أبو الزناد عبد الله بن ذكوان
١٬٣٧٧ فقرة، ج ١١ ص ٢٨٧
الصفحة ١٣ من ٣٥
- ج ١١ ص ٤٤٢
وروى عيسى وأصبغُ وسحنُونٌ، عنِ ابنِ القاسم: أنَّ السِّلعةَ إذا تلقّاها مُتلقٍّ واشتَراها قبلَ أن يُهبَطَ بها إلى السُّوقِ، قال ابنُ القاسم: تُعرَضُ السِّلعةُ على أهلِ السِّلع في السُّوقِ، فيَشْترِكُونَ فيها (٣) بذلك الثَّمنِ لا زِيادةَ، فإن لم يكُن لها سُوقٌ، عُرِضت على النّاسِ في المصرِ، فيْشترِكُون فيها إن أحبُّوا، فإن نقصَتْ عن ذلك الثَّمنِ، لزِمتِ المُشترِي. قال سحنُونٌ: وقال لي غيرُ ابنِ القاسم: يُفسَخُ البيعُ.
وقال عيسى، عنِ ابنِ القاسم: يُؤَدَّبُ مُتَلَقِّي (٤) السِّلع، إذا كان مُعتادًا بذلك.
-
وروى سحنُون عنهُ أيضًا: أنَّهُ يُؤَدَّبُ، إلّا أن يُعذَر بالجَهالةِ.
ج ١١ ص ٤٤٣وقال عيسى، عنِ ابنِ القاسم: إن فاتتِ السِّلعةُ، فلا شيءَ عليه.
-
ورَوَى أشهبُ، عن مالكٍ: أنَّهُ كرِهَ أن يخرُجَ الرَّجُلُ من الحاضِرةِ إلى أهلِ الحَوائِطِ، فيَشْترِي منهُمُ الثَّمرةَ مَكانَها. ورآهُ من التَّلقِّي، ومن بَيع الحاضِرِ للبادِي (١) .
وقال أشهبُ: لا بأسَ بذلك، وليس هذا بمُتلقٍّ، ولكنَّهُ اشْتَرى الشَّيءَ في مَوْضِعِهِ (٢) .
-
ورَوَى أبو قُرَّةَ، قال: قال لي مالكٌ: إنِّي لأكرَهُ تلقِّيَ السِّلع، وأن يبلُغُوا بالتَّلقِّي أربَعةَ بُرُدٍ.
قال أبو عُمر: لا أعلمُ خِلافًا في جَوازِ خُرُوج النّاسِ إلى البُلدانِ في الأمتِعةِ والسِّلع، ولا فرقَ بين القرِيبِ والبعِيدِ من ذلك في النَّظرِ، وإنَّما التَّلقِّي، تَلقِّي من خرجَ بسِلْعةٍ يُرِيدُ بها السُّوق، وأمّا من قصَدْتَهُ إلى مَوْضِعِهِ، فلم تَتَلق.
وقال اللَّيثُ بن سعدٍ: أكرَهُ تلقِّي السِّلع، وشِراءَها في الطَّرِيقِ، أو على بابِكَ، حتَّى تقِفَ السِّلعةُ في سُوقِها التي تُباعُ فيها، فإن تَلقَّى أحدٌ سِلعةً فاشْتَراها، ثُمَّ عُلِمَ به، فإن كان بائِعُها لم يذهَبْ، رُدَّت إليه، حتَّى تُباع في السُّوقِ، وإن كان قد ذهَبَ، ارتُجِعت منهُ وبيعَتْ في السُّوقِ، ودُفِع إليه ثمنُها. قال: وإن كان على بابه، أو في طرِيقِهِ، فمرَّت به سِلعةٌ، يُرِيدُ صاحِبُها سُوقَ تِلك السِّلعةِ، فلا بأسَ أن يَشْترِيها، إذا لم يَقْصِد لتلقِّي السِّلع، وليس هذا بالتَّلقِّي، إنَّما التَّلقِّي أن يَعمِدَ لذلك.
