أبو الزناد عبد الله بن ذكوان

١٬٣٧٧ فقرة، ج ١١ ص ٢٨٧

الصفحة ٥ من ٣٥

  1. وبقولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ألا إنَّ بني آدمَ خُلِقُوا طَبَقاتٍ، فمنهُم من يُولَدُ مُؤمِنًا، ويحيا مُؤمِنًا، ويمُوتُ مُؤمِنًا، ومنهُم من يُولدُ كافِرًا، ويحيا كافِرًا، ويمُوتُ كافِرًا، ومنهُم من يُولدُ مُؤمِنًا، ويحيا مُؤمِنًا، ويمُوتُ كافِرًا، ومنهُم من يُولدُ كافِرًا ويحيا كافِرًا ويمُوتُ مُؤمِنًا" .

    ج ١١ ص ٣٣٢
  2. وهذا الحديثُ حدَّثناهُ خلفُ بن القاسم قِراءَةً مِنِّي عليه، أنَّ أحمدَ بن محمدِ بنِ أبي الموتِ (٢) المكِّيَّ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن عليِّ بنِ زيدٍ (٣) الصّائغُ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن مَنصُورٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن زيدٍ،

    ج ١١ ص ٣٣٣عن أبي نَضْرةَ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، قال: صلَّى بنا رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- العصرَ بنهارٍ، ثُمَّ قامَ وخَطَبنا إلى مَغرِبِ الشَّمسِ، فلم يَدَعْ شيئًا يكونُ إلى قِيام السّاعةِ، إلّا أخبرَ به، حَفِظهُ من حَفِظهُ، ونسِيهُ من نسِيهُ، وكان فيما حَفِظْنا أنْ قال: "ألا إنَّ الدُّنيا خَضِرةٌ حُلوةٌ، وإنَّ اللَّهَ مُسْتخلِفُكُم فيها، فناظِرٌ كيفَ تَعملُونَ، ألا فاتَّقُوا الدُّنيا، واتَّقُوا النِّساءَ" . وكان فيما حَفِظنا، أنْ قال: "ألا لا يَمْنعنَّ رجُلًا هَيْبةُ النّاسِ أن يقولَ الحقَّ إذا عَلِمهُ" . فبَكَى أبو سعِيدٍ وقال: قد واللَّه رأينا فهِبنا، وكان فيما حَفِظْنا أن قال: "ألا إنَّ لكلِّ غادِرٍ لواءً يومَ القِيامةِ بقدرِ غَدرتهِ، ولا غدرَ أعظمُ من غَدرِ إمام عامَّةٍ" . وكان فيما حَفِظنا أن قال: "ألا إنَّ بني آدمَ خُلِقُوا طَبَقاتٍ شتَّى، منهُم من يُولَدُ مُؤمِنًا، ويحيا مُؤمِنًا، ويمُوتُ مُؤمِنًا، ومنهُم من يُولَدُ كافِرًا، ويحيا كافِرًا، ويمُوتُ كافِرًا، ومنهُم من يُولَدُ كافِرًا، ويحيا كافِرًا، ويمُوتُ مُؤمِنًا، ومنهُم من يُولَدُ مُؤمِنًا، ويحيا مُؤمِنًا، ويمُوتُ كافِرًا، ومنهُم حسَنُ القَضاءِ، حَسَنُ الطَّلبِ" . وذكرَ تمام الحديثِ (١) .

    قالوا: ففي هذا الحديثِ، معَ الحديثِ في غُلام الخَضرِ، ما يَدُلُّ على أنَّ قولَهُ: "كلُّ مولُودٍ" ليس على العُمُوم، وأنَّ المعنى فيه: أنَّ كلَّ مولُودٍ يُولدُ على الفِطْرةِ، وأبواهُ يهودِيّانِ، أو نصرانِيّانِ، فإنَّهُما يُهوِّدانِهِ، أو يُنصِّرانِهِ (٢) ، ثُمَّ يصِيرُ عِندَ بُلُوغِهِ إلى ما يُحكَمُ به عليه.

