عبد الكريم بن أبي المخارق
٦٩ فقرة، ج ١٢ ص ٤٠٦
الصفحة ٢ من ٢
- ج ١٢ ص ٤١٩
وعلى هذا جُمهُورُ (١) التّابِعِينَ، وأكثرُ فُقهاءِ المُسلِمِينَ من أهلِ الرَّأيِ والأثرِ.
-
فأمّا اختِلافُ الفُقَهاءِ في هذا البابِ، فذهَبَ مالكٌ، في رِوايةِ ابن القاسم عنهُ، واللَّيثُ بن سعدٍ إلى سَدْلِ اليَدَينِ في الصَّلاةِ.
قال مالكٌ (٢) : وَضْعُ اليَدَينِ إحداهُما على الأُخْرَى في الصَّلاةِ إنَّما يُفعلُ ذلك في النَّوافِلِ، من طُولِ القِيام. قال: وتركُهُ أحبُّ إليَّ. هذه رِوايةُ ابن القاسم عنهُ.
وقال عنه غير ابن القاسم: لا بأسَ بذلك في الفَرِيضةِ والنّافِلةِ. وهي رِوايةُ المدنِيِّين عنهُ.
وقال اللَّيثُ: سدلُ اليَدينِ في الصَّلاةِ أحبُّ إليَّ، إلّا أن يُطِيلَ القِيامَ فيَعيا، فلا بأسَ أن يضعَ اليُمنى على اليُسْرَى (٣) .
وقال عبدُ الرَّزّاقِ (٤) : رأيتُ ابن جُريج يُصلِّي في إزارٍ ورِداءٍ مُسْدِلًا (٥) يدَيهِ.
وقال الأوزاعِيُّ: من شاءَ فعلَ، ومن شاءَ تركَ. وهُو قولُ عطاءٍ (٦) .
-
وقال سُفيانُ الثَّورِيُّ وأبو حنِيفةَ والشّافِعيُّ وأصحابُهُم والحُسنُ بن صالح وأحمدُ بن حنبل وإسحاقُ وأبو ثورٍ وأبو عُبيدٍ وداودُ بن عليٍّ والطَّبرِيُّ: يضعُ المُصلِّي يَمِينهُ على شِمالِهِ في الفرِيضةِ والنّافِلةِ. وقالوا كلُّهُم: وذلك سُنَّةٌ مَسْنُونةٌ.
ج ١٢ ص ٤٢٠قال الشّافِعيُّ: عِندَ الصَّدرِ (١) .
-
ورُوِي عن عليِّ بن أبي طالِبٍ: أنَّهُ وضعهُما على صدرِهِ (٢) .
-
وعن طاوُوسٍ، قال: كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَضعُ يدهُ اليُمنى على يَدِهِ اليُسرى، ثُمَّ يشُدُّهُما على صَدْرِهِ وهُو في الصَّلاةِ (٣) .
وقال الثَّورِيُّ وأبو حنِيفةَ وإسحاقُ: أسفل السُّرَّةِ (٤) .
-
ورُوِي ذلك عن عليٍّ (٥) ، وأبي هريرةَ، والنَّخعِيِّ. ولا يثبُتُ ذلك عنهُم. وهُو قولُ أبي مِجْلَزٍ (٦) .
قال: وقال أحمدُ بن حنبلٍ: فوق السُّرَّةِ. وهُو قولُ سَعِيدِ بن جُبيرٍ (٧) . قال أحمدُ بن حنبلٍ: وإن كانت تحتَ السُّرَّةِ، فلا بأس به.
قال أبو عُمر: قد ذكَرْنا أنَّ الصَّحابةَ لم يُروَ عن أحَدٍ منهُم في هذا البابِ خِلافٌ، لما جاءَ عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فيه.
-
ورُوِي عن الحسنِ وإبراهيمَ: أنَّهُما كانا يُرسِلانِ أيَدِيهُما في الصَّلاةِ (٨) . وليسَ هذا بخِلافٍ؛ لأنَّ الخِلافَ كراهيةُ ذلك، وقد يُرسِلُ العالِمُ يديهِ، ليُرِي النّاس أنّ ذلك ليسَ بحَتْم واجِبٍ.
