عبد الله بن أبي بكر بن حزم

٨٢٥ فقرة، ج ١١ ص ٥

الصفحة ٧ من ٢١

  1. وروى مالكٌ (٣) ، عن نافع، قال: كان ابنُ عُمرَ إذا وخزَ في سَنام بَدَنتِهِ يُشعِرُها، قال: بسم اللَّه، واللَّه أكبرُ.

    ج ١١ ص ٧٣
  2. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ، عنِ الثَّوريِّ، عن منصُورٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: تُشْعَرُ البُدنُ من حيثُ تيسَّر (٤) .

    وقال أبو حَنيفةَ: أكرهُ الإشعار؛ لأنَّهُ تعذيبٌ للبُدنِ، في غَيرِ نَفْع لها، ولا لصاحِبِها، لنَهيِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عنِ اتِّخاذِ شيءٍ فيه الرُّوحُ غَرضًا (٥) . ولِنهيِهِ عنِ المُثلةِ (٦) .

    ج ١١ ص ٧٤وقال الشّافِعيُّ وأبو ثورٍ وأحمدُ وإسحاقُ وسائرُ أهلِ العِلم: تُشعرُ البُدنُ في الشِّقِّ الأيمنِ. وحُجَّتُهُم: أنَّ رسُول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قلَّد بَدَنةً، وأشْعَرَها من الشِّقِّ الأيمنِ، وسلَتَ الدَّم عنها. رواهُ ابنُ عبّاسٍ وغيرُهُ عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (١) .

  3. وأمّا من جِهةِ النَّظرِ، فإنَّ الأُصُولَ كلَّها تشهدُ، أنَّ المُحرِمَ لا يحِلُّ إلّا بعمَلٍ يعملُهُ، أقلُّهُ الطَّوافُ بالبيتِ، والسَّعيُ بين الصَّفا والمروةِ. وهذا أمرٌ مُتَّفقٌ عليه.

  4. وفي حديثِ عبدِ الرَّحمنِ بن عَطاءٍ، وقولِ (٢) ابنِ عبّاسٍ، وابنِ عُمرَ، ما يُوجِبُ أن يحِلَّ، دُونَ عَمَل يَعْملُهُ، إذا نَحرَ هَدْيهُ، وهذا خِلافُ الإحْرام المُتَّفَقِ عليه.

  5. وليسَ حديثُ جابرٍ، مِمّا يُعارَضُ بمِثلِهِ حديثُ عائشةَ عندَ أهلِ العِلم بالحديثِ، وقد كان ابنُ الزُّبيرِ يحلِفُ: إنَّ فِعلَ ما رُوي عنِ ابنِ عبّاسٍ وابنِ عُمرَ في هذا البابِ بدعةٌ، ولا يجُوزُ في العُقولِ أن يحلِفَ على أنَّ ذلك بدعةٌ، إلّا وهُو قد علِمَ أنَّ السُّنّةَ خِلافُ ذلك.

  6. رَوى مالكٌ (٣) ، عن يحيى بن سَعيدٍ، عن محمدِ بن إبراهيمَ بن الحارِثِ التَّيميِّ، عن ربيعةَ بن عبدِ اللَّه بن الهُديرِ، أنَّهُ رأى رَجُلًا مُتجرِّدًا بالعِراقِ، قال: فسَألتُ النّاسَ عنهُ، فقالوا: أمرَ بهديِهِ أن يُقلَّدَ، فلِذلك تجرَّدَ. قال ربيعةُ: فلقيتُ عبدَ اللَّه بن الزُّبيرِ، فقال: بدْعةٌ وربِّ الكَعْبةِ.

  7. وفي حديثِ عائشةَ أيضًا من الفِقهِ، ما يرُدُّ الحديثَ الذي رواهُ شُعبةُ، عن مالكِ بن أنَسٍ، عن عُمرَ بن مُسلِم بن أكيمةَ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، عن أُمِّ سلمةَ،

    ج ١١ ص ٧٥أنَّ رسُول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا دخَلَ العَشْرُ، فأرادَ أحدُكُم أن يُضحِّي، فلا يأخُذ من شَعرِهِ، ولا من أظْفارِهِ شيئًا" (١) .