    ج ١١ ص ٣٣٤قالوا: وألفاظُ الحُفّاظِ على نَحوِ حديثِ مالكٍ هذا.

  3. ودَفَعُوا رِوايةَ من رَوى: "كلُّ بني آدم يُولَدُ على الفِطْرةِ" .

    قالوا: ولو صَحَّ هذا اللَّفظُ، ما كان فيه أيضًا حُجَّةٌ لما ذَكَرنا، لأنَّ الخُصُوصَ جائزٌ دُخُولُهُ على هذا اللَّفظِ في لسانِ العَربِ، ألا تَرَى إلى قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {تُدَمِّرُ كُلُّ شَيءٍ} [الأحقاف: ٢٥] ولم تُدمِّرِ السَّماواتِ والأرض، وقولِهِ: {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: ٤٤] ولم يُفتح عليهم أبوابُ الرَّحمةِ، ومِثلُ هذا كثِيرٌ.

  4. وذَكرُوا من ألفاظِ الأحادِيثِ في ذلك، رِوايةَ الأوزاعِيِّ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن حُميدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كلُّ مَولُودٍ يُولَدُ على الفِطرةِ، فأبواهُ يُهوِّدانِهِ، أو يُنصِّرانِهِ، أو يُمجِّسانِهِ" . قال الأوزاعِيُّ: وذلك بقضاءٍ وقدر (١) .

  5. وهكذا لفظُ حديثِ مَعْمرٍ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدٍ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كلُّ مولُودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ، فأبواهُ يُهوِّدانِهِ، ويُنصِّرانِهِ ويُمِجِّسانِهِ (٢) ، كما تُنتَجُ البَهِيمةُ بهِيمةً جمعاءَ هل تُحِسُّونَ فيها (٣) من جَدعاءَ؟ " ، ثُمَّ يقولُ أبو هريرةَ: اقرؤُوا إن شِئتُم: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: ٣٠] . ذكرهُ عبدُ الرَّزّاقِ (٤) هكذا.

  6. ولم يُختَلفْ في هذا اللَّفظِ عن مَعْمرٍ فيما عَلِمتُ، أعْني قولَهُ: "كلُّ مَولُودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ، فأبواهُ يُهوِّدانِهِ. . . " الحديثَ.

    ج ١١ ص ٣٣٥
  7. وكذلك رواهُ ابنُ أبي ذِئبٍ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كلُّ مولُودٍ يُولَدُ على الفِطرةِ، فأبواهُ يُهوِّدانِهِ. . . " الحديثَ (١) ، كلفظِ حديثِ مَعْمرٍ سواءً، إلّا قولَ أبي هريرةَ.

  8. وكذلك حديثُ سَمُرةَ بنِ جُندُبٍ، حديثُ الرُّؤيا عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: "كلُّ مولُودٍ يُولَدُ على الفِطرةِ، فأبواهُ يُهوِّدانِهِ أو يُنصِّرانِهِ (٢) " (٣) . هذا لفظُهُ.

  9. ورَوَى أبو رجاءٍ العُطارِدِيُّ، عن سَمُرةَ بنِ جُندبٍ، الحديثَ الطَّوِيلَ، حديثَ الرُّؤيا.

  10. وفيه عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وأمّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الذي في الرَّوضةِ، فإنَّهُ إبراهيمُ عليه السَّلامُ، وأمّا الوِلدانُ حَوْلهُ، فكلُّ مَولُودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ" (٤) .

    وقال آخرُونَ: العنى في ذلك، كلُّ مَولُودٍ من بني آدمَ، فهُو يُولَدُ على الفِطرةِ أبدًا، وأبواهُ يُحكَمُ لهُ بحُكمِهِما، وإن كان قد وُلِدَ على الفِطرةِ، حتّى يكون ممَّن يُعبِّرُ عنهُ لسانُهُ.

  11. والدَّليلُ على أنَّ المعنَى كما وصَفْنا، رِوايةُ من رَوى: "كلُّ بني آدمَ يُولَدُ على الفِطْرةِ" ، و: "ما من مَولُودٍ إلّا وهُو يُولَدُ على الفِطْرةِ" . وحَقُّ الكلام أن يُحملَ على عُمُومِهِ.

