفُونَ.

  7. فكان مالكٌ واللَّيثُ وجُمهُورُ أهلِ المدينةِ يقولُونَ: يَسْتوي الرَّجُلُ والمرأةُ في عَقلِ الجِراح، حتّى تبلُغ ثُلُثَ ديةِ الرَّجُلِ، ثُمَّ تكونُ ديةُ المرأةِ على النِّصفِ (١) .

  8. وهُو قولُ زيدِ بن ثابتٍ (٢) ، وسعيدِ بن المُسيِّبِ، وعُروةَ (٣) ، والزُّهريِّ، والفُقهاءِ السَّبعةِ، وربيعةَ، وابنِ أبي سلمةَ، ويحيى بن سعيدٍ، وأبي الزِّنادِ.

    وقالت طائفةٌ من أهلِ العِلم: تُعاقِلُ المرأةُ الرَّجُل، إلى دِيةِ المُوضِحةِ، ثُمَّ تعُودُ إلى النِّصفِ من ديتِهِ.

    وقال الثَّوريُّ وأبو حَنِيفةَ والشّافِعيُّ: دِيةُ المرأةِ وجِراحُها، على النِّصفِ من ديةِ الرَّجُلِ، فيما قلَّ أو كَثُر (٤) .

  9. وهُو قَولُ عليِّ بن أبي طالِبٍ (٥) ، وعبدِ اللَّه بن مَسْعُودٍ (٦) ، وجَماعةٍ من التّابِعينَ.

  10. وإنَّما صارت ديتُها، واللَّهُ أعلمُ، على النِّصفِ من ديةِ الرَّجُلِ، من أجلِ أنَّ لها نِصفَ ميراثِ الرَّجُلِ، وشهادةُ امرأتينِ، بشهادةِ رجُلٍ.

    ج ١١ ص ١٩٥
  11. وهذا إنَّما هُو في دِيةِ الخَطَأ.

  12. وأمّا العَمدُ، ففيه القِصاصُ بينَ النِّساءِ والرِّجالِ، لقولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: ٤٥] ، و {الْحُرُّ بِالْحُرِّ} [البقرة: ١٧٨] ، ولِتكافُؤِ دِماءِ المُؤمِنين (١) الأحرارِ.

  13. واختلَفَ العُلماءُ أيضًا في دِياتِ الكُفّارِ:
  14. فقال مالكٌ (٢) : دِيةُ أهلِ الكِتابِ على النِّصفِ من دِيةِ المُسلِم، ودِيةُ المجُوسيِّ، ثمانِ مئةِ دِرهم، ودياتُ نِسائهِم على النِّصفِ من ذلك. وهُو قولُ أحمد بن حَنْبل.

  15. وذكر مالكٌ في "المُوطَّأ" (٣) أنَّهُ بَلَغهُ أنَّ عُمرَ بن عبدِ العزيزِ قَضَى: أنَّ ديةَ اليهُوديِّ والنَّصرانيِّ إذا قُتِلَ أحدُهُما، مِثلُ نِصفِ ديةِ الحُرِّ المُسلِم.

  16. وهذا المعنى قد رَوَى فيه سُليمانُ بن بلالٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِثِ بن عيّاشِ بن أبي رَبِيعةَ، عن عَمرِو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ: أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جعلَ ديةَ اليهُوديِّ والنَّصرانيِّ، على النِّصفِ من ديةِ المُسلِم (٤) .

  17. وعبدُ الرَّحمنِ هذا قد رَوَى عنهُ الثَّوريُّ وسُليمانُ بن بلالٍ.

  18. وقد رَوَى ابنُ إسحاقَ هذا الحديث، عن عَمرِو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّهِ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِثلهُ (١) .

    وقال الشّافِعيُّ (٢) : ديةُ اليهُوديِّ والنَّصرانيِّ، ثُلُثُ ديةِ المُسلِم، وديةُ المجُوسيِّ، ثمانِ مئةِ دِرهم. وحُجَّتُهُ، أنَّ قولَهُ أقلُّ ما قيلَ في ذلك، والذِّمّةُ بريئةٌ، إلّا بيقينٍ أو حُجّةٍ.

