أبو الزناد عبد الله بن ذكوان
١٬٣٧٧ فقرة، ج ١١ ص ٢٨٧
الصفحة ٣١ من ٣٥
- ج ١١ ص ٦٣٧
وأمّا المُستمِعُ فلا ينطِقُ بشيءٍ، وإنَّما عليه الإنصاتُ والاستِماعُ.
-
وقد رُوِي عن عطاءٍ الخُراسانِيِّ وعِكرِمةَ، أنَّهُما قالا: من قال والإمامُ يخطُبُ: صَهٍ، فقد لغا، ومن لَغا فلا جُمُعةَ لهُ (٤) .
- ج ١١ ص ٦٣٨
حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا أسودُ بن عامرٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلمةَ، عن محمدِ بن عَمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ قال: خَطَبنا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يوم جُمُعةٍ، فذكر سُورةً، فقال أبو ذرٍّ لأُبيِّ بن كعبٍ: مَتَى نزلت هذه السُّورةُ؟ فأعرضَ عنهُ، فلمّا انصرَفَ قال لهُ: ما لكَ من صلاتِكَ إلّا ما لغوتَ، فسأل النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: "صدَقَ" (١) .
-
وقد رُوِي من مُرسلاتِ الحسنِ (٢) : أنَّ هذه القِصَّةَ عرضَتْ لابنِ مسعُودٍ، أو لأبي مَسعُودٍ مع أُبيٍّ، وأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "صدَقَ أُبيٌّ" . والصَّحِيحُ أنَّ هذه القِصَّةَ عَرَضَتْ لأبي ذرٍّ مع أُبيٍّ، على ما في هذا الحديثِ المُسندِ المُتَّصِلِ.
-
وأمّا قولُهُ: ما لكَ من جُمُعتِك إلّا ما لغوتَ. وقولُ من قال: لا جُمُعةَ لهُ. فهذا مَحمَلُهُ عِندنا، على أنَّهُ ليسَ لهُ ثوابُ من صلَّى الجُمُعةَ وأنصت، لا أنَّهُ أفسدَ الكلامُ صلاتَهُ وأبطَلَها؛ لأنَّ قولهُ - صلى الله عليه وسلم -: "تحرِيمُها التَّكبِيرُ" (٣) يدُلُّ على أنَّ ما قبلَ التَّكبِيرِ لا يُفسِدُها، واللّهُ أعلمُ (٤) .
- ج ١١ ص ٦٣٩
أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن الأشعثِ، قال (١) : حدَّثنا مُسدَّدٌ وأبو كامِل، قالا: حدَّثنا يزِيدُ، عن (٢) حبِيبٍ المُعلِّم (٣) ، عن عَمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيهِ، عن عبدِ الله بن عَمرٍو، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "يحضُرُ الجُمُعةَ ثلاثةُ نفرٍ، فرجُلٌ حضَرَها يلغُو، وهُو حظُّهُ مِنها، ورجُلٌ حَضَرها يدعُو، فهُو رجُلٌ دَعا الله، فإن شاءَ أعطاهُ، وإن شاءَ مَنعهُ، ورجُلٌ حَضَرها بإنصاتٍ وسُكُوتٍ، ولم يَتَخطَّ رقبةَ مُسلِم، ولم يُؤذِ أحدًا، فهي كفّارةٌ إلى الجُمُعةِ التي تَلِيها، وثلاثةِ أيام" .
قال أبو عُمر: ففي هذا الحديثِ قولُهُ: "فَرجُلٌ حضَرَها يلغُو، فهُو حظُّهُ مِنها" . ولم يأمُر بالإعادةِ.
-
وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن سُليمانَ، قال: حدَّثنا ابنُ نُمَيرٍ، قال: أخبرنا (٤) مُجالِدٌ، عن الشَّعبِيِّ، عن ابنِ عبّاسٍ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "من تكلَّم يوم الجُمُعةِ والإمامُ يخطُبُ، فهُو كمثلِ الحِمارِ يحمِلُ أسفارًا" (٥) .
