عمرو بن يحيى المازني
٢٧٥ فقرة، ج ١٢ ص ٤٦٨
الصفحة ٢ من ٧
- ج ١٢ ص ٤٧٨
واختلَفَ قولُ (٧) الشّافِعيِّ فيما ينسدِلُ من شَعْرِ اللِّحيةِ، فقال مرَّةً: أحبُّ إليَّ أن يُمِرَّ الماءَ على ما سقطَ من اللِّحيةِ عن الوَجْهِ. فإن لم يفعل، ففيها قولانِ، قال: يُجزِئه، في أحدِهِما. ولا يُجزِئه في الآخرِ (٨) .
قال المُزنِيُّ: يُجزِئهُ أشبهُ بقولِهِ؛ لأنَّهُ لا يجعلُ ما سقطَ، يعني ما انسدلَ، عن مَنابِتِ شَعْرِ الرَّأسِ من الرَّأسِ، فكذلك يَلْزمُهُ أن لا يجعل ما سقطَ من مَنابِتِ شعرِ الوَجْهِ من الوَجْهِ.
ج ١٢ ص ٤٧٩قال أبو عُمر: من جعلَ غسل اللِّحيةِ كلِّها واجِبًا، جعلها وجهًا، واللَّه قد أمرَ بغَسلِ الوَجْهِ أمرًا مُطلقًا، لم يخُصَّ صاحِب لحيةٍ من أمرد، فكلُّ ما وقعَ عليه اسمُ وجهٍ، فواجِبٌ غسلُهُ، لأنَّ الوجهَ مأخُوذٌ من المُواجهةِ، وغيرُ مُمتنِع أن تُسمَّى اللِّحيةُ وجهًا، فوجَبَ غسلُها بعُمُوم الظّاهِرِ، لأنَّها بَدَلٌ من البشرةِ.
-
ومن لم يُوجِب غسلَ ما انسدَلَ من اللِّحيةِ، ذهَبَ إلى أن الأصلَ المأمُورَ بغَسْلِهِ: البشرَةُ، وإنَّما وجبَ غسلُ اللِّحيةِ، لأنَّها ظهرت فوقِ البشرةِ، وصارتِ البشرةُ باطِنًا، وصار الظّاهِرُ هُو اللِّحيةَ، فصارَ غسلُها بَدَلًا من البشرَةِ، وما انسدَلَ من اللِّحيةِ، ليسَ تحتهُ ما يلزمُ غسلُهُ، فيكونُ غسلُ اللِّحيةِ بدلًا منهُ، كما أنَّ جِلد الرَّأسِ مأمُورٌ بمسحِهِ، فلمّا نبتَ عليه الشَّعرُ، ناب مسحُ الشَّعرِ عن مَسْح الرَّأسِ، لأنَّهُ ظاهِرٌ بدلٌ من الرَّأسِ الباطِنِ تحتهُ، وما انسدَلَ من الرَّأسِ وسقطَ، فليس تحته بشرةٌ، يلزمُ مسحُها، ومعلُومٌ أنَّ الرَّأسَ إنّما (١) سُمِّي رأسًا، لعُلُوِّهِ ونباتِ الشَّعرِ فيه، وما سقطَ من شعرِهِ وانسدَلَ، فليسَ برأسٍ، فكذلك ما انسدَلَ من اللِّحيةِ، فليسَ بوجهٍ، واللَّه أعلمُ.
-
ولأصحابِ مالكٍ أيضًا في هذه المسألةِ قولانِ، كأصحابِ الشّافِعيِّ سواءٌ، واللَّه المُستعانِ.
-
وأمّا غسلُ اليَدَينِ، فقد أجمَعُوا أنَّ الأفضَلَ أن يغسِلَ اليُمنى قبلَ اليُسرى.
-
وأجمعُوا (٢) أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كذلك كان يتوضَّأُ، وكان -صلى اللَّه عليه وسلم- يُحِبُّ التَّيامُن في أمرِهِ كلِّهِ، في وُضُوئهِ، وانتِعالِهِ، وغيرِ ذلك من أمرِه (٣) .
- ج ١٢ ص ٤٨٠
وكذلك أجمعُوا أنَّ من غسلَ يُسرَى يَدَيهِ قبل يُمناهُ: أنَّهُ لا إعادةَ عليه.
-
وروينا عن عليٍّ وابنِ مسعُودً: أنَّهُما قالا: لا تُبالي بأيِّ يديكَ بدأتَ (١) .