    وقال أبو حَنِيفةَ والثَّوريُّ وعُثمانُ البَتِّيُّ والحسنُ بن حَيٍّ: الدِّياتُ كلُّها سواءٌ، ديةُ المُسلِم، واليهُوديِّ، والنَّصرانيِّ، والمجُوسيِّ، والمُعاهَدِ، والذِّمِّيِّ (٣) . وهُو قولُ سَعيدِ بن المُسيِّبِ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، والزُّهْريِّ (٤) .

    قال أبو عُمر: الآثارُ في هذا البابِ مُختلِفةٌ، المرفُوعةُ منها والموقُوفةُ، واختِلافُ السَّلفِ في هذه المسألةِ، واعتِلالُهُم لأقاويلِهِم يَطُولُ ويَكثُرُ، وليسَ ذلك مِمّا يجِبُ الإتيانُ به على شَرْطِنا.

    ج ١١ ص ١٩٦
  19. ولو ذكَرْنا ذلك، وذكرنا أُصُولَ مسائلِ القِصاصِ بين العَبيدِ والأحرارِ، والمُسلِمين والكُفّارِ، لخَرَجنا عمّا لهُ قَصَدْنا في تأليفِنا، ولكِنّا إنَّما تَعرَّضنا ليتبين ما في حَديثِنا في هذا البابِ من المعاني، واللَّه المُعينُ لا شريكَ لهُ.

  20. ومِن أعلى ما رُوي من الآثارِ في دِياتِ الكُفّارِ، ما رَواهُ ابنُ إسحاق، عن عَمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال عامَ الفتح في خُطبتِهِ: "دِيةُ الكافِرِ المُعاهدِ، نِصفُ دِيةِ المُسلِم" (٥) .

  21. ورَوَى ابنُ إسحاق أيضًا، عن داود بَن الحُصَينِ، عن عِكْرِمةَ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، في قِصّةِ بني قُرَيظةَ والنَّضيرِ: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- جعلَ دِيَتهُم سَواءً، دِيةً كامِلةً (١) .

    ج ١١ ص ١٩٧
  22. فاحتجَّ بهذا الخبرِ من ذهَبَ مذهبَ أبي حنيفةَ في ذلك، واحَتجُّوا أيضًا بقولِهِ (٢) عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: ٩٢] .

  23. فأمّا ما احتجُّوا به من الأثرِ، فإنَّهُ حديثٌ فيه لينٌ، وليس في مِثلِهِ حُجّةٌ.

  24. وأمّا قولُهُ عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} (٣) . فمَعناها عندَ أهلِ الحِجازِ، مَردُودٌ على قولِهِ: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً} .

    ثُمَّ قال: {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ} يُريدُ ذلك المُؤمِن، واللَّه أعلمُ.

  25. وقولُهُ: {فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ} على لَفظِ النَّكِرةِ، ليس يَقْتضي ديةً بعينِها.

  26. واختُلِفَ عن أبي بكرٍ وعُمر وعُثمانَ، في ديةِ الكافِرِ، فرُوي عنهُم في ذلك القولانِ جميعًا (٤) ، وباللَّه التَّوفيقُ.

    قال أبو عُمر: أمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "وفي الأنفِ إذا أُوعِيَ جَدْعًا" . فهكذا هُو عِندنا في "المُوطَّأ" : "أُوعِيَ" . وكذلك رواهُ جماعةٌ في غيرِ "المُوطَّأ" عن غيرِ

    ج ١١ ص ١٩٨واحِدٍ من سَلَفِ أهلِ العِلم والفِقهِ، من أهلِ الحِجازِ وغيرِهِم، ورواهُ بعضُهُم: "وفي الأنْفِ إذا أُوعِبَ جَدْعُهُ" ، أو: "أُوعِبَ جَدْعًا" (١) . رواهُ هكذا جماعةٌ أيضًا.