قال أبو عُمر: أمّا مَذهبُ مالكٍ واللَّيثِ، ومن قال بمِثلِ (٣) قولِهِما، في النَّهيِ عن تلقِّي السِّلع، فمعناهُ عِندَهُم الرِّفقُ بأهلِ الأسواقِ، لئلّا يُقْطعَ بهم
ج ١١ ص ٤٤٤عمّا لهُ جَلَسُوا، يبتغُونَ من فضلِ الله، فنَهَى النّاس أن يَتَلقَّوُا السِّلع التي يُهبَطُ بها إليهم؛ لأنَّ في ذلك فسادًا عليهم.
-
وأمّا الشّافِعِيُّ، فمذهبُهُ في ذلك، أنَّ النَّهيَ إنَّما وردَ رِفقًا بصاحِبِ السِّلعةِ (١) ، لئلّا يُبخَسَ في ثَمنِ سِلعتِهِ.
قال الشّافِعِيُّ (٢) : لا تُتلقَّى السِّلعةُ، فمن تلقّاها فصاحِبُها بالخِيارِ إذا بلغَ السُّوق.
-
وقد رُوِي بمِثلِ ما قالهُ الشّافِعِيّ خبرٌ صحِيحٌ، يلزمُ العملُ به:
حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا أبو توبةَ الرَّبِيعُ بن نافِع، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عمرٍو الرَّقِّيّ، عن أيُّوبَ، عنِ ابنِ سِيرِينَ، عن أبي هريرةَ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن تلقِّي الجَلَبِ، فإن تَلقّاهُ مُتلقٍّ فاشْتَراهُ، فصاحِبُ السِّلعةِ بالخِيارِ إذا وردَتِ السُّوقَ.
قال أبو عُمر: هذه الرِّوايةُ عنِ ابنِ سِرين، تُبيِّنُ ما رواهُ عنهُ هشامُ بن حسّانٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تَلقَّوُا الجَلَبَ، فمن تَلقّاهُ فاشْتَرى منهُ شيئًا، فهُو بالخِيارِ إذا أتى السُّوقَ" (٤) .
قال أبو عُمر: فقولُهُ في خَبرِ هشام: "فهُو بالخِيارِ" . يُرِيدُ البائِع، لئلّا يتناقضَ الحديثانِ (٥) .
- ج ١١ ص ٤٤٥
وهُو جائِزٌ في اللُّغةِ أن يَقصِدهُ، وإن لم يَذكُرهُ إلّا بالمعنى.
-
وقد روينا من حديثِ هشام نصًّا كما قال أيُّوبُ، وهُو الصَّوابُ، وما خالفهُ فليس بشيءٍ.
وقال أصحابُ الشّافِعِيِّ: تَفسِيرُ النَّهيِ عنِ التَّلقِّي: أن يخرُجَ أهلُ الأسواقِ فيَخْدعُون أهل القافِلةِ، ويشترُونَ منهُم شراءً رَخِيصًا، فلهمُ الخِيارُ، لأنَّهُم قد غرُّوهُم وخَدَعُوهُم (١) .
-
وأمّا أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ (٢) ، فالنَّهيُ عن تَلقِّي السِّلع عِندَهُم، إنَّما هُو من أجْلِ الضَّررِ، فإن لم يضُرَّ بالنّاسِ تَلقِّي ذلك، لضِيقِ المعِيشةِ، وحاجتِهِم إلى تلك السِّلع، فلا بأسَ بذلك.
وقال أبو جَعفرٍ الطَّحاوِيُّ (٣) : لمّا جعلَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الخِيار في السِّلعةِ المُتلقّاةِ إذا هُبِطَ بها إلى السُّوقِ، دلَّ على جَوازِ البَيْع؛ لأنَّهُ ثبَّتهُ، وجعلَ فيه الخِيار.
قال: وهذا يدُلُّ على أنَّ التَّلقِّي المكرُوه إذا كان فيه ضَررٌ، فلِذلك جُعِل فيه الخِيارُ، فإن لم يكُن فيه ضَرَرٌ، فهُو غيرُ مكرُورهٍ.
