أبو الزناد عبد الله بن ذكوان

١٬٣٧٧ فقرة، ج ١١ ص ٢٨٧

الصفحة ٩ من ٣٥

  1. بابُ ذِكْرِ ما للعُلماءِ من الأقْوالِ والمذاهِبِ في أحْكام الأطفالِ في دارِ الدُّنيا

    قال أبو عُمر: ذكَرَ المروزِيُّ وغيرُهُ: أنَّ أهل العِلم بأجمعِهِم قدِ اتَّفقُوا على أنَّ حُكمَ الأطفالِ في الدُّنيا، حُكمُ آبائهِم، ما لم يبلُغُوا، فإذا بَلغُوا، فحُكمُهُم حُكمُ أنفُسِهِم.

    قال أبو عُمر: أمّا أطفالُ المُسلِمِينَ، فحُكمُهُم حُكمُ آبائهِم أبدًا، ما لم يبلُغُوا؛ لأنَّهم (١) لا يلحقُهُم سِباءٌ (٢) من قِبَلِ مُسلِم، فيُغيَّرُ حُكْمُهُم عِندَ المُسلِمِين، فهُم كآبائهِم أبدًا في المَوارِيثِ، والنِّكاح، والصَّلاةِ عليهم، ودَفْنِهِم في مقابِرِهِم، وسائرِ أحكامِهِم.

    ج ١١ ص ٣٩٤
  2. وكذلك أطفالُ أهلِ الذِّمَّةِ، كآبائهِم أيضًا في جميع أحكامِهِم، حتَّى يبلُغُوا، لا خِلافَ بينَ العُلماءِ في ذلك أيضًا.

  3. وكذلك أطفالُ أهل الحَرْبِ كآبائهِم في أحكامِهِم، إلّا ما خصَّتِ السُّنّة منهُم ومن نِسائهِم: ألّا يُقتلوا في دارِ الحربِ، إلّا أن يُقاتِلوا؛ لأنَّهُم لا يُقاتِلُونَ في الأغْلَب من أحوالِهِم، والله عزَّ وجلَّ يقولُ: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة: ١٩٥] . فما دامَ أطفالُ أهلِ الحربِ لم يُسْبَوْا، فحُكمُهُم حُكمُ آبائهِم أبدًا، على حسَبِ ما ذكَرْنا، لا يختلِفُ العُلماءُ في ذلك.

  4. واختلفَ أهلُ العِلْم قَدِيمًا وحديثًا في الطِّفلِ الحَرْبِيِّ يُسْبَى ومَعهُ أبواهُ، أو أحدُهُما، أو يُسبى وحدهُ: ما حُكمُهُ حيًّا وميِّتًا، في الصَّلاةِ عليه، ودَفْنِهِ، وسائرِ أحكامِهِ في حياتِهِ؟

  5. فذهَبَ مالكُ بن أنسٍ، في المشهُورِ من مَذهبه: أنَّ الطِّفل من أولادِ الحربِيِّين وسائرِ الكُفّارِ، لا يُصلَّى عليه، سَواءٌ كان مَعهُ أبواهُ، أو لم يكونوا، حتَّى يعقِلَ الإسلامَ فيُسلِم. وهُو عِندَهُ على دِينِ أبوَيهِ أبدًا، حتَّى يبلُغَ، ويُعبِّرَ عنهُ لسانُهُ، فإنِ اختلَفَ دِينُ أبويهِ، فهُو عِندَهُ على دِينِ أبيهِ، دُون أُمِّهِ (١) .

    ج ١١ ص ٣٩٥
  6. ومن الحُجَّةِ لمذهبه هذا، إجماعُ العُلماءِ: أنَّهُ ما دامَ مع أبوَيهِ، ولم يلحقهُ سباءٌ، فحُكمُهُ حُكمُ أبوَيهِ أبدًا حتَّى يبلُغ، فكذلك إذا سُبِي وحدَهُ، لا يُغيِّرُ السِّباءُ حُكمهُ، ويكونُ على حُكم أبوَيهِ، حتَّى يبلُغَ فيُعبِّر عن نَفسِهِ، ولا يُزِيلُ حُكْمَهُ عن حُكم أبوَيهِ، المُجتَمَع عليه، إلّا حُجَّةٌ من كِتابٍ، أو سنَّةٍ، أو إجماع.

