عبد الله بن يزيد
٤٠٩ فقرة، ج ١٢ ص ٥٨
الصفحة ٧ من ١١
- ج ١٢ ص ١١٧
ففي حديثِ مالكٍ، في أُمِّ شرِيكٍ: "تلك امرأةٌ يَغْشاها أصحابِي" .
-
وفي حديثِ مُجالدٍ، عن الشَّعبِيِّ: "تلك امرأةٌ يُتحدَّثُ عِندها" .
-
وفي حديثِ أبي بكر بن أبي الجهم، وقد مضى ذِكر: "إنَّ بيت أُمِّ شرِيكٍ يُغْشَى" .
-
وفي حديثِ أبي الزُّبيرِ: "إنَّ بيتها يُوطَأُ" .
-
وفي هذا كلِّهِ دليلٌ على أنَّ القومَ إنَّما كانُوا يتحدَّثُونَ بالمعاني، وإيّاها كانُوا يُراعُونَ.
- ج ١٢ ص ١١٨
وفيما ذكَرْنا دليلٌ على ما وصَفْنا من جَوازِ غشيانِ النِّساءِ الصّالحِاتِ المُتجالّاتِ في بُيُوتِهِنَّ، والحديثِ معهُنَّ.
-
وأمّا قولُهُ: إنَّ مُعاويةَ وأبا جهم خَطَباني، ثُمَّ خِطْبةُ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إيّاها لأُسامَةَ بن زيدٍ، حِين أخبَرتهُ أنَّ مُعاويةَ وأبا جَهْم خَطَباها. ففيه دليلٌ على أنَّهُ لا بأسَ أن يخطُب الرَّجُلُ على خِطْبةِ أخِيهِ، ما لم يُركَن (١) إليه، على ما قال مالكٌ وغيرُهُ، ممّا قد ذكَرْناهُ في بابِ محمدِ بن يحيى بن حَبّان وغيرِهِ، من كِتابِنا هذا.
-
واتَّفق جُمهُورُ الفُقهاءِ، على أنَّهُ إذا رُكِنَ إلى الخاطِبِ الأوَّلِ، لم يجُز أن يخطُبَ أحَدٌ على خِطْبتِهِ. وقال بعضُ أصحابِ الشّافِعيِّ: يجُوزُ على حَدِيثِ فاطِمةَ هذا. وهذا ليسَ بشيءٍ؛ لأنَّهُ يجعلُ الأحادِيث مُتعارضةً (٢) ، وإذا حُمِلت على ما قالَ الفُقهاءُ لم تَتَعارض.
-
وقد مَضَى الحُكمُ فيمَنْ خطَبَ على خِطبةِ أخِيهِ، في بابِ محمدِ بن يحيى بن حَبان.
-
ومِثلُ خِطْبةِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لأُسامةَ بن زيدٍ على خِطْبةِ مُعاويةَ وأبي جَهْم، ما ذكَرهُ ابنُ وَهْبٍ، عن ابنِ لِهيعةَ وغيرِهِ، عن عُبيدِ الله بن المُغِير، أنَّهُ سمِعَ الحارِث بن سُفيانَ الأسدِيَّ يُحدِّثُ، عن الحارِثِ بن سَعْدِ بن أبي ذُبابٍ (٣) : أنَّ عُمر بن الخطّابِ خطَبَ امرأةً على جرِيرٍ البجلِيِّ، وعلى مروانَ بن الحكم، وعلى عبدِ الله بن عُمرَ، فدخلَ على المرأةِ وهي جالِسةٌ في قُبَّتِها عليها سِترٌ، فقال عُمرُ: إنَّ جرِيرًا البجلِيَّ يخطُبُ، وهُو سيِّدُ أهلِ المشرِقِ، ومروانُ يخطُبُ، وهُو
ج ١٢ ص ١١٩سيِّدُ شبابِ قُريشٍ، وعبدُ الله بن عُمرَ، وهُو من قد علِمتُم، وعُمرُ بن الخطّابِ، فكشَفَتِ المرأةُ عنها، فقالت: أجادٌّ أمِيرُ المُؤمِنِينَ؟ قال: نعم. قالت: فقد أُنكِحْتَ يا أمِيرَ المُؤمِنِينَ، أنْكِحُوهُ (١) .
