عبد الله بن يزيد

٤٠٩ فقرة، ج ١٢ ص ٥٨

الصفحة ٥ من ١١

  1. وأمّا قولُهُ: والله ما لكِ عَلَينا من شيءٍ، فجاءَت رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكرَتْ ذلك لهُ، فقال: "ليسَ لكِ عليه نَفقةٌ" .

    ج ١٢ ص ٩٥
  2. ففي هذا دليلٌ، بل نصٌّ، أنْ لا نفقةَ للمَبتُوتةِ، إلّا أن تكونَ حامِلًا، فتكونَ لها النَّفقةُ بإجماع، لقولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: ٦] . وفي هذا دليلٌ بيِّنٌ أنَّهُنَّ إن لم يَكُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ، لم يُنفق عليهنَّ، وفاطِمةُ بنتُ قَيْسٍ لم تكُن حامِلًا، فلهذا ما قال (١) رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا نفقةَ لكِ" .

    ج ١٢ ص ٩٦
  3. واختلفَ أهلُ العِلم في النَّفقةِ للمَبتُوتةِ (٢) ، فأباها قومٌ، وهُم (٣) أهلُ الحِجازِ، منهُم: مالكٌ، والشّافِعيُّ. وتابَعهُم على ذلك أحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ. وحُجَّتُهُم ظاهِرةٌ قوِيَّةٌ بهذا الحديثِ.

    وقال آخرُونَ: لها النَّفقةُ.

  4. وممَّن قال ذلك، أكثرُ فُقهاءِ العِراقِيِّين، منهُمُ: ابنُ شُبرُمةَ، وابنُ أبي ليلى، والثَّورِيُّ (٤) ، والحسنُ بن صالح، وأبو حنِيفةَ وأصحابُهُ، وعُثمانُ البتِّيُّ، وعُبيدُ الله بن الحسنِ (٥) .

  5. وحُجَّتُهُم ما رُوِي عن عُمر وابنِ مسعُودٍ، أنَّهُما قالا: المُطلَّقةُ ثلاثًا لها السُّكْنَى والنَّفقةُ (٦) .

  6. أخبَرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا المُعلَّى، قال: حدَّثنا حَفْصُ بن غِياثٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن الأسْوَدِ، عن عُمرَ، قال: المُطلَّقةُ ثلاثًا لها السُّكنى والنَّفقةُ، ما دامت في العِدَّةِ (١) .

    ج ١٢ ص ٩٧
  7. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا المُعلَّى، قال: حدَّثنا يعقُوبُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ، عن عُمر بن الخطّابِ، أنَّهُ قال: لا يجُوزُ في دِينِ المُسلِمِينَ قولُ امرأةٍ. وكان يجعلُ للمُطلَّقةِ ثلاثًا السُّكنى والنَّفقةَ (٢) .

  8. ورَوَى شعبةُ، عن حمّادٍ، عن إبراهيمَ، عن شُريح في المُطلَّقةِ ثلاثًا، قال: لها النَّفقةُ والسُّكنى (٣) .

    قال إسماعيلُ بن إسحاقَ: قال أبو حنِيفةَ: المُطلَّقةُ ثلاثًا يُنفِقُ عليها زَوْجُها، وإن كانت غير حامِل، ورووا في ذلك حديثًا ليسَ بقوِيِّ الإسنادِ، عن عُمرَ، أنَّهُ قال: لا ندعُ كِتاب ربِّنا، وسُنّةَ نبِيِّنا لقولِ امرأةٍ، لها السُّكنى والنَّفقةُ.

    قال إسماعيلُ بنُ إسحاق: والذي في كِتابِ ربِّنا: أنَّ لها النَّفقةَ إذا كانَتْ حامِلًا، ونحنُ نعلمُ أنَّ عُمرَ لا يقولُ: نَدَعُ كِتاب ربِّنا، إلّا لما هُو موجُودٌ في كِتابِ ربِّنا، والذي وجَدْنا في كِتابِ ربِّنا: النَّفقةُ لذواتِ الأحمالِ.

