أبو الزناد عبد الله بن ذكوان
١٬٣٧٧ فقرة، ج ١١ ص ٢٨٧
الصفحة ٤ من ٣٥
- ج ١١ ص ٣٢١
فهذا الذي حَضَرني، على ما فهِمتُهُ من الأُصُولِ ووَعَيتُهُ، وقد أدَّيتُ اجْتِهادِي في تأوِيلِ حديثِ هذا البابِ كلَّه ولم آلُ، وما أُبرِّئُ نفسِي، وفوقَ كلِّ ذي عِلم عليمٌ، وباللَّه التَّوفيقُ.
- ج ١١ ص ٣٢٢
حديثٌ ثامِنٌ لأبي الزِّنادِ
مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ليس المِسكِينُ بهذا الطَّوافِ الذي يطُوفُ على النّاسِ، فتردُّهُ اللُّقمةُ واللُّقمتانِ، والتَّمرةُ والتَّمرتانِ" . قالوا: فما المِسكِينُ يا رسُولَ اللَّه؟ قال: "الذي لا يجِدُ غِنًى يُغنِيهِ، ولا يَفْطُنُ النّاسُ لهُ فيُتصدَّقَ عليه، ولا يقومُ فيسألُ النّاسَ" .
-
هكذا قال يحيى في هذا الحديثِ: فما المِسكِينُ؟ ولم يقُل: فمَنِ المِسكِينُ؟ وكان وجهُ الكلام أن يقولَ: فمَن (٢) المِسكِينُ؟ لأنَّ "مَن" وُضِعت لمن يَعقِلُ.
-
وقد تابَعَ يحيى على قولِهِ: فما المِسكِينُ؟ جماعةٌ.
-
ويَحتَمِلُ وَجْهينِ، أحدُهُما: أن يكونَ أرادَ فما (٣) الحالُ التي يكونُ بها السّائلُ مِسكِينًا.
-
والوجهُ الآخرُ: أن تكونَ "ما" هاهُنا بمَعنَى (٤) مَن، كما قال عزَّ وجلَّ: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} [الشمس: ٥] أرادَ: ومَنْ بناها.
-
وكما قال: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} [الليل: ٣] أرادَ (٥) : ومن خلَقَ الذَّكرَ والأُنثى (٦) .
-
فأمّا قولُهُ: "ليس المِسكِينُ بهذا الطَّوّافِ" . فإنَّهُ أرادَ: ليس المِسكِينُ حقًّا على الكَمالِ، وهُو الذي بالَغتهُ المَسْكنةُ بهذا الطَّوّافِ؛ لأنَّ هُناكَ مِسكِينًا أشدَّ
ج ١١ ص ٣٢٣مَسْكنةً من الطَّوّافِ، وهُو الذي لا يجِدُ غِنًى، ولا يسألُ، ولا يُفطَنُ لهُ فيُتصدَّق عليه.
-
هذا وجهُ قولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ليس المِسكِينُ بالطَّوّافِ" . لا وجهَ لهُ غيرُ ذلك؛ لأنَّهُ معلُومٌ أنَّ الطَّوّافَ مِسكِينٌ، وذلك موجُودٌ في الآثارِ، ومعرُوفٌ في اللُّغةِ، ألا ترى إلى قولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "رُدُّوا المِسكِينَ ولو بظِلفٍ مُحْرَقٍ" . هكذا رواهُ مالكٌ (١) ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عنِ ابنِ بُجيدٍ، عن جَدَّتِهِ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
-
وقولُ عائشةَ: إنَّ المِسكِينَ ليَقِفُ على بابي. . . الحَدِيثَ (٢) . فقد سَمَّتهُ مِسكِينًا، وهُو طوّافٌ على الأبوابِ، وقد جعلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ الصَّدقاتِ للفُقراءِ والمساكِينِ.
-
وأجمعُوا أنَّ السّائلَ الطَّوّافَ المُحتاجَ: مِسكِينٌ، وفي هذا كلِّهِ ما يدُلُّك على ما وصَفْنا، وباللَّه توفيقُنا.