-
وحدَّثنا سعِيدُ بن سيِّدٍ (٢) ، قال: حدَّثنا يحيى بن قَطَن (٣) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زِيادٍ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا محمدُ بن رُمح، قال: أخبرنا اللَّيثُ بن سعدٍ، عن عيّاشِ بن عبّاسٍ القِتْبانيِّ (٤) ، عن بُكيرِ بن عبدِ الله بن الأشجِّ: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ أَتَى أهل بيتٍ من الأزْدِ، وفتاتهم في خِدْرِها قرِيبًا منهُ، فقال: إنَّ مروانَ بن الحكم يخطُبُ إليكُمُ ابنتكُم، وهُو سيِّدُ شبابِ قُرَيشٍ، وإنَّ جرِير بَجِيلةَ (٥) يخطُبُ إليكُمُ ابنتكُم، وهُو سيِّدُ أهلِ المشرِقِ، وإنَّ أمِيرَ المُؤمِنين يخطُبُ إليكُمُ ابنتكُم. يُرِيدُ نفسهُ، فأجابتهُ الفَتاةُ من خِدْرِها فقالت: أجادٌّ أمِيرُ المُؤمِنينَ؟ فقال: نعم. قالت: زوِّجُوا أمِيرَ المُؤمِنين، فزَوَّجُوهُ، فولدَتْ منهُ (٦) .
-
وأمّا قولُهُ: "أمّا مُعاويةُ فصُعلُوكٌ لا مالَ لهُ، وأمّا أبو جَهْم فلا يَضَعُ عَصاهُ عن عاتِقِهِ" . ففيه دليلٌ على أنَّ قولَ الإنسانِ في غيرِهِ ما فيه، إذا سُئلَ عنهُ عِندَ الخِطْبةِ جائزٌ، وأنَّ إظهارَ ما هُو عليه من عَيْبٍ فيه (٧) ، صوابٌ لا بأس به،
ج ١٢ ص ١٢٠وليسَ من بابِ الغيبةِ في شيءٍ، وهُو يُعارِضُ قولهُ: "إذا قُلتَ في أخِيكَ ما فيه فقدِ اغْتَبتهُ" (١) .
-
وقد أجمعُوا على أَنَّهُ جائزٌ تَبيِينُ حالِ الشّاهِدِ، إذا سألَ عنهُ الحاكِمُ، وتبينُ حالِ ناقِلِ الحديثِ، وتبينُ حالِ الخاطِبِ إذا سُئلَ عنهُ.
-
وفي ذلك أوضَحُ الدَّلائلِ على أنَّ حديث الغِيبةِ ليسَ على عُمُومِهِ، وقد قيل: إنَّ الغيبةَ إنَّما هي أن تَصِفهُ على جِهَةِ العَيْبِ لهُ بما في خِلْقتِهِ، من دَمامةٍ، وسُوءِ خَلْقٍ، وقِصَرٍ (٢) ، أو عَوَرٍ (٣) أو عَمَشٍ، أو عَرَج، ونحوِ ذلك (٤) ، وأمّا أن تذُمَّهُ بما فيه من أفعالِهِ، فليسَ ذلك غيبةً.
-
وهذا عِندِي ليسَ بالقوِيِّ، والذي عليه مَدارُ هذا المعنى، أنَّ منِ استُشِيرَ، لَزِمهُ القولُ بالحقِّ، وأداءُ النَّصِيحةِ، وليسَ ذلك من بابِ الغِيبةِ؛ لأنَّهُ لم يَقْصِد بذلك إلى لذَّةٍ (٥) ، ولا إلى شِفاءِ غيظٍ، ولا أذًى، ويكونُ حديثُ الغِيبةِ مُرتَّبًا على هذا المعنى.
-
وفي هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على استِشارةِ ذَوِي الرَّأيِ، وأنَّهُ جائزٌ أن يَسْتشِيرَ الرَّجُلُ من يَرْضَى رأيه ودِينهُ (٦) في امرأتينِ يُسمِّيهِما لهُ، أيَّتهُما يتزوَّجُ؟ وكذلك للمَرْأةِ في رجُلينِ أيَّهُما تَتَزوَّجُ؟
- ج ١٢ ص ١٢١
وفيه: أنَّ للمُسْتشارِ أن يُشِيرَ بغيرِ منِ استُشِيرَ فيه؛ لأنَّهُ أشارَ - صلى الله عليه وسلم - بأُسامَةَ (١) ، ولم تذكُر لهُ إلّا أبا جَهْم ومُعاويةَ (٢) .