وقال ابنُ خُوَيْزمَنْداد: البَيْعُ في تلقِّي السِّلع صحِيحٌ، على قولِ الجَمِيع، وإنَّما الخِلافُ هُو أنَّ المُشترِي لا يَفُوزُ بالسِّلعةِ ويشركُهُ فيها أهلُ الأسواقِ، ولا خِيار للبائِع، أو أنَّ البائِع بالخِيارِ.
قال أبو عُمر: ما حَكاهُ ابنُ خُوَيْزمَنْداد عنِ الجميع في جَوازِ البيع في ذلك، مع ما دلَّ عليه الحديثُ، هُو الصَّحِيحُ، لا ما حكاهُ سحنُونٌ عن غيرِ ابنِ القاسم، أنَّهُ يُفسَخُ البيعُ، وباللّه التَّوفيقُ.
- ج ١١ ص ٤٤٦
وكان ابنُ حبِيبٍ يَذْهبُ إلى فسخ البَيع في ذلك، فإن لم يُوجَدِ البائِعُ، عُرِضتِ السِّلعةُ على أهلِ الأسواقِ، واشْتَركُوا فيها إن أحبُّوها، وإن أبوا مِنها رُدَّت على مُبتاعِها. إلى كلام كثِيرٍ ذكرهُ، وفرَّقَ بين الطَّعام في ذلك وغيرِهِ، وقال: الطَّعامُ يُوقَفُ للنّاسِ كلِّهِم يَشْترُونهُ بالثَّمنِ، وإن كان لهُ أهلٌ راتِبُون في السُّوقِ لم يُفسخ فيه البيعُ.
-
حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا أبو أُسامَةَ، عن هشام، عن محمدٍ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا تلقَّوُا الأجْلابَ، فمن تلقَّى منهُ شيئًا فاشْتَراهُ، فصاحِبُهُ بالخِيارِ إذا أتى السُّوقَ" (١) .
-
وأمّا قولُهُ في الحديثِ: "ولا يَبِعْ بعضُكُم على بيع بعضٍ" (٢) . فهُو كقولِهِ: "لا يبِع الرَّجُلُ على بَيع أخِيهِ، ولا يَسْتامُ على سَومِهِ" (٣) .
-
ذكرَ الحسنُ بن عليٍّ الحُلوانيُّ، قال: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ، قال: قال محمدُ بن سِيرِين: أَتَدْرِي مَتَى لا يَسْتامُ الرَّجُلُ على سَوْم أخِيهِ؟ قلتُ: لا أدرِي، قال: وأنا لا أدْرِي.
وقال سُفيانُ: هُو أن يقولَ: عِندِي خيرٌ منهُ.
ج ١١ ص ٤٤٧وقال مالكٌ: معنَى ذلك الرُّكُونُ.
قال مالكٌ (١) : تفسِيرُ قولِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يبِعْ بعضُكُم على بيع بعضٍ" فيما نَرَى - واللّه أعلمُ -: أَنَّهُ إنَّما نَهَى أن يسُومَ الرَّجُلُ على سَوْم أخِيهِ، إذا ركَنَ البائِعُ إلى السّائِم، وجعلَ يَشْترِطُ وزنَ الذَّهَبِ، ويتبرَّأُ من العُيُوبِ، وما أشْبَهَ هذا، مِمّا يُعرَفُ به أنَّ البائِع قد أرادَ مُبايعةَ السّائِم، فذلك الذي نُهِي عنهُ، واللّه أعلمُ.
قال مالكٌ (٢) : ولا بأسَ بالسَّوم بالسِّلعةِ تُوقَفُ للبيع، فيسُومُ بها غيرُ واحِدٍ.
قال: ولو تركَ النّاسُ السَّوم عِندَ أوَّلِ من يسُومُ بالسِّلعةِ، أُخِذت بشِبهِ الباطِلِ من الثَّمنِ، ودخلَ على الباعَةِ في سِلَعِهِمُ المكرُوهُ والضَّررُ. قال: ولم يزلِ الأمرُ عِندَنا على هذا.