- ج ١٢ ص ٤٢١
وقد ذكرَ ابن أبي شيبةَ (١) ، عن جرِيرٍ، عن مُغِيرةَ، عن أبي معشرٍ، عن إبراهيم، قال: لا بأس أن تضع اليُمنى على اليُسرى في الصَّلاةِ.
-
وذكرَ (٢) عن عُمر بن هارون، عن عبدِ اللَّه بن يزِيد، قال: ما رأيتُ سعِيد بن المُسيِّبِ قابِضًا يمِينهُ على شمالِهِ في الصَّلاةِ، كان يُرسِلُهُما. وهذا أيضًا يحتمِلُ ما ذكرنا.
-
وذكرَ (٣) ، عن يحيى بن سعِيدِ، عن عُبيدِ (٤) اللَّه بن العَيْزارِ، قال: كُنتُ أطُوفُ مع سَعِيدِ بن جُبيرٍ، فرأى رجُلًا يُصلِّي واضِعًا إحْدَى يديهِ على الأُخرى، هذه على هذه، وهذه على هذه، فذهَبَ ففرَّق بينهُما، ثُمَّ جاءَ.
-
وهذا يحتمِلُ أن يكونَ رأى يُسرى يَديهِ على يَمِينِهِ، فانْتَزعها على نحوِ ما رُوِي عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: أنَّهُ صَنَعهُ بابنِ مَسعُودٍ (٥) .
-
وقد رُوِي عن سعِيدِ بن جُبيرٍ ما يُصحِّحُ هذا التَّأوِيل؛ لأنَّهُ ثبتَ عنهُ: أنَّهُ كان يضعُ يَدهُ اليُمنى على اليُسرى في صلاتِهِ، فوقَ السُّرَّةِ.
-
فهذا ما رُوِي عن بعضِ التّابِعِين في هذا البابِ وليسَ بخِلافٍ؛ لأنَّهُ لا يَثبُتُ عن أحدٍ منهُم كَراهيةٌ، ولو ثبتَ ذلك، ما كانت فيه حُجَّةٌ، لأنَّ الحُجَّةَ في السُّنَّةِ لمنِ اتَّبعها، ومن خالَفَها فهُو محجُوجٌ بها، ولا سِيَّما سُنَّةٌ لم يثبُت عن واحدٍ من الصَّحابةِ خِلافُها.
- ج ١٢ ص ٤٢٢
ذكرَ أبو بكر بن أبي شيبةَ (١) ، عن يحيى بن سَعِيدٍ القطّانِ، عن ثورِ بن يزِيد، عن خالدِ بن مَعْدان، عن أبي زِيادٍ مولى آلِ درّاج، قال: ما رأيتُ فنسِيتُ، فإنِّي لم أنسَ أنَّ أبا بكرٍ رضِي اللَّه عنهُ كان إذا قامَ إلى الصَّلاةِ قال هكذا، ووضَعَ اليُمنى على اليُسرى.
قال (٢) : وحدَّثنا وكِيعٌ، قال: حدَّثنا عبدُ السَّلام بن شدّادٍ الجُرَيْري (٣) أبو طالُوت، عن غَزْوان بن جرِيرٍ الضَّبِّيِّ، عن أبيهِ، قال: كان عليٌّ إذا قامَ في الصَّلاةِ، وضعَ يمِينهُ على رُسغِهِ، فلا يزالُ كذلك حتّى يركعَ مَتَى ما ركعَ، إلّا أن يُصلِح ثوبهُ، أو يحُكَّ جسدهُ.
قال (٤) : وحدَّثنا أبو مُعاويةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن إسحاقَ، عن زِيادِ بن زيدٍ (٥) السُّوائيِّ، عن أبي جُحيفةَ، عن عليٍّ، قال: من سُنَّة الصَّلاة وضعُ الأيدِي على الأيدِي تحتَ السُّرَرِ.
