عثمان بن حفص بن عمر بن خلدة
٥٤ فقرة، ج ١٢ ص ٤٢٧
الصفحة ٢ من ٢
- ج ١٢ ص ٤٣٦
وقد رُوِي عن ابن عبّاسٍ، وابنِ عُمرَ، وابنِ الزُّبيرِ، نحوُ الذي ذكرَ المروزِيُّ عن أصحابِ الرَّأيِ.
-
أخبرنا سعِيدُ بن عُثمان، قال: حدَّثنا أحمدُ بن دُحيم، قال: حدَّثنا البغويُّ، قال: حدَّثنا داودُ بن عَمرٍو الضَّبِّيُّ، قال: حدَّثنا مُسلِمُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أُميَّةَ، عن رَجُلٍ يُقالُ لهُ: عُثمانُ بن حاضِرٍ، قال إسماعيلُ: وكان رجُلًا صالحًا قاصًّا: أنَّ رجُلًا قال لامرأتِهِ: اخرُجِي في ظَهرِي (٤) ، فأبت أن تخرُج، فلم يزلِ
ج ١٢ ص ٤٣٧الكلامُ بينهُما، حتّى قالت: هي تنحرُ نفسها، وجارِيتُها حُرَّة، وكلُّ مالٍ لها في سَبِيلِ اللَّه، إن خرجَتْ. ثُمَّ بدا لها فخرجَتْ. قال عُثمانُ بن حاضِرٍ: فأتَتَني تسألُني، فأخذتُ بيدِها فذهَبتُ بها إلى ابن عبّاسٍ، فقَصَّت عليه القِصَّةَ، فقال ابن عبّاسٍ: أمّا جارِيتُكِ فحُرَّةٌ، وأمّا قولُكِ: تَنْحرِينَ نَفْسكِ. فانْحَرِي بَدَنةً، ثُمَّ تصدَّقِي بها على المساكِينِ، وأمّا قولُكِ: مالي في سبِيلِ اللَّه. فاجمعِي مالكِ كلَّهُ، فأخْرِجِي منهُ (١) مِثل ما يجِبُ فيه من الصَّدقةِ. قال: ثُمَّ ذهبتُ بها إلى ابن عُمر، فقال لها مِثل ذلك، ثُمَّ ذهبتُ بها إلى ابن الزُّبيرِ، فقال لها مِثل ذلك. قال: وأحسَبُ أَنَّهُ قال: ثُمَّ ذهبتُ بها إلى جابرِ بن عبدِ اللَّه، فقال مِثل قولِهِم، فأمّا الثَّلاثةُ فقد أثبتُّهُم.
-
وقال قتادةُ، وجابرُ بن زيدٍ، فيمَن حلَفَ بصدَقةِ مالِهِ وحنِثَ: يتصدَّقُ بخُمُسِهِ. ذكرهُ ابن عُليَّةَ، عن سعِيدٍ، عن قتادةَ، عن جابرِ بن زيدٍ (٢) .
وقال به قتادةُ، على اختِلافٍ عنهُ، وقد رُوِي عنهُ: عليه كفّارةُ يمِينٍ.
وقال ابن عُليّةَ: عليه أن يتصدَّقَ بجميع مالِهِ، ويُمسِكَ ما يَسْتغني به عن النّاسِ، فإذا استفادَ مالًا، تصدَّقَ بقدرِ ما أمسكَ.
وقال إسحاقُ بن راهُوية: يتصدَّقُ بكفّارةِ الظِّهارِ على تَرْتِيبِها.
وقال ربِيعةُ بن أبي عبدِ الرَّحمنِ: يُؤَدِّي زكاةَ مالِهِ لا غيرَ؛ ذكرهُ محمدُ بن الجهم، عن إبراهيم الحربِيِّ، عن الحسنِ بن عبدِ العزيزِ، عن الحارِثِ بن مِسكِينٍ، عن ابن وَهْبٍ، قال: كان ربِيعةُ يقولُ فيمَن حلَفَ بصدَقةِ مالِهِ، فحنِثَ، فذكرهُ (٣) .
- ج ١٢ ص ٤٣٨
وكان عبدُ اللَّه بن وَهْبِ يقولُ في الحالِفِ بصدَقةِ مالِهِ إذا حنِثَ: إن كان مَلِيئًا (١) ، أخذتُ فيه بقولِ مالَكٍ: أنَّهُ يُخرِجُ ثُلُث مالِهِ.