وقال معنُ بن عيسى: سألتُ عبد العزيزِ بن أبي سَلَمةَ عن إجالَةِ الخاتم عِندَ الوُضُوءِ، فقال: إن كان ضيِّقًا، فأجِلهُ، وإن كان سَلِسًا، فأقِرَّهُ.
-
وأمّا إدخالُ المِرفَقينِ في الغَسْلِ، فعلى ذلك أكثرُ العُلماءِ، وهُو مذهبُ مالكٍ، والشّافِعيِّ، وأحمد، وأبي حنِيفةَ وأصحابهِ، إلّا زُفرَ، فإنَّهُ اختُلِفَ عنهُ في ذلك، فرُوِي عنهُ: أنَّهُ يجِبُ غَسْلُ المرافِقِ مع الذِّراعينِ. ورُوِي عنهُ: أنَّهُ لا يجِبُ ذلك. وبِهِ قال الطَّبرِيُّ وبعضُ أصحابِ داودَ، وبعضُ المالكِيِّين أيضًا. ومن أصحابِ داودَ من قال بوُجُوبِ غسلِ المرفقينِ معَ الذِّراعينِ (٢) .
-
فمن لم يُوجِب غَسْلهُما، حملَ قولهُ عزَّ وجلَّ: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: ٦] على أنَّ "إلى" هاهُنا غايةٌ، وأنَّ المِرفقينِ غيرُ داخِلين في الغَسْلِ مع الذِّراعينِ، كما لا يجِبُ دُخُولُ اللَّيلِ في الصِّيام، لقولِهِ عِزَّ وجلَّ: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: ١٨٧] .
-
ومن أوجَبَ غسلهُما، جعل "إلى" في هذه الآيةِ بمعنى الواوِ، أو بمعنى "مع" كأنَّهُ قال: فاغسِلُوا وُجُوهكُم وأيدِيكُم والمرافِقَ أو مع المرافِقِ، و "إلى" بمعنى الواوِ، وبِمعنى "مع" معرُوفٌ في كلام العربِ، كما قال عزَّ وجلَّ: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} [آل عمران: ٥٢] أي: مع اللَّه. وكما قال: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: ٢] أي: مع أموالِكُم.
- ج ١٢ ص ٤٨١
وأنكرَ بعضُ أهلِ اللُّغةِ أن تكونَ: "إلى" هاهُنا بمعنى الواوِ، أو بمعنى: "مع" وقال: لو كان كذلك، لوجَبَ غسلُ اليدِ كلِّها، واليدُ عِندَ العربِ من أطرافِ الأصابِع، إلى الكتِفِ. وقال: ولا يجُوزُ أن تخرُج "إلى" عن بابِها. ويذكُر أنَّها بمعنى الغايَةِ أبدًا. قال: وجائزٌ أن تكونَ "إلى" هاهُنا بمعنَى الغايةِ، وتَدخُلُ المرافِق مع ذلك في الغَسْلِ، لأنَّ الثّاني إذا كانَ من الأوَّلِ، كان ما بعد "إلى" داخِلًا فيما قبلهُ، نحو قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {إِلَى الْمَرَافِقِ} فالمرافِقُ داخِلةٌ في الغَسْلِ، وإذا كان ما بعدَها ليس من الأوَّلِ، فليس بداخِلٍ فيه، نحو: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} (١) .
قال أبو عُمر: يقولُ: إنَّهُ ليسَ اللَّيلُ من النَّهارِ، فلم يَدْخُلِ الحدُّ في المحدُودِ، وإنَّما يدخُلُ الحدُّ في المحدُودِ (٢) إذا كان من جِنْسِهِ، والمرافِقُ من جِنسِ الأيدِي والأذرُع، فوجَبَ أن يدخُل الحدُّ منها في المحدُودِ، لأنَّ هذا أصلُ حُكم الحُدُودِ والمحدُوداتِ عِندَ أهلِ الفهم والنَّظرِ، واللَّه أعلمُ.
-
ومن غسلَ المِرفقينِ مع الذِّراعينِ، فقد أدَّى فرضَ طهارتِهِ وصلاتِهِ بيقِينٍ، واليَقِينُ في أداءِ الفَرائضِ واجِبٌ.
-
وأمّا المسحُ بالرَّأسِ (٣) ، فقد أجمعُوا أنَّ من مسحَ برأسِهِ كلِّهِ، فقد أحسنَ وفعلَ أكمل ما يلزمُهُ، وكلُّهُم يقولُ: يمسَح الرَّأسِ مسحةً واحِدةً مُوعبةً كامِلةً، لا يزِيدُ عليها، إلّا الشّافِعيُّ، فإنَّهُ قال: أكملُ الوُضُوءِ أن يتوضَّأ ثلاثًا ثلاثًا كلُّها سابِغةٌ، ويمسح برأسِهِ ثلاثًا (٤) .
