عبد الله بن أبي بكر بن حزم
٨٢٥ فقرة، ج ١١ ص ٥
الصفحة ٥ من ٢١
- ج ١١ ص ٥٣
حدَّثنا إبراهيمُ بن شاكِرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عُثمانَ. وأخبرنا عبدُ العزيزِ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن مُطرِّفٍ. قالا: حدَّثنا سعيدُ بن عُثمانَ الأعناقيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الملكِ بن صالح، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه الرَّقاشيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن زُرَيع، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ، عن عائشةَ، قالت: كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قد نَهَى عن لُحُوم الأضاحيِّ بعدَ ثَلاثٍ، فلمّا كان في العام القابِلِ، وضَحَّى النّاسُ. قالت: قلتُ: يا رسُولَ اللَّه، إن كانت هذه الأضاحيُّ لَتَرْفُقُ النّاسَ (٣) كانوا يدَّخِرُونَ من لُحُومِها ووَدَكِها، قال: "فما مَنَعهُم من ذلك؟ " قلتُ: يا نبيَّ اللَّه، أولم تَنْههُم عامَ الأوَّلِ عن أن جملُوا لُحُومَها بعدَ ثلاثٍ؟ قال: "إنَّما نَهَيتُ عن ذلك
ج ١١ ص ٥٤للحاضِرةِ التي حَضَرتهُم من أهلِ الباديةِ، ليَبُثُّوا لُحُومَها فيهم، فأمّا الآنَ فليأكُلُوا وليدَّخِرُوا " (١) .
-
وقد ثبتَ عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّهُ قال: "كنتُ نهيتُكُم عن زيار القُبُورِ فزُورُوها، ونَهَيتكم عن لُحُوم الأضاحيِّ بعدَ ثلاثٍ فكُلُوا، وادَّخِرُوا، وتزوَّدُوا " (٢) .
-
وقد ذكَرْنا الآثارَ بذلك في بابِ ربيعةَ، من كِتابِنا هذا.
-
وتكلَّمنا على معاني هذا الحديثِ هُناكَ، بما يُغني عن إعادتِهِ هاهُنا، وباللَّه توفيقُنا.
-
أخبَرَنا خلَفُ بن القاسم وعبدُ اللَّه بن محمدِ بن أسدٍ، قالا: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن جعفرِ بن الوَردِ، قال: حدَّثنا بكرُ بن سَهْلٍ والوليدُ بن العبّاسِ بن مُسافِرٍ، قالا: حدَّثنا أبو صالح عبدُ اللَّه بن صالح (٣) ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، قال: حدَّثني عُبيدُ اللَّه بن أبي جَعْفرٍ، عن أبي الأسودِ، عن هشام بن عُروةَ، عن يحيى بن سَعيدٍ، عن عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ، عن عائشةَ، أنَّها قالت في لَحْم الضَّحايا: كُنّا نُصلِحُ منهُ، ويَقْدَمُ فيه النّاسُ إلى المدينةِ، وقال لنا رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تأكُلُوا إلّا ثلاثةَ أيام". ليسَ بالعَزيمةِ، ولكِن أرادَ أن يُطعِمُوا منهُ (٤) .
-
فهذا الحديثُ يُبيِّنُ لكَ معنى النَّهي عن أكلِ لُحُوم الضَّحايا: أنَّهُ كان ندبًا إلى الخيرِ لا إيجابًا.
-
وفي إسنادِ هذا الحديثِ رِوايةُ النَّظيرِ عنِ النَّظيرِ، والكبيرِ عنِ الصَّغيرِ، وعلى هذا كان السَّلفُ رضي اللَّه عنهُم أجمعين.
- ج ١١ ص ٥٥
حديثٌ سادِسٌ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ
مالكٌ (١) ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ عائشةَ أُمَّ المُؤمِنينَ أخْبَرتها: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان عندَها، وأنَّها سمِعَتْ صوتَ رَجُلٍ يَسْتأذِنُ في بيتِ حَفْصةَ، قالت عائشةُ: فقلتُ: يا رَسُولَ اللَّه هذا رجُلٌ يَسْتأذِنُ في بيتِكَ. فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أُراهُ فُلانًا" -لعمِّ حَفْصةَ من الرَّضاعةِ- فقالت عائشةُ: يا رسُولَ اللَّه لو كان فُلانٌ حيًّا، لعمِّها من الرَّضاعةِ، دخَلَ عليَّ؟ فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نعَمْ، إنَّ الرَّضاعةَ تُحرِّمُ ما تُحرِّمُ الوِلادةُ" .
