عبد الله بن أبي بكر بن حزم
٨٢٥ فقرة، ج ١١ ص ٥
الصفحة ٦ من ٢١
- ج ١١ ص ٦٣
فأمّا الحديثُ الذي إليه ذهَبَ منِ اتَّبع ابن عبّاسٍ وابن عُمرَ على قولِهِما في هذا البابِ، فما وجَدتُهُ في أصلِ سَماع أبي، رحِمهُ اللَّه: أنَّ محمدَ بن أحمد بن قاسم بن
ج ١١ ص ٦٤هِلالٍ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا نَصرُ بن مرزُوقٍ، قال: حدَّثنا أسدُ بن مُوسى، قال: حدَّثنا حاتِمُ بن إسماعيلَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عَطاءِ بن أبي (١) لَبِيبةَ، عن عبدِ الملكِ بن جابرٍ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّه، قال: كنتُ عندَ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جالِسًا، فقَدَّ (٢) قَمِيصهُ من جَيْبه (٣) ، حتّى أخرَجهُ من رِجْلَيهِ، فنظرَ القومُ إلى النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "إنِّي (٤) أمَرْتُ ببُدْني التي بَعثتُ بها أن تُقلَّدَ وتُشعَرَ على مكانِ كذا وكذا، فلبِستُ قَمِيصي، ونَسِيتُ، فلم أكُن لأُخرِجَ قَمِيصي من رأسِي" . وكان بعَثَ ببُدنِهِ، وأقامَ بالمدينةِ (٥) .
-
فذهَبَ قومٌ، إلى أنَّ الرَّجُل إذا بعَثَ بهديِهِ، وأقامَ في أهلِهِ، فقلَّدَ الهَدْي وأشْعَرهُ: أنَّهُ يَتَجرَّدُ، فيُقيمُ كذلك، حتّى يحِلَّ النّاسُ من حجِّهِم.
-
واحتجُّوا بهذا الحديثِ، وبما مَضَى في حديثِ مالكٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، من قولِهِ: من أهْدَى هديًا، حرُمَ عليه ما يَحرُمُ على الحاجِّ، حتّى ينحَرَ الهَدْي.
-
وعبدُ الرَّحمنِ بن عَطاءِ بن أبي لبيبةَ هذا، رجُلٌ من أهلِ المدينةِ، شيخٌ رَوَى عنهُ جماعةٌ من أهلِ المدينةِ (٦) ، منهُم: حاتِمُ بن إسماعيلَ، وسُليمانُ بن بلالٍ، والدَّراورديُّ وداودُ بن قَيْسٍ.
- ج ١١ ص ٦٥
ويروي هو عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، وعامرِ بن سعدٍ. ويُقالُ: عبدُ الرَّحمنِ بن لبيبةَ، وعبدُ الملكِ بن جابرٍ هذا، ليس بالمشهُورِ بالنَّقل.
-
وذكَرَ عبدُ الرَّزّاق، قال: أخبَرنا داودُ بن قَيْسٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عطاءٍ، أنَّهُ سمِعَ ابني جابرٍ يُحدِّثانِ، عن أبيهما جابرِ بن عبدِ اللَّه، قال: بينا النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جالِسٌ مع أصحابِهِ إذ شقَّ قميصهُ، حتّى خرجَ منهُ، فسُئلَ، فقال: "وَعَدتُهُم يُقلِّدُونَ هَدْيي اليومَ، فنسيتُ" (١) .