  27. وهذا اللَّفظُ عندَ أهلِ اللُّغةِ أولى؛ لأنَّ الوَعبَ: إيعابُكَ الشَّيءَ، تقولُ العربُ: أوعبتُ الشَّيءَ، واسْتَوعبتهُ، إذا اسْتَأصلتَهُ.

  28. وأمّا الجَدْعُ في كلام العربِ، فالقَطْعُ للأنفِ والأُذُنِ جميعًا دُون غيرِهِما. هذا أصلُ اللَّفظةِ، يُقالُ منهُ: رجُلٌ أجدعُ، ومجدُوعٌ، وقد جُدِع أنفُهُ، وجُدِعت أُذُنُهُ.

  29. ولا يختلِفُ العُلماءُ أنَّ الأنفَ إذا اسْتُؤصِلَ بالجَدْع والقَطْع، فيه الدِّيةُ كامِلةٌ، مئةٌ من الإبِلِ، أو على ما ذكَرْنا من مذاهِبِهِم في الدِّيةِ، على أهلِ الذَّهَبِ، وأهلِ الورِقِ، ومذاهِبِهِم في أسْنانِ الإبِلِ في ذلك.

  30. وقدِ اختَلفُوا في المارِنِ إذا قُطِع، ولم يُسْتَأصلِ الأنفُ كلُّهُ.

  31. فذهَبَ مالكٌ (٢) والشّافِعيُّ (٣) وأبو حنيفةَ (٤) وأصحابُهُم، إلى أنَّ في ذلك الدِّيةَ كامِلةً، ثُمَّ إن قُطِعَ منهُ بعدَ ذلك شيءٌ، ففيه حُكُومةٌ (٥) .

    قال مالكٌ (٦) : الذي فيه الدِّيةُ من الأنفِ، أن يُقطع المارِنُ، وهُو دُونَ العَظْم.

    ج ١١ ص ١٩٩قال ابنُ القاسم (١) : وسواءٌ قُطِعَ المارِنُ من العَظْم، أو استُؤصِل (٢) الأنفُ من العظم من تحتِ العَينينِ، إنَّما فيه الدِّيةُ، كالحَشَفةِ فيها الدِّيةُ، وفي استِئصالِ الذَّكرِ الدِّيةُ.

    قال ابنُ القاسم: وإذا خُرِمَ (٣) الأنفُ، أو كُسِرَ، فبرِئَ على عَثْم (٤) ، ففيه الاجتِهادُ، وليسَ فيه ديةٌ معلُومةٌ، وإن برِئَ على غيرِ عَثْم، فلا شيءَ فيه. قال: وليسَ العَملُ عندَ مالكٍ على ما قيلَ: إنَّ في كلِّ نافِذةٍ في عُضوٍ من الأعْضاءِ ثُلُثَ دِيةِ ذلك العُضوِ. قال: وليسَ الأنفُ إذا خُزِم فبرِئَ على غيرِ عَثْم، كالمُوضِحةِ تَبْرأ على غيرِ عَثْم، فتكونُ فيها ديتُها؛ لأنَّ تلك جاءَت بها السُّنّةُ، وليسَ في خَزْم الأنفِ أثرٌ، قال: والأنفُ عَظْمٌ مُنفرِدٌ، ليس فيه مُوضِحةٌ.

    وقال الشّافِعيُّ (٥) -في الأنفِ إذا أُوعِيَ مارِنُهُ جَدْعًا-: الدِّيةُ.

    قال أبو عُمر: مارِنُ الأنفِ: طَرَفُهُ ومُقدَّمُهُ، وهُو ما لانَ منهُ، وفيه جَمالُهُ كلُّهُ.

  32. وقد رُوي عن مُجاهِدٍ وعطاءٍ: أنَّ في الأنْفِ جائفةً (٦) .

    قال مُجاهِدٌ: ثُلُثُ الدِّيةِ، فإن نفَذَتْ، فالثُّلُثانِ (٧) .

  33. وعن عُمرَ بن الخطّابِ: أنَّهُ جعلَ في إحْدَى قَصَبتيِ الأنفِ حِقَّتينِ (٨) .