  8. ففي هذا الحديثِ أنَّهُ لا يجُوزُ لمن أرادَ أن يُضحِّى أن يحلِقَ شَعْرًا، ولا يَقُصَّ ظُفرًا.

  9. وفي حديثِ عائشةَ: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يجتنِب شيئًا مِمّا يجتنِبُهُ المُحرِمُ، حينَ قلَّد هَدْيهُ، وبعث به. وهُو يرُدُّ حديث أُمِّ سلمةَ ويدفعُهُ.

  10. وحديثُ أمِّ سلَمةَ لم يُدخلهُ مالك في "مُوطَّئه" ولو كان عندَهُ صحيحًا، لأدخلَهُ في "موطَّئه" كما أدخَلَ فيه ما يُعارضُه ويَدْفَعُه (٢) .

  11. ومِمّا يدُلُّ على ضَعفِهِ وَوَهنِهِ: أنَّ مالكًا رَوَى عن عُمارةَ بن عبدِ اللَّه، عن سَعيدِ بن المُسيِّبِ، قال: لا بأسَ بالاطِّلاءِ بالنَّورةِ في عَشْرِ ذي الحِجّةِ (٣) .

  12. فتَرْكُ سعيدٍ لاسْتِعمالِ هذا الحديثِ، وهُو راويتُهُ، دليل على أنَّهُ عندَهُ غيرُ ثابتٍ، أو مَنسُوخٌ.

  13. وقد أجمعَ العُلماءُ، على أنَّ الجِماعَ مُباحٌ في أيام العَشْرِ، لمن أرادَ أن يُضحِّي، فما دُونهُ أحْرَى أن يكونَ مُباحًا.

  14. ومذهَبُ مالكٍ: أنَّهُ لا بأسَ بحَلْقِ الرَّأسِ، وتقليم الأظْفارِ، وقَصِّ الشّارِبِ، في عَشْرِ ذي الحِجّةِ، وهُو مذهبُ سائرِ الفُقهاءِ أيضًا (١) بالمدينةِ، والكُوفةِ (٢) .

    ج ١١ ص ٧٦
  15. وقال اللَّيثُ بن سعدٍ، وقد ذُكِر لهُ حديثُ سَعيدِ بن المُسيِّبِ، عن أُمِّ سلمةَ، أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من أهلَّ عليه منكُم هِلالُ ذي الحِجّةِ، وأرادَ أن يُضحِّي، فلا يأخُذ من شَعرِهِ وأظْفارِهِ، حتّى يُضحِّي" . فقال اللَّيثُ: قد رُوي هذا، والنّاسُ على غيرِ هذا (٣) .

    وقال الأوزاعيُّ: إذا اشْتَرى أُضْحَيتهُ بعدَما دخلَ العشرُ، فإنَّهُ يَكُفُّ عن قَصِّ شارِبِهِ وأظفارِهِ، وإنِ اشْتَراها قبلَ أن يدخُل العَشرُ فلا بأسَ.

  16. واختلَفَ قولُ الشّافِعيِّ في ذلك، فمرّةً قال: من أرادَ أن يُضحِّي، لم يَمسَّ في العَشْرِ من شعرِهِ شيئًا، ولا من أظفارِهِ.

    وقال في موضِع آخر: أُحِبُّ لمن أرادَ أن يُضحِّي، أن لا يَمسَّ في العَشْرِ من شعرِهِ ولا من أظفارِهِ شيئًا، حتّى يُضحِّي، لحديثِ أُمِّ سَلَمةَ، فإن أخَذَ من شَعرِهِ وأظفارِهِ فلا بأسَ؛ لأنَّ عائشةَ قالت: كنتُ أفتِلُ قلائدَ هدي رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. . . الحديثَ.

  17. وذكَرَ الأثرمُ، أنَّ أحمدَ بن حَنْبل كان يأخُذُ بحديثِ أُمِّ سلمةَ هذا. قيلَ لهُ: فإن أرادَ غيرُهُ أن يُضحِّي، وهُو لا يُريدُ أن يُضحِّي؟ فقال: إذا لم يُرِد أن يُضحِّي، لم يُمسِك عن شيءٍ، إنَّما قال: "إذا أرادَ أحدُكُم أن يُضحِّي" (٤) .