-
وذكر عبدُ الرَّزّاق، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن أيُّوبَ، عنِ ابنِ سِيرينَ، قال. وأخبَرنا هشامُ بن حَسّان، عنِ ابنِ سِيرينَ: أنَّ ابن عبّاسٍ بعَثَ بهديِهِ، ثُمَّ وقَعَ على جاريةٍ لهُ، فأُتِي مُطرِّف بن الشِّخِّيرِ في المنام، فقيلَ لهُ: ائتِ ابن عبّاسٍ، فمُرهُ أن يُطهِّرَ فرْجهُ. فلمّا أصبَحَ أبَى أن يأتيهُ، فأُتي اللَّيلةَ الثّانيةَ، فقيلَ لهُ مثلَ ذلك، وأُتي ليلةً ثالِثةً فقيل لهُ قولٌ فيه بعضُ الشِّدّةِ، فلمّا أصبَحَ أتَى ابن عبّاسٍ فأخبَرهُ بذلك، فقال ابنُ عبّاس: وما ذاك؟ ثُمَّ ذكَرَ، فقال: إنِّي وَقَعتُ على فُلانةٍ، بعدَما قلَّدتُ الهَدْي، فكتَبَ ذلك اليوم الذي وقَعَ عليها، فلمّا قدِمَ ذلك الرَّجُلُ الذي بعَثَ بالهَدْيِ معهُ، سألهُ: أيَّ يوم قلَّدْتَ الهَدْيَ؟ فأخبَرهُ، فإذا هُو قد وقَعَ عليها بعدَما قلَّدَ الهَدْي، فأعتَقَ ابنُ عبّاسٍ جاريتهُ تلك.
قال: وأخبَرنا ابنُ جُريج، قال: أخبَرنا نافعٌ، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: إذا قلَّدَ الرَّجُلُ هَدْيهُ، فقد أحرمَ، والمرأةُ كذلك، فإن لم يحُجَّ، فهُو حرامٌ حتّى يُنحَرَ هَدْيُهُ.
قال: وأخبَرنا مَعْمرٌ، عن أيُّوب، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ مِثلهُ.
- ج ١١ ص ٦٦
وحمّادُ بن سَلَمةَ، عن أيُّوب، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّهُ كان إذا بعَثَ بهَدْيِهِ، أمسكَ عنِ النِّساءِ (١) .
-
وروى يحيى بن سعيدٍ القَطّانُ، عن عُبيدِ اللَّه، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: إذا قلَّدَ الرَّجُلُ الهَدْي وأشْعَرهُ، فقد أحرمَ، وإن كان في أهلِهِ (٢) .
-
وقد روى أبو العاليةِ، عنِ ابنِ عُمرَ، خِلافَ ما رَوَى نافعٌ؛ ذكَرَ حمّادُ بن سَلَمةَ، عن أيُّوب، عن أبي العاليةِ، قال: سألتُ ابن عُمر عنِ الرَّجُلِ يبعثُ بهَدْيِهِ، أيُمسِكُ عنِ النِّساءِ؟ فقال ابنُ عُمر: ما عَلِمنا المُحرِمَ يحِلُّ، حتّى يطُوفَ بالبيتِ (٣) .
-
وذكَرَ مَعْمرٌ، عن أيُّوبَ، عن أبي العاليةِ، قال: سمِعتُ ابن عُمرَ، يقولُ: يقولونَ (٤) : إذا بعثَ الرَّجُلُ بالهَدْيِ، فهُو محُرِمٌ. واللَّه لو كان مُحرِمًا، ما كان لهُ حِلٌّ، دُونَ أن يطُوفَ بالبيتِ. قال أيُّوبُ: فذكَرتُهُ لنافع، فأنْكَرهُ.
-
ورَوَى شُعبةُ، عن حَبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن مَيمُونِ بن أبي شَبيبٍ، قال: من قلَّدَ، أو أشعَرَ، أو جَلَّل، فقد أحرَمَ (٥) .
قال أبو عُمر: لم يَلْتفِت مالكٌ، ومن قال بقولِهِ، إلى حديثِ عبدِ الرَّحمنِ بن عَطاءِ بن لبيبةَ، عنِ ابني (٦) جابرٍ، عن جابرٍ. المذكُورِ في هذا البابِ، ورَدُّوهُ بحديثِ عائشةَ، لتواتُرِ طُرُقِهِ عنها وصِحَّتِهِ، وما يَصْحبُهُ من جِهةِ النَّظرِ، إلى ثُبُوتِهِ من طَريقِ الأثرِ.
- ج ١١ ص ٦٧
رواهُ مسرُوقُ بن الأجْدَع (١) ، والأسودُ بن يزيدَ، عن عائشةَ. وهُشامُ بن عُروةَ، عن أبيه (٢) ، عن عائشةَ. وابنُ شِهاب، عن عُروةَ، وعَمْرةُ عن عائشةَ (٣) . وعبدُ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيه، عن عائشةَ (٤) . وأفلحُ بن حُميدٍ، عنِ القاسم، عن عائشةَ.