- ج ١١ ص ٦٤٠
وهذا مِثلُهُ أيضًا، لم يأمُرْهُ بإعادةٍ.
-
وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (١) عن ابنِ جُريج، قال: قُلتُ لعطاءٍ: هل تعلمُ من شيءٍ يَقْطعُ جُمُعةَ الإنسانِ، حتَّى يجِب عليه أن يُصلِّي أربعًا، من كلام، أو تخطِّي رِقابِ النّاسِ، أو شيء غيرِ ذلك؟ قال: لا.
-
وعن ابنِ جُريج، عن عطاءٍ، قال: يُقالُ: من تكلَّمَ، فكلامُهُ حظُّهُ من الجُمُعةِ، يقولُ: من أجرِ (٢) الجُمُعةِ، فأمّا أن يُوفِّي أربعًا، فلا (٣) .
قال أبو عُمر: على هذا جماعةُ الفُقهاءِ من أهلِ الرَّأيِ والأثرِ، وجماعةُ أهلِ النَّظرِ، لا يختلِفُونَ في ذلك، وحَسْبُك بهذا أصلًا وإجماعًا.
-
واختَلَفُوا في ردِّ السَّلام، وتَشْمِيتِ العاطِسِ في الخُطبةِ.
فقال مالكٌ (٤) وأصحابُهُ: لا يُشفَتُ العاطِس، ولا يرُدُّ السَّلامَ، إلّا إنْ ردَّهُ إشارةً، كما يرُدُّ في الصَّلاةِ.
وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ: لا يرُدُّ السَّلام، ولا يُشمِّتُ العاطِس (٥) .
وقال الثَّورِيُّ والأوزاعِيُّ: لا بأسَ بردِّ السَّلام، وتشمِيتِ العاطِسِ، والإمامُ يخطُبُ. وهُو قولُ الحسنِ البصرِيِّ، والنَّخعِيِّ، والشَّعبِيِّ، والحكم، وحمّادٍ، والزُّهرِيِّ، وبه قال إسحاقُ.
-
واختلفَ قولُ الشّافِعيِّ (٦) في ذلك، فقال في الكِتابِ القدِيم بالعِراقِ:
ج ١١ ص ٦٤١يستقبِلُونَ الإمامَ بوُجُوهِهِم ويُنصِتُونَ، ولا يُشمِّتُوا عاطِسًا، ولا يرُدُّوا سلامًا إلّا بالإشارةِ. وقال في الجدِيدِ بمصرَ: ولو سلَّمَ رجُلٌ، كرِهتُهُ لهُ، ورأيتُ أن يرُدَّ عليه بعضُهُم؛ لأنَّ ردَّ السَّلام فرضٌ. قال: ولو عطسَ رجُلٌ، والإمامُ يخطُبُ في الجُمُعةِ، فشَمَّتهُ رجُلٌ، رَجَوتُ أن يسعهُ؛ لأنَّ التَّشمِيت سُنَّةٌ. واختارهُ المُزنِيُّ.
-
وحكى البُويطِيُّ عنهُ: أَنَّهُ لا بأسَ بردِّ السَّلام، وتشمِيتِ العاطِسِ، والإمامُ يخطُبُ في الجُمُعةِ وغيرِها.
-
وكذلك حكى إسحاقُ بن منصُورٍ، عن أحمد، وإسحاق.
-
ورُوِي عن أحمدَ أيضًا: إذا لم يسمع الخُطبةَ، شمَّت وردَّ (١) .
-
ورُوِي مِثلُ ذلك عن عطاءٍ.
وقال الأثرمُ: قُلتُ لأحمد بن حنبل: هل يَرُدُّ السَّلامَ يوم الجُمُعةِ والإمامُ يخطُبُ؟ قال: نعم. قيل لهُ: ويُشمِّتُ العاطِسَ؟ قال: نعم.
