عبد الله بن يزيد
٤٠٩ فقرة، ج ١٢ ص ٥٨
الصفحة ٦ من ١١
- ج ١٢ ص ١٠٧
حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو ثابتٍ المدنِيُّ، عن عبدِ الله بن وَهْبٍ، قال: أخبَرني ابنُ أبي الزِّنادِ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ قال: دَخَلتُ على مروانَ بن الحَكَم، فقُلتُ: إنَّ امرأةً من أهلِكَ طُلِّقَتْ فمررتُ عليها آنِفًا، وهي تَنتقِلُ، فعِبتُ ذلك عليها، فقالوا: أمَرَتنا فاطِمةُ ابنةُ قيسٍ، وأخبَرتنا أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمَرَها أن تنتقِلَ إلى بيتِ ابنِ أُمِّ مكتُوم حِينَ طلَّقَها زوجُها. فقال مروانُ: أجل هيَ أمَرَتهُم بذلك. قال عُروةُ: فقُلتُ لهُ: واللّه لقد عابَتْ ذلك عائشةُ أشدَّ العَيْبِ، وقالت: إنَّ فاطِمةَ كانَتْ في مَكانِ وحِشٍ، فخِيفَ (١) على ناحِيتِها، فلذلك أرخصَ لها رسُولُ الله، - صلى الله عليه وسلم - (٢) .
-
وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٣) : حدَّثنا حفصُ بن غِياثٍ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، قال: قالت فاطِمةُ ابنةُ قيسٍ: يا رسُولَ الله، إنِّي أخافُ أن يُقتَحَمَ عليَّ، فأمَرَها أن تَحَوَّل.
-
وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: أخبرنا محمدُ بن بكرٍ، قال: أخبرنا أبو داودَ،
ج ١٢ ص ١٠٨قال (١) : حدَّثنا هارونُ بن زيدِ (٢) بن أبي الزَّرقاءِ، عن أبيهِ، عن سُفيانَ، عن يحيى بن سعِيدٍ، عن سُليمان بن يسارٍ في خُرُوج فاطِمةَ: إنَّما كان ذلك من سُوءِ الخُلُقِ.
قال (٣) : وحدَّثنا أحمدُ بن يُونُس، قال: حدَّثنا زُهَيرٌ قال: حدَّثنا جعفرُ بن بُرقانَ، قال: حدَّثنا ميمُونُ بن مِهرانَ، قال: قدِمتُ المدِينةَ فدُفِعتُ إلى سعِيدِ بن المُسيِّبِ، فقُلتُ: فاطِمةُ ابنةُ قيسٍ طُلِّقت فخرجَتْ من بيتِها، فقال سعِيدُ بن المُسيِّبِ: تلك امرأةٌ فَتَنتِ النّاس، إنَّها كانت لَسِنةً، فوُضِعت على يَديِ ابنِ أُمِّ مكتُوم الأعْمَى.
-
ورَوَى مالكٌ (٤) ، عن يحيى بن سَعِيدٍ، عن القاسم بن محمدٍ وسُليمانَ بن يَسارٍ، أَنَّهُ سمِعهُما يَذْكُرانِ أنَّ يحيى بن سعِيد (٥) بن العاص طَلَّق بنت عبدِ الرَّحمنِ بن الحَكَم البتَّةَ، فانتَقَلها عبدُ الرَّحمنِ، فأرسلَتْ عائشةُ إلى مروانَ بن الحَكَم، وهُو أمِيرُ المدِينةِ، فقا لت: اتَّقِ الله، واردُدِ المرأةَ إلى بيتِها ... الحديثَ.
-
فهذا عُمرُ، وعائشةُ، وابنُ عُمر يُنكِرُونَ على فاطِمةَ أمرَ السُّكنى، ويُخالِفُونها في ذلك. ومالَ إلى قولِهِم فُقهاءُ التّابِعِين بالمدِينةِ، وإليه ذهَبَ مالكٌ، والشّافِعيُّ وأصحابُهُما.