قال أبو عُمر: أقوالُ الفُقهاءِ كلِّهم في هذا البابِ مُتقارِبةُ المعنى (٣) ، وكلُّهُم قد أجمعُوا على جَوازِ البيع فيمَنْ يزِيدُ، وهُو يُفسِّرُ لك ذلك.
-
ومذهبُ مالكٍ: أنَّ البيعَ في ذلك يُفسَخُ، ما لم يفُت.
-
ومذهبُ الشّافِعِيِّ وأبي حنِيفةَ: أنَّ البيع لازِمٌ، والفِعل مكرُوهٌ.
-
وذكر ابنُ خُويزمَنْداد، قال: قال مالكٌ: لا يَبِع الرَّجُلُ على بَيع أخِيهِ، ولا يخطِبُ على خِطْبتِهِ (٤) ، ومتَى فعلَ ذلك، فُسِخ البيعُ ما لم يَفُت، وفُسِخ النِّكاحُ قبلَ الدُّخُولِ.
-
وقال الشّافِعِيُّ (٥) وأبو حنِيفةَ، فيمَن باعَ على بيع أخِيهِ: العَقدُ صحِيحٌ، ويُكرَهُ لهُ ما فعلَ.
- ج ١١ ص ٤٤٨
وأجمعَ الفُقهاءُ أيضًا، على أَنَّهُ لا يجُوزُ دُخُولُ المُسلِم على الذِّمِّيِّ في سَوْمِهِ. إلّا الأوزاعِيَّ وحدَهُ، فإنَّهُ قال: لا بأسَ بدُخُولِ المُسلِم على الذِّمِّيِّ في سَومِهِ، لقولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يبِعْ بعضُكُم على بيع بعضٍ، ولا يَسُمْ (١) على سَوْم أخِيهِ" (٢) .
-
وحُجَّةُ سائِرِ الفُقهاءِ: أنَّ الذِّمِّيَّ لمّا دخلَ في نهيِهِ - صلى الله عليه وسلم - عن بَيع الغررِ، وبَيع ما لم يُقبَض والنَّجشِ ورِبح ما لم يُضمَّن ونحوِ ذلك، كان كذلك في السَّوم على سَوْمِهِ، وإذا أُطلِقَ الكلامُ على المُسلِمِينَ، دخلَ فيه أهلُ الذِّمَّةِ.
-
والدَّليلُ على ذلك، اتِّفاقُهُم على كَراهِيةِ سَوْم الذِّمِّيِّ على الذِّمِّيِّ، فدلَّ على أنَّهُم مُرادُون.
-
وكان ابنُ حبِيبٍ يقولُ: إنَّما نُهِي أن يَشْترِي الرَّجُلُ على شِراءِ الرَّجُلِ. وأمّا أن يبِيعَ على بيعِهِ فلا. قال: لأنَّهُ لا يبِيعُ أحدٌ على بيع أحدٍ. قال: وإنَّما هُو أن يَشْترِي مُشترٍ على شِراءِ مُشترٍ. قال: والعربُ تقُولُ: بعتُ الشَّيءَ، في معنى (٣) اشْتَريتُهُ. وأنشدَ أبياتًا في ذلك، وجعلَ البيعَ فيه صحِيحًا، وفاعِلهُ عاصِيًا، أمرهُ بالتَّوبةِ والاستِغفارِ، وأن يعرِضَ السِّلعةَ على أخِيهِ الذي دخلَ فيها عليه، فإن أحبَّها أخذَها.
قال أبو عُمر: لا أدرِي وجهًا لإنكارِهِ أن يُراد بذلك البائعُ (٤) ، والعَرَبُ وإن كان يُعرَفُ من لُغتِها أن تقُول: بعتُ، بمعنى اشتريتُ. فالذي هُو أعرَفُ وأشهرُ عنها، أن تقول: بعتُ، بمعنى بعتُ. وأيُّ ضرُورةٍ بنا إلى هذا، والمعنى فيه واضِحٌ على ما قال مالكٌ وغيرُهُ، وباللّه العَونُ والتَّوفيقُ.