وقال أبو جعفرٍ الطحاوِيُّ (٢) : لمّا كان مأمُورًا بالإنصاتِ كالصَّلاةِ، لم يُشمِّت، كما لا يُشمِّتُ في الصَّلاةِ، فإن قيلَ: ردُّ السَّلام فرضٌ، والصَّمتُ سُنَّةٌ. قال أبو جعفرٍ: الصَّمتُ فرضٌ؛ لأنَّ الخُطبةَ فرضٌ، وإنَّما تصِحُّ بالخاطِبِ والمخطُوبِ عليهم، فكما يفعلُها الخاطِبُ فرضًا، كذلك المُستمِعُ فَرْضٌ عليه ذلك.
قال أبو عُمر: في هذا نظرٌ، والصَّمتُ واجِبٌ بسُنَّةِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وباللّه تعالى التَّوفِيقُ.
- ج ١١ ص ٦٤٢
حديثٌ ثامنُ أربعينَ لأبي الزِّنادِ
مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الملائكةُ تُصلِّي على أحدِكُم ما دامَ في مُصلّاهُ الذي صلَّى فيه، ما لم يُحدِث، اللَّهُمَّ اغفِرْ لهُ، اللَّهُمَّ ارحَمْهُ" . قال مالكٌ: لا أرَىَ قولَهُ: "ما لم يُحدِث" إلّا الإحداثَ الذي ينقُضُ الوُضُوءَ.
قال أبو عُمر: أمّا قولُهُ: "الملائكةُ تُصلِّي على أحدِكُم" . فمعناهُ تترحَّمُ على أحدِكُم، وتدعُو لهُ بالرَّحمةِ والمغفِرةِ، وهذا بيِّنٌ في نفسِ هذا الحديثِ، قولَهُ: "اللَّهُمَّ اغفِر لهُ، اللَّهُمَّ ارحمهُ" .
-
وأمّا قولُهُ: "في مُصلّاهُ الذي صلَّى فيهِ" . فإنَّهُ أرادَ الصَّلاةَ المعرُوفةَ، ومَوْضِعُها الذي تُفعَلُ فيه، هُو المُصلَّى (٢) ، وهُو المسجدُ، مسجدُ الجماعةِ؛ لأنَّ فيه يحصُلُ في الأغْلَبِ انتِظارُ الصَّلاةِ، ولو قعدَتِ المرأةُ في بَطْنِ (٣) بيتِها، أو من لا يَقْدِرُ على شُهُودِها في المسجدِ، لكانَ كذلك إن شاءَ الله.
-
ذكر الفِريابِيُّ، قال: حدَّثنا حكِيمُ بن رُزيقٍ (٤) الأيلِيُّ (٥) ، قال: سمِعتُ أبي يَسْألُ سعِيد بن المُسيِّبِ، وأنا معهُ، قال: يا أبا محمدٍ، إنّا أهلُ قَرْيةٍ لا نكادُ أن نَقْبُر موتانا إلّا بالعَشِيِّ، فإذا خرجتِ الجِنازةُ، لم يتخلَّف عنها أحد، إلّا من لا يَسْتطِيعُ حُضُورها، فكيفَ ترى؟ اتِّباعُ الجِنازةِ أحبُّ إليكَ، أم القُعُودُ في المسجدِ؟ فقال
ج ١١ ص ٦٤٣سعِيدٌ: من صلَّى على جِنازةٍ فلهُ قِيراطٌ، ومن تَبعها حتَّى تُقبر فلهُ قِيراطانِ، والتَّخلُّفُ في المسجدِ أحبُّ إليَّ، أذكُرُ اللهَ وأُهلِّلُ وأُسبِّحُ وأستغفِرُ، فإنَّ الملائكةَ تقُولُ: اللَّهُمَّ اغفِر لهُ، اللَّهُمَّ ارحمهُ، فإذا فعَلتُ، تقُولُ الملائكةُ: اللَّهُمَّ اغفِر لسعِيدِ بن المُسيِّبِ (١) .