-
لكِن من طَرِيقِ الحُجَّةِ وما يلزمُ مِنها، قولُ أحمد بن حنبلٍ ومن تابَعهُ أصحُّ، وأحجُّ؛ لأَنهُ لو وجَبَ السُّكنى عليها، وكانَتْ عِبادةً تعبَّدها الله بها، لألزَمَها ذلك رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يُخرِجها عن بَيْتِ زوجِها إلى بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ولا إلى
ج ١٢ ص ١٠٩بَيْتِ ابنِ أُمِّ مَكْتُوم، وقد (١) أجمعُوا أنَّ المرأةَ التي تَبذُو على أحمائها بلِسانِها تُؤَدَّبُ، وتُقصَرُ على السُّكنى في المنزِلِ الذي طُلِّقت فيه، وتمُنَعُ من أذى النّاسِ، فدلَّ ذلك على أنَّ منِ اعتلَّ بمِثلِ هذه العِلَّةِ في الانتِقالِ (٢) ، اعتلَّ بغيرِ صَحِيح من النَّظرِ (٣) ، ولا مُتَّفقٍ عليه من الخبرِ.
-
هذا ما يُوجِبُهُ عِندِي التَّامُّلُ لهذا الحديثِ، مع صِحَّتِهِ، وباللّه التَّوفِيقُ.
-
وإذا ثبتَ أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لفاطِمةَ بنتِ قيسٍ، وقد طُلِّقت طلاقًا باتًّا: "لا سُكْنَى لكِ ولا نَفقةَ، وإنَّما السُّكنى والنَّفقةُ لمن عليها رجعة" . فأيُّ شيءٍ يُعارَضُ به هذا؟ هل يُعارضُ إلّا بمِثلِهِ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، الذي هُو المُبيِّنُ عن الله مُرادهُ من كِتابِهِ، ولا شيءَ عنهُ - صلى الله عليه وسلم - يدفعُ ذلك، ومعلُومٌ أنَّهُ أعلمُ بتأوِيلِ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ} [الطلاق: ٦] ، من غير غيرِهِ - صلى الله عليه وسلم -.
-
وأمّا الصَّحابةُ فقدِ اختَلَفُوا كما رأيتَ، منهُم من يقولُ: لها السُّكنى والنَّفقةُ، منهُم: عُمرُ، وابنُ مسعُودٍ. ومنهُم من يقولُ: لها السُّكنى، ولا نفقةَ، منهُم: ابنُ عُمر، وعائشةُ. ومنهُم من يقولُ: لا سُكْنَى لها ولا نفقةَ، وممَّن قال ذلك: عليٌّ، وابنُ عبّاسٍ، وجابرٌ.
-
وكذلك اختِلافُ فُقهاءِ الأمصارِ على هذه الثَّلاثةِ الأقوالِ، على ما ذكرنا وبيَّنّا، والحمدُ للّه.
-
وأمّا الشّافِعيُّ ومالكٌ، فلا محالةَ أنَّهُ لم يثبُت عِندَهُما عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّهُ قال لفاطِمةَ: "لا سكنى لكِ ولا نَفَقةَ" . مع ما رأوا (٤) من مُعارضةِ العُلماءِ الجِلَّةِ لها في ذلك، واللّه المُوفِّقُ للصَّوابِ.
- ج ١٢ ص ١١٠
ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (١) ، عن مَعمرٍ والثَّورِي، عن الأعمشِ، عن إبراهيم، عن علقمةَ: أنَّ رجُلًا طلَّقَ امرأتهُ ثلاثًا، فاصبتْ أن تجلِسَ في بيتِها، فأتَى ابن مَسعُودٍ فقال: هي تُرِيدُ أن تخرُجَ إلى أهْلِها. فقال: احْبِسْها ولا تَدَعَها. فقال: إنَّها تأبَى عليَّ. قال: فقيِّدها. قال: إنَّ لها إخْوَةً غَلِيظةً رِقابُهِم. قال: فاستأدِ (٢) عليهِمُ الأمِيرَ.