- ج ١١ ص ٤٤٩
وأمّا قولُهُ: "لا تناجشُوا" . فقد مَضَى القولُ في معناهُ، عِند ذِكرِ حديثِ مالكٍ، عن نافِع، عنِ ابنِ عُمرَ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّهُ نَهَى عنِ النَّجْشِ (١) .
-
ولا تختلِفُ الفُقهاءُ، أنَّ المُناجشةَ معناها: أن يَدُسَّ الرَّجُلُ إلى الرَّجُلِ ليُعطِي بسِلعتِهِ عَطاءً، وهُو لا يُرِيدُ شِراءَها، ليَغْتَرَّ (٢) به من أرادَ شِراءَها من النّاسِ، أو يفعل ذلك هُو بنفسِهِ في سِلْعتِهِ، إذا لم يعلم أنَّها لهُ.
-
واختَلفُوا في هذا البيع، فقال مالكٌ: منِ اشْتَرى سِلْعةً منجُوشةً، فهُو بالخِيارِ إذا علِمَ، وهُو عَيْبٌ من العُيُوبِ (٣) .
-
وهذا تحصِيلُ مذهبِ مالكٍ عِند المِصرِيِّينَ (٤) والعِراقِيِّينَ من أصحابه، ذكر ذلك ابنُ خُوَيْزمَنْداد وغيرُهُ عن مالكٍ.
وقال الشّافِعِيُّ وأبو حنِيفةَ: ذلك مكرُوهٌ، والبيعُ لازِمٌ.
وقال ابنُ حبِيبٍ: من فعلَ ذلك جاهِلًا أو مُجترِئًا، فُسِخَ البيعُ إن أُدرِكَ قبلَ أن يفُوتَ، إلّا أن يُحِبَّ المُشترِي أن يتمسَّكَ بالسِّلعةِ بذلك الثَّمنِ الذي أخذَها (٥) به. قال: فإن فاتَتْ في يَدِهِ، كانت عليه بالقِيمةِ، وذلك إذا كان البائِعُ هُو الذي دسَّهُ، أو كان المُعطِي من سببِ البائِع، وإن لم يكُن شيئًا من ذلك، وكان أجنبِيًّا لا يعرِفُ البائِع، ولا يعرِفُ قِصَّتهُ، فلا شيءَ على البائِع، والبيعُ تامٌّ صحِيحٌ، والفاعِلُ آثِمٌ (٦) .
-
هذا كلُّهُ قولُ ابنِ حبِيب.
- ج ١١ ص ٤٥٠
وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "ولا يبِعْ حاضِرٌ لبادٍ" . فإنَّ العُلماءَ اختَلفُوا في ذلك، فكان مالكٌ يقولُ: تفسِيرُ ذلك أهلُ البادِيةِ، وأهلُ القُرَى، فأمّا أهلُ المدائِنِ من أهلِ الرِّيفِ، فإنَّهُ ليس بالبيع لهم بأسٌ، ممَّن يُرَى أَنَّهُ يعرِفُ السَّومَ، إلّا من كان منهُم يُشبِهُ أهل البادِيةِ، فإنِّي لا أُحِبُّ أن يبِيعَ لهم حاضِرٌ.
وقال في البدوِيِّ، يقدمُ فيسألُ الحاضِر عنِ السِّعرِ: أكرَهُ لهُ أن يُخبِرهُ، ولا بأسَ أن يَشْترِي لهُ، إنَّما يُكرَهُ أن يبِيعَ لهُ، فأمّا أن يَشْترِيَ (١) لهُ، فلا بأسَ (٢) .
-
هذه رِوايةُ ابنِ القاسم عنهُ، قال ابنُ القاسم: ثُمَّ قال بعدَ ذلك: ولا يبِيعُ مِصرِيٌّ لمدنِيٌّ، ولا مدنِيٌّ لمِصرِيٍّ، ولكن يُشِيرُ عليه.