  12. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا مُطَّلِبٌ، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني جَعفرُ بن ربِيعةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ هُرمُزَ، أنَّهُ قالَ: قال أبو هريرةَ: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كلُّ بني آدمَ يُولَدُ على الفِطْرةِ، فأبواهُ يُهوِّدانِهِ، أو يُنصِّرانِهِ، كما تُنتجُ الإبِلُ من بَهِيمةٍ جَمعاءَ، هل تُحِسُّ من جَدعاءَ؟ " قال: أفرأيتَ من يَمُوتُ صغِيرًا يا رسُولَ اللَّه؟ قال: "اللَّهُ أعلمُ بما كانوا عامِلِين" .

    ج ١١ ص ٣٣٦
  13. وكذلك رواهُ خالدٌ الواسِطِيُّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ إسحاقَ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كلُّ بني آدمَ يُولَدُ على الفِطْرةِ" ، ثُمَّ ذكرهُ سَواءً (١) .

  14. رَوَى ابنُ وَهْبٍ، عن يُونُس بنِ يزِيد، عنِ ابنِ شِهابٍ، عن أبي سلَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما من مولُودٍ إلّا يُولَدُ على الفِطْرةِ" . ثُمَّ قرأ: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} (٢) [الروم: ٣٠] .

  15. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا مُطَّلِبُ بن شُعَيب، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني يُونُسُ، عنِ ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني أبو سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ أبا هريرةَ قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما من مَولُودٍ إلّا يُولَدُ على الفِطرةِ، فأبواهُ يُهوِّدانِهِ، ويُنصِّرانِهِ، ويُمجِّسانِهِ، كما تُنتَجُ البَهِيمةُ بَهِيمةً جَمعاءَ، هل تُحِسُّونَ فيها من جَدْعاءَ؟ " ، ثُمَّ

    ج ١١ ص ٣٣٧قال أبو هريرةَ: اقرؤُوا: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} (١) .

  16. وكذلك حديثُ سَمُرةَ بنِ جُندبٍ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، حديثُ الرُّؤيا، فيه: "والشَّيخُ الذي في أصْلِ الشَّجرةِ: إبراهيمُ، والوِلْدانُ حَوْلهُ: أولادُ النّاسِ" (٢) .

    قالوا: فهذه الأحادِيثُ تَدُلُّ ألفاظُها على أنَّ المعنى في حَدِيثِ مالكٍ، وما كان مِثلهُ، ليس كما تأوَّلهُ المُخالِفُ: أَنَّهُ يَقْتضِي أنَّ الأبوَينِ لا يُهوِّدانِ، ولا يُنصِّرانِ، إلّا من وُلِدَ على الفِطرةِ من أولادِهِما، بلِ الجميعُ يُولَدُونَ على الفِطْرةِ.

    قال أبو عُمر: الفِطرةُ المذكُورةُ في هذا الحديثِ، اختلفَ العُلماءُ فيها، واضْطَربُوا في معناها، وذَهَبُوا في ذلك مذاهِبَ مُتبايِنةً، ونَزَعت كلُّ فِرْقةٍ منهُم في ذلك بظاهِرِ آيةٍ، ونصِّ سُنَّةٍ، وسنُبيِّنُ ذلك كلَّهُ ونُوضِّحُهُ، ونَذكُرُ ما جاءَ فيه من الآثارِ، واختِلافِ الأقْوالِ والاعتِلالِ، عنِ السَّلَفِ والخَلَفِ، بعونِ اللَّه إن شاءَ اللَّه.

  17. وقد سألَ أبو عُبيدٍ (٣) محمدَ بن الحسنِ الفقِيهَ، صاحِبَ أبي حَنِيفةَ، عن معنَى هذا الحديثِ، فما أجابَهُ فيه بأكثرَ من أن قال: كان هذا القولُ من النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قبلَ أن يُؤمَرَ النّاسُ بالجِهادِ. قال: وقال ابنُ المُباركِ: تَفسيرُه (٤) آخِرُ الحديثِ: "اللَّهُ أعلَمُ بما كانوا عامِلِينَ" .