  7. وقولُ الشَّعبِيِّ وابنِ عَونٍ في هذا، كقولِ مالكٍ.

  8. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا عُبَيدُ بن عبدِ الواحِدِ، قال: حدَّثنا محَبُوبُ بن موسى. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن حَبِيبٍ المِصِّيصِيُّ، قالا: حدَّثنا أبو إسحاقَ الفَزارِيُّ، عن سُفيانَ، عن سَلَمةَ بنِ تمّام، قال: قلتُ للشَّعبِيِّ: إنِّي بخُراسانَ، فأبتاعُ السَّبي، فيَمُوتُ بَعضُهُم، أفيُصَلَّى عليهم؟ قال: إذا صلَّى، فصَلِّ عليه (٢) (٣) .

    قال أبو إسحاقَ: وسألتُ هشامًا وابن عَوْنٍ، عنِ السَّبيِ يمُوتُونَ وهُم صِغارٌ في مِلْكِ المُسلِمِين. فقال هشامٌ: يُصلَّى عليهم. وقال ابنُ عونٍ: حتَّى يُصلُّوا.

    ج ١١ ص ٣٩٦قال أبو عُمر: وذكرَ عبدُ الملكِ بن الماجِشُونِ، عن أصحابه من أهلِ المدِينةِ: أبيهِ، ومالكٍ، والمخزُومِيِّ، وابنِ دِينارٍ، وغيرِهِم: أنَّهُم كانوا يَذْهَبونَ إلى (١) أنَّ الصِّبيانَ إذا كان مَعهُم أبوهُم، فهُم على دِينِ أبيهِم، إن أسلَمَ أبوهُم، صارُوا مُسلِمِينَ بإسْلامِهِ، وإن ثبتَ على الكُفرِ، فهُم على دِينِهِ، ولا يُعتَدّ فيهم بدِينِ الأُمِّ على حالٍ؛ لأنَّهُم لا يُنسبُونَ إلَيها، وإنَّما يُنسبُونَ إلى أبيهِم، وبه يُعرفُونَ.

    قال عبدُ الملكِ: هذا ما (٢) لم يُفرِّق بينهُمُ السِّباءُ، فيقعُونَ في قَسْم مُسلِم ومِلْكِهِ، بالبيع أوِ بالقَسْم، فإذا فرقَ بينهُم وبينَ آبائهِم بالبَيْع أو القَسْم (٣) ، فأحكامُهُم حِينَئذٍ أحْكامُ المُسلِمِينَ في القِصاصِ، والقَوَدِ (٤) ، والصَّلاةِ عليهِم، والدَّفنِ في مَقابِرِ المُسلِمِينَ، والمُوارَثةِ (٥) ، وغيرِها.

    قال أبو عُمر: قولُ عبدِ الملكِ ورِوايتُهُ هذه عن أصحابه، أميلُ إلى مذهبِ الأوزاعِيِّ مِنها إلى مذهبِ مالكٍ، وليست لواحدٍ منهُما مُجرَّدًا؛ لأنَّها مُخَالِفةٌ لهما في فُصُولٍ تراها إن تدبَّرتَ وتأمَّلتَ بعونِ الله.

    قال الأوزاعِيُّ، وهُو قولُ فُقهاءِ الشّام: إذا صارَ الصَّبيُ (٦) في مِلكِ المُسلِمِينَ، فحُكمُهُ حُكمُ أهلِ (٧) الإسلام؛ لأنَّ المِلكَ أولى به من النَّسَبِ (٨) .