    قال: ونحسَبُ أنَّ الحديثَ إنَّما هُو: لا ندعُ كِتاب ربِّنا، وسُنّةَ نبِيِّنا، لقولِ امرأةٍ، لها السُّكنى؛ لأنَّ السُّكنى موجُودٌ في القُرآنِ بقولِهِ تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ

    ج ١٢ ص ٩٨حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} [الطلاق: ٦] وزادَ بعضُ أهلِ الكُوفةِ في الحديثِ عن عُمرَ: النَّفقةُ. والحديثُ يَدُورُ على الأعْمَشِ بأسانيدَ مُختلِفةٍ، وكلُّ رِوايةِ الأعْمَشِ على اختِلافِها في هذا الحديثِ، فإنَّها تَدُورُ على إبراهيمَ.

  9. وقد رَوَى منصُورٌ، وهُو أصحُّ رِوايةً من الأعمشِ، عن إبراهيمَ في المُطلَّقةِ ثلاثًا: لها السُّكنى والنَّفقةُ، ولا يُجبرُ على النَّفقةِ (١) .

  10. هذا كلُّهُ كلامُ إسماعيل، وفيه ما فيه من دَفْع ظاهِرِ قَولِ عُمر، إلى دعوى لا يُسِيغُ هُو ولا غيرُهُ لأحَدٍ مِثل ذلك في دَفْع نصٍّ، إلّا أنَّهُ لمّا كان قولُ عُمر خِلافَ نصِّ السُّنَّةِ، كان دفعُهُ - بتأوِيلٍ ضَعِيفٍ - خيرًا من أن ينسُبهُ إلى مُخالفةِ السُّنَّةِ الثّابِتةِ، على أنَّهُم مُتَّفِقُونَ فيما رواهُ العُدُولُ، أنَّهُ لا يُردُّ نصٌّ بتأوِيلٍ يَدْفعُهُ جُملةً (٢) ، وذلك عِندِي في المُسندِ دُون رأي أحدٍ، والله أعلمُ.

  11. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٣) ، عن الثَّورِيِّ، عن سَلَمةَ بن كُهَيل، عن الشَّعبِيِّ، عن فاطِمةَ ابنةِ قَيْسٍ، قالت: طلَّقني زَوْجِي ثلاثًا، فجِئتُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فسَألتُهُ، فقال: لا نَفَقةَ لكِ ولا سُكنى، قال: فذكَرْتُ ذلك لإبراهيمَ، فقال: قال عُمرُ بن الخطّابِ: لا نَدَعُ كِتاب ربِّنا، وسُنّةَ نبِيِّنا، لها النَّفقةُ والسُّكنى.

    قال أبو عُمر: أمّا النَّفقةُ للمَبْتُوتةِ، ففيه نصٌّ ثابتٌ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّها لا نَفَقةَ لها، وذلك قولُهُ - صلى الله عليه وسلم - لفاطِمةَ بنتِ قَيْسٍ: "ليسَ لكِ عليه نفقةٌ" من حديثِ مالكٍ (٤) وغيرِهِ، فلا معنى لما خالَفهُ.

  12. وفي قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ} دليلٌ على أنْ لا نَفَقةَ لغيرِ حامِل، فهذا هُو المُعتَمدُ عليه في هذا البابِ، وهي النُّكتةُ التي عليها مَدارُهُ من الكِتابِ والسَّنةِ.

    ج ١٢ ص ٩٩
  13. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا مُعلَّى، قال: حدَّثنا ليثُ بن سَعْدٍ، قال: حدَّثنا عِمرانُ بن أبي أنَسٍ، عن أبي سَلَمةَ، قال: سألتُ فاطِمةَ بنت قَيْسٍ، فأخْبَرتني أنَّ زوجَها المخزُومِيَّ طلَّقها، وأبى أن يُنفِقَ عليها، فجاءَت إلى رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبَرَتهُ، فقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا نَفَقةَ لكِ، فانتقِلِي فاذْهَبِي إلى ابنِ أُمِّ مَكتُوم فكُوني عِندَهُ، فإنَّهُ رجُلٌ أعْمَى تضعِينَ ثِيابكِ عِندَهُ" (١) .