-
قد مَضَى القولُ في معنى هذا الحديثِ، وما كان مِثلهُ، في بابِ ابنِ شِهاب، عن عُروةَ، فلا معنَى لإعادةِ ذلك هاهُنا.
-
وقد نَسَبْنا عمرةَ بنتَ عبدِ الرَّحمنِ فيما مَضَى أيضًا، من كِتابِنا هذا.
-
وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: لعمِّ حَفْصةَ من الرَّضاعةِ. فإنَّهُ كان عمَّها؛ لأنَّهُ كان أخا عُمر بن الخطّابِ من الرَّضاعةِ، أرْضَعتهُما امرأةٌ واحِدةٌ، وليسَ كأفلحَ أخي أبي القُعَيسِ، عمِّ عائشةَ.
-
وقد ذكَرْنا كيفَ المعنى في قِصّةِ عائشةَ، مع أخي أبي القُعَيسِ، في بابِ ابنِ شِهاب، عن عُروةَ، فلا معنَى لتكريرِهِ هاهُنا.
-
وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "إنَّ الرَّضاعةَ تُحرِّمُ ما تُحرِّمُ الوِلادةُ" ففيه دليلٌ على أنَّ امرأةَ الابنِ من الرَّضاعةِ مُحرَّمةٌ.
-
فإن ظنَّ ظانٌّ، أنَّ في قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ} [النساء: ٢٣] دليلٌ على أنَّ الأبناءَ من الرَّضاعةِ، لا تُحرَّمُ
ج ١١ ص ٥٦حَلائلهُم على آبائهِم، فليسَ كما ظنَّ؛ لأنَّ هذه الآيةَ إنَّما نزلَتْ في حَلائلِ الأبناءِ من الأصلابِ، نفيًا للذينِ تَبنَّوا، ولم يكونُوا أبناءً، مِثل زيدِ بن حارِثةَ، إذ تبنّاهُ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكان يُدعَى: زيد بن محمدٍ، حتّى نَزَلت: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} [الأحزاب: ٥] ، ثُمَّ نكحَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- امرأتهُ، بعدَ أن قَضَى زيدٌ منها وَطَرهُ وطلَّقها، فمعنى قولِهِ: {الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ} يُريدُ غير المُتَبنَّينَ.
-
وأمّا الرَّضاعةُ فلا، ألا تَرى إلى قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [النساء: ٢٣] بعد قولِهِ: {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ} ، أنَّهُ قد دخلَ فيه بإجماع المُسلِمينَ: الأُختانِ من الرَّضاعةِ، لِما بيَّنهُ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في الرَّضاعةِ أنَّها تُحرِّمُ ما يُحرِّمُ النَّسبُ، فلو تزوَّجَ رجُل صَبِيَّتينِ رَضِيعتينِ، فجاءَتِ امرأةٌ، فأرْضَعتهُما، صارتا أُختَينِ بالرَّضاع، وحُرِّمتا عليه، واستأنفَ نِكاحَ أيَّتِهِما شاءَ.
-
فقِفْ على الأصلِ في هذا البابِ، وفي كلِّ بابٍ، تَعرِف به وجهَ الصَّوابِ.
- ج ١١ ص ٥٧
حديثٌ سابعٌ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ
مالكٌ (١) ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر، عن عَمرةَ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: كان فيما أُنزِلَ من القُرآنِ: "عَشْرُ رَضَعاتٍ معلُوماتٍ [يُحرِّمنَ] (٢) " . ثُمَّ نُسِخنَ بخَمسٍ معلُوماتٍ، فتُوُفِّي رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهُو مِمّا يُقرَأُ من القُرآنِ.
-
هذا أصحُّ إسنادٍ لهذا الحديثِ عن عائشةَ (٣) .
-
وإلى القَول بهذا الحديثِ، في مِقدارِ الرَّضاع المُحرِّم، ذهَبَ الشّافِعيُّ (٤) وجماعةٌ، وهُو مذهبُ عائشةَ.