-
ذكر مَعمرٌ، عنِ الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: إن كنتُ لأفتِلُ قَلائدَ هَدْيِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثُمَّ يَبْعثُ بها، فما يجتنِبُ شيئًا مِمّا يجتنِبُ المُحرِمُ (٥) .
-
وذكر ابنُ وَهبٍ، عنِ اللَّيثِ، عنِ ابنِ شِهاب، عن عُروةَ وعمرةَ، عن عائشةَ مِثلهُ (٦) .
-
وذكر عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمرٌ، عن هشام بن (٧) عُروةَ، عن أبيه، قال: دخلَ رجُلٌ على عائشةَ، فقال: إنَّ ابن زيادٍ قلَّدَ بُدُنَهُ، فتَجرَّدَ. قالت عائشةُ: فهل كانت لهُ كعبةً يطُوفُ بها؟ قالوا: لا. قالت: واللَّه ما حلَّ أحدٌ من حَجٍّ ولا عُمرةٍ، حتّى يطُوفَ بالبيتِ. ثُمَّ قالت: لقد كنتُ أفتِلُ قلائدَ هَدْيِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-،
ج ١١ ص ٦٨ثُمَّ يَبْعثُ بها، فما يَتَّقي. أو قالت: فما يجتنِبُ شيئًا مِمّا يجتنِبُ المُحرِمُ (١) .
-
وأخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وأحمدُ بن قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُونَ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بن أبي خالدٍ، عنِ الشَّعبيِّ، عن مَسرُوقٍ، قال: قلتُ لعائشةَ: إنَّ رِجالًا هاهُنا يبعثُونَ بالهَدْيِ إلى البيتِ، ويأمُرُونَ الذين يبعثُونهُم أن يُعرِّفُوهُمُ اليوم الذي يُقلِّدُونها، فلا يَزالُونَ مُحرِمينَ، حتّى يحِلَّ النّاسُ، فصفَّقت بيَدِها، فسمِعتُ ذلك من وراءِ الحِجابِ، فقالت: سُبحانَ اللَّه، لقد كنتُ أفتِلُ قلائدَ هَدْيِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بيدَيَّ، فيَبْعثُ بها إلى الكَعْبةِ، ويُقيمُ فينا لا يترُكُ شيئًا مِمّا يَصْنعُ الحلالُ، حتّى يَرْجِعَ النّاسُ (٢) .
-
حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن جعفرٍ، قال: حدَّثنا هارُونُ بن عيسى، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن مَسْلَمةَ القَعْنَبيُّ، قال: حدَّثنا أفلحُ بن حُميدٍ، عنِ القاسم بن محمدٍ، عن عائشةَ، قالت: فتلتُ قلائد بُدنِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بيدي، ثُمَّ قلَّدَها وأشْعَرَها، وبعَثَ بها إلى البيتِ وأقامَ بالمدينةِ، فما حرُمَ عليه شيءٌ كان لهُ حلالًا (٣) .
- ج ١١ ص ٦٩
والآثارُ عن عائشةَ بهذا مُتواتِرةٌ.
-
وبها قال مالكٌ، والشّافِعيُّ، في أكثرِ أهلِ الحِجازِ، وأبو حنيفةَ، والثَّوريُّ، والحسنُ بن حيٍّ، وعُبيدُ اللَّه بن الحسنِ، في جَماعةِ أهلِ العِراقِ، والأوزاعيُّ في أهلِ الشّام، واللَّيثُ بن سعدٍ، وأحمدُ بن حَنْبل، وإسحاقُ ابنُ راهوية، وأبو عُبيدٍ، وأبو ثورٍ، وداودُ، والطَّبَريُّ.
-
ولم يقُل واحِدٌ منهُم بحديثِ عبدِ الرَّحمنِ بن عَطاءٍ، وليسَ عندَهُم بذلك، وتركَ مالكٌ الرِّوايةَ عنهُ، وهُو جارُهُ، وحسبُك بهذا.
