أبو الزناد عبد الله بن ذكوان
١٬٣٧٧ فقرة، ج ١١ ص ٢٨٧
الصفحة ١٧ من ٣٥
- ج ١١ ص ٤٨٥
وأمّا رِوايةُ أبي صالح وأبي رَزِينٍ لهذا الحديثِ؛ فحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن عبدِ الله العَبْسِيُّ، قال: حدَّثنا وكِيعٌ، عنِ الأعْمَشِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ - يَرْفعُهُ -، قال: "إذا اسْتَيقظَ أحدُكُم من مَنامِهِ، فلا يَغمِس يَدهُ في الإناءِ، حتَّى يَغْسِلها ثلاثًا، فإنَّهُ لا يَدْرِي أين باتَتْ يَدُهُ" (١) .
-
هكذا قال عن وكِيع، لم يذكُر أبا رَزِينٍ مع أبي صالح.
-
وكذلك رواهُ عيسى بن يُونُس، عنِ الأعمشِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ لم يذكُر أبا رزِينٍ، وقال: "مرَّتينِ، أو ثلاثًا" .
-
ذكرهُ أبو داود (٢) ، عن مُسدَّدٍ، عن عيسى بنِ يُونُس.
-
وقد حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا موسى بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا وَكِيع، عنِ الأعْمَشِ، عن أبي صالح
ج ١١ ص ٤٨٦وأبي رَزِينٍ، عن أبي هريرةَ، يرفعُهُ (١) . فذكر الحديث كما تقدَّم لوكِيع سواءً، وذكر أبا رزِينٍ مع أبي صالح، وهُو صحِيحٌ.
-
حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا مُسدَّدٌ (٣) ، قال: حدَّثنا أبو مُعاوِيةَ، عنِ الأعمشِ، عن أبي رَزِينٍ وأبي صالح، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا قامَ أحدُكُم من اللَّيلِ، فلا يَغمِس يَدهُ في الإناءِ، حتَّى يَغْسِلها ثلاث مرّاتٍ، فإنَّهُ لا يَدْرِي أين باتَتْ يَدُهُ" .
-
ورَوَى هذا الحديثَ سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، فقال فيه: "حتَّى يَغْسِلها ثلاثًا" (٤) .
-
وهُو عِندِي وَهَمٌ في حديثِ أبي الزِّنادِ، وأظُنُّهُ حملهُ على حديثِ الزُّهرِيِّ، والله أعلمُ.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا حامِدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن أبي سلَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا اسْتَيقظَ أحدُكُم من نَوْمِهِ، فلا يَغْمِس يَدهُ في وَضُوئهِ، حتَّى يغسِلها ثلاثًا، فإنَّهُ لا يَدرِي أين باتَتْ يَدُهُ" (٥) .
- ج ١١ ص ٤٨٧
هكذا قال حامِدٌ: عن سُفيان، عنِ الزُّهرِيِّ، عن أبي سلَمةَ، عن أبي هريرةَ. لم يذكُر سعِيدًا.
-
وكذلك رَواهُ قُتَيبةُ بن سعِيدٍ، عنِ ابنِ عُيَينةَ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن أبي سلَمةَ، عن أبي هريرةَ (١) . ولم يذكُر سعِيدًا.
-
ورَواهُ الأوزاعِيُّ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن أبي سلَمةَ وسعِيدِ (٢) بنِ المُسيِّبِ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. كما تقدَّم ذكرُنا لهُ.
-
وقد حدَّث به مَعمرٌ، عنِ الزُّهرِيًّ مرَّةً: عن سعِيدٍ، عن أبي هريرةَ (٣) .
-
ومرَّةً: عن أبي سلَمةَ، عن أبي هريرةَ (٤) .
-
فدلَّ على أنَّ الحديثَ صحِيحٌ لهما عن أبي هريرةَ، وكذلك هُو صحِيح لكلِّ (٥) من ذكَرْنا من رُواتِهِ في هذا الكِتابِ، عن أبي هريرةَ، وهُو حديث مُجتمع على صِحَّتِهِ عِندَ أهلِ النَّقلِ (٦) .