-
وفي هذا الحديثِ وُجُوبُ اسْتِتارِ المرأةِ، إذا كانت ممَّن للعَينِ فيها حَظٌّ عن عُيُونِ الرِّجالِ، وفي ذلك دليلٌ على تحرِيم النَّظرِ إليهنَّ.
-
وقد رُوِي أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يَنظُر إلى فاطِمةَ هذه إذ جاءَتهُ، في هذه القِصَّةِ.
-
حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جرِيرٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سَعِيدٍ الجَوْهرِيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن مُجالدٍ، عن الشَّعبِيِّ، عن فاطِمةَ ابنةِ قَيْسٍ قالت: أَتَيْتُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فاسْتَترَ مِنِّي. وأشار سفيان (٣) بثوبه على وجهِهِ (٤) .
-
وكذلك في حديثِ قَيْلَةَ ابنةِ مَخْرَمةَ، الحديثِ الطَّوِيلِ في قُدُومِها على رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: فأومَأ بيدِهِ خلفهُ، إذ قيل لهُ: أُرْعِدَت المِسكِينةُ، فقالَ ولم ينظُر إليَّ: "يا مِسْكِينةُ، عليكِ السَّكِينةُ" (٥) .
- ج ١٢ ص ١١١
وفي حديثِ بُرَيدةَ أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعليٍّ: "لا تُتبِع النَّظرةَ النَّظرةَ، فإنَّ لك الأُولى، وليسَتْ لك الآخِرةُ" (١) .
-
وقد رُوِي ذلك أيضًا من حديثِ عليٍّ رضِي الله عنهُ (٢) .
وقال جرِيرٌ: سألتُ رسُول الله (٣) - صلى الله عليه وسلم - عن نظرةِ الفُجاءة، فقال: "غُضَّ بصرك" . رواهُ جماعةٌ، منهُمُ: الثَّورِيُّ (٤) ، وابنُ عُليَّةَ (٥) ، ويزِيدُ بن زُريع (٦) ، عن يُونُس بن عُبيدٍ، عن عَمرِو بن سعِيدٍ، عن أبي زُرعةَ بن عَمرِو بن جرِيرٍ، عن جرِيرٍ.
-
وهذا النَّهيُ إنَّما وردَ خوفًا من دواعِي الفِتنةِ، وأن تَحمِلهُ النَّظرةُ الأولى أن يتأمَّل ما تقُودُ إليه فِتنةٌ في دِينِهِ، وهذا نبِيٌّ من أنبِياءِ الله عزَّ وجلَّ، وهُو داودُ - صلى الله عليه وسلم -، كان بسَبَبِ خطِيئَتِهِ إليه النَّظرُ.
-
وقد ذكَرْنا ما يجُوزُ النَّظرُ إليه من المرأةِ، وما لا يجوزُ، والأحوالَ التي
ج ١٢ ص ١١٢يجوزُ فيها النَّظرُ إليها (١) ، من الشَّهادَةِ عليها، وشِبْهِها، في غيرِ هذا الموضِع والحمد للّه (٢) .
-
وأمّا قولُهُ: "اعتدِّي في بيتِ أُمِّ شرِيكٍ" . ثُمَّ قال: "تِلك امرأةٌ يَغْشاها أصحابِي، اعتدِّي في بيتِ ابنِ أُمِّ مكتُوم" . ففيه دليل على أنَّ المرأةَ الصّالحِةَ المُتجالَّةَ، لا بأسَ أن يَغْشاها الرِّجالُ، ويَتَحدَّثُوا عِندَها.
-
ومعنى الغِشْيانِ: الإلمامُ والوُرُودُ، قال حسّانُ بن ثابتٍ (٣) يمدحُ بني جَفْنة:
يُغْشَونَ حتَّى ما تهِرُّ كِلابُهُم ... لا يسألُونَ عن السَّوادِ المُقبِلِ
وزعمَ قومٌ: أنَّهُ أمدحُ بَيْتٍ قالتهُ العربُ.