قال (٦) : وحدَّثنا عبدُ الأعلى، عن المُستمِرِّ بن الرَّيّانِ، عن أبي الجَوْزاءِ: أنَّهُ كان يأمُرُ أصحابهُ أن يضَعَ أحدُهُم يَدهُ اليُمنى على اليُسْرَى وهُو يُصلِّي.
ج ١٢ ص ٤٢٣قال (١) : وحدَّثنا وكِيعٌ، قال: حدَّثنا يزِيدُ بن زِياد بن أبي الجَعْدِ، عن عاصِم الجَحْدرِيِّ، عن عُقبةَ بن ظُهَيرٍ، عن عليٍّ، في قوَلِهِ عزَّ وجلَّ: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: ٢] قال: وضعُ اليَمِينِ على الشِّمالِ في الصَّلاةِ.
-
ورواهُ حمّادُ بن سَلَمةَ، عن عاصِم الجَحْدرِيِّ، عن عُقبةَ بن صُهبانَ، عن عليٍّ مِثلَهُ سواءً (٢) .
-
ذكرَ الأثرمُ، قال: حدَّثنا أبو الولِيدِ الطَّيالِسِيُّ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن عاصِم الجحدرِيِّ، عن عُقبةَ بن صُهبانَ، سمِع عليًّا يقولُ، في قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} . قال: وضعُ اليُمنَى على اليُسرى تحت الثَّندُوة.
قال: وحدَّثنا العبّاسُ بن الولِيدِ، قال: حدَّثنا أبو رجاءٍ الكليبيُّ (٣) ، قال: حدَّثني عَمرُو بن مالكٍ، عن أبي الجَوْزاءِ، عن عبدِ اللَّه بن عبّاسٍ: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} . قال: وضعُ اليُمنى على الشِّمالِ في الصَّلاةِ (٤) .
-
ورَوَى طلحةُ بن عَمرٍو، عن عَطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ، أنَّهُ قال: إنَّ من سُننِ المُرسلِينَ وضعَ اليَمِينِ على الشِّمالِ، وتَعجِيلَ الفِطرِ، والاسْتِيناءَ بالسُّحُورِ (٥) .
- ج ١٢ ص ٤٢٤
وأكثرُ أحادِيثِ هذا البابِ في وَضْع اليَدِ على اليَدِ، ليِّنةٌ لا تقُومُ بها حُجَّةٌ، أعني الأحادِيثَ عن التّابِعِينَ في ذلك.
-
وقد قدَّمنا في أوَّلِ هذا البابِ آثارًا صِحاحًا مرفُوعةً، والحمدُ للَّه.
-
أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحِدِ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن إسحاقَ الكُوفِيِّ، عن سيّارٍ أبي الحَكَم، عن أبي وائل، عن أبي هريرةَ، قال: أخذُ الأكُفِّ على الأكُفِّ في الصَّلاةِ تحتَ السُّرَّةِ. قال أبو داود: سمِعتُ أحمد بن حنبلٍ يُضعِّفُ عبد الرحمنِ بن إسحاقَ الكُوفِيَّ، وقال: هُو يَروِي عن أبي هريرةَ وعن عليٍّ في أخذِ اليُسرى باليُمنى في الصَّلاةِ تحت السُّرَّةِ.
قال أبو عُمر: رُوِي عن مُجاهِدٍ، أَنَّهُ قال: إن كان وضعُ اليمِين على الشِّمالِ، فعلى كفِّهِ، أو على الرُّسغ، عندَ الصَّدرِ. وكان يَكْرهُ ذلك (٢) .