  34. وعن عُمرَ بن عبدِ العزيزِ قال: إذا كُسِرَ الأنفُ كسرًا يكونُ شينًا، فسُدُسُ ديةٍ. قال: وإن هُشِمَ، فعَرَضَتْ منهُ الغُنّةُ، والبَحَحُ (١) ، وفَسادُ الكلام، فنِصفُ الدِّيةِ. قال: وإن هُبِرَ المارِنُ، فصارَ مهبُورًا، ففيه ثُلُثُ الدِّيةِ. قال: وإن لم يَكُن فيه عَيْبٌ، ولا غُنّةٌ، ولا ريحٌ تُوجَدُ منهُ، فرُبُعُ الدِّيةِ. قال: وإن ضُرِبَ أنفُهُ، فبرِئَ على غيرِ عَثْم، غير أنَّهُ لا يجِدُ ريحًا طيِّبةً، ولا مُنتِنةً، فلهُ عُشْرُ الدِّيةِ. قال: وإذا أُوعِيَ جَدْعُهُ، ففيه الدِّيةُ، قال: وما أُصيبَ منهُ دُون ذلك، فبحِسابِ ذلك.

    ج ١١ ص ٢٠٠
  35. ذكرهُ عبدُ الرَّزّاقِ (٢) ، عنِ ابنِ جُريج، عن عبدِ العزيزِ بن عُمر بن عبدِ العزيزِ، عن أبيه.

  36. وهُو محفُوظٌ عنهُ من وُجُوهٍ، ولكِنَّ الفُقهاءَ على مُخالفتِهِ في ذلك، وقد يحتَمِلُ أن يكونَ ذلك منهُ على وَجهِ الحُكُومةِ، لا على التَّوقيفِ.

  37. وذكَرَ ابنُ جُريج، عنِ ابنِ أبي نَجِيح، عن مُجاهِدٍ، أنَّهُ كان يقولُ: في الرَّوثةِ من الأنْفِ الثُّلُثُ، فإذا بلغَ المارِنُ العَظْم، فالدِّيةُ وافيةً، فإن أُصيبَتْ من الرَّوثةِ الأرْنَبةُ أو غيرُها، ما لم تبلُغِ العظمَ، فبحِسابِ الرَّوثةِ (٣) .

    وقال مَعْمرٌ، عنِ ابنِ أبي نَجيح، عن مُجاهِدٍ: في رَوْثةِ الأنْفِ ثُلُثُ الدِّيةِ (٤) .

  38. وذكر مَعمرٌ، عن رَجُلٍ، عن عِكْرِمةَ، قال: قَضَى رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في الأنْفِ إذا جُدِعَ كلُّهُ بالدِّيةِ، وإذا جُدِعَتْ رَوْثَتُهُ بنِصفِ الدِّيةِ.

    قال: وقضى بذلك عُمرُ (٥) .

  39. وذكَرَ ابنُ جُرَيج، عن عَمرِو بن شُعَيبٍ، قال: قَضَى رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في الأنْفِ إذا جُدِعَ كلُّهُ بالعَقلِ كامِلًا، وإذا جُدِعَتْ رَوْثتُهُ فنصفُ العَقْل: خمسينَ من الإبِلِ، أو عِدْلَها من الذَّهَبِ أوِ الورِقِ، أوِ البَقرِ أوِ الشّاءِ (١) .

    قال أبو عُمر: اتَّفقَ مالكٌ (٢) والشّافِعيُّ (٣) وأبو حنيفةَ وأصحابُهُم، على أنَّ الأنفَ لا جائفةَ فيه، ولا جائفةَ عندَهُم إلّا فيما كان في الجَوفِ، وأنَّ الدِّيةَ تجِبُ في قَطْع مارِنِ الأنْفِ.

    ج ١١ ص ٢٠١
  40. والمارِنُ: ما لانَ منَ الأنفِ. كذلك قال الخليلُ (٤) وغيرُهُ.