  9. ذكَرَ المروزِيُّ قال: حدَّثنا محمدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا ابنُ الطَّبّاع، قال: حدَّثني مُبشِّرٌ الحَلَبِيُّ، عن تمّام بنِ نَجِيح، قال: كنتُ مع سُليمانَ بنِ موسى بأرضِ الرُّوم، وهُو على السَّبيِ، فكانوا يَمُوتُونَ صِغارًا، فلا يُصلَّى عليهم، فقلتُ لهُ: أليس كان يُقالُ: ما أحرزَ المُسلِمُونَ يُصلَّى عليهم؟ فقال: ذلكَ إذا اشْتَراهُم رجُلٌ، فصارُوا في خاصَّةِ نَفسِهِ.

    قال: وحدَّثنا محمدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا أبو المُغِيرةَ، قال: حدَّثنا صَفْوانُ، قال: سمِعتُ أصحابَنا ومَشْيختنا يقولُونَ: ما ملكَ المُسلِمُونَ من صِبيانِ العدُوِّ فماتُوا، فليُصلَّ عليهم، وإن لم يُصلُّوا، فإنَّهُم مُسلِمُونَ ساعةَ يَملِكُهم (١) المُسلِمُون.

    قال: وحدَّثنا محمدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن كثِيرٍ، قال: سألتُ الأوزاعِيَّ عنِ الصَّبِيِّ من السَّبي يمُوتُ بأرضِ الرُّوم، أيُصلَّى عليه (٢) ؟ قال: لا يُصلَّى عليه حتَّى يصِيرَ (٣) في مِلكِ مُسلِم، فإذا صار (٤) في مِلكِ مُسلِم، صُلِّي عليه وقد دخل (٥) في شرِيعةِ الإسلام.

    قال: وحدَّثنا محمدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا ابنُ الطَّبّاع، قال: سألتُ الأوزاعِيَّ عنِ الصِّبيانِ يمُوتُونَ من السَّبيِ، فقال: إنِ اشتُروا صُلِّي عليهم، وإن كانوا لم يُباعُوا لم يُصلَّ عليهم.

    قال ابنُ الطَّبّاع: على هذا فُتيا أهلِ الثَّغرِ، على قول سُليمان بنِ موسى، ورِوايةِ الحارِثِ عنِ الأوزاعِيِّ.

    ج ١١ ص ٣٩٨قال: وقد حدَّثنا مخلدُ بن حُسينٍ، عنِ الأوزاعِيِّ بشيءٍ أخْشَى أن يكونَ وهمًا، قال: سألتُ الأوزاعِيَّ عنِ الطِّفلِ يُسْبَى (١) ، فقال: إن كان معهُ أبواه خُلِّيَ (٢) بينَهُ وبينهُما، وإن لم يكونا مَعهُ، فيُصلَّى (٣) عليه.

    قال أبو عُمر: رِوايةُ مخلدِ بنِ حُسَينٍ هذه عنِ الأوزاعِيِّ، هِي قولُ أبي حييفةَ والشّافِعِيِّ وأصحابهم، وقولُ حمّادِ بنِ أبي سُليمانَ، قالوا: حُكمُ الطِّفلِ، حُكمُ أبوَيهِ إذا كانا مَعهُ، أو كان معهُ أحدُهُما، وسواءٌ الأبُ أوِ الأُمُّ في ذلك، فإن لم يكونا مَعهُ ولم يكُن مَعهُ أحدُهُما، وصارَ في مِلكِ مُسلِم، فحُكمُهُ حُكمُ المُسلِمِين، لأنَّهُ صارَ في مِلكِ المُسلِمِينَ، وليس معهُ أبواهُ، ولا واحِدٌ منهُما، فيكونُ دِينُهُ دِينهُما، يُهوِّدانِهِ، أو يُنصِّرانِهِ، وإذا لم يكونا معهُ، صارَ حُكمُهُ حُكم مالكِهِ (٤) .

    ج ١١ ص ٣٩٧
  10. فهذا مذهبُ الكُوفيِّين، والشّافِعِيِّ، وأصحابهم.

  11. واختُلِفَ في هذا البابِ عنِ الثَّورِيِّ، فرُوِي عنهُ مِثلُ قولِ أبي حنِيفةَ والشّافِعِيِّ.

