أبو الزناد عبد الله بن ذكوان
١٬٣٧٧ فقرة، ج ١١ ص ٢٨٧
الصفحة ١٢ من ٣٥
- ج ١١ ص ٤٣٣
حديثٌ ثامنَ عَشَر لأبي الزِّنادِ
مالكٌ (١) ، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان (٢) وعن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عنِ المُلامَسةِ والمُنابذةِ.
-
قد مَضَى القولُ في هذا الحديثِ، وفي معنى المُلامَسةِ والمُنابذةِ، وما لأهلِ العِلم في ذلك من التَّفسِيرِ والتَّوجِيهِ والمعاني مُستوعبةً، في بابِ محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان، فلا معنى لإعادةِ ذلك هاهُنا.
- ج ١١ ص ٤٣٤
حديثٌ تاسعَ عَشَر لأبي الزِّنادِ
مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يَمْشِينَّ أحدُكُم في نَعْلٍ واحِدةٍ، ليُنعلهما جميعًا، أو ليُحفِهِما جميعًا" .
قال أبو عُمر: قولُهُ: "لِيُنعلهما جميعًا، أو ليُحفِهِما جميعًا" . أرادَ القَدَمينِ، وهُما لم يتقدَّم لهما ذِكرٌ، وإنَّما تقدَّمَ ذِكرُ النَّعلِ، ولو أرادَ النَّعلينِ، لقال: ليَنْتعِلهما جميعًا، أو ليَحتَفِ منهُما جميعًا. وهذا مشهُور من لُغةِ العربِ، ومُتكرِّر في القُرآنِ كثِيرٌ، أن يأتي بضمِيرِ ما لم يتقدَّم ذِكرُهُ، لما يدُلُّ عليه فحوَى الخِطابِ.
-
ونهيُهُ - صلى الله عليه وسلم - عنِ المشيِ في نَعْلٍ واحِدةٍ، نهيُ أدَبٍ، لا نَهْي تحرِيم.
-
والأصلُ في هذا البابِ، أنَّ كلَّ ما كان في مِلكِكَ، فنُهِيتَ عن شيءٍ من تصرُّفِهِ والعَملِ به، فإنَّما هُو نَهْيُ أدبٍ، لأنَّهُ مِلكُكَ، تتصرَّفُ فيه كيفَ شِئتَ، ولكنَّ التَّصرُّف على سُنَّتِهِ لا يتعدَّى، وهذا بابٌ مُطَّرِدٌ، ما لم يكُن مِلكُك حيوانًا، فتُنْهى عن أذاهُ، فإنَّ أذَى المُسلِم في غيرِ حقِّهِ حرامٌ.
-
وأمّا النَّهيُ عمّا ليس في مِلكِك إذا نُهِيتَ عن تملُّكِهِ، أوِ استِباحتِهِ، إلّا على صِفَةٍ ما، في نِكاح، أو بَيْع، أوصيدٍ، أو نحو ذلك، فالنَّهيُ عنهُ نهيُ تحرِيم، فافهم هذا الأصل.
-
وقد مَضَى منهُ ما فيه دلالةٌ وكِفايةٌ، في بابِ إسماعيل بنِ أبي حَكِيم، عِندَ نَهْيِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع (٢) . فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهُنا.
- ج ١١ ص ٤٣٥
ورَوَى جابرٌ في هذا البابِ حديثًا حَسَنًا، يجِبُ أن يُوقَف عليه، مع حديثِ أبي هريرةَ.
-
حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا أبو الولِيدِ الطَّيالِسِيُّ، قال: حدَّثنا زُهَيرٌ، قال: حدَّثنا أبو الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا انقطعَ شِسعُ أحَدِكُم، فلا يَمْشِ في نَعلٍ واحِدةٍ حتَّى يُصلِح شِسْعهُ، ولا يَمْشِ في خُفٍّ واحِدةٍ، ولا يأكُل بشمالِهِ" .
قال أبو عُمر: حديثُ أبي هريرةَ هذا، وحديثُ جابرٍ الذي ذكَرْنا، حديثانِ بَيِّنانِ واضِحانِ، مُسْتَغنِيانِ عنِ التَّفسِيرِ، مُسْتَعملانِ عِندَ أهلِ العِلم، لا أعلمُ بينهُم في استِعمالِهِما خِلافًا.
-
وقد رُوِي عن عائشةَ مُعارَضةٌ لأبي هريرةَ في حديثِهِ، لم يَلْتفِت أهلُ العِلم إلى ذلك، لضعفِ إسنادِ حديثها، ولأنَّ السُّنَن لا تُعارَضُ بالرَّأيِ.
-
وقد رُوِي عنها أنَّها لم تُعارِض أبا هريرةَ برأيِها، وقالت: رأيتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَمْشِي في نَعْلٍ واحِدةٍ.
-
وهذا الحديثُ عِندَ أهلِ العِلم غيرُ صحِيح، لأنَّ في إسنادِهِ ضعفًا.