    ج ١١ ص ٧٧وقال: ذكرتُ لعبدِ الرَّحمنِ بن مهديٍّ حديثَ عائشةَ: كان النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا بعَثَ بالهَدْي، وحديثَ أُمِّ سلَمةَ: إذا دخلَ العَشْرُ، فبَقِي عبدُ الرَّحمنِ، ولم يأتِ بجوابٍ، فذكَرتُهُ ليَحْيَى بن سعيدٍ، فقال يحيى: ذاك لهُ وجهٌ، وهذا لهُ وجهٌ، حديثُ عائشةَ: إذا بعثَ بالهَدْيِ وأقامَ، وحديثُ أُمِّ سلمةَ: إذا أرادَ أن يُضحِّي بالمِصرِ.

    قال أحمدُ: وهكذا أقولُ. قيل لهُ: فيُمسِكُ عن شَعْرِهِ وأظفارهِ؟ قال: نعم، كلُّ من أرادَ أن يُضحِّي. فقيل لهُ: هذا على الذي بمكّةَ؟ فقال: لا، بل على المُقيم.

    وقال: هذا الحديثُ رواهُ شُعبةُ، عن مالكٍ، عن عَمرِو (١) بن مُسلِم، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، عن أُمِّ سلمةَ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (٢) .

  18. ورواهُ ابنُ عُيَينةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن حُمَيدٍ، عن سَعيدِ بن المُسيِّبِ، عن أُمِّ سَلَمةَ، رَفعهُ إلي النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (٣) .

    قال: وقد رواهُ يحيى بن سَعيدٍ القطّانُ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن حُمَيدٍ هكذا، ولكِنَّهُ وقَفهُ على أُمِّ سَلَمةَ. قال: وقد رواهُ محمدُ بن عَمرٍو، عن شيخ مالكٍ. قيلَ لهُ: إنَّ قَتادةَ يروي عن سَعيدِ بن المُسيِّبِ: أنَّ أصحاب النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كانوا

    ج ١١ ص ٧٨إذا اشْتَروا ضَحاياهُم، أمسكُوا عن شُعُورِهِم وأظفارِهِم، إلى يوم النَّحرِ. فقال: هذا يُقوِّي هذا، ولم يَرهُ خِلافًا، ولا ضَعَّفهُ.

    قال أبو عُمر: حديثُ قَتادةَ هذا اختُلِفَ فيه على قَتادةَ، وكذلك حديثُ أُمِّ سَلَمةَ مُختلَفٌ فيه، وفي رُواتِهِ من لا تقُومُ به حُجّة، وأكثرُ أهلِ العِلم يُضعِّفُونَ هذينِ الحَدِيثينِ.

  19. وقد ذكر عِمرانُ بن أنسٍ: أنَّهُ سأل مالكًا عن حديثِ أُمِّ سلمةَ هذا، فقال: ليسَ من حَدِيثي. قال: فقلتُ لجُلسائهِ: قد رواهُ عنهُ شُعبةُ، وحدَّث به عنهُ، وهُو يقولُ: ليسَ من حديثي. فقالوا لي: إنَّهُ إذا لم يأخُذ بالحديثِ، قال فيه: ليسَ من حديثي.

    قال أبو عُمر: عِمْرانُ (١) بن أنَسٍ هذا مَدَنيٌّ في سِنِّ مالكِ بن أنَسٍ، يُكْنَى أبا أنَسٍ، وليسَ هُو عِمرانَ بن أبي أنَسٍ أبا شُعَيبٍ المدنيَّ، وعِمرانُ بن أبي أنَسٍ أوثقُ من عِمرانَ بن أنَسِ، فقِفْ على ذلك.

  20. حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرِ بن حرب، قال (٢) : حدَّثنا يحيى بن أيُّوب، قال: حدَّثنا مُعاذُ بن مُعاذٍ العَنْبريُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا عَمرُو بن مُسلِم بن عُمارةَ بن أُكيمةَ اللِّيثيُّ، قال: سمِعتُ سعيد بن المُسيِّبِ، يقولُ: سمِعتُ أُمَّ سلمةَ تقولُ: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من كان لهُ ذِبْحٌ يَذْبحُهُ، فإذا أهلَّ هِلالُ ذي الحِجّةِ، فلا يأخُذُ من شَعرِهِ، ولا من أظْفارِهِ شيئًا" .