  12. ورَوَى عنهُ ابنُ المُباركِ، أنَّهُ قال: يُصلَّى على الصَّبِيِّ، وإن كان مع أبوَيهِ مُشرِكينِ، لأنَّ المِلكَ أغلبُ عليه، وأملكُ به.

  13. وهذا شَبِيهٌ بمذهبِ الأوزاعِيِّ.

  14. حدَّثنا عبد الوارثِ بن سُفيان قِراءَةً مِنِّي عليه، أنَّ قاسم بن أصبغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن حَبِيبٍ المِصِّيصِيُّ.

  15. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن عبدِ الواحِدِ، قال: حدَّثنا محبُوبُ بن موسى، قا لا: حدَّثنا أبو إسحاقَ الفَزارِيُّ، قال: قال سُفيانُ: إذا دخلوا قُبّةَ (١) المُسلِمِينَ، صُلِّي عليهم، وإذا صارُوا في مِلكِ المُسلِمِينَ، صُلِّي عليهم.

    قال الفَزارِيُّ: سألتُ الأوْزاعِيَّ قلتُ: السَّبيُ يُصابُونَ وهُم صِغارٌ، معهُم أُمَّهاتهم وآباؤُهُم؟ قال: إذا ماتَ صغيرًا، وهُو في جَماعةِ الفَيْءِ، أوِ في (٢) الخُمُسِ، أو في نَفْلِ (٣) قوم، وهُم في بلادِ العدُوِّ، لم يُصلَّ عليهم، ما لم يُقسم، فإذا قُسِمُوا، وصارُوا في ملك (٤) مُسلِم، أوِ اشتراهُم قَوْمٌ بينهُم، فاشْتَركُوا فيهم، أو في واحِدٍ منهُم، ثُمَّ ماتَ، صُلِّي عليه، وإن كان في بلادِ العدُوِّ، وكان مَعهُ أبواهُ؛ لأنَّ المُسلِمَ أولى به من أبوَيهِ، ولأنَّ أحدهُم لو أعتقَ نصِيبهُ منهُ، كلِّف خلاصَهُ من شُركائهِ.

    وقال أبو عُبَيدٍ: حدَّثنا محمدُ بن كثيرٍ، قال: سألتُ الأوزاعيَّ عن ولدِ المُشركِ يَشْتريهِ الرَّجلُ فيُعتقهُ، هل يُجزئُ رقبةً؟ قال: نعم، إذ اشتراهُ فقد دخلَ في الإسلام (٥) .

    قال أبو عُبيد: وقال أهلُ العِراقِ: إن كان مَعهُ أبواهُ، أو أحدُهُما سُبِيَ، فهُو على دِينِهِ، ولا يُجزِئُ في الرَّقَبةِ المُؤمِنةِ، وإن لم يَكُن مَعهُ واحِدٌ منهُما، فهُو مُسلِمٌ ويُجزِئُ.

    قال: وأمّا قولُ مالكٍ، فإنَّهُم يختلِفُونَ عنهُ فيه.

    ج ١١ ص ٤٠٠قال أبو عُبيدٍ: والذي نَختارُ (١) من هذا، قولُ الأوزاعِيِّ؛ لأنَّ دِينَ سيِّدهِ، أحقُّ به من أبوَيهِ، والإسلامُ يَعلُو ولا يُعلى، ولمّا لم يكُن على دِينِ أبوَيهِ إذا كانا ميِّتينِ، أو غائبينِ، فكذلك إذا كانا حيَّينِ مُقِيمينِ (٢) .