-
إلّا أنَّ أبا حَنِيفةَ وأصحابهُ، خصُّوا الإبِل إذا قلَّدها من قَصَدَ البيتَ، أنَّهُ يكونُ بتَقليدِهِ لها مُحرِمًا، إذا كان قاصِدًا للحَجِّ، أوِ العُمرةِ إلى البيتِ. وليسَ كذلك عندَهُم من قلَّدَ الغنمَ، وإن أمَّ البيتَ، لأنَّ الغنمَ لا تُقلَّدُ عندَهُم (١) .
-
وهُو قولُ مالكٍ، وأصحابِهِ في الغنَم: أنَّها لا تُقلَّدُ.
قال مالكٌ وأصحابُهُ: تُقلَّدُ الإبِلُ والبقرُ، ولا تُقلَّدُ الغَنمُ، وتُجزِئُ النَّعلُ الواحِدةُ في التَّقليدِ، وتجعلُ حَبائلَ (٢) القلائدِ مِمّا شِئتَ.
وقال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ: يُقلَّدُ كلُّ هَدْيِ، مُتعةٍ، أو قِرانٍ، أو تَطوُّع، من الإبِلِ والبَقرِ، فأمّا الغَنمُ فلا تُقلَّدُ، ولا يُقلَّدُ هديُ إحصارٍ، ولا جِماع، ولا جَزاءِ صَيْدٍ، ولا حِنْثٍ في يمينٍ، يُهدي جَزُورًا أو بقرةً.
وقالوا: التَّجليلُ حَسَنٌ، ولا يضُرُّ تَرْكُهُ، والتَّقليدُ أوجَبُ منهُ.
وقال مالكٌ (٣) : جِلالُ البُدنِ من عَملِ النّاسِ، وهُو من زينتِها، ولا بأسَ بشقِّ أوساطِ الجِلالِ، إذا كانت بالثَّمنِ اليَسيرِ، بالدِّرهمينِ ونحوِ ذلك؛ لأنَّ ذلك زينةٌ لها.
ج ١١ ص ٧٠وقال الشّافِعيُّ (١) : تُقلَّدُ الإبِلُ والبقرُ، وتُقلَّدُ الغنمُ الرِّقاع.
وقال أبو ثورٍ: تُقلَّدُ البُدنُ، والهَدْيُ كلُّها، من الإبِلِ والبَقرِ والغَنم، تَطوُّعًا كانت أو واجِبةً، في مُتعةٍ أو قِرانٍ، أو جَزاءِ صيدٍ، أو نَذرٍ، أو يَمينٍ، إذا اختارَ صاحِبُ الهَدْي، قلَّدَ ذلك كلَّهُ إن شاءَ، ويُجلِّلُ الهَدْيَ بما شاءَ (٢) .
-
واحتجَّ منِ أجازَ تَقليدَ الغنم، بما رواهُ أبو مُعاويةَ، عن الأعْمَش (٣) ، عن إبراهيمَ، عنِ الأسودِ، عن عائشةَ: أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أهْدَى إلى البيتِ مرّةً غَنمًا، فقلَّدها.
-
حدَّثناهُ محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمد بن (٤) مُعاويةُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٥) : حدَّثنا هنّاد (٦) بن السَّريِّ، عن أبي مُعاويةَ، فذكرَهُ.
قال أحمدُ بن شُعيبٍ (٧) : وأخبرنا محمدُ بن قُدامةَ، قال: حدَّثنا جَريرٌ، عن منصُورٍ، عن إبراهيم، عنِ الأسودِ، عن عائشةَ، قالت: لقد رأيتُني أفتِلُ قلائدَ هديِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من الغَنم، فيبعثُ بها، ثُمَّ يُقيمُ فينا حَلالًا.
- ج ١١ ص ٧١
وروى شُعبةُ (١) وسُفيانُ (٢) ، عن منصُورٍ بإسنادِهِ نحوهُ.
-
وشُعبةُ (٣) أيضًا وسُفيانُ (٤) ، عنِ الأعمشِ، عن إبراهيم، عنِ الأسودِ، عن عائشةَ مِثلهُ.
-
ومحمدُ بن جُحادةَ (٥) ، عنِ الحكم، عن إبراهيم، عنِ الأسودِ، عن عائشةَ معناهُ (٦) .