  14. ففي هذا الحديثِ تصرِيحٌ بأنْ لا نَفَقةَ لها.

  15. وكذلك أحادِيثُ فاطِمةَ كلُّها لم يُختلف في أنَّها لا نَفَقةَ لها، وإنَّما اختُلِف في ذِكرِ السُّكْنَى، فمنهُم من ذكَرَها، ومنهُم من لم يذكُرها.

  16. وأمّا قولُهُ: وأمَرَها أن تعتدَّ في بيتِ أُمِّ شَرِيكٍ. فهذا مَوْضِعُ اختِلافٍ بينَ أهلِ العِلم، منهُم من زعمَ أنَّ المبتُوتةَ لا سُكْنَى لها ولا نَفَقةَ؛ لأنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يأمُرها أن تَعْتدَّ في بيتِ زَوْجِها الذي كانت تَسْكُنه، وقال: "لا نَفَقةَ لكِ" . وقالوا: لو كان لها السُّكنى، ما أمَرَها أن تخرُجَ من بيتِ زَوْجِها.

  17. ورَوَوْا أيضًا منصُوصًا في حَدِيثِ فاطِمةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها: "لا سُكْنَى لكِ ولا نفقةَ" .

  18. وممَّن ذهَبَ إلى هذا جماعةٌ من أهلِ العِلم، وبه قال أحمدُ بن حَنْبل، وإسحاقُ بن راهُوية، وأبو ثورٍ، وداودُ.

    ج ١٢ ص ١٠٠
  19. ورُوِي ذلك عن عليِّ بن أبي طالِبٍ، وجابرِ بن عبدِ الله، وعبدِ الله بن عبّاسٍ (١) .

  20. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٢) : حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا زكرِيّا بن أبي زائدةَ، عن عامرٍ، قال: حدَّثتني فاطِمةُ بنتُ قَيْسٍ، أنَّ زوجَها طلَّقها ثلاثًا، فأتَتِ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فأمَرَها فاعتدَّتْ عِندَ ابنِ عمِّها عَمرِو بن أُمِّ مَكْتُوم.

  21. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ (٣) ، عن سيّارٍ أبي الحَكَم، عن الشَّعبِيِّ، عن فاطِمةَ بنتِ قَيْسٍ: أنَّها أتتِ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فجعَلَ لها السُّكنى والنَّفقةَ، فقيل لهُ: إنَّهُ طلَّقها ثلاثًا. فقال: "لا سُكْنَى ولا نَفَقةَ" . وأمَرَها أن تعتدَّ في بَيْتِ ابنِ أُمِّ مَكْتُوم (٤) .

  22. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا المُعلَّى بن مَنصُورٍ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن مُطرِّفٍ، عن عامرٍ، قال:

    ج ١٢ ص ١٠١سألتُ فاطِمةَ بنت قَيْسٍ عن المرأةِ يُطلِّقُها زَوْجُها ثلاثًا، فقالت: طلَّقني زَوْجِي ثلاثًا على عَهْدِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فأتيتُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أسألُهُ (١) فلم يجعل لي سُكنى ولا نفقةً. فقيل لعامرٍ: إنَّ عُمرَ لم يُصدِّقها. فقال عامرٌ: ألا تُصدِّقُ امرأةً فَقِيهةً نزلَ بها هذا (٢) ؟

  23. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا المُعلَّى، قال: حدَّثنا شرِيكٌ، عن أبي بكر بن صُخَيرٍ (٣) ، قال: دخلتُ على فاطِمةَ. فذكرَ الحديث، وفيهِ: فرُفِعَ ذلك إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "ليسَ لكِ نَفَقةٌ ولا سُكْنَى" (٤) .