    ج ١١ ص ٣٩٩
  16. وقال الميمُونيُّ (٣) عبدُ الملكِ بنُ عبدِ الحمِيدِ، من ولدِ ميمُونِ بنِ مهرانَ: سألتُ أحمد بن حَنْبل عنِ الصَّغِيرِ يخرُجُ من أرضِ الرُّوم، ليس معهُ أبواهُ؟ قال: إذا ماتَ، صلَّى عليه المُسلِمُونَ. قلتُ: يُكرَهُ على الإسلام؟ قال: من يَلِيهِ إلّا هُم؟ حُكمُهُ حُكمُهُم. فإن (٤) كان مَعهُ أبواهُ، أو أحدُهُما، لم يُكرَه، وهُو على دِينِهِما. واحتجَّ بحديثِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "كلُّ مولُودٍ يُولَدُ على الفِطرةِ، وأبواهُ يُهوِّدانِهِ ويُنصِّرانِهِ" (٥) . قلتُ: وإن كان مع أحَدِهما؟ قال: وإن كان مع أحَدِهِما؟ قلتُ: فيُفدَى بالصَّغِيرُ (٦) إذا لم يكُن مَعهُ أبواهُ؟ قال: لا، ولا يَنْبغِي إلّا أن يكونَ مَعهُ أبواهُ. فذكَرتُ لهُ حديثٌ عُمر بنِ عبدِ العزيزِ: أَنَّهُ فادَى بصغِيرٍ، وقال: نرُدُّهُ إليهم صغِيرًا، ويرُدُّهُ اللهُ إلينا كبِيرًا، فنضرِبُ عُنُقهُ. فقال أحمدُ: هذا لا شكَّ كان معهُ أبواهُ أو أحدُهُما (٧) .

  17. وتعجَّبَ أبو عبدِ الله من أهلِ الثُّغُورِ، قال: إذا أخذُوا الصَّغِير ومَعهُ أبواهُ، كان حُكمُهُ عِندَهُم حُكمَ الإسلام، ولم يَلْتفِتُوا إلى أبوَيهِ. قلتُ: فأيُّ شيءٍ تَقُولُ

    ج ١١ ص ٤٠١أنتَ؟ فقال: أيَّ شيءٍ أقولُ فيها! ثُمَّ احتجَّ بظاهِرِ قولِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "فأبواهُ يُهوِّدانِهِ ويُنصِّرانِهِ" . قال: فظاهِرُ هذا، أنَّ حُكم الصَّغِيرِ، حُكمُ أبوَيهِ. قلتُ لأحمد: الغُلامُ النَّصرانيُّ إذا أسلمَ أحدُ أبوَيهِ؟ قال: هُو مع المُسلِم منهُما، سواءٌ كان أُمًّا أو أبًا، حُكمُهُ حُكمُ المُسلِم منهُما.

  18. وكان أبو ثورٍ يقولُ: إذا سُبِيَ مع أبوَيهِ، أو أحدِهِما، أو وحدهُ، ثُمَّ مات قبل أن يختارَ الإسلامَ، لم يُصلَّ عليه (١) .

    قال أبو عُمر: هذا نفسُ مذهبِ مالكٍ، والحُجَّةُ في ذلك لهُ ولمن ذهبَ مذهبهُ، أنَّ الطِّفل على أصلِ ما كان عليه مع أبوَيهِ، حتَّى يُعبِّر عنهُ لسانُهُ، كما رَوى عبدُ الله بن محمدِ بنِ عَقِيلٍ، عن سعِيدِ بنِ أبي سعيدٍ (٢) ، عن أبي هريرةَ، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "كلُّ مولُودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ، حتَّى يُعرِبَ عنهُ لسانُهُ، وأبواهُ يُهوِّدانِهِ، أو يُنصِّرانِهِ (٣) " .

  19. حديثٌ حاديَ عَشَر لأبي الزِّنادِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "رأسُ الكُفرِ نحو المشرِقِ، والفَخرُ والخُيلاءُ في أهلِ الخيلِ والإبِلِ والفَدّادِين أهلِ الوبرِ، والسَّكِينةُ في أهلِ الغَنم" .

    ج ١١ ص ٤٠٢
  20. أمّا قولُهُ: "رأسُ الكُفرِ نحو الشرِقِ" فهُو أنَّ أكثر الكُفرِ وأكبرهُ كان هُناك؛ لأنَّهُم كانوا قومًا لا كِتابَ لهم، وهُم فارِسُ ومن وَراءَهُم، ومن لا كِتابَ لهُ، فهُو أشدُّ كُفرًا من أهلِ الكِتابِ؛ لأنَّهُم لا يعبُدُونَ شيئًا، ولا يتَّبِعُونَ رسُولًا، فهذا - واللهُ أعلمُ - معنى قولِهِ: "رأسُ الكُفرِ نحو المشرِقِ" .