-
حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميدِيُّ، قال (٤) : حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا مُجالِدُ بن سعِيدٍ الهمدانِيُّ، عن الشَّعبِيِّ، عن فاطِمةَ بنتِ قَيْسٍ، فذكر الحديث. وفيهِ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "يا ابنةَ قيسٍ، إنَّما السُّكنى والنَّفقةُ للمَرْأةِ إذا كانَ لزوجِها عليها رجعةٌ، فإذا لم يَكُن لهُ عليها رَجْعة فلا سُكْنَى لها ولا نَفَقةَ" . ثُمَّ قال لها: "اعْتَدِّي عِندَ أُمِّ شرِيكٍ ابنةِ العكرِ (٥) " . ثُمَّ قال: "تلك امرأةٌ يُتحدَّث عِندَها، اعتدِّي عِندَ ابنِ أُمِّ مكتُوم، فإنَّهُ رَجُلٌ محجُوبُ البَصرِ، فتَضَعِي ثِيابكِ، ولا يراكِ" .
ج ١٢ ص ١١٣قال أبو عُمر: أُمُّ شرِيكٍ هذه امرأةٌ من بني عامرِ بن لُؤَيٍّ، وقد ذكَرْناها في كِتابِ النِّساءِ من كِتابِ "الصَّحابة" (١) بما يُغني عن ذِكرِها هاهُنا.
-
وفي قولِهِ في هذا الحديثِ: "فتَضَعِي ثِيابكِ ولا يراكِ" . دليلٌ على أنَّ المرأةَ غيرُ واجِبٍ عليها أن تحتجِبَ من الرَّجُلِ الأعْمَى.
-
وهكذا في حديثِ محمدِ بن عَمرٍو، عن أبي سَلَمةَ، عن فاطِمةَ بنتِ قيسٍ، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لها: "انتقِلي إلى ابنِ أُمِّ مكتُوم، فإنَّهُ رجُلٌ قد ذهَبَ بصرُهُ، فإن وضَعتِ شيئًا من ثِيابِكِ، لم ير شيئًا" (٢) .
-
وهذا يرُدُّ حَدِيث نَبْهان مولى أُمِّ سلمةَ، عن أُمِّ سَلَمةَ قالت: دخَلَ عليَّ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا وميمُونةُ جالِستانِ، فاستأذَنَ عليه ابنُ أُمِّ مَكتُوم الأعْمَى، فقال: "احتجِبا منهُ" . فقُلنا: يا رسُولَ الله أليسَ بأعْمَى لا يُبصِرُنا؟ قال: "أفَعَمياوانِ أنتُما لا تُبصِرانِهِ؟ " (٣) .
-
ففي هذا الحديثِ دليلٌ على أَنَّهُ واجِبٌ على المرأةِ أن تحتجِبَ عن الأعمى.
-
ويشهدُ لهُ ظاهِرُ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} الآيةَ [النور: ٣١] .
-
فمن ذهَبَ إلى حديثِ نَبْهان هذا، احتجَّ بما ذكَرْنا، وقال: ليسَ في حديثِ فاطِمةَ أَنَّهُ أطلقَ لها النَّظر إليه، وقال: مَكرُوهٌ للمرأةِ أن تَنظُرَ إلى الرَّجُلِ الأجنبِيِّ، الذي ليسَ بزوج، ولا ذي مَحْرم.
-
وكما لا يجُوزُ للرَّجُلِ أن ينظُرَ إلى المرأةِ، فكذلك لا يجُوزُ للمَرأةِ أن تنظُرَ إلى الرَّجُلِ؛ لأنَّ الله يقولُ: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} كما قال: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور: ٣٠] .
- ج ١٢ ص ١١٤
وقد قال بعضُ مَشْيخةِ الأعْرابِ: لأن ينظُرَ إلى ولِيَّتي مئةُ رجُل، خيرٌ من أن تنظُرَ هي إلى لرجُلٍ واحِدٍ.