- ج ١٢ ص ٤٨٢
ورُوِي مسحُ الرَّأسِ ثلاثًا عن أنسٍ، وسعِيدِ بن جُبيرٍ، وعطاءٍ (١) ، وغيرِهِم.
-
وكان ابن سِيرِين يقولُ: يمسَحُ رأسَه مرَّتينِ (٢) .
-
وكان مالكٌ يقولُ في مسح الرَّأسِ: يبدأُ بمُقدَّم رأسِهِ، ثُمَّ يذهبُ بيدَيهِ إلى مُؤَخَّرِهِ، ثُمَّ يرُدُّهُما إلى مُقدَّمِهِ. على حدِيثِ عبدِ اللَّه بن زيدٍ هذا.
-
وبِحدِيثِ عبدِ اللَّه بن زيدٍ هذا يقولُ أيضًا الشّافِعيُّ، وأحمدُ.
-
وكان الحسنُ بن حيٍّ يقولُ: يبدأُ بمُؤَخَّرِ الرَّأسِ.
-
ورُوِي عن ابن عُمرَ: أنَّهُ كان يبدأُ من وسطِ رأسِهِ (٣) . ولا يصِحُّ.
-
وفي حدِيثِ عبدِ اللَّه بن زيدٍ: بدأ بمُقدَّم رأسِهِ. وهذا هُو النَّصُّ الذي يَنْبغِي أن يُمتَثل ويحتمَلَ عليه.
-
ورَوَى مُعاويةُ (٤) ، والمِقدامُ بن مَعْدِي كَرِب، عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في مَسْح الرَّأسِ، مِثل رِوايةِ عبدِ اللَّه بن زيدٍ سواءً.
-
وأمّا قولُهُ في حدِيثِ عبدِ اللَّه بن زيدٍ: "ثُمَّ مسَحَ رأسهُ بيديهِ، فأقبَلَ بهما
ج ١٢ ص ٤٨٣وأدبَرَ ". فقد توهَّمَ بعضُ النّاسِ، أنَّهُ بدأ بمُؤَخَّرِ رأسِهِ، لقولِهِ: " فأقبَلَ بهما (١) ". وتوهَّم غيرُهُ: أنَّهُ بدأ من وَسطِ رأسِهِ، فأقبلَ بيدَيهِ وأدبرَ.
-
وهذه كلُّها ظُنُونٌ لا تصِحُّ، وفي قولِهِ: "بدأ بمُقدَّم رأسِهِ " ما يدفعُ الإشكال لمن فَهِمَ، وهُو تَفْسِيرُ قولِهِ: " فأقبلَ بهما وأدبَرَ ".
-
وتفسِيرُ أنَّهُ كلامٌ خرَجَ على التَّقدِيم والتَّأخِيرِ، كأنَّهُ قال: فأدبرَ بهما وأقبلَ؛ لأنَّ الواو لا تُوجِبُ الرُّتبةَ، وإذِ احتمل الكلامُ التَّأوِيل، كان قولُهُ: "بدأ بمُقدَّم رأسِهِ، ثُمَّ ذهب بهما إلى قفاهُ" تفسِيرَ ما أُشكِلَ من ذلك.
-
أخبرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢) : حدَّثنا محمُودُ (٣) بن خالدٍ ويعقُوبُ بن كَعْبٍ الأنطاكِيُّ، قالا: حدَّثنا الوليدُ بن مُسلِم، عن حَرِيز (٤) بن عُثمانَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن مَيْسرةَ، عن المِقدام بن مَعْدِي كَرِب قال: رأيتُ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- تَوضَّأ، فلمّا بلَغَ مسْحَ رأسِهِ، وضعَ كفَّيهِ على مُقدَّم رأسِهِ، فأمرَّهُما حتّى بلَغَ القَفا، ثُمَّ ردَّهُما إلى المكانِ الذي بَدَأ منهُ.
- ج ١٢ ص ٤٨٤
ورَوَى مُعاويةُ: أنَّهُ رأى رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَتَوضَّأُ، مِثل ذلك سواءً (١) .