قال: وحدَّثنا سُفيانُ، عن عُثمان بن الأسودِ، عن مُجاهِدٍ قال: الصَّلاةُ على الجنائزِ، أفضلُ من صلاةِ التَّطوُّع (٢) .
قال أبو عُمر: هذا أصحُّ في النَّظرِ؛ لأنَّ الفُرُوضَ التي على الكِفالة، أفضلُ من النَّوافِلِ.
-
وقد بان في حديثِ سعِيدٍ هذا، أنَّ الصَّلاةَ المذكُورةَ في هذا الحديثِ الدُّعاءُ. وللصَّلاةِ في كلام العربِ وُجُوهٌ. قال أبو بكر ابنُ الأنبارِيِّ: والصَّلاةُ تنقسِمُ في كلام العربِ على ثلاثةِ أقسام: تكونُ الصَّلاةَ المعرُوفةَ التي فيها الرُّكُوعُ والسُّجُودُ، كما قال عزَّ وجلَّ: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: ٢] .
قال أبو عُمر: وأنشد نِفطُويةُ في هذا المعنى قولَ الأعْشَى (٣) ، وهُو جاهِلِيٌّ:
نُراوِحُ من صَلَواتِ الملِيـ ... ـكِ طَوْرًا سُجُودًا وطَورًا حَوارَا
الحَوارُ هاهُنا: الرُّجُوعُ إلى القِيام والقُعُودِ، ومن هذا قولُهُم: البَكَرةُ تدُورُ على المِحْورِ.
-
ومن هذا قولُ النّابِغةِ الذُّبيانِيِّ (٤) :
أو دُرَّةٌ صدفِيَّةٌ غوّاصُها ... بهِجٌ متى يَرَها يُهِلُّ ويَسْجُدُ
ج ١١ ص ٦٤٤قال ابنُ (١) الأنبارِيُّ: وتكونُ الصَّلاةُ: التَّرحُّم، من ذلك قولُ الله عزَّ وجلَّ: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: ١٥٧] .
-
ومن ذلك قولُ كعبِ بن مالكٍ (٢) :
صلَّى الإلهُ عليهمُ من فِتيةٍ ... وسَقَى عِظامَهُمُ الغَمامُ المُسبِلُ
وقال آخرُ (٣) :
صلَّى على يحيى وأشياعِهِ ... ربٌّ كرِيمٌ وشفِيعٌ مُطاعُ
ومنهُ الحديثُ الذي يُروى عن ابن أبي أوْفَى أَنَّهُ قال: أتيتُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بصدَقتِنا، فقال: "اللَّهُمَّ صلِّ على آلِ أبي أوْفَى" (٤) . يُرِيدُ: اللَّهُمَّ تَرحَّم عَليهِم.
-
وتكونُ الصَّلاةُ الدُّعاءَ، من ذلك الصلاةُ على الميِّتِ، معناها الدُّعاءُ؛ لأَنَّهُ لا رُكُوعَ فيها ولا سُجُود.
-
ومن ذلك قولُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "إذا دُعِي أحدُكُم إلى طعام فليُجِب، فإن كان مُفطِرًا فليأكل، وإن كان صائمًا فليُصلِّ" (٥) . معناهُ: فليَدعُ بالبَركةِ.
- ج ١١ ص ٦٤٥
ومنهُ قولُهُ أيضًا: "الصّائمُ إذا أُكِلَ عِندهُ، صلَّتْ عليه الملائكةُ" (١) . معناهُ: دعَتْ لهُ.
- ومنهُ قولُ الأعشى (٢) :
-
لها حارِسٌ لا يبرحُ الدَّهرَ بَيْتَها ... وإن ذُبِحَتْ صلَّى عليها وزمزَما
- وللأعشى (٣) :
-
تقُولُ بنْتي وقد قرَّبتُ مُرتحلًا ... يا ربِّ جنِّب أبي الأوْصابَ والوَجَعا
عليكِ مِثلُ الذي صَلَّيتِ فاغْتَمِضِي ... نومًا فإنَّ لجنبِ المرءِ مُضْطَجعًا
يُرِيدُ: عليكِ مِثلُ الذي دَعَوتِ، ويُروى: فاغْتمِضِي عينًا.