  18. هذا ما ذكَرهُ أبو عُبيدٍ في تفسِيرِ قولِهِ: "كلُّ مولُودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ" ، عن محمدِ بنِ الحسنِ وابنِ المُباركِ، لم يَزِد على ذلك (١) عنهُما ولا عن غَيرِهِما.

    ج ١١ ص ٣٣٨
  19. فأمّا ما ذَكرهُ عنِ ابنِ المُباركِ، فقد رُوِي عن مالكٍ نَحوُ ذلك، وليس فيه مَقنعٌ (٢) من التَّأوِيلِ، ولا شَرْحٌ مُوعَبٌ في أمرِ الأطفالِ، ولكنَّها جُملةٌ تُؤَدِّي إلى الوُقُوفِ (٣) عنِ القَطْع فيهم بكُفرٍ أو إيمانٍ، أو جنّةٍ أو نارٍ، ما لم يبلُغُوا.

  20. وأمّا ما ذَكَرهُ عن محمدِ بنِ الحسنِ، فأظُنُّ محمدَ بن الحَسنِ حادَ عنِ الجَوابِ فيه، إمّا لإشْكالِهِ عليه، أو لجَهلِهِ به، أو لكَراهَةِ الخَوضِ في ذلك (٤) ، وأمّا قولُهُ فيه: إنَّ ذلك القولَ كان من النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قبلَ أن يُؤمرَ النّاسُ بالجِهادِ. فليس كما قالَ؛ لأنَّ في حَدِيثِ الأسودِ بنِ سرِيع، ما يُبيِّنُ أنَّ ذلك كان بعدَ الأمرِ بالجِهادِ.

  21. حدَّثنا سعِيدُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٥) : حدَّثنا عبدُ الرَّحيم (٦) بن سُليمان، عن إسماعيلَ بنِ مُسلِم، عنِ الحَسنِ، عنِ الأسْودِ بنِ سَرِيع، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما بالُ قَوْم بَلغُوا (٧) في القَتلِ، حتّى قَتَلوا الوِلدانَ؟ " . فقال رجُلٌ:

    ج ١١ ص ٣٣٩أوليس إنَّما هُم أولادُ المُشرِكِينَ؟ فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أوَليس خِيارُكُم أولادَ المُشرِكِينَ؟ إنَّهُ ليس من مَولُودٍ إلّا وهُو يُولَدُ على الفِطرةِ، فيُعبِّرُ عنهُ لسانُهُ، ويُهوِّدُهُ أبواهُ، أو يُنصِّرانِهِ" .

  22. ورَوَى هذا الحديث عنِ الحسنِ جَماعةٌ، منهُم: بكرٌ المُزَنيُّ (١) ، والعلاءُ (٢) بن زِيادٍ (٣) ، والسَّرِيُّ بن يحيى (٤) .

  23. وقد رُوِي عنِ الأحنفِ، عنِ الأسودِ بنِ سَرِيعٌ، وهُو حديثٌ بصرِيٌّ صحِيحٌ.

  24. ورَوى عوفٌ الأعرابِيُّ، عن أبي رَجاءٍ العُطارِدِيِّ، عن سَمُرةَ بنِ جُندبٍ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "كلُّ مَولُودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ" ، فناداهُ النّاسُ: يا رسُولَ اللَّه، وأولادُ المُشرِكِينَ؟ قال: "وأولادُ المُشرِكِينَ" (٥) .

    ج ١١ ص ٣٤٠قال أبو عُمر: أمّا اختِلافُ العُلماءِ في الفِطْرةِ المذكُورةِ في هذا الحديثِ، فقالت جماعةٌ من أهلِ الفِقهِ والنَّظرِ: أُرِيدَ بالفِطرةِ المذكُورةِ في هذا الحديثِ الخِلْقةُ التي خُلِقَ عليها المولُودُ، في المعرِفةِ بربِّهِ، فكأنَّهُ قال: كلُّ مَولُودٍ يُولَدُ على خِلْقةٍ يَعرِفُ بها ربَّهُ، إذا بلغَ مَبْلغَ المعرِفةِ، يُرِيدُ خِلْقةً مخُالِفةً لخِلْقةِ البَهائم، التي لا تَصِلُ بخِلْقتِها إلى مَعرِفةِ ذلك.