-
وفي قولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أمّا مُعاويةُ فصُعلُوك لا مالَ لهٌ، وأمّا أبو جَهْم فلا يضعُ عَصاهُ عن عاتِقِهِ" . دليلٌ على جَوازِ الإغياءِ (٣) في الصِّفةِ، وأنَّ المُغيِّي لا يَلْحقُهُ كذِبٌ، إذا لم يَقْصِد قصدَ الكذِبِ، وإنَّما قصدَ الإبلاع في الوَصْفِ.
-
ألا تَرَى أنَّ مُعاويةَ قد ملكَ ثوبهُ، وغير ذلك، وهُو مالٌ، وفي غيرِ حديثِ مالكٍ: "لا يَمْلِكُ شيئًا" (٤) .
-
وكذلك قولُهُ: "لا يَضَعُ عَصاهُ عن عاتِقِهِ" . ومعلُومٌ أَنَّهُ كان يُصلِّي، وينامُ، ويأكلُ، ويشربُ، وَيشْتغِلُ بأشياءَ كثِير غيرِ ضَرْبِ النِّساءِ (٥) ، ولكِنَّهُ لمّا كان يُكِثرُ ضربَ النِّساءِ، نسَبَهُ إلى ذلك، على ما قالتِ الحُكماءُ: من أكثرَ من شيءٍ، عُرف به، ونُسِب إليه. ولم يُرِد بذِكرِ العَصا هاهُنا، العصا التي يُضرَبُ بها، وإنَّما أرادَ الأدب (٦) باللِّسانِ واليَدِ وبما يحسُنُ الأدبُ بمِثلِهِ، يصنعُ في أهلِهِ كما يَصْنعُ الوالي في رَعِيَّتِهِ.
-
وقد رُوِي عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّهُ قال لرجُلٍ أوْصاهُ: "ولا تَرْفَعْ عصاكَ عن أهلِكَ، وأخِفهُم في الله" (٧) . رُوِي هذا من حديثِ المِصرِيِّين (٨) ، عن عُبادةَ بن
ج ١٢ ص ١٢٢الصّامِتِ، فيما أوصاهُ به رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وبعضُهُم يقولُ فيهِ: "لا تضَعْ عصاكَ عن أهلِكَ، وأنصِفْهُم من نفسِكَ" . وقال - صلى الله عليه وسلم -: "علِّق سَوْطكَ حيثُ يراهُ أهلُكَ" (١) .
-
وفي هذا كلِّهِ ما يُوضِّحُ لكَ أنَّ للرَّجُلِ ضَرْبَ نِسائهِ فيما يُصلِحُهُم، وتَصْلُحُ به حالُهُ وحالُهُم مَعهُ. كما لهُ أن يضرِبَ امرأتهُ عِندَ امتِناعِها عليه ونُشُوزِها، ضربًا غيرَ مُبرِّح.
-
وقد رُوِي عن الحسنِ وقتادةَ: أنَّ رجُلًا ضربَ امرأتهُ وجرَحَها، فأتوُا النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يطلُبُونَ القِصاصَ، فأنزلَ الله تعالى ذكرُه: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} الآيةَ (٢) [النساء: ٣٤] .
-
فمعنى العَصا في هذينِ الحديثينِ، الإخافَةُ والشِّدَّةُ بكلِّ ما يَتَهيَّأُ ويُمكِنُ، ممّا يجمُلُ ويحسُنُ من الأدبِ، فيما يجِبُ الأدبُ فيهِ.
-
وقد قال بعضُ أصحابِنا: إنَّ فيه إباحَةَ ضربِ الرَّجُلِ امرأتُهُ ضربًا كثِيرًا؛ لأنَّهُ قصدَ به قصدَ العَيْبِ لهُ، والضَّربُ القليلُ ليسَ بعَيْبٍ، لأنَّ الله قد أباحَهُ. قال: ولمّا لم يُغيِّر رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي جَهْم ما كانَ عليه من ذلك، كان في طرِيقِ الإباحَةِ.
-
وفيما قال من ذلك، واللّهُ أعلمُ، نظرٌ. قال (٣) ابنُ وَهْبٍ: ذمُّهُ لذلك، دليلٌ على أنَّهُ لا يجُوزُ فِعلُهُ.
-
ومن هذا قالتِ العربُ: فُلانٌ ليِّنُ العَصا، وفُلانٌ شدِيدُ العَصا. يقولُونَ ذلك في الوالي وما أشْبَههُ.