-
ولا وجهَ لكراهية من كرِهَ ذلك؛ لأنَّ الأشياءَ أصلُها الإباحَةُ، ولم ينه اللَّه عن ذلك ولا رسُولُهُ، فلا معنَى لمن كرِههُ، هذا لو لم تُروَ إباحتُهُ عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فكيفَ وقد ثبتَ عنهُ ما ذكَرْنا؟
-
وكذلك لا وجهَ لتفرِقةِ من فرَّق بين النّافِلةِ والفَرِيضةِ، ولو قال قائلٌ: إنَّ ذلك في الفرِيضةِ دُون النّافِلةِ؛ لأنَّ أكثرَ ما كان يتنفَّلُ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في (٣) بيتِهِ ليلًا، ولو فعلَ ذلك في بيتِهِ، لنقَلَ ذلك عنهُ أزواجُهُ، ولم يأتِ عنهُنَّ في ذلك شيءٌ.
- ج ١٢ ص ٤٢٥
ومعلومٌ أنَّ الذينَ رَوَوْا عنهُ أنَّهُ كان يضَعُ يمِينهُ على يسارِهِ في صلاتِهِ، لم يكونُوا مِمَّن يَبِيتُ عِندهُ، ولا يَلِجُ بيتهُ، وإنَّما حَكَوا عنهُ ما رأوا منهُ في صلاتِهِم خلفهُ (١) الفرائض، واللَّه أعلمُ.
-
حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن إبراهيمَ الحدّادُ، قال: حدَّثنا زكرِيّا بن يحيى، قال: حدَّثنا الحسنُ بن حمّادٍ سجّادةُ، قال: حدَّثنا يحيى بن يَعْلى، عن أبي فَرْوةَ يزِيد بن سِنانٍ، عن زيدِ بن أبي أُنَيسةَ، عن الزُّهرِيِّ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي هريرةَ، قال: كان النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا صلَّى على جنازةٍ، رفعَ يَدَيهِ في أوَّلِ تَكْبِيرةٍ، ثُمَّ وضَعَ اليُمنى على اليُسْرَى (٢) .
قال أبو عُمر: يحيى بن يعلى الأسلمِيُّ وأبو فَرْوةَ ضعِيفانِ (٣) .
-
وإنَّما ذكَرْنا هذا الحدِيث لأنَّ فيه -عن سَعِيدِ بن المُسيِّبِ- ما يَعضُدُ قولنا عنهُ فيما تقدَّمَ.
-
فهذا تمهيدُ ما رُوِي في وَضْع اليُمنى على اليُسرى في الصَّلاةِ.
-
وأمّا قولُهُ: "وتعجِيل الفِطرِ، والاستِيناءَ بالسُّحُورِ" . فقد مَضَى في بابِ عبدِ الرَّحمنِ بن حَرْملةَ بعضُ هذا المعنى مُسندًا صحِيحًا.
-
حدَّثنا خلفُ بن القاسم بن سهلٍ أبو القاسم الحافِظُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن إبراهيم ابن الحدّادِ، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الرَّحمنِ زكرِيّا بن يحيى، خيّاطُ السُّنَّةِ، قال: حدَّثنا وهبُ بن بقِيَّةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن المُطَّلِبِ، عن أبانِ بن بَشِيرٍ
ج ١٢ ص ٤٢٦المُعلِّم، قال: حدَّثنا يحيى بن أبي كثِيرٍ، قال: حدَّثنا أبو سلمةَ، عن أبي هريرةَ قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ثلاثٌ من النُّبُوَّةِ: تَعْجِيلُ الإفطارِ، وتأخِيرُ السُّحُورِ، ووَضْعُ اليُمنى على اليُسْرَى في الصَّلاةِ" (١) .
-
وأخبَرنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن محمدِ بن إبراهيمَ الدَّيبُليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عليِّ بن زيدٍ الصّائغُ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن منصُورٍ، قال: أخبرنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا منصُورُ بن زاذان، عن محمدِ بن أبانٍ الأنصارِيِّ، عن عائشةَ، قالت: ثلاثٌ من النُّبُوَّةِ: تَعجِيلُ الإفطارِ، وتأخِيرُ السُّحُورِ، ووضعُ اليُمْنَى على اليُسْرَى في الصَّلاةِ (٢) .