-
وقد ذكَرْنا من جاءَ معهُم من العُلماءِ على ذلك، ومن خالَفهُم فيه، ودليلَ كلِّ واحِدٍ منهُم، فيما ذهَبَ إليه من ذلك، في بابِ ابنِ شِهاب، عن عُروةَ.
-
وقد تقدَّم القولُ في معنى ناسخ القُرآنِ ومَنسُوخِهِ، وما في ذلك من الوُجُوهِ، في بابِ زيدِ بن أسلمَ.
-
ومَضَى القولُ في مِقدارِ ما يُحرِّمُ من الرَّضاع، وما للعُلماءِ في ذلك من التَّنازُع، في بابِ ابنِ شِهاب، عن عُروةَ أيضًا.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن عُمرَ، قال: حدَّثنا خالدُ بن الحارِثِ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن صالح أبي الخليلِ، عن عبدِ اللَّه بن الحارِثِ،
ج ١١ ص ٥٨عن مُسَيكةَ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: لا تُحرِّمُ الرَّضعةُ، ولا الرَّضْعَتانِ، ولا يُحرِّمُ من الرِّضاع أقلُّ من سبع رَضَعاتٍ (١) .
قال أحمدُ بن زُهَيرٍ: خالَفهُ هشامٌ، عن قتادةَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن عُمر، قال: حدَّثنا مُعاذُ بن هشام، قال: حدَّثني أبي، عن قَتادةَ، عن أبي الخليلِ صالح بن أبي مريمَ، عن يُوسُف بن ماهَك، عن عبدِ اللَّه بن الزُّبَيرِ، عن عائشةَ، قالت: إنَّما يُحرِّمُ من الرِّضاع سَبْعُ رَضَعاتٍ (٢) .
قال: وحدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن عُمرَ، قال: حدَّثنا مُعاذُ بن هشام، قال: حدَّثني أبي، عن قَتادةَ، عن أبي الخليلِ صالح بن أبي مريمَ، عن عبدِ اللَّه بن الحارِثِ، عن أُمِّ الفَضْلِ: أنَّ رجُلًا من بني عامرٍ، قال: يا رسُولَ اللَّه، هل تُحرِّمُ الرَّضعةُ الواحِدةُ؟ قال: "لا" (٣) .
قال أبو عُمر: اختُلِف على قَتادةَ في هذا الحديثِ، فيما ذكرَ أحمدُ بن زُهَيرٍ، وغيرُهُ، وهي عِندي أحاديثُ جَمَعها صالحُ بن أبي مريمَ، ليسَ فيها اختِلافٌ،
ج ١١ ص ٥٩والأحاديثُ عن عائشةَ في هذا مُضْطرِبةٌ، ويستحيلُ أن تكونَ السَّبعُ مَنسُوخةً عندَها بخمسٍ، ثُمَّ تُفتي بالسَّبع، ولا تقُومُ بما نُقِلَ عن عائشةَ في هذا الحديثِ حُجّةٌ.
-
وقد مَضَى القولُ في ذلك بما يكفي، في بابِ ابنِ شِهاب، والحمدُ للَّه.
-
وأمّا من جِهةِ الإسنادِ، فحديثُ مالكٍ أثبتُ عندَ أهلِ العِلْم بالحديثِ، من حديثِ صالح أبي الخَليلِ؛ لأنَّ نَقَلتهُ كلَّهُم أئمّةٌ عُلماءُ جِلّةٌ، وإن كان قد قيلَ: إنَّ مالكًا انفرَدَ بهذا الحديثِ عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، وإنَّ عبدَ اللَّه بن أبي بكرٍ انفرَدَ به عن عَمرةَ، وإنَّهُ لا يُعرَفُ إلّا بهذا الإسنادِ، ولكِنَّهُم عُدُولٌ، يجِبُ العَملُ بما رَوَوهُ، وباللَّه التَّوفيقُ (١) .