ج ١٢ ص ١٢٣وقال الشاعرُ (١) :
ضعيف العصا نامي العروقِ يُرى لهُ ... عليها إذا ما أجْدبَ الناسُ أصنُعا
يعني: أمرًا حسنًا.
وقال الشّاعِرُ (٢) :
لِذي الحِلْم قبلَ اليوم ما تُقرَعُ العَصا ... وما عُلِّم الإنسانُ إلَّا ليَعْلَما
وقال معنُ بن أوسٍ (٣) ، يصِفُ راعِيَ إبِلِه:
عليها شرِيبٌ (٤) وادِعٌ ليِّنُ العَصا ... يُساجِلُها عمّا بهِ (٥) وتُساجلُهْ (٦)
-
وقال أبو النَّجم في ضدِّ هذا يصِفُ إبلَه ويذكُرُ سِمْنَها:
لا يَرْعَها ليلًا ولا ضُحاها ... صُلبُ العصا بالضَّربِ قد رَباها (٧)
قد احتوَتْه الإبْلُ واحتواها ... إذا أرادت رَشَدًا أغواها (٨)
-
والعربُ تُسمِّي الطّاعةَ، والأُلفةَ، والجماعةَ: العصا، ويقولُون: عَصا الإسلام. وعصا السُّلطانِ.
- ج ١٢ ص ١٢٤
ومن هذا قولُ الشّاعِرِ (١) :
إذا كانتِ الهيجاءُ وانشقَّتِ العَصا ... فحَسْبُك والضَّحّاكُ سيفٌ مُهنَّدُ
ومنهُ قولُ صِلةَ بن أَشْيَم: إيّاكَ وقتِيلَ العَصا. يقولُ: إيّاك أن تُقتلَ، أو تَقتُلَ قتِيلًا، إذا انشقَّتِ العَصا.
-
والعربُ أيضًا تُسمِّي قَرارَ الظّاعِنِ عصًا، وقرارَ الأمرِ واستِواءَهُ عصًا، فإذا اسْتَغنَى المُسافِرُ عن الظَّعن، قالوا: قد ألقى عَصاهُ.
قال الشّاعِرُ (٢) :
فألقَتْ عَصاها واستقرَّت بها النَّوى ... كما قرَّ عينًا بالإيابِ المُسافِرُ
ورُوِي أنَّ عائشةَ تمثَّلت بهذا البيتِ حِين اجتَمعَ الأمرُ لمُعاويةَ، واللّه أعلمُ.
-
وأمّا قولُهُ: "انكِحِي أُسامَةَ بن زيدٍ" . قالت: فنكحتُهُ. ففي هذا جوازُ نِكاح المولى (٣) القُرَشِيّةَ، وأُسامةُ بن زيدِ بن حارِثةَ، مولى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وهُو رجُلٌ من كَلْبٍ، وفاطِمةُ قُرشِيّةٌ فِهرِيَّةٌ، أُختُ الضَّحّاكِ بن قيسٍ الفِهرِيِّ.
-
وهذا أقوى شيءٍ في نِكاح المولى العربِيّةَ والقُرشِيّةَ، ونِكاح العربِيِّ القُرشِيّةَ، وهذا مذهبُ مالكٍ، وعليه أكثرُ أهلِ المدِينةِ.
-
روى ابنُ أبي أُوَيسٍ، عن مالكٍ، قال: لم أرَ أحدًا من أهلِ الفِقْهِ والفضلِ، ولم أسمع أَنَّهُ أنكرَ أن يتزوَّجَ العربُ في قُرَيشٍ، ولا أن تَتزوَّجَ الموالي في العَربِ وقُريشٍ،
ج ١٢ ص ١٢٥إذا كان كُفُؤًا في حالِهِ، ونحوَه (١) قال مالكٌ. وممّا يُبيِّنُ ذلك، أنَّ أبا حُذَيفةَ بن عُتبةَ بن ربِيعةَ، أنكحَ سالمًا فاطِمةَ (٢) بنتَ الولِيدِ بن عُتْبةَ (٣) ، فلم يُنكَر ذلك عليه، ولم يَعِبهُ أحدٌ من أهلِ ذلك الزَّمانِ.
قال أبو عُمر: قد كرِههُ قومٌ، وهذا الحديثُ حُجَّةٌ عَليهِم، قال الله عزَّ وجلَّ: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: ١٣] .