  25. واحتجُّوا على أنَّ الفِطرةَ: الخِلْقةُ، والفاطِر: الخالِقُ، بقولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [فاطر: ١] ، يعني: خالِقَهُنَّ، وبقولِهِ: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: ٢٢] ، يعني: خلقني، وبقولِهِ: {الَّذِي فَطَرَهُنَّ} [الأنبياء: ٥٦] ، يعني: خلقهُنَّ.

    قالوا: فالفِطرةُ: الخِلقْةُ، والفاطِرُ: الخالِقُ.

  26. وأنْكَرُوا أن يكونَ المولُودُ يُفطَرُ على كُفرٍ أو إيمانٍ، أو مَعرِفةٍ أو إنكارٍ.

    قالوا: وإنَّما يُولَدُ المولُودُ على السَّلامةِ في الأغلبِ، خِلقةً وطبعًا وبنيةً، ليس مَعها إيمانٌ ولا كُفرٌ، ولا إنكارٌ ولا معرِفةٌ، ثُمَّ يعتقِدُونَ الكُفرَ أوِ الإيمان بعد البُلُوغِ إذا ميَّزُوا، واحتجُّوا بقولِهِ في الحديثِ: "كما تُنتجُ البَهِيمةُ بَهِيمةً جَمعاءَ" ، يعني: سالمةً، "هل تُحِسُّونَ فيها من جَدعاءَ؟ " (١) ، يعني: مقطُوعةَ الأُذُنِ.

  27. فمثَّل قُلُوبَ بني آدم بالبَهائم، لأنَّها تُولَدُ كامِلةَ الخلقِ، ليس فيها نُقصانٌ، ثُمَّ تُقطعُ آذانُها بعدُ وأُنُوفُها، فيُقالُ: هذه بَحائرُ، وهذه سَوائبُ.

  28. يقولُ: فكذلك قُلُوبُ الأطفالِ في حِينِ وِلادتِهِم، ليس لهم كُفرٌ حِينئذٍ ولا إيمانٌ، ولا معرِفةٌ ولا إنكارٌ، كالبَهائم السّالمِةِ، فلمّا بَلَغُوا اسْتَهوتهُمُ الشَّياطِينُ، فكفرَ أكثرُهُم، وعصمَ اللَّهُ أقَلَّهُم.

    ج ١١ ص ٣٤١قالوا: ولو كان الأطفالُ قد فُطِرُوا على شيءٍ، على الكُفرِ أوِ الإيمانِ في أوَّليَّةِ أمرِهِم، ما انتَقلوا عنهُ أبدًا، وقد نَجِدُهُم يُؤمِنُون ثُمَّ يكفُرُون.

    قالوا: ويستحِيلُ في المعقُولِ (١) أن يكونَ الطِّفلُ في حِينِ وِلادتِهِ يَعقِلُ كُفرًا أو إيمانًا؛ لأنَّ اللَّهَ أخْرَجهُم في حالٍ لا يَفقهُونَ معها شيئًا، قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النحل: ٧٨] ، فمن لا يعلمُ شيئًا، استحالَ منهُ كُفرٌ أو إيمانٌ، أو معرِفةٌ أو إنكارٌ.

    قال أبو عُمر: هذا القولُ أصحُّ ما قيلَ في معنى الفِطرةِ التي يُولَدُ النّاسُ عليها -واللَّه أعلمُ- وذلك أنَّ الفِطْرةَ: السَّلامةُ والاستِقامةُ، بدليلِ حديثِ عِياضِ بنِ حِمارٍ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، حاكِيًا عن ربِّهِ عزَّ وجلَّ: "إنِّي خَلَقتُ عِبادِي حُنفاءَ" (٢) ، يعني: على اسْتِقامةٍ وسَلامةٍ.