  21. وقد مَضَى بعضُ هذا المعنى في كِتابِنا هذا، عِند قولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "من حَيْثُ يطلُعُ قرنُ الشَّيطانِ" (٢) . فلا وجه لإعادةِ ذلك هاهُنا.

  22. وأمّا "أهلُ الخيلِ والإبِلِ" . فهُمُ الأعراب أهلُ الصَّحراءِ، وفيهمُ التكبّرُ، والتَّجبُّرُ، والخُيَلاءُ، وهي الإعجابُ، والفَخرُ، والتَّبختُرُ.

  23. وأمّا "أهلُ الغَنم" فهُم أهلُ سَكِينةٍ، وقِلَّةِ أذًى، وقِلَّةِ فخْرٍ وخُيَلاءَ، على ما قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فهُو الصّادِقُ في خَبرِهِ - صلى الله عليه وسلم -.

  24. وأمّا قولُهُ: "الفدّادِين" . فكان مالكٌ يقولُ: الفدّادُونَ، هُم أهلُ الجَفاءِ، وهُم أهلُ الخَيْلِ والوبرِ.

  25. يُرِيدُ بالوَبرِ الإبِلَ، وهُو كما قال مالكٌ.

    قال أبو عُبيدٍ (٣) : هُمُ الفدّادُونَ بالتَّشدِيدِ، وهُمُ الرِّجالُ، والواحِدُ فدّادٌ.

    ج ١١ ص ٤٠٣وقال الأصمعِيُّ: هُمُ الذين تعلُو أصواتهم في حُرُوثهِم ومَواشِيهِم، وما يُعالِجُوا مِنها.

    قال أبو عُبيدٍ: وكذلك قال الأحمر (١) . قال: ويُقالُ منهُ: فدَّ الرَّجُلُ لفدُّ فدِيدًا، إذا اشتدَّ صوتُهُ، وأنشدَ:

    أنبئتُ أخوالِي بني يزِيدُ ... ظُلمًا علينا لهم فدِيدُ

    قال أبو عُبيدٍ: وكان أبو عُبَيدةَ يقولُ غير ذلك كلِّهِ، قال: الفدّادُونَ، المُكثِرُونَ من الإبِل، الذي يملِكُ أحدُهُمُ المِئينَ (٢) : مِنها إلى الألفِ، يُقالُ للرجلِ (٣) : فدّادٌ، إذا بلغَ ذلك، وهُم مع هذا جُفاةٌ، أهلُ خُيَلاءَ.

  26. (٤) قال الأخفشُ في الفدّادِين قولانِ، أحدُهُما: أنَّهُمُ الأعرابُ، سُمُّوا بذلك لارتفاع أصواتِهِم عِندَ سَقْيِ إبِلِهِم وحركاتِهِم مع رُغاءِ إبِلِهِم، والفَدِيدُ: الأصواتُ والجَلَبةُ.

  27. وقِيل: إنَّما سُمُّوُا الفدّادِين، من أجلِ الفَدافِدِ، وهي الصَّحارِي والبَوادِي الخالِيةُ، واحِدُها فدْفدٌ. والأوَّلُ أجودُ.

    قال أبو عُمر: ورُوِي من حديثِ قَيْسِ بنِ عاصِم، أنَّهُ سمِعَ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "أهلُ الإبِلِ، أهلُ الجَفاءِ" (٥) . وقد صحَّ عنهُ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "من لزِمَ البادِيةَ جَفا" .

  28. ورَوَى الثَّورِيُّ وابنُ عُيَينةَ، عن أبي موسى التَّمّارِ، عن وَهْبِ بنِ مُنبِّهٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "من سكَنَ البادِيةَ جَفا، ومنِ اتَّبعَ الصَّيد غفَلَ، ومن لزِمَ السُّلطانَ افتَتَنَ" (١) .