-
وقد رُوِي في بعضِ الحديثِ، أنَّهُم قالوا: أَنْكَحَها مولاهُ، فقالت فاطِمةُ: رضِيتُ بما رضِيَ لي به رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -. وفي حديثِ مالكٍ: فجعلَ الله فيه خيرًا، واغْتَبطتُ به.
-
واختلفَ العُلماءُ في الأكفاءِ في النِّكاح، فجُملةُ مذهبِ مالكٍ وأصحابِهِ: أنَّ الكفاءَةَ عِندَهُم في الدِّينِ.
وقال ابنُ القاسم عن مالكٍ: إذا أبي والِدُ الثَّيِّبِ أن يُزوِّجها رجُلًا دُونهُ في النَّسبِ والشَّرفِ، إلّا أنَّهُ كُفُؤٌ في الدِّينِ، فإنَّ السُّلطان يُزوِّجُها، ولا ينظُرُ إلى قولِ الأبِ والولِيِّ من كانَ، إذا رَضِيت به، وكان كُفُؤًا في ديِنِهِ. ولم أسمع منهُ في قِلَّةِ المالِ شيئًا.
قال مالكٌ: تزوِيجُ المولى العربِيَّةَ حلالٌ في كِتابِ الله عزَّ وجلَّ، قولِهِ: {إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} الآيةَ [الحجرات: ١٣] . وقولِهِ: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} [الأحزاب: ٣٧] .
-
واعتبرَ أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ الكفاءَةَ في النِّكاح، من جِهةِ النَّسبِ، والمالِ، والصِّناعاتِ. وهُو قولُ الثَّورِيِّ، والحسنِ بن حيٍّ.
ج ١٢ ص ١٢٦قال أبو حنِيفةَ: قُريشٌ أكفاءٌ، والعربُ أكفاءٌ، ومن كان لهُ أبوانِ في الإسلام أكفاءٌ، ولا يكونُ كُفُؤًا من لا يجدُ المهرَ والنَّفقةَ.
وقال أبو يُوسُف: وسائرُ النّاسِ على أعمالِهِم، فالقصّارُ (١) لا يكونُ كُفُؤًا لغير من التُّجّارِ، وهُم يتفاضلُونَ بالأعمالِ، فلا يجُوزُ إلّا الأمثالُ.
قال: وتَعذُّرُ المهرِ والنَّفقةِ، لا يَمنعُ من الكفاءَةِ، والعَبدُ ليسَ بكُفءٍ لأحَدٍ.
-
وكان أبو الحسنِ الكرخِيُّ من بينِ سائرِ أصحابِ أبي حنِيفةَ يُخالِفُ أصحابهُ في الكفاءَةِ، ويقولُ: الكفاءَةُ في الأنفُسِ كالقِصاصِ.
-
وسائرُ أصحابِهِ يعتبِرُونَ الكفاءَةَ في المهرِ والنَّفقةِ.
وقال (٢) الشّافِعيُّ (٣) : ليسَ نِكاحُ غيرِ الكُفءِ مُحرَّمًا، فأرُدُّهُ بكلِّ حال، إنَّما هُو تَقصِيرٌ بالمُتزوِّجةِ والوُلاةِ، فإن رضِيَتْ ورضُوا جاز. قال: وليسَ نقصُ المهرِ نَقْصًا في النَّسبِ، والمهرُ لها دُونهُم، فهي أولى به منهُم، كالنَّفقةِ لها أن تَترُكها مَتى شاءَت.
قال: وإذا اختلَفَ الوُلاةُ فزوَّجها بإذنِها أحدُهُم كُفئًا جازَ، وإن كان غيرَ كُفءٍ، لم يَثبُت إلّا باجتِماعِهِم، قبلَ نِكاحِهِ، فيكونُ حقًّا لهم تَرَكُوهُ (٤) .
قال أبو عُمر: الكفاءَةُ عِندَ الشّافِعيِّ وأصحابِهِ: النَّسبُ والحالُ، وأفضلُ الحالِ عِندهُمُ الدِّينُ، والحالُ اسمٌ جامِعٌ لمعانٍ كثِيرةٍ، مِنها: الكرمُ، والمُرُوءَةُ، والمالُ، والصِّناعةُ، والدِّينُ، وهُو أرفَعُها.
- ج ١٢ ص ١٢٧
روى مالكٌ (١) ، عن يحيى بن سعِيدٍ، أنَّ عُمر بن الخطّابِ قال: كرَمُ المُؤمِنِ تقواهُ، وحسَبُه دِينُه، ومُرُوءَتُهُ خُلُقُهُ.