-
واحتجَّ من لم يَرَ تقليدَ الغَنم، بأنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما حجَّ حجّةً واحِدةً، لم يُهدِ فيها غنمًا. وأنكرُوا حديثَ الأسودِ عن عائشةَ، في تَقليدِ الغَنم، قالوا: هُو حديثٌ لا يَعرِفُهُ أهلُ بيتِ عائشةَ.
-
واختلَفَ الفُقهاءُ أيضًا في إشعارِ البُدنِ (٧) .
فقال مالكٌ (٨) : تُشعَرُ الإبِلُ والبقرُ، ولا تُشعرُ الغنمُ، وتُشعَرُ في الشِّقِّ الأيسرِ.
- ج ١١ ص ٧٢
وكذلك قال أبو يُوسُف ومحمدٌ مِثل قولِ مالكٍ سواءً في ذلك كلِّهِ.
-
وحُجّةُ من رأى الإشعار: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أشعَرَ؛ أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : أخبرنا أبو الوليدِ الطَّيالِسيُّ وحفصُ بن عُمرَ، المعنى، قالا: حدَّثنا شُعبةُ، عن قَتادةَ. قال أبو الوليدِ: سمِعتُ أبا حسّان، عنِ ابنِ عبّاس: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صلَّى الظُّهرَ بذي الحُلَيفةِ، ثُمَّ دَعا ببَدَنةٍ فأشْعَرَها من صَفْحةِ سَنامِها الأيمنِ، ثُمَّ سلَتَ الدَّم عنها، وقلَّدَها بنَعلينِ، ثُمَّ أُتي براحِلةٍ، فلمّا قعدَ عليها، واسْتَوَتْ به على البَيْداءِ، أهلَّ بالحجِّ. قال أبو داود: وهذا مِمّا تفرَّدَ به أهلُ البصرةِ من السُّننِ، لا يَشْرَكُهُم فيه أحدٌ: أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أشعرَ من الجانِبِ الأيمنِ.
قال أبو عُمر: هذا هُو المعرُوفُ المحفُوظُ في حديثِ ابنِ عبّاسٍ هذا: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أشعَرَ بَدَنتهُ من شِقِّها الأيمنِ.
-
ورأيتُ في كِتابِ ابنِ عُليّةَ، عن أبيه، عن سعيدِ بن أبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ، عن أبي حسّان الأعرج، عنِ ابنِ عبّاس: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أشعَرَ بدنةً من الجانِبِ الأيسرِ، ثُمَّ سلَتَ الدَّمَ عنها، وقلَّدها نَعْلينِ.
-
وهذا عِندي مُنكرٌ في حديثِ ابنِ عبّاسٍ هذا، والمعرُوفُ فيه ما ذكَرَهُ أبو داود: الجانِبُ الأيمنُ. لا يَصِحُّ في حديثِ ابنِ عبّاسٍ غيرُ ذلك.
-
إلّا أنَّ عبد اللَّه بن عُمرَ كان يُشعِرُ بَدَنتهُ من الجانِبِ الأيسرِ. هكذا روى مالكٌ (٢) وأيُّوبُ وعُبيدُ اللَّه بن عُمر، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ.
- ج ١١ ص ٧٣
وهُو قولُ مالكٍ، وأبي يُوسُف، ومحمدٍ، وجماعةٍ، وهُو المعرُوفُ عن عطاءٍ.
-
وقد رَوَى مَعْمرٌ، عنِ الزُّهريِّ، عن سالم، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّهُ كان يُشعِرُ في الشِّقِّ الأيمنِ، حين يُريدُ أن يُحرِمَ (١) .
-
ورَوَى ابنُ عُليّةَ، عن أيُّوبَ، عن نافع، قال: كان ابنُ عُمر يُشعِرُ من الجانِبِ الأيسرِ، ورُبَّما أشعرَ من الجانِبِ الأيمنِ (٢) .
-
وهُو أمرٌ خفيفٌ عندَ أهلِ العِلم، لا يكرهُونَ شيئًا من ذلك.
-
وقد كان ابنُ عُمرَ رُبَّما أشعرَ في السَّنام.