  21. وبه عن أحمد بن زُهَير، قال (١) : حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلمةَ، عن عبدِ اللَّه بن محمدِ بن عَقيلٍ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا دخلَ الرَّجُلُ في العَشرِ، وابتاعَ أُضْحِيتهُ، فلْيُمسِك عن شَعْرِهِ وأظفارِهِ" . قلتُ: النِّساءُ؟ قال: "أمّا النِّساءُ، فلا" . لم يذكُرِ ابنُ عَقيلٍ في حديثِهِ: أُمَّ سَلَمةَ.

    قال (٢) : وحدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلَمةَ، عن قَتادةَ، عن كثيرِ بن أبي كثيرٍ مولى عبدِ الرَّحمنِ بن سَمُرةَ، عن يحيى بن يَعمُر، أنَّ عليَّ بن أبي طالِبٍ قال: إذا دخلَ العَشْرُ، واشْتَرى أُضْحَيتهُ، أمسكَ عن شَعْرِهِ وأظفارِهِ. قال قتادةُ: فأخبَرتُ بذلك سعيد بن المُسيِّبِ، فقال: كذلك كانوا يقولُونَ.

    ج ١١ ص ٧٩
  22. حديثٌ تاسِعٌ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ

    مالكٌ (١) ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم، عن عبدِ الملكِ بن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِثِ بن هشام، عن خَلّادِ بن السّائبِ الأنصاريِّ، عن أبيه، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أتاني جِبريلُ فأمَرَني أن آمُرَ أصْحابي أو مَنْ مَعِي، أن يَرْفعُوا أصواتهُم بالتَّلبيةِ، أو بالإهْلالِ" . يُريدُ أحدهُما.

    ج ١١ ص ٨٠
  23. هذا حديثٌ اختُلِف في إسنادِهِ اختِلافًا كثيرًا، وأرجُو أن تكونَ رِوايةُ مالكٍ فيه أصَحَّ ذلك إن شاءَ اللَّه (٢) .

  24. فأمّا الثَّوريُّ، فرَوَى هذا الحديث عن عبدِ اللَّه بن أبي لبيدٍ (٣) ، عنِ المُطَّلِبِ بن عبدِ اللَّه بن حَنْطبٍ، عن خَلّادِ بن السّائبِ، عن زيدِ بن خالدٍ الجُهَنيِّ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "جاءَني جِبريلُ فقال: مُرْ أصْحابكَ فلْيرفعُوا أصْواتهُم بالتَّلبيةِ، فإنَّها شِعارُ الحجِّ" . ذكرهُ ابنُ أبي شَيْبةَ (٤) ، عن وكيع، عن سُفيان الثَّوريِّ بهذا الإسنادِ.

  25. وذكر ابنُ سَنْجرٍ، قال: حدَّثنا قَبِيصةُ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عبدِ اللَّه بن أبي لبيدٍ، قال: أخبَرنا المُطَّلِبُ بن عبدِ اللَّه بن حَنْطبٍ، عن خَلّادِ بن السّائبِ، عن أبيه، عن زَيْدِ بن خالدٍ الجُهنيِّ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أتاني جِبريلُ فقال: ارفَعْ صوتَكَ بالإهلالِ، فإنَّهُ شِعارُ الحجِّ" (١) . هكذا قال قَبيصةُ: خلّادُ بن السّائبِ، عن أبيه. ولم يقُل: وكيعٌ: عن أبيه (٢) .

    ج ١١ ص ٨١
  26. وقد مَضَى القولُ في مَعنى التَّلبيةِ والإهلالِ، فيما سلفَ من هذا الكِتابِ، والمعنَى فيهما واحِدٌ، وذلك: رَفْعُ صوتِ الحاجِّ بـ: "لبَّيْكَ اللَّهُمَّ لبَّيْكَ" ، على ما مَضَى في حديثِ نافع، عنِ ابنِ عُمرَ (٣) من ألفاظِ التَّلبيةِ.