ج ١١ ص ٤٨٨قال أبو عُمر: احتجَّ بعضُ أصحابِ الشّافِعِيِّ لمذهبهم في الفرقِ بين وُرُودِ الماءِ على النَّجاسةِ، وبين وُرُودِها عليه بهذا الحديثِ.
وقالوا: ألا تَرَى أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لمّا خافَ على النّائم المُستيقِظِ من نَوْمِهِ القائم منهُ إلى وَضُوئهِ، أن تكونَ في يَدِهِ نَجاسةٌ، أمرهُ بطرح الماءِ من الإناءِ على يَدِهِ ليَغْسِلها، ولم يأمُرهُ بإدخالِ يَدِهِ في الإناءِ ليَغْسِلها فيه، بل نهاهُ عن ذلك (١) ؟
قال: فدلَّنا (٢) ذلك على أنَّ النَّجاسةَ إذا وردَتْ على الماءِ القليلِ، أفسْدَتهُ ومنعَتْ من الطَّهارةِ به، وإن لم تُغيِّرهُ.
قال: ودلَّنا ذلك أيضًا على أنَّ وُرُودَ الماءِ على النَّجاسةِ لا تضُرُّهُ، وأنَّهُ بوُرُودِهِ عليها مُطهِّر لها، وهي غيرُ مُفسِدةٍ لهُ؛ لأنَّها لو أفسدَتهُ مع وُرُودِهِ عليها، لم تَصحَّ طهارةٌ أبدًا في شيءٍ من الأشياءِ.
-
واحتَجُّوا أيضًا بنَهيِهِ - صلى الله عليه وسلم - عنِ البَولِ في الماءِ الدّائم (٣) ، وبحديثِ وُلُوغ الكلبِ في الإناءِ (٤) . وبنحوِ ذلك من الآثارِ، مع أمرِهِ بالصَّبِّ على بَوْلِ الأعرابيِّ (٥) .
ج ١١ ص ٤٨٩قال أبو عُمر: أمّا لو لم يأتِ عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الماءِ غيرُ هذا الحديثِ، لساغَ في الماءِ بعضُ هذا التَّأوِيلِ، ولكن قد جاءَ عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الماءِ: أنَّهُ لا يُنجِّسُهُ شَيءٌ (١) . يُريدُ إلّا ما غلَبَ عليه، بدليل الإجماع على ذلك، وهذا الحديثُ مُوافِقٌ لما وصفَ اللهُ عزَّ وجلَّ به الماءَ في قَولِهِ: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: ٤٨] . يعني: لا يُنجِّسُهُ شيءٌ إلّا أن (٢) يغلِب عليه.
-
وقد أجمعُوا معنا على أنَّ وُرُودَ الماءِ على النَّجاسةِ لا يضُرُّهُ، وأنَّهُ مُطهِّرٌ لها، وطاهِرٌ في ذاتِهِ إن لم يَتغيَّر بها طَعمُهُ أو لونُهُ أو رِيحُهُ، فبانَ (٣) بذلك صِحَّةُ قولِنا، وعَلمنا - بكِتابِ الله وسُنَّةِ رسُولِهِ - أنَّ أمرهُ - صلى الله عليه وسلم - القائمَ من نَوْمِهِ ألا يَغْمِس يَدهُ في وَضُوئهِ، إنَّما ذلك نَدبٌ وأدبٌ، وسُنَّةٌ قائمةٌ لمن كانت يدُهُ طاهِرةً وغير طاهِرةٍ؛ لأنَّهُ لو أرادَ بذلك النَّجاسةَ، لأمِرَ بغسلِ المخرجينِ أوَّلًا، ولقال: إذا قامَ أحدُكُم من نومِهِ، فلينظُر يدهُ، فإن لم يكُن فيها نَجاسةٌ، أدخلها في وَضُوئهِ،
وإن كانت في يَدِهِ نجاسةٌ غسَلَها قبل أن يُدخِلها.