- ج ١١ ص ٦٠
حديثٌ ثامِنٌ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ
مالكٌ (١) ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن عَمْرةَ، أنَّها أخبَرتهُ: أنَّ زيادَ بن أبي سُفيانَ كتبَ إلى عائشةَ زوج النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّ عبد اللَّه بن عبّاسٍ قال: من أهْدَى هديًا، حرُمَ عليه ما يحرُمُ على الحاجِّ، حتّى يُنحَرَ الهَدْيُ. وقد بَعثتُ بهَدْيٍ، فاكتُبي إليَّ بأمرِكِ، أو مُرِي صاحِبَ الهَدْي. قالت عَمرةُ: فقالت عائشةُ: ليسَ كما قال ابنُ عبّاسٍ، أنا فتَلتُ قلائدَ هَدْيِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بيَديَّ، ثُمَّ قَلَّدَها رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بيدِهِ، ثُمَّ بعثَ بها رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مع أبي، فلم يَحْرُم على رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- شيءٌ أحلَّهُ اللَّه لهُ، حتّى نُحِرَ الهَدْيُ.
-
هكذا هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" عندَ جميع رُواتِهِ، فيما علِمتُ (٢) .
-
ورواهُ عُثمانُ بن عُمرَ، عن مالكٍ، بخِلافِ بعضِ مَعانيهِ، لأنَّهُ ذكَرَ فيه الإشعارَ، وليسَ ذلك في رِوايةِ غيرِهِ في هذا الحديثِ، عن مالكٍ فيما علِمتُ (٣) .
-
حدَّثناهُ سعيدُ بن عُثمان، قال: حدَّثنا أحمدُ بن دُحَيم، قال: حدَّثنا يحيى بن محمدِ بن صاعِدٍ، عن يَعقُوبَ الدَّورقيِّ، عن عُثمان بن عُمرَ، عن مالكٍ، عن
ج ١١ ص ٦١عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن عَمرةَ، عن عائشةَ: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قلَّدَ هَدْيهُ، وأشْعَرهُ، وبعَثَ به إلى مكّةَ، وأقامَ بالمدينةِ، فلم يَجْتنِبْ شيئًا كان لهُ حَلالًا (١) .
قال أبو عُمر: هذا اللَّفظُ ليسَ بصحيح في حديثِ مالكٍ هذا، وإنَّما هُو مَعرُوفٌ في حَديثِ أفلَحَ بن حُميدٍ، عنِ القاسم، عن عائشةَ (٢) . وسَنذكُرُهُ في هذا البابِ إن شاءَ اللَّه.
-
وفي حديثِ مالكٍ في "المُوطَّأ" مَعانٍ من الفِقهِ:
منها: أنَّ عبد اللَّه بن عبّاسٍ كان يَرى، أنَّ من بعثَ بهَدْيٍ إلى الكعبةِ، لزِمهُ إذا قلَّدهُ، أن يُحرِمَ ويجتنِب كلَّ ما يجتنِبُ الحاجُّ، حتّى يُنْحَر هَدْيهُ.
-
وقد تابَع عبد اللَّه بن عبّاسٍ على ذلك: عبدُ اللَّه بن عُمرَ (٣) ، وطائفةٌ. ورُوي بمِثلِ ذلك أثرٌ مرفُوعٌ من حديثِ جابرٍ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
-
ومنها: أنَّ أصحابَ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كانوا يختلِفُونَ في مَسائلِ الفِقهِ، وعُلُوم الدِّيانةِ، فلا يَعيبُ بعضُهُم بعضًا، بأكثرَ من رَدِّ قولِهِ، ومُخالَفتِهِ إلى ما عِندهُ من السُّنّةِ في ذلك، وهكذا يجِبُ على كلِّ مُسلِم.
-
ومنها: ما كان عليه الأُمَراءُ من الاهتِبالِ بأمرِ الدِّينِ، والكِتابِ فيه إلى البُلدانِ.
-
ومنها: عملُ أزْواج النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بأيديهِنَّ، وامتِهانُهُنَّ أنفُسهُنَّ، وكذلك كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَمتهِنُ نفسهُ في عَملِ بيتِهِ، فرُبَّما خاطَ ثوبهُ، ورُبَّما خصَفَ نَعلهُ، وقد قلَّدَ هَدْيهُ المذكُورَ في هذا الحَديثِ بيَدِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
- ج ١١ ص ٦٢
ذكَرَ عبدُ الرَّزّاقِ، قال: حدَّثنا عُمرُ بن ذرٍّ، قال: سمِعتُ عَطاءَ بن أبي رباح، يقولُ: رأيتُ عائشةَ تَفتِلُ القَلائد للغَنم تُساقُ معَها هَدْيًا (١) .