  27. واختلَفَ العُلماءُ في وُجُوبِ التَّلبيةِ وكيفيَّتِها، فذهَبَ أهلُ الظّاهِرِ إلى وُجُوبِ التَّلبيةِ، منهُم: داودُ، وغيرُهُ.

    وقال سائرُ أهلِ العِلْم: ذلك من سُننِ الحجِّ وزينتِهِ.

  28. وكان مالكٌ يَرى على من تركَ التَّلبيةَ من أوَّلِ إحْرامِهِ، إلى آخِرِ حجِّهِ، دمًا يُهريقُهُ (٤) .

  29. وكان الشّافِعيُّ وأبو حَنِيفةَ، لا يَرَيانِ عليه شيئًا، وإن كان قد أساءَ عندَهُم.

  30. وقد مضَتْ هذه المسألةُ، في بابِ نافع من هذا الكِتابِ مُجوَّدةً.

    ج ١١ ص ٨٢
  31. وكذلك أوجبَ أهلُ الظّاهِرِ رفعَ الصَّوتِ بالتَّلبيةِ، ولم يُوجِبهُ غيرُهُم.

    وقال مالكٌ: يرفعُ المُحرِمُ صَوْتهُ بالتَّلبيةِ قدرَ ما يُسمِعُ نَفسهُ، وكذلك المرأةُ تَرْفعُ صَوْتها قدرَ ما تُسمِعُ نفسها.

    وقال في "المُوطَّأ" (١) : لا يرفعُ المُحرِمُ صَوْتهُ بالإهلالِ في المساجِدِ، مَساجِدِ الجماعةِ ليُسْمِعَ نفسَهُ ومن يَليهِ، إلّا المسجِدَ الحَرامَ، ومَسجِد منًى، فإنَّهُ يَرْفعُ صوتهُ فيهما.

    قال: ولا (٢) يُلبِّي عِند اصْطِدام الرِّفاقِ.

    وقال إسماعيلُ بن إسحاقَ: الفَرْقُ بين المسجِدِ الحرام ومَسجِدِ منًى، وبينَ سائرِ المساجِدِ في رَفْع الصَّوتِ بالتَّلبيةِ: أنَّ مساجِدَ الجماعةِ إنَّما بُنِيت للصَّلاةِ خاصّةً، فكُرِهَ رفعُ الصَّوتِ فيها، وجاءَتِ الكراهيةُ في رَفْع الصَّوتِ فيها عامًّا، لم يُخصَّ أحدٌ من أحدٍ، إلّا الإمامُ الذي يُصلِّي بالنّاسِ فيها، فدخَلَ المُلبِّي في الجُملةِ، ولم يدخُل في ذلك المسجِدُ الحرامُ ومسجِدُ منًى؛ لأنَّ المسجِدَ الحرامَ جُعِلَ للحاجِّ وغيرِ الحاجِّ، قال اللَّه عزَّ وجلَّ: {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} [الحج: ٢٥] وكان المُلبِّي إنَّما يقصِدُ إليه، فكانَ لهُ فيه من الخُصُوصِ ما ليسَ في غَيرِه.

  32. وأمّا مَسْجِدُ منًى، فإنَّه (٣) للحاجِّ خاصّةً.

    ج ١١ ص ٨٣قال: وقد ذكرَ أبو ثابتٍ، عنِ ابنِ (١) نافع، عن مالكٍ: أَنَّهُ سُئلَ عنِ المُحرِم: هل يرفعُ صوتهُ بالتَّلبيةِ في المساجِدِ التي بينَ مكّةَ والمدينةِ؟ قال: نعم، لا بأسَ بذلك.

    قال إسماعيلُ: لأنَّ هذه المساجِد إنَّما جُعِلت للمُجتازينَ، وأكثرُهُمُ المُحرِمُونَ، فهُم من النَّحوِ الذي وصفنا (٢) .

    وقال الشّافِعيُّ وأبو حنيفةَ والثَّوريُّ وأصحابُهُم: يرفعُ المُحرِمُ صوتهُ بالتَّلبيةِ (٣) ، ويُلبِّي عندَ اصطِدام الرِّفاقِ، والإشْرافِ، والهُبُوطِ، واستِقبالِ اللَّيل، وفي المساجدِ كلِّها (٤) .