-
وإن كان فقِيرًا، فكفّارةُ يمِينٍ، وإن كان مُتوسِّطًا، أخذتُ فيه بقولِ ربِيعةَ: إنَّهُ يُطهِّرُ مالهُ بالزَّكاةِ.
-
ورُوِي عن القاسم، وسالم، فيمَن حلفَ بصدَقةِ مالِهِ، أو بصدَقةِ شيءٍ من مالِهِ، قالا: يتصدَّقُ به على بناتِهِ (٢) .
-
وهذا عِندِي من قولِهِما، دليلٌ على أنَّهُ لا يلزمُهُ شيءٌ عِندَهُما، فأحبّا لهُ ما ذكرا، واللَّه أعلمُ.
-
قرأتُ على عبدِ الوارِثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسم بن أصبغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَعفرٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، قال: سألتُ الحَكَم وحمّادًا عن رجُلٍ، قال: إن فارقتُ غَرِيمِي، فما لي عليه في المساكِينِ صَدَقةً. قالا: ليس بشيءٍ (٣) . قال شُعبةُ: وقالهُ ابن أبي ليلى.
-
ورُوِي عن ابن عبّاسٍ، وأبي هريرةَ، وعَطاءٍ، وطاوُوسٍ، والحسنِ، وسُليمانَ بن يَسارٍ، والقاسم، وسالم، وقَتادةَ، فيمَن حلفَ بصدَقةِ مالِهِ فحنِثَ، قالوا: كفّارةُ يمِينٍ (٤) .
-
وعن عائشةَ قالت: كلُّ يمِينٍ وإن عَظُمت، لا يكونُ فيها طلاقٌ، ولا عَتَاقٌ، فتكفِّرُها كفّارةَ اليَمِينِ (٥) .
- ج ١٢ ص ٤٣٩
وهُو قولُ الشّافِعيِّ (١) ، والثَّورِيِّ، والأوزاعِيِّ، وبِهِ قال ابن وَهْبٍ، وأبو زيدِ بن أبي الغَمْرِ، وعليه أكثرُ أهلِ العِلم.
وقال الشّافِعيُّ: الطَّلاقُ والعَتَاقُ من حُقُوقِ العِبادِ، والكفّاراتُ إنَّما تلزمُ في حُقُوقِ اللَّه، لا في حُقُوقِ العِبادِ.
قال أبو عُمر: لا خِلافَ بينِ عُلماءِ الأُمَّةِ، سَلَفِهِم وخَلفِهِم: أنَّ الطَّلاقَ لا كفّارةَ فيه، وأنَّ اليمين بالطَّلاقِ، كالطَّلاقِ على الصِّفةِ، وأنَّهُ لازِم مع وُجوبِ الصِّفةِ.
-
واختَلَفُوا فيما عدا الطَّلاقِ من الأيمانِ، وقد ذكَرْنا اختِلافهُم هاهُنا، فيمَن حلفَ بصدَقةِ مالِهِ؛ لأنَّ الحدِيثَ المذكُور في هذا البابِ، ليسَ فيه إلّا معنى ذلك، دُونَ ما سِواهُ، فأمّا وُجُوهُ أقوالِهِم في ذلك، فوجهُ قولِ مالكٍ، ومن تابَعهُ، حدِيثُ ابن شِهابٍ، في قِصَّةِ أبي لُبابةَ. ووجهُ قولِ الحكم بن عُتَيبةَ ومن تابَعهُ قد ذكَرناهُ. ووجهُ قولِ من أوجَبَ في ذلك كفّارةَ يمِينٍ، عُمُومُ قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: ٨٩] يعني فحنِثتُم، فعمَّ الأيمان كلَّها، إلّا ما أجمعُوا عليه منها، أو ما كان في معنى ما أجمعُوا عليه من حُقُوقِ العِبادِ.
-
ولقائلِ هذا القولِ سلفٌ من الصَّحابةِ رضِي اللَّه عنهُم، وهُو أعلى ما قيلَ في هذا البابِ.
-
ووجهُ حدِيثِ أبي لُبابةَ عِندَ القائلِين بهذا القولِ، أنَّهُ كان على المشُورةِ منهُ لرسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في هَجْرِهِ دار قومِهِ، والخُرُوج عن مالِهِ إلى اللَّه ورسُولِهِ، لا أنَّهُ حلَفَ، فأشارَ عليه رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، إذ شاوَرهُ بأن يُمسِكَ على نَفْسِهِ ثُلُثي مالِهِ، ويتقرَّب إلى اللَّه بالثُّلُثِ، شُكرًا لتوَبتِهِ عليه من ذنبِهِ ذلك (٢) ، واللَّه أعلم.