  29. والحَنِيفُ في كلام العَرَبِ: المُستقِيمُ السّالِمُ، وإنَّما قيلَ للأعْرَج: أحنفُ، على جِهَةِ الفألِ، كما قيلَ للقَفرِ: مفازةٌ.

  30. فكأنَّهُ -واللَّه أعلمُ- أرادَ الذينَ خُلِّصُوا من الآفاتِ كلِّها والزِّياداتِ، ومن المعاصِي والطّاعاتِ، فلا طاعَةَ منهُم ولا مَعْصِيةَ، إذا لم يَعملوا (٣) بواحِدةٍ منهُما، ألا ترَى إلى قولِ موسى في الغُلام الذي قتلهُ الخَضِرُ: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً} [الكهف: ٧٤] ، لمّا كان عِندهُ ممَّن لم يبلُغِ العملَ فيكسِبَ الذُّنُوبَ.

  31. ومن الحُجَّةِ أيضًا في هذا، قولُ اللَّه عزَّ وجلَّ: {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطور: ١٦، والتحريم: ٧] ، و: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر: ٣٨] ، ومن لم يبلُغ

    ج ١١ ص ٣٤٢وقتَ العملِ، لم يُرْتَهَن بشيءٍ، وقال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: ١٥] .

  32. ولمّا أجمعُوا على دَفع القَوَدِ، والقِصاصِ، والحُدُودِ، والآثام عنهُم في دارِ الدُّنيا، كانتِ الآخِرةُ أولى بذلك، واللَّه أعلمُ.

  33. وأمّا قولُهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كما تُناتجُ الإبِلُ من بَهِيمةٍ جَمعاءَ، هل تُحِسُّ من جَدْعاءَ؟ " ، فالبَهِيمةُ الجَمعاءُ: المُجتمِعةُ الخَلْقِ، التّامَّةُ غيرُ النّاقِصةِ، الصَّحِيحةُ غيرُ السَّقِيمةِ، ليس فيها قَطع أُذُنٍ، ولا شَقُّها، ولا نقصُ شيءٍ مِنها، يقولُ: "فهل تَرَى فيها جَدْعاءَ؟ " ، يقولُ: هل تُحِسُّ من جَدْع أو نُقصانٍ حِين تُنتَجُ لتمام؟ يقولُ: ثُمَّ الجَدْعُ والآفاتُ تدخُلُها بعد ذلك، فكذلك المولُودُ يُولَدُ سالمًا، ثُمَّ يحدُثُ فيه -بعدُ- الكُفرُ والإيمانُ.

    وقال آخرُونَ: الفِطْرةُ هاهُنا الإسلامُ، قالوا: وهُو المعرُوفُ عِندَ عامَّةِ السَّلفِ من أهلِ العِلم بالتَّأوِيلِ، قد أجمعُوا في قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: ٣٠] على أن قالوا: فِطرةُ اللَّه: دِينُ اللَّه الإسلامُ، واحتجُّوا بقولِ أبي هريرةَ في هذا الحديثِ: اقْرؤُوا إن شِئتُم: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} .

  34. وذَكرُوا عن عِكْرِمةَ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ وإبراهيمَ والضَّحّاكِ وقَتادةَ في قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} قالوا: دِينُ اللَّه الإسلامُ، {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: ٣٠] قالوا: لدِينِ اللَّه (١) .

  35. واحتجُّوا بحديثِ محمدِ بنِ إسحاقَ، عن ثَوْرِ بنِ يزِيد، عن يحيى بنِ جابرٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عائذٍ الأزْدِيِّ، عن عِياضِ بنِ حِمارٍ المُجاشِعِيِّ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال للنّاسِ يومًا: "ألا أُحدِّثُكُم بما حَدَّثني اللَّهُ في الكِتابِ: إنَّ اللَّهَ خلَقَ آدمَ وبنِيهِ حُنَفاءَ مُسلِمِينَ. . . " الحديثَ بطُولِهِ.