    قال أبو عُبَيدٍ: ومن هذا الحديثِ الذي يُروى، أنَّ الأرضَ إذا دُفِنَ فيها الإنسانُ، قالت لهُ: رُبَّما مشيتَ عليَّ فدّادًا.

    ج ١١ ص ٤٠٤
  29. والمعنى ذا مالٍ كثِيرٍ، وذا خُيلاءَ.

    قال أبو عُمر: الحديثُ حدَّثناهُ قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ (٢) بن سعدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُطَيسٍ، قال: حدَّثنا بكرُ بن سَهْلٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثنا مُعاوِيةُ بن صالح، عن يحيى بنِ جابرٍ الطّائيِّ، عنِ ابنِ (٣) عائذٍ الأزدِيِّ، عن غُضَيفِ بنِ الحارِثِ، قال: أتيتُ بيتَ القدِسِ أنا وعبدُ الله بن عُبيدِ بنِ عُمَيرٍ، قال: فجَلَسنا إلى عبدِ الله بنِ عَمرِو بنِ العاص، فسَمِعتُهُ يقولُ: إنَّ القبرَ يُكلِّمُ العبدَ إذا وُضِع فيه، فيقولُ: يا ابنَ آدمَ ما غرَّك بي؟ ألم تعلَمْ أنِّي

    ج ١١ ص ٤٠٥بيتُ الوَحدةِ؟ ألم تعلم أنِّي بيتُ الظلمةِ؟ ألم تعلم أنِّي بيتُ الحقِّ؟ يا ابنَ آدمَ ما غرَّكَ بي؟ لقد كُنتَ تمشِي حَوْلِي فدّادًا. قال ابنُ عائذٍ قلتُ لغُضيفٍ (١) : ما الفدّادُ يا أبا أسماءَ؟ قال: كبعضِ مَشْيِكَ يا ابن أخِي أحيانًا. قال غُضيفٌ: فقال صاحِبِي، وكان أكبر مِنِّي، لعبدِ الله بنِ عَمرٍو: فإن كان مُؤمِنًا، فماذا لهُ؟ قال: يُوسَّعُ لهُ قَبرُهُ، ويُجعَلُ مَنزِلُهُ أخضر، ويُعرجُ بنَفسِهِ إلى الله تعالى (٢) .

  30. حديثٌ ثانيَ عَشَر لأبي الزِّنادِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تقُومُ السّاعةُ حتَّى يمُرَّ الرَّجُلُ بقبرِ الرَّجُلِ، فيقول: يا لَيْتني مَكانَهُ" .

    قال أبو عُمر: قد ظنَّ بعضُ النّاسِ، أنَّ هذا الحديث مُعارِضٌ لنَهيِهِ - صلى الله عليه وسلم - عن تمنِّي الموتِ، بقولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَتَمنَّينَّ أحدُكُمُ الموتَ لضُرٍّ نزلَ به" (٢) . قال: وفي هذا الحديثِ (٣) إباحَةُ تمنِّي الموتِ.

    ج ١١ ص ٤٠٦
  31. وليس كما ظنَّ، وإنَّما هذا خَبرٌ أنَّ ذلك سيكونُ، لشِدَّةِ ما ينزِلُ بالنّاسِ من فسادِ الحالِ في الدِّينِ، وضعفِهِ، وخَوفِ ذهابِهِ (٤) ، لا لضُرٍّ يَنْزِلُ بالمُؤمِنِ في جِسمِهِ.

  32. وأمّا قولُهُ - صلى الله عليه وسلم -: "لا تقُومُ السّاعةُ حتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بقبرِ الرَّجُلِ، فيقول: يا لَيْتني مكانَه (٥) " . فإنَّما هُو خَبرٌ عن تَغيُّرِ الزَّمان، وما يحدُثُ فيه من المِحَنِ، بالبَلاءِ (٦) والفِتَنِ.

  33. وقد أدركنا ذلك الزَّمانَ، كما شاءَ الواحِدُ الرحمن (٧) لا شرِيكَ لهُ، عصَمَنا الله، ووفَّقنا، وغفرَ لنا، آمِينَ.