-
وأمّا قولُ الحسنِ بن حَيٍّ: يَبْدأُ بمُؤَخَّرِ رأسِهِ؛ فإنَّهُ قد رُوِيَ في حدِيثِ الرُّبيِّع بنتِ مُعوِّذِ بن عَفْراءَ، أنَّها وصفَتْ وُضُوءَ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قالت: ومسَحَ رأسهُ مرَّتينِ، بَدأ بمُؤَخَّرِ رأسِهِ، ثُمَّ بمُقدَّمِهِ، وبأُذُنيه (٢) ظُهُورِهِما وبُطُونِهِما.
-
وهُو حدِيثٌ مُختلَفٌ في ألفاظِهِ، وهُو يدُورُ على عبدِ اللَّه بن محمدِ بن عَقيل، عن الرُّبيِّع. وهذا لفظُ بِشْرِ بن المُفضَّلِ والحسنِ بن صالح، عن عبدِ اللَّه بن محمدِ بن عَقيلٍ (٣) . وعبدُ اللَّه بن محمدِ بن عقيلٍ ليس بالحافِظِ (٤) عِندهُم وقدِ اختُلف عنهُ في هذا (٥) .
-
ورَوَى طلحةُ بن مُصرِّفٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ قال: رأيتُ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يمسحُ (٦) رأسهُ مَسْحةً واحِدةً، حتّى بلَغَ القَذالَ، وهُو أوَّلُ القَفا، بَدَأ من مُقدَّمِهِ إلى مُؤَخرِهِ، حتّى أخرَجَ يَديهِ من تحتِ أُذُنيهِ (٧) .
- ج ١٢ ص ٤٨٥
وأصحُّ حدِيثٍ في هذا الباب، حدِيثُ عبدِ اللَّه بن زيدٍ المذكُورُ فيه.
-
واختلَفَ الفُقهاءُ فيمَنْ مسحَ بعضَ الرَّأسِ (١) .
فقال مالكٌ: الفرضُ مسحُ جميع الرَّأسِ، وإن ترك شيئًا منهُ، كان كمن تركَ غسلَ شيءٍ من وجهِهِ (٢) . هذا هُو المعرُوفُ من مذهبِ مالكٍ.
-
وهُو قولُ ابن عُليَّةَ، قال ابن عُليَّةَ: قد أمرَ اللَّه بمسح الرَّأسِ في الوُضُوءِ، كما أمرَ بمسح الوجهِ في التَّيمُّم، وأمرَ بغسلِهِ في الوُضُوءِ. وقد أجمعُوا أنَّهُ لا يجُوزُ غسلُ بعضِ الوَجْهِ في الوُضُوءِ، ولا مَسْحُ بَعضِهِ في التَّيمُّم، فكذلك مسحُ الرَّأسِ.
قال: وقد أجمعُوا على أنَّ الرَّأسَ يُمسَحُ كلُّهُ، ولم يَقُل أحدٌ: إنَّ مسحَ بَعضِهِ سُنَّةٌ، وبعضِهِ فرِيضةٌ، فلمّا أجمعُوا أن ليسَ مسحُ بَعضِهِ سُنّةً، دَلَّ على أنَّهُ كلَّهُ فَرِيضةٌ مسحُهُ، واللَّه أعلمُ.
-
واحتجَّ إسماعيلُ وغيرُهُ من أصحابنا لوُجُوبِ العُمُوم في مسح (٣) الرَّأسِ، بقولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: ٢٩] . وقد أجمعُوا أنَّهُ لا يجُوزُ الطَّوافُ ببعضِهِ، فكذلك مسحُ الرَّأسِ. وقولُهُ عزَّ وجلَّ: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: ٦] معناهُ عِندهُمُ: امسحُوا رُؤُوسكُم، ومن مسحَ بعضَ رأسِهِ، فلم يمسَحْ رأسهُ.
-
ومن الحُجَّةِ أيضًا لهُم: أنَّ الفرائضَ لا تُؤَدَّى إلّا بيقِينٍ، واليقِينُ ما أجمعُوا عليه من مسح جميع الرَّأسِ.
- ج ١٢ ص ٤٨٦
هذا هُو المشهُورُ من مذهبِ مالكٍ، لكِنَّ أصحابهُ اختَلَفُوا في ذلك.
فقال أشهبُ: يجُوزُ مَسْحُ بعضِ الرَّأسِ.
-
وذكر أبو الفرج المالكِيُّ، قال: اختلَفَ مُتأخِّرُو أصحابِنا في ذلك، فقال بعضُهُم: لا بُدَّ أن يمسَحَ كلَّ الرَّأسِ، أو أكثرَهُ، حتّى يكونَ الممسُوحُ أكثرَ الرَّأسِ، فيُجزِئُ ترْكُ سائرِهِ (١) .