-
واختلَفَ العُلماءُ وأهلُ اللُّغةِ في المِسكِينِ والفَقِيرِ، فقال منهُم قائلونَ: الفقِيرُ أحسنُ حالًا من المِسكِينِ. قالوا: والفقِيرُ: الذي لهُ بَعضُ ما يُقِيمُهُ ويكفيه (٣) ، والمِسكِينُ الذي لا شيءَ لهُ، واحتجُّوا بقولِ الرّاعِي (٤) :
أمّا الفَقِيرُ الذي كانت حَلُوبتُهُ ... وَفْقَ العِيالِ فلم يُترَكْ لهُ سبَدُ
قالوا: ألا ترى أنَّهُ قد أخبَر أنَّ لهذا الفقِيرِ حَلُوبةً.
- ج ١١ ص ٣٢٤
وممَّن ذهب إلى هذا: يعقُوبُ ابنُ السِّكِّيتِ، وابنُ قتيبةَ، وهُو قولُ يُونُسَ بنِ حَبِيبٍ، وذَهَبُ إليه قومٌ من أهلِ الفِقهِ والحديثِ.
وقال آخرُونَ: المِسكِينُ أحْسَنُ حالًا من الفَقِيرِ. واحتجَّ قائلو هذه المقالةِ بقولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} [الكهف: ٧٩] . فأخبَرَ أنَّ للمِسكِينِ سَفِينةً من سُفُنِ البَحرِ، ورُبَّما ساوَتْ جُملةً من المالِ. واحتجُّوا بقولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: ٢٧٣] ، قالوا: فهذه الحالُ التي وصفَ اللَّهُ بها الفُقراءَ، دُونَ الحالِ التي أخبَرَ بها عنِ المساكِينِ.
قالوا: ولا حُجَّةَ في بَيْتِ الرّاعِي؛ لأنَّهُ إنَّما ذكَرَ أنَّ الفَقِيرَ كانت لهُ حَلُوبةٌ في حالٍ ما.
قالوا: والفَقِيرُ معناهُ في كلام العربِ: المفقُورُ الذي نُزِعَتْ فِقْرةٌ من ظَهرِهِ من شِدَّةِ الفَقرِ، فلا حالَ أشدُّ من هذه، واسْتَشهدُوا بقولِ الشّاعِر (١) :
لمّا رأى لُبَدُ النُّسُورَ تَطايَرَت ... رفَعَ القَوادِمَ كالفَقِيرِ الأعْزَلِ
أي: لم يُطِقِ الطَّيران، فصارَ بمنزِلةِ منِ انقطَعَ صُلبُهُ، ولُصِق بالأرضِ.
قالوا: وهذا هُو الشَّدِيدُ المسكنةِ، واسْتَدلُّوا بقولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: ١٦] يعني: مِسكِينًا قد لُصِقَ بالتُّرابِ من شِدَّةِ الفقرِ.
-
وهذا يدُلُّ على أنَّ ثَمَّ مِسكِينًا ليس ذا مَتْرَبةٍ، مِثلَ الطَّوّافِ وشبْهِهِ، ممَّن لهُ البُلغةُ والسَّعيُ في الاكتِسابِ، بالسُّؤالِ والتَّحرُّفِ، ونحو هذا.
- ج ١١ ص ٣٢٥
وممَّن ذهَبَ إلى أنَّ المِسكِينَ أحسنُ حالًا من الفقِيرِ: الأصْمَعِيُّ، وأبو جعفرٍ أحمدُ بن عُبيدٍ، وهُو قولُ الكُوفيِّين من الفُقهاءِ: أبي حنِيفةَ وأصحابه، ذكر ذلك عنهُمُ الطَّحاوِيُّ، وهُو أحدُ قولي الشّافِعِيِّ (١) .
-
وللشّافِعِيِّ رحِمهُ اللَّه قولٌ آخرُ، أنَّ الفقِير والمِسكِينَ سواءٌ، ولا فرقَ بينهُما في المعنى، وإنِ افترقا في الاسم.
-
وإلى هذا ذهَبَ ابنُ القاسم، وسائرُ أصحابِ مالكٍ، في تأوِيلِ قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: ٦٠] .
-
وأمّا أكثرُ أصحابِ الشّافِعِيِّ، فعلى ما ذهَبَ إليه الكُوفيُّون في هذا البابِ، واللَّهُ المُوفِّقُ للصَّوابِ.