وقال ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ: لا أرَى أن يبِيعَ الحاضِرُ للبادِي، ولا لأهلِ القُرَى.
-
وقد حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا المُفضَّلُ (٣) بن محمدٍ الجَنَدِيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن زِيادٍ، قال: حدَّثنا أبو قُرَّةَ، قال: قلتُ لمالكٍ: قولُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يبِعْ حاضِرٌ لبادٍ" . ما تفسِيرُهُ؟ قال: لا يبِعْ أهلُ القُرى لأهلِ البادِيةِ سِلعَهُم. قلتُ: فإن بعثَ بالسِّلعةِ إلى أخ لهُ من أهلِ القُرَى، ولم يقدم معَ سِلْعتِهِ؟ قال: لا يَنْبغِي لهُ. قلتُ لهُ: ومَنْ أهلُ البادِية؟ قال: أهلُ العمُودِ (٤) . قلتُ لهُ: القُرَى المسكُونةُ التي لا يُفارِقُها
ج ١١ ص ٤٥١أهلُها، يُقِيمُونَ فيها، تكونُ قُرًى صِغارًا في نَواحِي المدِينةِ العَظِيمةِ، فيقدمُ بعضُ أهلِ تلك القُرى الصِّغارِ إلى أهلِ الدِينةِ بالسِّلع، فيَبِيعُها لهم أهلُ المدِينةِ؟ قال: نعم، إنَّما معنى الحديثِ أهلُ العمُودِ (١) .
-
ورَوَى أصبغُ، عنِ ابنِ القاسم، فيمَن فعلَ ذلك، من بيع الحاضِرِ للبادِي: أنَّهُ يُفسَخُ بيعُهُ. وكذلك روى عيسى، عنِ ابنِ القاسم، قال: وإن فاتَ، فلا شيءَ عليه.
-
ورَوَى سحنُونٌ، عنِ ابنِ القاسم: أنَّهُ يُمضَى البيعُ. قال سحنُونٌ: وقال لي غيرُ ابنِ القاسم: أنَّهُ يُرَدُّ البيعُ.
-
وروى سحنُونٌ وعِيسَى، عنِ ابنِ القاسم: أنَّهُ يُؤَدَّبُ الحاضِرُ إذا باعَ للبادِي. قال في رِوايةِ عيسى: إن كان مُعتادًا لذلك.
-
ورَوى عبدُ الملكِ بن الحسنِ زُونانُ (٢) ، عنِ ابنِ وَهْبٍ: أنَّهُ لا يُؤَدَّبُ، عالِمًا كان بالنَّهيِ عن ذلك أو جاهِلًا (٣) .
قال أبو عُمر: لم يختلِف قولُ مالكٍ، واللّه أعلمُ، في كَراهِيةِ بيع الحاضِرِ للبادِي، واختلَفَ قولُهُ في شِراءِ الحاضِرِ للبادِي.
-
فمرَّةً قال: لا بأسَ أن يشترِي لهُ. ومرَّةً قال: لا يَشْترِي لهُ، ولا يُشِيرُ عليه. ذكرَ ذلك في كِتابِ السُّلطانِ، من "المُسْتخرجةِ" .
-
وبه قال ابنُ حبِيبٍ، قال: والبادِي الذي لا يبِيعُ لهُ الحاضِرُ، هُم أهلُ
ج ١١ ص ٤٥٢العمُودِ، أهلُ (١) البَوادِي والبَرارِيِّ، مِثلُ الأعرابِ. قال: وجاءَ النَّهيُ في ذلك، إرادةَ أن يُصِيبَ النّاسَ غِرَّتهم.
-
ثُمَّ ذكر عنِ الحِزَاميِّ (٢) ، عن سُفيانَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يبِعْ حاضِرٌ لبادٍ، دعُوا النّاسَ يرزُقُ اللهُ بعضَهُم من بَعْضٍ" (٣) .