-
حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُطَيسٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن إبراهيم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بنِ يُونُس، قال: حدَّثنا مِندلٌ (٢) ،
ج ١١ ص ٤٣٦عن لَيْثٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ، قالت: رُبَّما انقطَعَ شِسعُ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فمَشَى في النَّعلِ الواحِدةِ، حتَّى يُصلِحَ الأُخرَى (١) .
-
وحدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُطَيسٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْلمةَ القَعْنبِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله العُمَرِيُّ، عن أبيهِ: أنَّهُ رأى سالم بن عبدِ الله يَمْشِي في نَعْلٍ واحِدةٍ، وهُو يُصلِحُ الأُخرى (٢) .
قال: وأخبَرنا عبدُ الله بن مَسْلمةَ القَعْنبِيُّ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن بلالٍ، عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ مولى أصحابِ المقصُورةِ، عن محمدِ بنِ عُمرَ (٣) بنِ عليِّ بنِ أبي طالِبٍ، عن أبيهِ: أنَّ عليًّا كان يَمشِي في النَّعلِ الواحِدةِ.
-
وهذا مَعناهُ لو صحَّ، أنَّهُ كان عن ضرُورةٍ، أو كان يَسِيرًا، نحو أن يُصلِحَ الأُخرى، لا أنَّهُ أطالَ ذلك، واللّه أعلمُ.
-
ولا حُجَّةَ في مِثلِ هذا الإسنادِ.
-
(٤) ذكرَ الحسنُ الحُلوانيُّ، قال: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا سُلَيمٌ، عنِ ابنِ عونٍ، عن محمدِ بنِ سِيرِينَ، أنَّهُ قال: ولا خُطوةً واحِدةً.
-
يَعني يَمِشِي في نَعلٍ واحِدةٍ.
- ج ١١ ص ٤٣٧
وأخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا سُحنُونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني أشْهَلُ بن حاتِم، عن عبدِ الله بنِ عَوْنٍ (١) ، عن محمدِ بنِ سِيرِينَ، قال: كانوا يكرهُونَ أن يَمشِي الرَّجُلُ في النَّعلِ الواحِدةِ، ويقولُون: ولا خُطوةً.
-
وقد ذكرَ عِيسَى بن دِينارٍ، عنِ ابنِ القاسم، عن مالكٍ، أنَّهُ سُئلَ عنِ الذي ينقطِعُ شِسعُ نَعلِهِ، وهُو في أرضٍ حارَّةٍ، هل يمْشِي في الأُخرى (٢) حتَّى يُصلِحها؟ قال: لا، ولكن ليَخْلعهُما جميعًا، أو ليَقِفْ (٣) .
قال أبو عُمر: هذا هُو الصَّحِيحُ من الفتوى، وهُو الصَّحِيحُ في الأثرِ، وعليه العُلماءُ.
- ج ١١ ص ٤٣٨
حديثٌ مُوَفِّي عشرينَ لأبي الزِّنادِ
مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا انتعلَ أحدُكُم فليَبْدأ باليَمِينِ، وإذا نزعَ فليَبْدأ بالشِّمالِ، ولتكُنِ اليُمنى أوَّلهما تُنعلُ، وآخِرهُما تُنزَعُ" .
-
وهذا حديثٌ صحِيحٌ بيِّنٌ في معناهُ، كامِلٌ، حسنٌ (٢) ، مُسْتَغنٍ عنِ القولِ.
-
(٣) والمعنى فيه، واللّه أعلمُ، تفضِيلُ اليُمنى على اليُسرى بالإكرام، ألا تَرَى أنَّها للأكلِ دُون الاستِنجاءِ، فكذلك تُكرمُ أيضًا ببقاءِ زِينتِها أوَّلًا وآخِرًا.
-
حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤) : حدَّثنا النُّفيلِيُّ، قال: حدَّثنا زُهَيرٌ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا لَبِستُم، وإذا توضَّأتُم، فابدؤُوا بميامِنِكُم" .
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الهَيْثم أبو الأحوصِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن كثِيرٍ الصَّنعانيُّ، عن مَعْمرٍ، وحمّادِ بنِ سَلَمةَ، وابنِ شَوْذبٍ، عن محمدِ بنِ زِيادٍ، عن أبي هريرةَ، قال:
ج ١١ ص ٤٣٩قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا انْتَعلَ أحدُكُم فليَبْدأ باليُمنى، وإذا خلعَ فليبدأ باليُسرى، ليُحفِهِما جميعًا، أو يُنعِلهما جميعًا" (١) .
-
(٢) هذا يُبيِّنُ لكَ أنَّ اليُمنَى مُكرَّمةٌ، فلِذلك يبدأُ بها إذا انتعلَ، ويؤَخِّرُها إذا خلعَ، لتكونَ الزِّينةُ باقِيةً عليها أكثر مِمّا على الشِّمالِ، ولكن مع هذا لا يُبقِي عليها بَقاءً دائمًا لقولِهِ: "لِيُحفِهِما جميعًا" .