-
ومن ذهَبَ إلى حديثِ فاطِمةَ هذا على ظاهِرِهِ، دفَعَ حديث نَبْهان، عن أُمِّ سَلَمةَ، وقال: نبهانُ مجهُولٌ، لم يروِ عنهُ غيرُ ابنِ شِهابٍ، وروى عنهُ ابنُ شِهابٍ حَدِيثينِ لا أصل لهما، أحدُهُما هذا، والآخرُ حديثُ المُكاتَب: أنَّهُ إذا كان مَعهُ ما يُؤدِّي، وجَبَ الاحتِجابُ منهُ (١) . قال: وهُما حَدِيثانِ لا أصلَ لهما، ودفعهُما. وقال: حديثُ فاطِمةَ بنتِ قيسٍ حديثٌ صحِيحُ الإسنادِ، والحُجَّةُ به لازِمة. قال: وحديثُ نبهان لا تقُومُ به حُجَّةٌ.
قال أبو عُمر: حديثُ نبهان هذا: حدَّثناهُ سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن المُباركِ، قال: أخبرنا يُونُسُ، عن الزُّهرِيِّ، قال: حدَّثني نَبْهانُ مولى أُمِّ سَلَمةَ، عن أُمِّ سلمةَ (٢) ، قالت: كُنتُ عِندَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وعِندَهُ (٣) ميمُونةَ، فأقبلَ ابنُ أُمِّ مكتُوم، وذلك بعد أن أُمِرَ بالحِجابِ، فقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -:
ج ١٢ ص ١١٥"احتجِبا منهُ" . فقُلنا: يا رسُولَ الله، إنَّهُ مكفُوفٌ لا يُبصِرُنا. قال: "أفَعَمْياوانِ أنتُما لا تُبصِرانِهِ؟ " (١) .
-
وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢) : حدَّثنا محمدُ بن العلاءِ، قال: حدَّثنا ابنُ المُباركِ، عن يُونُس، عن الزُّهرِيِّ، قال: حدَّثني نبهانُ مولى أُمِّ سلمةَ، عن أُمِّ سلمةَ، فذكرهُ. قال أبو داود: وهذا لأزواج النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - خاصَّةً.
-
واستدلَّ بعضُ أصحابنا (٣) بهذا الحديثِ على أنَّ كلامَ المرأةِ ليسَ بعورةٍ. وهذا ما لا يُحتاجُ إليه، لتقرُّرِ الأُصُولِ عليه.
-
وأمّا قولُهُ: "يَغْشاها أصحابِي" . فمعلُومٌ أنَّها عَوْرةٌ، كما أنَّ فاطِمةَ عورةٌ، إلّا أنَّهُ علِمَ أنَّ أُمَّ شرِيكٍ من السِّترِ والاحتِجابِ بحالٍ ليسَتْ بها فاطِمةُ، ولعلَّ فاطِمةَ من شأنِها أن تَقعُد فُضُلًا (٤) لا تَحترِزُ كاحتِرازِ أُمِّ شِريكٍ، ولا يجوزُ أن تكونَ أُمُّ شرِيكٍ، وإن كانت من القَواعِدِ، أن تكونَ فُضُلًا، ويجُوزُ أن تكونَ فاطِمةُ شابّةً ليسَتْ من القَواعِدِ، وتكون أُمُّ شَرِيكٍ من القَواعِدِ، فليسَ عليها جُناحٌ، ما لم تَتبرَّز بزِينةٍ.
- ج ١٢ ص ١١٦
فهذا كلُّهُ فرقٌ بين حالِ (١) أُمِّ شرِيكٍ وفاطِمةَ، وإن كانَتا جميعًا امرأتينِ، العَوْرةُ منهُما واحِدةٌ، ولاختِلافِ الحالَيْنِ، أُمِرت فاطِمةُ أن تصِيرَ إلى ابنِ أُمِّ مكتُوم الأعْمَى بحيثُ لا يَراها هُو ولا غيرُهُ من الرِّجالِ (٢) في بَيْتِهِ ذلك.