-
هذا على مَذهبِ من جعلَ قولهُ - صلى الله عليه وسلم -: "فإنَّهُ لا يَدْرِي أين باتَتْ يدُهُ" عِلَّةَ احتِياطٍ خوفَ إصابتِهِ بها نجاسةً، وذلك أنَّهُم كانوا يَسْتنجُون بالأحجارِ من
ج ١١ ص ٤٩٠غيرِ ماءٍ، فالأحجارُ لا بُدَّ أن يبقَى فيها أثرٌ، فرُبَّما حَكَّهُ، أو مسَّهُ بيدِهِ، فأُمِرُوا بالاحتِياطِ في ذلك.
-
ومن جعلَ ذلك ندبًا وسُنَّةً مَسنُونةً، قال: اليدُ على طَهارتِها، وليس الشَّكُّ بعامِلٍ فيها، والماءُ لا يُنجِّسُهُ شيءٌ، واللهُ أعلمُ.
-
وقد أجمعَ جُمهُورُ العُلماءِ على أنَّ الذي يبِيتُ في سَراوِيلِهِ، وينامُ فيها، ثُمَّ يقومُ من نومِهِ ذلك، أنَّهُ مَندُوبٌ إلى غَسْلِ يدِهِ قبلَ أن يُدخِلها في إناءِ وَضُوئهِ. ومنهُم من أوجبَ عليه مع حالِهِ هذه غسلَ يَدِهِ فرضًا، على ما نذكُرُهُ في هذا البابِ إن شاءَ الله.
-
ومعلُومٌ أنَّ من باتَ في سَراوِيلِهِ، لا يُخافُ عليه أن يَمسَّ بيدهِ (١) نَجاسةً في الأغلَبِ من أمرِهِ، فعلِمنا بهذا كلِّهِ، أنَّ المُراد بهذا الحديثِ ليس كما ظنَّهُ أصحابُ الشّافِعِيِّ، واللهُ أعلمُ.
-
وقد نَقضُوا قولهم في وُرُودِ الماءِ على النَّجاسةِ؛ لأنَّهُم يقولُون: إذا وردَ الماءُ على نَجاسةٍ في إناءٍ، أو موضِع، وكان الماءُ دُونَ القُلَّتينِ، أنَّ النَّجاسَةَ تُفسِدُهُ، وأنَّهُ غيرُ مُطهِّرٍ لها (٢) .
-
فلم يُفرِّقُوا هاهُنا بين وُرُودِ الماءِ على النَّجاسةِ، وبينَ وُرُودِها عليه، وشَرْطُهُم أن يكونَ وُرُودُ الماءِ صبًّا مُهراقًا، تحكُّم لا دليلَ عليه، والله أعلمُ.
-
وقد أوَضْحنا مَذْهبنا في الماءِ، في بابِ إسحاقَ من هذا الكِتابِ، والحمدُ لله.
-
وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ: إيجابُ الوُضُوءِ من النَّوم. وهُو أمرٌ مُجتَمع عليه في النّائم المُضطجِع الذي قدِ استثقلَ نومًا، وقال زيدُ بن أسلم وغيرُهُ في
ج ١١ ص ٤٩١تأوِيلِ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة: ٦] . قال: إذا قُمتُم من المضاجِع، يعني النَّوم (١) .
-
وكذلك قال السُّدِّيُّ (٢) .
-
ورُوِي عن عُمرَ وعليٍّ، ما يدُلُّ على أنَّ الآيةَ عُني بها تجدِيدُ الوُضُوءِ في وَقْتِ كلِّ صَلاةٍ، إذا قامَ المرءُ إليها؛ رواهُ أنسٌ عن عُمرَ (٣) ، وعِكرِمةُ عن عليٍّ (٤) . وعنِ ابنِ سِيرِينَ (٥) مِثلُ ذلك.
-
وهذا معناهُ أن يكونَ الوُضُوءُ على المُحدِثِ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ واجِبًا، وعلى غيرِ المُحدِثِ نَدْبًا وفَضْلًا.