قال أبو عُمر: هذا قولُ محمدِ بن مسلمةَ، وزعمَ الأبهرِيُّ: أنَّهُ لم يقُلهُ غيرُهُ من المالكِيِّين.
قال أبو الفَرَج: وقال آخرُونَ: إذا مسَحَ الثُّلُثَ فصاعدًا، أجزأهُ، وإن كان المترُوكُ هو الأكثرَ. قال: وهذا أشبهُ القولينِ عِندِي وأولاهُما، من قِبَلِ أنَّ الثُّلُث فما فَوقهُ قد جعلهُ في حيِّزِ الكثِيرِ، في غيرِ مَوْضِع من كُتُبِهِ ومذهبِهِ.
-
وزعم الأبهرِيُّ: أنَّهُ لم يَقُل أحدٌ من أصحابِ مالكٍ ما ذكرهُ أبو الفرج عنهُم، وأنَّ المعرُوف لمحمدِ بن مسلمةَ، ومن قال بقولِهِ: أنَّ الممسُوح من الرَّأسِ إذا كان الأكثرَ، والمترُوكُ منهُ الأقلَّ، جازَ على أصلِ مالكٍ، في أنَّ الثُّلُثَ يَسِيرٌ مُستندرٌ عِندَهُ في كثِيرٍ من أُصُولِ مَسائلِهِ ومذهبِهِ.
قال أبو عُمر: ما ذكَرهُ أبو الفرج صحيحٌ (٢) خارِجٌ على أصلِ مالكٍ، في أنَّ الثُّلُث كثِير في مسائلَ كثِيرةٍ من مذهبِهِ، وكذلك ما ذكرهُ الأبهرِيُّ أيضًا؛ لأنَّ الثُّلُث عِندهُ في أشياءَ كثِيرٌ وفي أشياءَ قليل، وليس هذا موضِع ذِكرِها.
- ج ١٢ ص ٤٨٧
وأمّا الشّافِعيُّ، فقال: الفرضُ مَسْحُ بعضِ الرَّأسِ (١) . ولم يُحدَّ. وهُو قولُ الطَّبرِيِّ. وقد رُوِي عنهُما: إنْ مَسَحَ ثُلُثَ الرَّأسِ فصاعدًا، أجزأ.
قال الشّافِعيُّ (٢) : احتمل قولُ اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: ٦] مسحَ بعضِ الرَّأسِ، ومسح جميعِهِ، فدلَّتِ السُّنَّةُ أنَّ مسحَ بعضِهِ يُجزِئُ.
وقال في موضِع آخرَ: فإن قيلَ: قد قال اللَّه عزَّ وجلَّ في التَّيمُّم: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ} [النساء: ٤٣] أيُجزِئُ بعضُ الوَجْهِ في التَّيمُّم؟ قيل لهُ: مسحُ الوَجْهِ في التَّيمُّم بدلٌ من عُمُوم غَسْلِهِ، فلا بُدَّ من أن يأتي بالمسح على جميع مَوْضِع الغسلِ منهُ، ومسحُ الرَّأسِ أصلٌ، فهذا فرقُ ما بينهُما، وعفا اللَّه عزَّ وجلَّ في التَّيمُّم عن الرَّأسِ والرِّجلينِ، ولم يعفُ عن الوَجْهِ واليدينِ، فلا بُدَّ من الإتيانِ بذلك على كمالِهِ وأصلِهِ.
وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ (٣) : إن مسَحَ المُتوضِّئُ رُبُع رأسِهِ أجزأ، ويبدأُ بمُقدَّم رأسِهِ إلى مُؤَخَّرِهِ.
-
واختلَفَ أصحابُ داودَ، فقال بعضُهُم: مسحُ الرَّأسِ كلِّهِ واجِبٌ فرضًا. كقولِ مالكٍ. وقال بعضُهُمُ: المسحُ ليسَ شأنُهُ في اللِّسانِ الاستِيعاب، والبعضُ يُجزِئُ.
وقال الثَّورِيُّ والأوزاعِيُّ واللّيثُ: يُجزِئُ مسحُ بعضِ (٤) الرَّأسِ، ويمسحُ المُقدَّمُ. وهُو قولُ أحمد.
-
وقد قدَّمنا عن جميعِهِم: أنَّ مسح جميع الرَّأسِ أحبُّ إليهم.