-
وأمّا وَجْهُ (٣) قولِهِ لزَوْجهِ (٤) ميمُونةَ وأُمِّ سلمةَ - إذ جاءَ ابنُ أُمِّ مكتُوم: "احتجِبا منهُ" . فقالتا: أليسَ بأعْمَى؟ فقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أفَعَمياوانِ أنتُما؟ " - فإنَّ الحِجابَ على أزواج النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ليسَ كالحِجابِ على غيرِهِنَّ، لما هُنَّ (٥) فيه من الجلالةِ، ولموضِعِهِنَّ من رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، بدليلِ قولِ الله تعالى: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} الآيةَ [الأحزاب: ٣٢] .
-
وقد يجُوزُ أن يكونَ (٦) للرَّجُلِ أن ينظُرَ لأهلِهِ من الحِجابِ بما أدّاهُ إليه اجتِهادُهُ، حتَّى يمنع منُنَّ المرأةَ فُضُلًا عن الأعْمَى.
-
وأمّا الفرقُ بين ميمُونةَ وأُمِّ سلمةَ، وبين عائشةَ، إذ أباحَ لها النَّظر إلى الحَبَشةِ، فإنَّ عائشةَ كانت ذلك الوقت، واللّهُ أعلمُ، غير بالِغة، لأَنَّهُ نَكَحَها صبِيَّةً، بنت سِتِّ سِنينَ أو سبع، وبَنَى بها بنت تِسع، ويجُوزُ أن يكونَ قبلَ ضربِ الحِجابِ، مع ما في النَّظرِ إلى السُّودانِ ممّا تَقْتحِمُهُ العُيُونُ (٧) ، وليسَ الصَّبايا كالنِّساءِ في مَعرِفةِ ما هُنالِكَ من أمرِ الرِّجالِ.
- ج ١٢ ص ١١٧
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا مُعلَّى، قال: حدَّثنا ليثُ بن سعدٍ، عن أبي الزُّبيرِ، قال: سألتُ عبد الحميدِ بن عبدِ الله بن أبي عَمرِو بن حَفْصٍ عن طلاقِ جَدِّهِ فاطِمةَ بنت قيسٍ، فقال عبدُ الحميدِ: طلَّقها البتّة، ثُمَّ خرجَ إلى اليَمنِ، ووكَّل بها عيّاش بن أبي رَبِيعةَ، فأرسَلَ إليها عيّاشٌ ببعضِ النَّفقةِ، فسَخِطتها، فقال لها عيّاش: ما لكِ علينا من نَفقةٍ ولا مَسْكنٍ، وهذا رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فسَلِيهِ، فسألَتْ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عمّا قال، فقال: "ليسَ لكِ نَفَقةٌ ولا مَسْكنٌ، ولكِن مَتاعٌ بالمعرُوفِ، اخرُجِي عَنْهُم" . فقالت: أخرُجُ إلى بَيْتِ أُمِّ شرِيكٍ، فقال: "إنَّ بيتها يُوطَأُ، فانتقِلي إلى بيتِ عبدِ الله بن أُمِّ مكتُوم الأعمى، فهُو أقلُّ واطِئةً، وأنتِ تَضعِينَ ثِيابكِ عِندَهُ" . فانتقلَتْ إليه، حتَّى حلَّت، فخَطَبها مُعاويةُ بن أبي سُفيان، وأبو جَهْم بن حُذيفةَ، فذَكَرت ذلك لرسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "أمّا مُعاويةُ، فغُلامٌ من غِلمانِ قُريشٍ لا يَملِكُ شيئًا، وأمّا أبو جَهْم فإنِّي أخافُ عليكِ عَصاهُ، ولكِن إن شِئتِ دَللتُكِ على رجُلٍ: أُسامَةَ بن زيدٍ" . قالت: نعم يا رسُولَ الله، فزوَّجها أُسامَةَ بن زيدٍ (١) .