-
ورُوِي عنِ ابنِ عبّاسٍ، وسعدِ بنِ أبي وقّاصٍ، وأبي موسى الأشعرِيِّ، وجابرِ بنِ عبدِ الله، وعَبِيدةَ السَّلمانيِّ، وأبي العالِيةِ، وسعِيدِ بنِ المُسيِّب، والحسنِ، وعنِ السُّدِّيِّ أيضًا، والأسودِ بنِ يزِيد، وإبراهيم النَّخعِيِّ: أنَّ الآيةَ عُني بها حالُ القِيام إلى الصَّلاةِ على غيرِ طُهرٍ (٦) .
-
وهذا أمرٌ مُجتمعٌ عليه.
وقال ابنُ عُمر: هو أمرٌ من الله لنبِيِّهِ والمُؤمِنِينَ، ثُمَّ نُسِخَ بالتَّخفِيفِ (٧) .
-
وهذا يُشبِهُ مذهبَ من ذهَبَ إلى أنَّ السُّنَّةَ تنسخُ القُرآن.
قال أبو عُمر: قد ثبتَ عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّهُ صلَّى الصَّلواتِ كلَّها بوُضُوءٍ واحِدٍ. وأجمعَتِ الأُمَّةُ على أنَّ ذلك جائزٌ؛ وفي ذلك كِفايةٌ عن كلِّ قولٍ.
- ج ١١ ص ٤٩٢
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعِيدُ بن نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن كثِيرٍ، قال: أخبرنا سُفيانُ بن سعِيدٍ، عن عَمرِو بنِ عامِرٍ (١) ، عن أنَسِ بنِ مالكٍ، قال: كان رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يتَوضَّأُ لكلِّ صلاةٍ، قلتُ: فأنتُم؟ قال: إنّا لنَجْتزِئُ بوُضُوءٍ واحِدٍ، ما لم نُحدِثْ (٢) .
-
وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا محمدُ بن عيسى، قال: أخبَرنا شرِيكٌ، عن عَمرِو بنِ عامِرٍ البَجَليِّ - قال محمد: هُو أبو أسَدِ بن (٤) عَمرٍو - قال: سألتُ أنسَ بن مالكٍ عنِ الوُضُوءِ، فقال: كان رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَتَوضَّاُ لكلِّ صَلاةٍ، وكُنّا نُصلِّي الصَّلَواتِ بوُضُوءٍ واحِدٍ.
-
وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٥) : حدَّثنا مُسدَّد. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ،
ج ١١ ص ٤٩٣قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قالا: حدَّثنا يحيى، عن سُفيانَ، قال: حدَّثني عَلْقمةُ بن مَرْثدٍ، عن سُليمانَ بنِ بريدةَ، عن أبيهِ، قال: صلَّى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يومَ الفتح خمسَ صَلَواتٍ بوُضُوءٍ واحِدٍ، ومَسَحَ على خُفَّيهِ، فقال لهُ عُمرُ: إنِّي رأيتُكَ صنعتَ شيئًا لم تَكُن صَنعتهُ؟ قال: "عَمْدًا صَنعتُهُ" .
-
وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، عن سُفيان، عن علقمةَ بنِ مرثدٍ، عن سُليمانَ بنِ بُرَيدةَ، عن أبيهِ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يَتَوضَّأُ لكلِّ صلاةٍ، فلمّا كان يومُ الفتح، توضَّأ ومسحَ على خُفَّيهِ، وصلَّى الصَّلواتِ بوُضُوءٍ واحِدٍ، فقال لهُ عُمرُ: يا رسُولَ الله إنَّكَ فعلتَ شيئًا لم تَكُن تَفْعلُهُ؟ قال: "إنِّي عمدًا فعلتُهُ يا عُمرُ" (١) .