وقال أبو بكر ابنُ الأنبارِيِّ: المِسكِينُ في كَلام العربِ: الذي سَكَّنهُ الفقرُ، أي: قلَّلَ حَرَكتهُ، واشتِقاقُهُ من السُّكُونِ، يُقالُ: قد تمَسْكَنَ الرَّجُلُ وتَسَكَّنَ: إذا صارَ مِسكِينًا، وتمَدرَعَ الرَّجُلُ وتَدرَّعَ: إذا لبِسَ المِدْرَعةَ.
-
وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ الصَّدقةَ على أهلِ السَّترِ والتَّعفُّفِ، أفْضَلُ مِنها على السّائلِينَ الطَّوّافِينَ.
-
حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن أبي سليمانَ، قال: حدَّثنا سُحنُون، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني أشْهَلُ بن حاتِم، عنِ ابنِ عَوْنٍ، عن محمدِ بنِ سِيرِينَ، قال: قالَ عُمرُ: ليس الفَقِيرُ الذي لا مالَ لهُ، ولكنَّ الفقِير الأخلقُ الكَسْبِ (٢) .
- ج ١١ ص ٣٢٦
حديثٌ تاسِعٌ لأبي الزِّنادِ
مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "المُؤمِنُ يأكُلُ في مِعًى واحِدٍ، والكافِرُ يأكُلُ في سَبْعةِ أمْعاءٍ" .
قال أبو عُمر: "مِعًى" ، مَقصُورٌ، مِثلُ غِنًى، وسِوًى، ومِنًى.
-
وهذا الحديثُ خرجَ على غيرِ مَقصُودِهِ بالحديثِ، والإشارَةُ فيه إلى كافِرٍ بعَيْنِهِ، لا إلى جِنْسِ الكُفّار، ولا سبِيلَ إلى حَملِهِ على العُمُوم؛ لأنَّ المُشاهَدةَ تدفعُهُ وتُكذِّبُهُ، وقد جلَّ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذلك، ألا ترى أنَّهُ قد يُوجَدُ كافِرٌ أقلَّ أكلًا من مُؤمِنٍ، ويُسلِمُ الكافِرُ، فلا يَنْتقِصُ أكلُهُ ولا يَزِيدُ؟
-
وفي حديثِ سُهَيلِ بنِ أبي صالح، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ما يَدُلُّ على أنَّ هذا الحَدِيث كان في رَجُلٍ بعينِهِ، ولذلك جَعلهُ مالكٌ في "مُوطَّئهِ" (٢) بعدَهُ مُفسِّرًا لهُ، وقد قيلَ فيه غيرُ هذا مِمّا قد ذَكَرتُهُ في حديثِ سهَيلٍ، وسيأتي حديثُ سُهيلٍ في بابه، من كِتابِنا هذا إن شاءَ اللَّه.
-
ويُروَى أنَّ الرَّجُل الذي قال فيه رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- هذه المَقالةَ، هُو: جَهْجاهُ بن سعِيدٍ الغِفارِيُّ، وقد ذكَرْناهُ، وذكَرْنا خَبرهُ في كِتابِ "الصَّحابة" (٣) .
-
حدَّثني سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثني قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٤) : حدَّثنا زيدُ بن الحُبابِ، قال:
ج ١١ ص ٣٢٧حدَّثنا موسى بنُ عُبَيدةَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ (١) بن سَلْمان الأغرُّ، عن عَطاءِ بنِ يَسارٍ، عن جَهْجاهٍ الغِفارِيِّ، أنَّهُ قدِمَ في نَفرٍ من قَوْمِهِ يُرِيدُونَ الإسلام، فحَضَرُوا مع رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المغرِبَ، فلمّا سلَّمَ قال: "لِيأخُذ كلُّ رَجُلٍ مِنكُم بيدِ جَلِيسِهِ" . قال: فلم يبقَ في المسجِدِ غيرُ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وغيرِي، وكنتُ رَجُلًا عظِيمًا طُوالًا، لا يُقْدِمُ عليَّ أحدٌ، فذهَبَ بي رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى مَنْزِلِهِ، فحَلَبَ لي عنزًا، فأتيتُ عليها، حتّى حلَبَ لي سَبْعةَ أعْنُزٍ، فأتيتُ عليها. وذكر الحديث، وفيه: فلمّا أسْلَمتُ دَعاني رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى مَنزِلِهِ، فحلَبَ لي عَنْزًا، فرُوِيتُ وشَبِعتُ، فقالت أُمُّ أيمنَ: يا رسُولَ اللَّه، أليس هذا ضَيْفَنا؟ فقال: "بَلَى، ولكنَّهُ أكلَ في مِعَى مُؤمِنٍ اللَّيلةَ، وأكلَ قبلَ ذلك في مِعَى كافِرٍ، والكافِرُ ياكُلُ في سَبْعةِ أمعاءٍ، والمُؤمِنُ يأكُلُ في مِعًى واحدٍ" .