  33. وقد كان الشّافِعيُّ يقولُ بالعِراقِ مِثل قولِ مالكٍ، ثُمَّ رجع إلى هذا، على ظاهِرِ الحديثِ المذكُورِ في هذا البابِ وعُمُومِهِ، لأنَّهُ لم يخُصَّ فيه مَوْضِعًا من موضِع.

  34. وكان ابنُ عُمر يرفعُ صوتهُ بالتَّلبيةِ (٥) .

    وقال ابنُ عبّاس: هي زينةُ الحجِّ (٦) .

    وقال أبو حازِم: كان أصحابُ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يبلُغُونَ الرَّوحاءَ حتّى تُبحَّ حُلُوقُهُم من التَّلبيةِ (٧) .

  35. وأجمعَ العُلماءُ على أنَّ السُّنّةَ في المرأةِ: أن لا ترفَعَ صَوْتها، وإنَّما عليها أن تُسمِعَ نفسها، فخرجَتْ من جُملةِ ظاهرِ الحديثِ، وخُصَّتْ بذلك، وبَقِي الحديثُ في الرِّجالِ، وأسَعدُهُم به من ساعدهُ ظاهِر، وباللَّه التَّوفيقُ.

    ج ١١ ص ٨٤
  36. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ، عن مَعْمرٍ، عنِ الزُّهريِّ، عن سالم، قال: كان ابنُ عُمر يرفعُ صوتهُ بالتَّلبيةِ، فلا يأتي الرَّوحاءَ حتّى يَصْحَلَ صوتُهُ، أو يَشْخَبَ (١) صوتُهُ (٢) .

    قال أبو عُمر: لا وجهَ لقولِه: أو يَشْخَب. والصَّحيحُ: يَصْحَلَ. قال الخليلُ (٣) : صحِلَ صوتُهُ صَحْلًا، فهُو أصحَلٌ (٤) : إذا كانت فيه بحّةٌ.

  37. حديثٌ عاشِرٌ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ

    مالكٌ (١) ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حزم، عن عبدِ الملكِ بن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِثِ بن هشام المخزُوميِّ، عن أبيه: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حينَ تزوَّج أُمَّ سلمةَ، وأصبحَتْ عندَهُ، قال لها: "ليسَ بكِ على أهلكِ هوانٌ، إن شِئتِ سبَّعتُ عندَكِ، وسبَّعتُ عِندهُنَّ، وإن شِئتِ ثلَّثتُ عندَكِ ودُرتُ" . فقالت: ثَلِّثْ.

    ج ١١ ص ٨٥
  38. هذا حديثٌ ظاهِرُهُ الانقِطاعُ، وهُو مُتَّصِلٌ مُسندٌ صحيحٌ، قد سَمِعهُ أبو بكرٍ من أُمِّ سلَمةَ.

  39. أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: أخبرنا أبو بكرٍ أحمدُ بن جعفرِ بن حمدانَ بن مالكٍ ببغدادَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثني أبي، قال (٢) : أخبَرنا عبدُ الرَّزّاقِ (٣) ويحيى بنُ سعيدٍ الأُمويُّ وروحُ بن عُبادةَ، قالوا: حدَّثنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبَرنا حبيبُ بن أبي ثابتٍ، أنَّ عبدَ الحميدِ بن عبدِ اللَّه بن أبي عَمرٍو والقاسمَ بن محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِثِ بن هشام

    ج ١١ ص ٨٦أخبَراهُ، أنَّهُما سَمِعا أبا بكر بن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِثِ بن هشام، أنَّ أُمَّ سَلَمةَ زوجَ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أخبَرتهُ، في حَديثٍ طَويلٍ ذَكرُوهُ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لها: "إن شِئتِ سبَّعتُ لكِ، وإن أُسبِّعْ لكِ، أُسبِّعْ لنِسائي" .

  40. وقد رُوي هذا الحديثُ من وَجْهٍ آخرَ مُتَّصِلٍ أيضًا.