قال: فأمّا (٤) أهلُ القُرَى، الذينَ يعرِفُونَ أثمانَ سِلَعِهِم وأسواقَها، فلم يُعنَوْا بهذا الحديثِ. قال: فإذا باعَ الحاضِرُ للبادِي، فُسِخ البيعُ، لأنَّ عَقدهُ وقعَ منهِيًّا عنهُ، فالفسخُ أولى به.
قال: وكذلك أخبَرني أصبغُ، عنِ ابنِ القاسم، قال: قال عبدُ الملكِ بن حبِيبٍ: والشِّراءُ للبادِي مِثل البيع، ألا تَرَى إلى قولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يبِعْ بعضُكُم على بيع بعضٍ" ، إنَّما هُو: لا يَشْترِي بعضُكُم على شِراءِ بعضٍ. قال: فلا يجُوزُ للحَضرِيِّ أن يَشْترِيَ للبَدَوِيِّ ولا (٥) يبِيع لهُ، ولا أن يبعثَ البَدَوِيُّ إلى الحضرِيِّ بمتاع فيبِيعَهُ لهُ الحضرِيُّ، ولا يُشِيرُ عليه في البَيْع إن قدِمَ عليه.
قال أبو عُمر: قال اللَّيثُ بن سعدٍ: لا يُشِيرُ الحاضِرُ على البادِي؛ لأنَّهُ إذا أشارَ عليه، فقد باعَ لهُ، لأنَّ مِن شأن أهلِ البادِيةِ أن يُرخِّصُوا على أهلِ الحَضَرِ (٦) ، لقِلَّةِ مَعرِفتِهِم بالسُّوقِ، فنَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عنِ البيع لهُ (٧) .
ج ١١ ص ٤٥٣قال: ولا بأسَ أن يبتاعَ الحاضِرُ للبادِي، وأمّا أهلُ القُرَى، فلا بأسَ أن يبِيع لهمُ الحاضِرُ.
وقال الأوزاعِيُّ: لا يبِع حاضِرٌ لبادٍ، ولكن لا بأس أن يُخبِرهُ بالسِّعرِ.
وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ: لا بأسَ أن يبِيع الحاضِرُ للبادِي.
-
ومن حُجَّتِهِم أنَّ هذا الحديث قد عارَضهُ قولُهُ - صلى الله عليه وسلم -: "الدِّينُ النَّصِيحةُ لكلِّ مُسلِم" (١) .
وقال الشّافِعِيُّ: لا يبِعْ حاضِرٌ لبادٍ، فإن باعَ حاضِرٌ لبادٍ، فهُو عاصٍ، إذا كان عالِمًا بالنَّهيِ، ويجُوزُ البيعُ، لقولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "دعُوا النّاس يَرْزُق اللهُ بعضَهُم من بعضٍ" (٢) .
قال أبو عُمر: هذا اللَّفظُ يقضي على أنَّ النَّهي عن بيع الحاضِرِ للبادِي، إنَّما هُو لئلّا يُمنعَ المُشْترِي فضلَ ما يَشْترِيهِ.
-
وهذا مُوافِقٌ للنَّهيِ عن تلقِّي السِّلع، على تأوِيلِ مالكٍ وأصحابه، ومُخالِفٌ لذلك على تأوِيلِ الشّافِعِيِّ في النَّهيِ عن تلقِّي السّلع. وهذا لفظٌ صحِيحٌ.
-
حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُمر (٣) ، قال: حدَّثنا عليُّ بن حربٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يبِعْ حاضِرٌ لبادٍ، ودعُوا النّاس يرزُق اللهُ بعضَهُم من بعضٍ" (٤) .
- ج ١١ ص ٤٥٤
وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ النُّفيليُّ، قال: حدَّثنا زُهَيرٌ، قال: حدَّثنا أبو الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يبِعْ حاضِرٌ لبادٍ، ذرُوا النّاس يَرزُق الله بعضهُم من بعضٍ" .