قال أبو عُمر: وهذا أيضًا لفظُ عُمُوم، والمُرادُ به الخُصُوصُ، فكأنَّهُ قال: هذا إذ كان كافِرًا، كان يأكُلُ في سَبْعةِ أمعاءٍ، فلمّا آمنَ عُوفيَ (٢) وبُورِكَ لهُ في نَفسِهِ، فكَفاهُ جُزءٌ من سَبْعةِ أجزاءٍ، مِمّا كان يكفيه إذ كان كافِرًا، خُصُوصًا لهُ، واللَّه أعلمُ.
-
فكان قولُهُ -صلى اللَّه عليه وسلم- في هذا الحديثِ: "الكافِرُ يأكُلُ في سبعةِ أمعاءٍ" إشارةً إليه، كأنَّهُ قال: هذا الكافِرُ، وكذلك المُؤمِنُ يأكُلُ في مِعًى واحِدٍ، يعني هذا المُؤمِن، واللَّه أعلمُ.
-
وقد قال اللَّه عزَّ وجلَّ: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} . وهُو يُرِيدُ رجُلًا (٣) ،
ج ١١ ص ٣٢٨فيما قال أهلُ العِلم بتأوِيلِ القُرآنِ. وقيلَ: رَجُلانِ، {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} [آل عمران: ١٧٣] . يعني قُريشًا، فجاءَ بلفظِ عُمُوم، ومعناهُ الخُصُوصُ، ومِثلُهُ: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} [الأحقاف: ٢٥] ، و {مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ} [الذاريات: ٤٢] . كلُّ هذا عُمُومٌ يُرادُ به الخُصُوصُ، ومِثلُ هذا كثِيرٌ في القُرآنِ ولِسانِ (١) العربِ.
-
وفي هذا الحديثِ دليلٌ على ذمِّ الأكُولِ الذي لا يَشْبعُ، وأنَّها خَلَّةٌ مذمُومةٌ، وصِفةٌ غيرُ محمُودةٍ، وأنَّ القلَّ من الأكلِ أحمدُ وأفضلُ (٢) ، وصاحِبُها عليها ممدُوحٌ، وإن كان الأمرُ كلُّهُ للَّه، وبيَدِهِ، وخلقِهِ وصُنعِهِ، لا شرِيكَ لهُ.
- ج ١١ ص ٣٢٩
حديثٌ عاشِرٌ لأبي الزِّنادِ
مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "كلُّ مَولُودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ، فأبواهُ يُهوِّدانِهِ، أو يُنصِّرانِهِ (٢) ، كما تُناتَجُ الإبِلُ من بَهِيمةٍ جَمعاءَ، هل تُحِسُّ من جَدْعاءَ؟ " . قالوا: يا رسُولَ اللَّه، أرأيتَ الذي يمُوتُ وهُو صغِيرٌ؟ قال: "اللَّهُ أعلمُ بما كانوا عامِلِينَ" .
قال أبو عُمر: رُوِي هذا الحديثُ عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- من وُجُوهٍ صِحاح (٣) ثابتة، من حديثِ أبي هريرةَ وغيرِهِ.
-
فممَّن رواهُ عن أبي هريرةَ: عبدُ الرَّحمنِ الأعرجُ (٤) ، وسعِيدُ بن المُسيِّبِ (٥) ، وأبو سَلَمةَ (٦) وحُميدٌ (٧) ابنا عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ، وأبو صالح السَّمّانُ (٨) ،
ج ١١ ص ٣٣٠وسَعِيدُ بن أبي سَعِيدٍ (١) ، ومحمدُ بنُ سِيرِينَ (٢) .
-
ورواهُ ابنُ شِهابٍ، فاختلَفَ أصحابُهُ عليه في إسنادِهِ، فرواهُ مَعْمرٌ والزُّبيدِيُّ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن سعِيدٍ، عن أبي هريرةَ (٣) .
-
ورواهُ يُونُسُ وابنُ أبي ذِئبٍ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ (٤) .