  24. وروى مُجالِدُ بن سعِيدٍ، وسعيدُ بن يزيدَ (٥) ، عن الشَّعبِيِّ، عن فاطِمةَ بنتِ قَيْسٍ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها: "إنَّما السُّكنى والنَّفقةُ للمرأةِ إذا كان لزَوجِها عليها رجعةٌ" (٦) .

  25. وفي حديثِ مَعْمرٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله، أنَّ فاطِمةَ بنت قَيْسٍ قالت - حِينَ أرسل إليها مروانُ قَبِيصةَ بن ذُؤَيبٍ يَسْألهُا عن ذلك -

    ج ١٢ ص ١٠٢فحدَّثتهُ، فأتَى مروانَ فأخبرهُ، فقال مروانُ: لم أسْمَع بهذا الحديثِ إلّا منَ امْرأةٍ، سَنأخُذُ بالعِصمةِ التي وجَدْنا النّاس عليها، فقالت فاطِمةُ حِينَ بَلَغها قولُ مروان: بَيْني وبينكُمُ القُرآنُ، قال الله: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} حتَّى بلغت: {لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: ١] قالت: هذا لمن كانَتْ لهُ مُراجعةٌ، فأيُّ أمْرٍ يحدُثُ بعد الثَّلاثِ؟ فكيفَ تقُولُونَ: لا نَفَقةَ لها؟ أمّا (١) إذا لم تكُن حامِلًا، فعلامَ تحبِسُونها؟ فكيفَ تُحبَسُ امرأةٌ بغيرِ نَفَقةٍ (٢) ؟

    قال أبو عُمر: تقُولُ فاطِمةُ: إن كُنتُم تحبِسُونها على زوجِها في بَيتِهِ، فأوجِبُوا لها النَّفقةَ، وإن لم تُوجِبُوا لها النَّفقةَ، فلا تُوجِبُوا عليها السُّكنى.

  26. وفي قولِ مروانَ في هذا الحديثِ: سَنأخُذُ بالعِصْمةِ التي وجَدْنا النّاسَ عليها. دليلٌ على أنَّ العملَ كان عِندَهُم بخِلافِ حديثِ فاطِمةَ في السُّكنى.

  27. وقولهُا: فعلامَ تحبِسُونها؟ إنَّما كانت تُخاطِبُ بهذا كِبارَ التّابِعِين.

  28. وهذا كلُّهُ يدُلُّ على أنَّ العملَ كان عِندَهُم بالمدِينةِ، من زَمَنِ عُمر، بخِلافِ حديثِ فاطِمةَ في السُّكنى، واللّه أعلمُ.

  29. حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِث بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا يزِيدُ بن هارونَ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن ميمُونِ بن مِهرانَ، عن أبيهِ، قال: جَلَستُ إلى سعِيدِ بن المُسيِّبِ، فسألتُهُ، فقال: إنَّكَ لتَسْألُ سُؤالَ رَجُلٍ قد تَبحَّرَ العِلم قبلَ اليوم، قال: قُلتُ: إنِّي بأرضٍ أُسألُ بها. قال: فكيفَ وجدْتَ ما أفتيتُكَ (٣) به، ممّا يُفتِيكَ به غيرِي، ممَّن سألتَ من العُلماءِ؟ قُلتُ: وافقتَهُم، إلّا في فَرِيضةٍ واحِدةٍ. قال: وما هيَ؟

    ج ١٢ ص ١٠٣قُلتُ: سألتُكَ عن المُطلَّقةِ ثلاثًا: تعتَدُّ في بيتِ زَوجِها، أم تَنتقِلُ إلى أهلِها؟ فقُلتَ: تعتَدُّ في بيتِ زَوجِها. وقد كانَ من أمرِ فاطِمةَ بنتِ قيسٍ ما قد علِمتَ. فقال سعِيدٌ: تلك امرأةٌ فتَنَتِ النّاس، وسأُخبِرُكَ عن شأنِها: إنَّها لمّا طُلِّقتِ اسْتَطالَتْ على أحمائها (١) وآذَتْهُم بلِسانِها، فأمَرَها رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن تنتقِلَ إلى بَيْتِ ابنِ أُمِّ مكتُوم. قال: قُلتُ: لئن كانَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أمَرَها بذلك، إنَّ لنا في رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لأُسْوَةً حَسَنةً، مع أنَّها أحْرَمُ النّاسِ عليه، ليسَ لهُ عليها رجعةٌ (٢) ، ولا بينَهُما مِيراثٌ (٣) .