  36. وكذلك رَوَى بكرُ بن مُهاجِرٍ، عن ثَوْرِ بنِ يزِيد، بإسنادِهِ في هذا الحديثِ: "حُنَفاءَ مُسلِمِين" .

    ج ١١ ص ٣٤٣
  37. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن عبدِ الواحِدِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بنِ أيُّوبَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سَعْدٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن ثَوْرِ بنِ يزِيدَ، عن يحيى بنِ جابرٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عائذٍ الأزدِيِّ -وكان عبدُ الرَّحمنِ من حَمَلةِ العِلم، يطلُبُهُ من أصحابِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأصحابِ أصحابه- أنَّهُ حَدَّثهُ، عن عِياضِ بنِ حِمارٍ المُجاشِعِيِّ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال للنّاسِ يومًا: "ألا أُحدِّثُكُم بما حَدَّثني اللَّهُ في الكِتابِ: إنَّ اللَّهَ خلقَ آدمَ وبنِيهِ حُنَفاءَ مُسلِمِينَ، وأعْطاهُمُ المالَ حَلالًا، لا حرامَ فيه، فجَعلوا مِمّا أعطاهُمُ اللَّهُ حَلالًا وحرامًا. . . " . وذكرَ الحديثَ بتمامِهِ (١) .

    قال أبو عُمر: رَوَى هذا الحديثَ قَتادةُ، عن مُطرِّفِ بنِ عبدِ اللَّه بن الشِّخِّيرِ، عن عِياضِ بنِ حِمارٍ (٢) . ولم يَسْمع قَتادةُ من مُطرِّفٍ؛ لأنَّ همّام بن يحيى رَوَى عن قَتادةَ، قال: لم أسمَعهُ من مُطرِّفٍ، ولكن حَدَّثني ثلاثةٌ: عُقبةُ بن عبدِ الغافِرِ ويزِيدُ بن عبدِ اللَّه بنِ الشِّخِّيرِ والعلاءُ بن زِيادٍ، كلُّهُم يقولُ: حدَّثثي مُطرِّفُ بن الشِّخِّيرِ، عن عِياضِ بنِ حِمارٍ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بهذا الحديثِ، قال فيه: "وإنِّي خَلَقتُ عِبادِي حُنَفاءَ كلَّهُم" (٣) ، لم يَقُل: "مُسلِمِينَ" .

  38. وكذلك رواهُ عَوْفٌ الأعرابِيُّ، عن حَكِيم الأثرم، عنِ الحَسَنِ، عن مُطرِّفٍ، أنَّ عِياضَ بن حِمارٍ حَدَّثهُ، عن رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فذكَرَ هذا الحديث، وقال فيه: "إنِّي خَلَقتُ عِبادِي حُنَفاءَ كلَّهُم، فأتَتهُمُ الشَّياطِينُ فاجْتالتهُم عن دِينِهِم" (١) ، ولم يَقُل: "مُسلِمِينَ" ، وإنَّما قال: "حُنَفاءَ" فقط.

    ج ١١ ص ٣٤٤
  39. وقد رَوَى هذا الحديثَ محمدُ بن إسحاقَ، عمَّن لا يُتَّهمُ عِندَهُ، عن قَتادةَ، عن مُطرِّفٍ، عن عِياضِ بنِ حِمارٍ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال فيه: "ألا وإنِّي خَلَقتُ عِبادِي حُنَفاءَ كلَّهُم" ، وساق الحديثَ.

  40. فدلَّ هذا على حِفظِ محمدِ بنِ إسحاقَ، وإتقانِهِ، وضَبْطِهِ؛ لأنَّهُ ذكرَ: "مُسلِمِينَ" في رِوايتِهِ عن ثورِ بنِ يزِيدَ لهذا الحديثِ، وأسْقَطهُ من رِوايةِ قَتادةَ، وكذلك رواهُ شُعبةُ (٢) وهشامٌ (٣) ومَعْمرٌ (٤) ، عن قَتادةَ، عن مُطرِّفٍ، عن عِياضٍ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، لم يقولوا فيه عن قَتادةَ: "مُسلِمِينَ" .