-
ومنها: التَّطوُّعُ بإرسالِ الهَدْيِ إلى الكَعْبةِ، تقرُّبًا إلى اللَّه عزَّ وجلَّ بذلك. وفي ذلك دليلٌ على فضْلِ الهَدْيِ، والضَّحايا.
-
ومنها: أنَّ تقليدَ الهَدْيِ، لا يُوجِبُ على صاحِبِهِ الإحرام.
-
وهذا المعنى الذي سِيقَ (٢) لهُ الحديثُ، وهُو الحُجّةُ عِند التَّنازُع، وقد تَنازَعَ العُلماءُ، واختَلفُوا في ذلك.
-
فأمّا مالكٌ، فذكَرَ ابنُ وَهْبٍ، وغيرُهُ عنهُ: أنَّهُ سُئلَ عمّا اختلَفَ النّاسُ فيه من الإحْرام في تَقليدِ الهَدْيِ، مِمَّن لا يُريدُ الحجَّ ولا العُمرةَ؟ فقال: الأمرُ عندَنا الذي نأخُذُ به في ذلك، قولُ عائشةَ: أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بعَثَ بهديِهِ، ثُمَّ أقامَ، فلم يَتْرُك شيئًا مما أحلَّ اللَّه لهُ، حتّى نحَرَ الهَدْي (٣) .
قال مالكٌ: ولا يَنْبغي أن يُقلِّدَ الهَدْي، ولا يُشعَرَ، إلّا عندَ الإهلالِ، إلّا رجُل لا يُريدُ الحجَّ، فيبعثُ بهديِهِ، ويُقيمُ حلالًا في أهلِهِ (٤) .
وقال الثَّوريُّ: إذا قلَّدَ الهَدْيَ، فقد أحرمَ، إن كان يُريدُ الحجَّ أوِ العُمرةَ، وإن كان لا يُريدُ ذلك، فليَبْعث بهديِهِ، وليُقِمْ حلالًا (٥) .
ج ١١ ص ٦٣وقال الشّافِعيُّ وأبو ثورٍ (١) وداودُ: لا يكونُ أحدٌ مُحرِمًا بسياقةِ الهَدْي، ولا بتَقْليدِهِ، ولا يجِبُ عليه بذلك إحرامٌ، حتّى ينويهُ ويُريدهُ.
وقال أبو حَنِيفةَ: من ساقَ هديًا، وهُو يؤُمُّ البيت، ثُمَّ قلَّدهُ، فقد وجَبَ عليه الإحرامُ، وإن جلَّلَ (٢) الهَدْي، أو أشْعَرهُ، لم يكُن مُحرِمًا، إنَّما يكونُ مُحرِمًا بالتَّقليدِ.
وقال: إن كان معهُ شاةٌ فقلَّدَها، لم يَجِب عليه الإحرامُ؛ لأنَّ الغنمَ لا تُقلَّدُ.
وقال: إن بعثَ بهديِهِ فقلَّدهُ، وأقام حلالًا، ثُمَّ بَدا لهُ أن يخرُجَ، فخرج واتَّبع هديهُ، فإنَّهُ لا يكونُ مُحرِمًا حين يخرُجُ، إنَّما يكونُ مُحرِمًا (٣) إذا أدركَ هديهُ، وأخذهُ وسارَ به، وساقهُ معهُ.
وقال أبو حَنيفةَ وأبو يُوسُف ومحمدٌ: إن بعثَ بهديٍ لمُتعةٍ، ثُمَّ أقامَ حَلالًا أيامًا، ثُمَّ خرجَ، وقد كان قلَّدَ هديهُ، فهُو مُحرِمٌ حينَ يخرُجُ، ألا ترى أنَّهُ بعَثَ بهديِ المُتْعةِ؟
-
وقال ابنُ عبّاسٍ، وابنُ عُمر، وميمُونُ بن أبي شَبيبٍ وجَماعةٌ: من قلَّدَ، أو أشْعَرَ، أو جلَّل فقد أحرَمَ، وإن كان في أهلِهِ (٤) . وليسَ (٥) في الرِّوايةِ عنِ ابنِ عبّاسٍ وابنِ عُمر: أو جلَّل. وإنَّما ذلك عن ميمُونٍ وحدهُ.