    قال أبو عُمر: هذا من أحْسَنِ ما يجرِي من الاحتِجاج في هذا المعنى، يقولُ: لو كانَ السُّكنى عليها واجِبًا، لقَصَرها رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عليها (٤) ، ومَنَعها من الاستِطالَةِ بلِسانِها بما شاءَ، ممّا يردَعُها عن ذلك، واللّهُ أعلمُ، مع أنَّها ليسَتْ منهُ، ولا هُو مِنها.

  30. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا جعفرُ بن بُرْقانَ، قال: أخبرنا ميمُونُ بن مِهرانَ، قال: قدِمتُ المدِينةَ، فسألتُ عن أفْقَهِ أهْلِها، فدُفِعتُ إلى سَعِيدِ بن المُسيِّبِ فسألتُهُ. وذكر معنى ما تقدَّمَ (٥) .

  31. وأخبَرنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا المُعلَّى بن منصُورٍ، قال: أخبرني أبو المَليح، عن مَيمُونٍ، قال: ذكَرْتُ أمرَ فاطِمةَ ابنةِ قَيْسٍ عِندَ ابنِ المُسيِّبِ، فقال سعِيدُ بن المُسيِّبِ: تلك

    ج ١٢ ص ١٠٤امرأةٌ فتَنَتِ النّاس، أوِ النِّساءَ. قُلتُ: لئن كانت إنَّما أخَذَتْ بما أفتاها رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فما فتَنَتِ النّاسَ (١) .

  32. ورَوَى جعفرُ بن محمدٍ، عن أبيهِ، أنَّ عليًّا قال في المبتُوتةِ: لا نَفَقةَ لها ولا سُكْنَى (٢) .

  33. وابنُ جُريج قال: أخبَرني أبو الزُّبيرِ، أنَّهُ سمِعَ جابر بن عبدِ الله، يقولُ: تَعْتَدُّ المبتُوتةُ حيثُ شاءَتْ (٣) .

  34. وابنُ جُرَيج، عن عَطاءٍ، عن ابنِ عبّاسٍ، قال: تَعتَدُّ البتُوتةُ حَيْثُ شاءَتْ (٤) . فهذا مَذْهبٌ آخَرُ.

    وقال مالكٌ (٥) والشّافِعيُّ (٦) وأصْحابُهُما والأوزاعِيُّ: المبتُوتةُ لها السُّكنى، واجِبٌ لها وعليها، ولا نَفَقةَ لها. وهُو قولُ سَعِيدِ بن المُسيِّبِ، وعُروةَ بن الزُّبيرِ، والقاسم بن محمدٍ، وسُليمانُ بن يَسارٍ. ورُوِي ذلك، عن ابنِ عُمرَ، وعائشةَ، وعَطاءٍ وغيرِهِم (٧) .

  35. ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٨) ، عن ابنِ جُرَيج، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، قال: لا نَفَقةَ للمبتُوتةِ، إلّا أن تكونَ حامِلًا، ولها السُّكنى.

  36. ومَعمرٌ، عن الزُّهرِيِّ، عن سالم، عن ابنِ عُمرَ، قال: لا تَنْتقِلُ المبتُوتةُ من بَيْتِ زَوْجِها، حتَّى يحُلَّ أجَلُها (١) .

    وقال إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال قومٌ: لا سُكنَى للمَبتُوتةِ، ولا نفقةَ. وذهبُوا إلى الحديثِ الذي ذُكِرَ عن فاطِمةَ بنتِ قيسٍ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يجعَلْ لها سُكْنَى ولا نَفَقةً. وتَأوَّلُوا قولَ الله عزَّ وجلَّ: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} [الطلاق: ٦] ، أنَّ ذلك إنَّما هُو في المرأةِ التي تُطلَّقُ واحِدةً، أوِ اثنتينِ، ويَملِكُ زَوْجُها رجعَتَها.