قال أبو عُمر: من مَشَى في نَعْلٍ أو خُفٍّ واحِدةٍ، أو بَدَأ في انتِعالِهِ (٣) بشِمالِهِ، فقد أساءَ وخالَفَ السُّنَّةَ، وبئسَما صَنَعَ، إذا كان بالنَّهيِ عالِمًا، ولا يحرُمُ عليه مع ذلك لباسُ نَعلِهِ ولا خُفِّهِ، ولكنَّهُ لا يَنْبغِي لهُ أن يعُودَ، فالبَرَكةُ والخيرُ كلُّهُ في اتِّباع أدبِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وامتِثالِ أمرِهِ.
قال أبو عُمر: رَوَى جابرٌ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّهُ قال: "اسْتكثِرُوا من النِّعالِ، فإنَّ الرَّجُل المُنْتعِلَ بمَنْزِلةِ الرّاكِبِ، أو لا (٤) يزالُ راكِبًا ما انْتَعَلَ" (٥) .
- ج ١١ ص ٤٤٠
ورُوِي عنِ ابنِ عبّاسٍ، أَنَّهُ قال: من السُّنَّةِ إذا نزعَ الرَّجُلُ نَعْلَيهِ، أن يضعَهُما بجَنْبه.
-
ورُوِي عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّهُ كان يُصلِّي في نَعْليهِ (١) .
-
ورُوِيَ عن قَتادةَ، عن أنَسٍ: أنَّ نعلَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كان لهما (٢) قِبالانِ (٣) (٤) .
-
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الهَيْثم، قال: حدَّثنا ابنُ أبي السَّرِيِّ، قال: حدَّثنا مخلدُ بن حُسَينٍ، قال: حدَّثنا هشامُ بن حسّانٍ، عن عبدِ الحمِيدِ، عن أنَسِ بنِ مالكٍ، قال: كان نَعلا رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكرٍ وعُمر بقِبالينِ، وأوَّلُ من شَسَّعَ: عُثمانُ بن عفّان.
- ج ١١ ص ٤٤١
حديثٌ حادي عشرينَ لأبي الزِّنادِ
مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تَلقَّوُا الرُّكبانَ للبيع، ولا يبِعْ بعضُكُم على بَيع بعضٍ، ولا تَناجشُوا، ولا يبِعَ حاضِرٌ لبادٍ، ولا تُصِرُّوا الإبِلَ والغنَمَ، فمنِ ابْتاعَها بعد ذلك، فهُو بخَيرِ النَّظَرَيْنِ بعدَ أن يَحْلِبها، إن رَضِيها أمْسَكها، وإن سَخِطها رَدَّها وصاعًا من تَمرٍ" .
-
أمّا قولُهُ: "لا تَلقَّوُا الرُّكبانَ" فهُو النَّهيُ عن تَلقِّي السِّلع.
-
وقد رُوِي هذا المعنى بألفاظٍ مُخْتلِفةٍ، فرَوَى الأعرجُ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "لا تَلقَّوُا الرُّكبانَ" كما ترى.
-
ورَوَى ابنُ سِيرِينَ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "لا تَلقَّوُا الجَلَبَ" (٢) .
-
ورَوَى أبو صالح وغيرُهُ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّهُ نَهَى أن تُتلقَّى السِّلعُ، حتَّى تدخُلَ الأسْواقَ (٣) .
-
ورَوَى ابنُ عبّاسٍ: لا تَسْتقبِلوا السُّوقَ، ولا يَتَلَقَّ (٤) بعضُكُم لبعضٍ (٥) .
- ج ١١ ص ٤٤٢
والمعنى في ذلك كلِّهِ واحِدٌ.
-
وقد مَضَى القولُ في ذلك، وفي معنى قولِهِ: "لا يبِعْ بعضُكُم على بيع بعضٍ" . في بابِ نافِع، عنِ ابنِ عُمرَ؛ لأنَّ القَعْنبِيَّ ذكرَ ذلك عن مالكٍ، في حديثِ نافِع. وذكرَ يحيى وغيرُهُ من ذلك ما وصفنا هُنالِك، وسَنزِيدُ المعنيينِ هاهُنا بيانًا، من قولِ أصحابِنا وغيرِهِم إن شاءَ الله.
-
فجُملةُ قولِ مالكٍ في ذلك: أنَّهُ لا يجُوزُ أن يَشْترِيَ أحدٌ (١) من الجَلَبِ والسِّلع الهابِطةِ إلى الأسواقِ، وسَواءٌ هبطت من أطرافِ المصرِ، أو من البَوادِي، حتَّى يُبلَغَ بالسِّلعةِ سُوقُها، هذا إذا كان التَّلقِّي في أطرافِ المصرِ ومن البَوادي حتى يُبْلَغَ بالسِّلعة سُوقُها، هذا إذا كان التَّلَقي في أطراف المِصْر، أو قرِيبًا منهُ (٢) .
-
وقِيل لمالكٍ: أرأيتَ إن كان ذلك على رأسِ سِتَّةِ أميالٍ؟ فقال: لا بأسَ بذلك. والحيوانُ وغيرُ الحيوانِ في ذلك كلِّهِ سَواءٌ.