-
ورواهُ الأوزاعِيُّ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هريرةَ (٥) .
-
وزعمَ محمدُ بن يحيى الذُّهِليُّ: أنَّ هذه الطُّرُقَ كلَّها صِحاحٌ، عنِ ابنِ شِهابٍ محفُوظةٌ.
قال أبو عُمر: ليس هذا الحديثُ عِندَ مالكٍ عنِ ابنِ شِهابِ في "المُوطَّأ" ، وهُو عِندَهُ عن أبي الزِّنادِ، كما ذكَرْناه (٦) .
- ج ١١ ص ٣٣١
وقد رَوَى هذا الحديثَ عبدُ اللَّه بن الفَضْلِ الهاشِمِيُّ، شيخُ مالكٍ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "كلُّ مولُودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ، فأبواهُ يُهوِّدانِهِ، ويُنصِّرانِهِ، ويُمَجِّسانِهِ، كالبهِيمةِ تُنتَجُ البَهِيمةَ، هل تُحِسُّونَ فيها من جَدعاءَ، حتّى تكونوا أنتُم تَجْدَعُونها" (١) .
-
إلى هاهُنا انتهى حديثُهُ، ولم يذكُر ما في حديثِ مالكٍ، قولَهُ: أرأيتَ من يمُوتُ وهُو صغِيرٌ؟ إلى آخِرِ الحديثِ، وزاد فيه: "ويُمجِّسانِهِ" .
-
وهكذا رِوايةُ ابنِ شِهابٍ لهذا الحديثِ، ليس فيها قولُهُ: أرأيتَ من يمُوتُ وهُو صغِيرٌ؟ قال: "اللَّهُ أعلَمُ بما كانوا عامِلِينَ" .
-
وعِندَ ابنِ شِهابٍ، عن عَطاءِ بنِ يزِيد، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أَنَّهُ سُئلَ عن أولادِ المُشرِكِينَ، فقال: "اللَّهُ أعلَمُ بما كانوا عامِلِين" . وسنذكُرُ حديث ابنِ شِهابٍ هذا، عن عطاءِ بنِ يزِيدَ، في بابٍ مُفردٍ (٢) من هذا الكِتابِ إن شاءَ اللَّه.
-
أمّا قولُهُ في حديثِ مالكٍ وغيرِهِ: "كلُّ مَولُودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ، فأبواهُ يُهوِّدانِهِ. . . " الحديثَ. فإنَّ أهلَ العِلم من أصحابِنا وغيرِهِمُ اخْتَلفُوا في معنَى قولِهِ: "كلُّ مولُودٍ" .
فقالت طائفةٌ: ليس في قولِهِ: "كلُّ مولُودٍ" ما يقتفِي العُمُوم، قالوا: والمعنى في ذلك، أنَّ كلَّ من وُلِدَ على الفِطْرةِ، وكان لهُ أبوانِ على غيرِ الإسلام، هوَّداهُ، أو نصَّراهُ، أو مجَّساهُ.
ج ١١ ص ٣٣٢قالوا: وليس المعنى أنَّ جميعَ المولُودِين من بني آدمَ أجمعِينَ يُولَدُون على الفِطْرةِ، بلِ المعنَى أنَّ المولُودَ على الفِطْرةِ بينَ الأبوينِ الكافِرينِ يُكفِّرانِهِ، وكذلك من لم يُولَد على الفِطْرةِ، وكان أبواهُ مُؤمِنينِ، حُكِمَ لهُ بحُكمِهِما في صِغَرِهِ، إن كانا يهُودِيَّينِ، فهُو يهُودِيٌّ يرِثُهُما وَيَرِثانِهِ، وكذلك لو كانا نَصْرانِيَّينِ، أو مجُوسِيَّينِ، حتّى يُعبِّر عنهُ لسانُهُ، ويبلُغ الحِنثَ، فيكونَ لهُ حُكمُ نَفسِهِ حِينئذٍ، لا حُكمَ أبوَيهِ.
-
واحتجَّ قائلو هذه المقالةِ بحديثِ أبي إسحاق، عن سَعِيدِ بنِ جُبيرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، عن أُبيِّ بنِ كَعْبٍ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الغُلامُ الذي قَتَلهُ الخَضِرُ، طَبَعهُ اللَّهُ يومَ طَبَعهُ كافِرًا" (١) .