    قال: ولو كانَ ذلك كما تأوَّلُوا، لكان: أسكِنُوهُنَّ من حيثُ سَكْنتُم، وأنفِقُوا عليهنَّ. ولم يستثنِ النَّفقةَ على الحامِلِ خاصَّةً، لأنَّ التي يَملِكُ زوجُها رجعَتَها، لها أحْكامُ الزَّوجاتِ في السُّكْنَى والنَّفقةِ، لا فرقَ بينها وبين التي لم تُطلَّق في ذلك، فعَلِمنا أنَّهُ لمّا اسْتَثنى النَّفقةَ منهُنَّ لذواتِ الأحمالِ، أنَّها ليَسْتِ التي يَملِكُ زوجُها رجعَتَها.

    ج ١٢ ص ١٠٥
  37. وأمّا الشّافِعيُّ (٢) ، فاحتجَّ في سُقُوطِ نفقةِ المبتُوتُةِ، بحديثِ مالكٍ المذكُورِ في هذا البابِ، عن عبدِ الله بن يزِيد مولى الأسودِ بن سُفيانَ، عن أبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن فاطِمةَ بنتِ قيسٍ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها: "ليسَ لكِ نفقة" . وأوجَبَ عليها السُّكنى، ثُمَّ نقَلَها عن مَوْضِعِها لعِلَّةٍ. قال: الشّافِعيُّ: وإنَّما أسْكَنها في بيتِ ابنِ أُمِّ مكتُوم، لأنَّها كان في لِسانِها ذَرَبٌ (٣) .

    قال أبو عُمر: اختلَفَ العُلماءُ في تأوِيلِ قولِ الله عزَّ وجلَّ في المُطلِقاتِ: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ}

  38. [الطلاق: ١] ، فقال قومٌ: الفاحِشةُ هاهُنا: الزِّنا، والخُرُوجُ: لإقامةِ الحدِّ. وممَّن قال ذلك: عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وعَمرُو بن دِينارٍ، والشَّعبِيُّ (١) .

    ج ١٢ ص ١٠٦
  39. وهذا فيمَنْ وجبَ السُّكنى عليها، ولم يجِبِ السُّكْنَى باتِّفاقٍ، إلّا على الرَّجعِيَّةِ.

    وقال ابنُ مسعُودٍ وابنُ عبّاسٍ: الفاحِشةُ: إذا بَذَتْ بلِسانِها (٢) . وهُو قولُ سعِيدِ بن المُسيِّبِ وغيرِهم.

    وقال قتادةُ: الفاحِشةُ النُّشُوزُ. قال: وفي حرفِ ابنِ مسعُودٍ: "إلّا أن يَفْحُشْنَ (٣) " (٤) .

  40. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٥) ، عن ابنِ عُيَينةَ والثَّورِيِّ، عن محمدِ بن عَمرِو بن عَلْقمةَ، عن إبراهيمَ التَّيمِيِّ، عن ابنِ عبّاسٍ، في قولِهِ: {إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [الطلاق: ١] ، قال: إذا بَذَتْ بلِسانِها، فهُو الفاحِشةُ، لهُ أن يُخرِجها.

    قال أبو عُمر: فعلى هذا تأوَّلَ بعضُ أهلِ المدِينةِ خُرُوجَ فاطِمةَ عن بَيْتِها، وهُو وَجْهٌ حسنٌ من التَّأوِيلِ.

    وقال بعضُهُم: كانت فاطِمةُ تَسْكُنُ مع زَوْجِها في مَوضِع وَحِشٍ (٦) مَخُوفٍ، فلهذا ما أذِنَ لها رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في الانتِقالِ.

    وقال بعضُهُم: كان ذلك من سُوءِ خُلُقِ فاطِمةَ.