-
ومن هذا عِندَ جماعةٍ من (٤) العُلماءِ قولُ الله عزَّ وجلَّ: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} [الإسراء: ١١٠] قالوا: أُنزِلت في الدُّعاءِ والمسألةِ. هذا قولُ مكحُول، وأبي عِياضٍ (٥) .
-
وذكرَ مالكٌ (٦) ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ قال: أُنزِلت هذه الآيةُ: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} في الدُّعاءِ.
- ج ١١ ص ٦٤٦
هكذا رواهُ مالكٌ، عن هشام، عن أبيهِ (١) قولهُ.
-
ورواهُ الثَّورِيُّ (٢) ، وحمّادُ بن زيدٍ (٣) ، ووكِيعٌ (٤) ، وأبو مُعاويةَ (٥) عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ.
-
ورواهُ مَعْمرٌ، عن هشام، عن أبيهِ (٦) . كما رواهُ مالكٌ.
-
وممَّن قال: إنَّ هذه الآيةَ نزلَتْ في الدُّعاءِ: مُجاهِدٌ، وإبراهيمُ النَّخعِيُّ، وعَطاءٌ، وعبدُ الله بن شدّادٍ (٧) .
-
وفي الآيةِ قولٌ ثانٍ، قالهُ ابنُ عبّاسٍ، وابنُ مسعُودٍ، وسعِيدُ بن جُبيرٍ، وعِكرِمةُ: نزلَتْ في القِراءةِ؛ قالوا: كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يجهرُ بالقِراءةِ في صلاتِهِ بمكَّةَ، فكان ذلك يُحجِبُ المُسلِمِينَ، وَيسُوءُ الكُفّار، فهمُّوا بأذاهُ، وسبُّوا القُرآنَ ومن أنزَلَهُ، وقالوا: يُؤذِينا. فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} الآيةَ (٨) [الإسراء: ١١٠] .
قال ابنُ مسعُودٍ: ما خافَتَ مَن أسمع نَفْسهُ (٩) .
-
ورُوِي عن قتادةَ وسعِيدِ بن جُبيرٍ القولانِ جميعًا (١٠) .
ج ١١ ص ٦٤٧وقال الحسنُ: معنى الآيةِ: لا تُسِئْ (١) صلاتك في السِّرِّ وتُحسِنْها (٢) في العلانِيةِ، ولتكُن سرِيرتُك مُوافِقةً لعلانِيتِكَ (٣) .
-
وعن الحسنِ أيضًا قال: لا تُصلِّها (٤) رِياءً، ولا تدَعْها حياءً (٥) .
-
وروى سُفيانُ، عن زُبيدٍ قال: إذا كانت سَرِيرةُ العبدِ أفضَلَ من عَلانِتِهِ، فذلك أفَضلُ، وإن كانت سَرِيرتُهُ وعلانِيتُهُ سَواءً، فذلك النَّصفُ، وإن كانت عَلانِيتُه (٦) عِندَ الله أفضَلَ، فذلك الحَوْرُ (٧) .
وقال ابنُ سِيرِين: نزلَتْ هذه الآيةُ في أبي بكرٍ وعُمر، كان عُمرُ إذا قرأ رفعَ صوتهُ، وقال: أطرُدُ الشَّيطانَ، وأُوقُظُ الوَسْنانَ. وكان أبو بكرٍ يخفِضُ صوتَهُ، فأُمِر أبو بكرٍ أن يرفعَ صوتَهُ قليلًا، وأُمِر عُمرُ أن يخفِضَ صوتَهُ قليلًا، ونزلت: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} (٨) [الإسراء: ١١٠] . رُوِي هذا عن ابنِ سِيرِينَ من وُجُوهٍ صِحاح.
-
وأصحُّ شيءٍ في معنى هذه الآيةِ، قولُ من قال: إنَّها نزلت في الدُّعاءِ، واللّهُ أعلمُ.