  34. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (١) : حدَّثنا ابنُ الأصبهانيِّ، قال: أخبرنا شرِيكُ بن عبدِ الله، عن عُثمان بنِ عُمَيرٍ أبِي اليَقْظانِ (٢) ، عن زاذانَ أبي عُمر، عن عُلَيم، قال: كنتُ مع عَبْسٍ الغِفارِيِّ على سطح لهُ، فرأى قومًا يتَحمَّلُونَ (٣) من الطّاعُونِ، فقال: يا طاعُونُ خُذني إليكَ. ثلاثًا يقولُها، فقال لهُ عُليمٌ: لمَ تقُولُ هذا؟ ألم يَقُل رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يتَمَنَّى أحدُكُمُ الموتَ، فإنَّهُ عِندَ انقِطاع عَملِهِ، ولا يُرَدُّ (٤) فيَسْتَعْتِبُ (٥) " . فقال عَبْسٌ: إنِّي سمِعتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "بادِرُوا بالموتِ سِتًّا: إمرَةَ السُّفهاءِ، وكَثْرةَ الشُّرَطِ (٦) ، وبَيع الحُكْم، واستخفافًا بالدَّم، وقَطِيعةَ الرَّحِم، ونَشْأً (٧) يتَّخِذُونَ القُرآن مَزامِيرَ، يُقدِّمُونَ الرَّجُل ليُغنِّيهُم بالقُرآنِ، وإن كان أقلَّهُم فِقهًا" .

    ج ١١ ص ٤٠٧
  35. وهذا حديثٌ مشهُورٌ رُوِي عن عَبْسٍ الغِفارِيِّ من طُرُقٍ، قد ذكَرْناها في كِتابِ "البيانِ عن تِلاوةِ القُرآنِ" . والحمدُ لله.

    ج ١١ ص ٤٠٨
  36. وفي قولِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "اللَّهُمَّ إذا أردتَ بالنّاسِ فِتْنةً، فاقبضني إليكَ غيرَ مفتُون" (١) . ما يُوضِّحُ لكَ معنى هذا الحديثِ (٢) .

  37. ومِثلُ هذا، قولُ عُمر: اللَّهُمَّ قد ضَعُفَتْ قُوَّتِي، وكَبِرَتْ سِنِّي، وانتشَرَتْ رعِيَّتِي، فاقْبِضني إليكَ غيرَ مُضيِّع ولا مُفرِّطٍ (٣) . فما جاوزَ ذلك الشَّهرَ حتَّى قُبِضَ رحمةُ الله عليه (٤) .

  38. وقد ذكَرْنا هذينِ الحديثينِ في بابِ يحيى بنِ سعِيدٍ.

  39. وقد رَوَى شُعبَةُ، عن سَلَمةَ بنِ كُهَيل، قال: سمِعتُ أبا الزَّعراءِ يُحدِّثُ، عن عَبدِ الله، قال: ليأتينَّ عَليكُم زمانٌ، يأتي الرَّجُلُ القبَر، فيقولُ: يا لَيْتني مكان هذا. ليس به حُبُّ الله، ولكن من شِدَّةِ ما يَرَى من البَلاءِ (٥) .

  40. حدَّثنا خلَفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن صالح بنِ عُمر المُقرِئُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جَعفرِ بنِ محمدِ بنِ عُبيدِ الله المُنادِي، قال: حدَّثنا العبّاسُ بن محمدٍ الدُّورِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يُونُس أبو يُونُس الحَفَريُّ (٦) ، قال: حدَّثنا عُمرُ بن أبان (٧) أخُو عبدِ العزيزِ بنِ أبانَ، عن سُفيانَ، عن رَجُلٍ، عن

    ج ١١ ص ٤٠٩عُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، أنَّهُ مرَّ على أهلِ مجَلِسٍ، فقال: ادعُوا اللهَ لي بالموتِ. قال: فدَعَوْا لهُ، فما مكثَ إلّا أيامًا حتَّى ماتَ.