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عِيسَى بن يُونُس، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن زِيادٍ، عن أبي غُطَيفٍ (٢) ، قال: كُنّا عِندَ ابنِ عُمرَ في مجلِسٍ في دارِهِ، فلمّا نُودِي بالظُّهرِ دَعا بماءٍ فتَوضَّأ، ثُمَّ خرج إلى الصَّلاةِ، فلمّا صلَّى رجعَ إلى مجلِسِهِ، فلمّا نُودِي بالعَصْرِ، دعا بوَضُوءٍ فتَوضَّأ، ثُمَّ خرج إلى الصلاةِ، فلمّا صلَّى رجعَ إلى مجلِسِهِ، فلمّا نُودِي بالمغرِبِ، دعا بوَضُوءٍ فتوضَّأ، فقلتُ لهُ: أسُنَّةً ما نراكَ تَصْنعُ (٣) ؟ فقال: وقد فطِنتَ لذلك مِنِّي؟ قلتُ: نعم. قال: لا، وإن كان وُضُوئي
ج ١١ ص ٤٩٤للصُّبح لكافٍ للصَّلواتِ كلِّها، ما لم أُحدِثَ، ولكنِّي سمِعتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "من توضَّأ على طُهْرٍ، كُتِب لهُ عشرُ حَسَناتٍ" . فإنَّما رَغِبتُ في ذلك يا ابن أخِي (١) .
قال أبو عُمر: فقد تبيَّنَ بهذه الأحادِيثِ، أنَّ الوُضُوءَ للصَّلاةِ ليس بواجِبِ على القائم إليها إذا كان على وُضُوءٍ، وأنَّ دُخُولَ الوَقْتِ، وحُضُور الصَّلَاةِ لا يُوجِبانِ على من لم يُحدِث وُضُوءًا، وعُلماءُ المُسلِمِين مُتَّفِقُونَ على ذلك، فبانَ بهذا تأوِيلُ قولِ الله عزَّ وجلَّ ومُرادُهُ من كلامِهِ حيثُ يقولُ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} الآيةَ [المائدة: ٦] ، وصحَّ أنَّ المُرادَ بذلك: من لم يكُن على وُضُوءٍ ومن كان على وُضُوءٍ، فإنَّما هُو مَندُوبٌ إلى ذلك، لهُ فيه فضْلٌ كامِلٌ، تأسِّيًا برسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -.
وثبتَ عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في قولِهِ: "إذا استَيقظَ أحدُكُم من نَومِهِ، فلا يُدخِل يَدهُ، أو يَغمِس يدهُ، في وَضُوئهِ ... " الحديث (٢) . ما يَدُلُّ على أنَّ على القائم من النَّوم الوُضُوءَ.
-
واختلَفَ العُلماءُ في النَّوم، هل هُو حَدَثٌ كسائرِ الأحداثِ، أم لهُ حُكم مُنفرِدٌ في ذلك؟
-
فجُملةُ مذهبِ مالكٍ: إن كانَ نائم اسْتَثقل نومًا، وطال نومُهُ، على أيِّ حالٍ كان، فقد وجبَ عليه الوُضُوءُ.
ج ١١ ص ٤٩٥وقال مالكٌ: من نامَ مُضطجِعًا أو ساجِدًا فليتوضَّأ، ومن نامَ جالِسًا فلا وُضُوءَ عليه، إلّا أن يطُول (١) .
-
وهُو قولُ الزُّهرِيِّ، ورَبيعةَ، والأوزاعِيِّ، في رِوايةِ الولِيدِ بنِ مُسلِم، قالوا (٢) : من نام قليلًا لم يَنتقِض وُضُوؤهُ، فإن تطاولَ ذلك توضَّأ. وبه قال أحمدُ بن حنبلٍ (٣) .
-
ورَوَى الولِيدُ بن مُسلِم، عنِ الأوزاعِيِّ، أنَّهُ سألَ ابن شِهابٍ الزُّهرِيَّ، عنِ الرَّجُلِ يَنامُ جالِسًا حتَّى يَسْتثقِلَ، قال: إذا اسْتَثقلَ نومًا، فإنّا نرى أن يتوضَّأ، وأمّا من كان نومُهُ غِرارًا، ينامُ ويستيقِظُ، ولا يغلِبُهُ النَّومُ، فإنَّ المُسلِمِينَ قد كان ينالهم ذلك، ثُمَّ لا يقطعُونَ صلاتهُم، ولا يتوضَّئُونَ منهُ.
قال الوليدُ: وسمِعتُ أبا عَمرٍو، يعني الأوزاعِيَّ، يقولُ: إذا اسْتَثقلَ نومًا، توضَّأ.