العلاء بن عبد الرحمن

٤٠٢ فقرة، ج ١٣ ص ٥

الصفحة ٢ من ١١

  1. وقد ثبت عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّهُ قال: "لا صلاةَ لمن لم يقرأ بفاتحةِ الكِتابِ" . وأنَّهُ قال: "من صلَّى صلاةً لم يقرأ فيها بأُمِّ القُرآنِ، فهي خِداجٌ غيرُ تمام" . فأيُّ بيانٍ أوضحُ من هذا! وأين المذهبُ عنهُ، ولم يأتِ عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- شيءٌ يُخالِفُهُ!

    ج ١٣ ص ١٧
  2. وأمّا اختِلافُ العُلماءِ في هذا البابِ:

    فإنَّ مالكًا (٢) والشّافِعيَّ (٣) وأحمد وإسحاق وأبا ثورٍ وداود بن عليٍّ وجُمهُور أهلِ العِلم قالوا: لا صلاةَ إلّا بفاتحةِ الكِتابِ (٤) .

    ج ١٣ ص ١٨قال ابن خُوَيْزمَنْداد المالكِيُّ البَصْرِيُّ: وهي عِندَنا مُتعيِّنةٌ في كلِّ ركعةٍ. قال: ولم يختلِف قولُ مالكٍ أنّه مَن نَسِيها في ركعةٍ من صلاةِ رَكْعتينِ، أنَّ صلاتهُ تفسُدُ (١) وتبطُلُ أصلًا، ولا تُجزِئُهُ. واختلف قولُه: فيمن تَرَكها ناسيًا في ركعةٍ من صَلاةٍ رُباعِيَّةٍ، أو ثُلاثِيَّةٍ، فقال مرَّةً: يُعِيدُ الصَّلاةَ، ولا تُجزِئُهُ. وهُو قولُ ابن القاسم ورِوايتُهُ واختِيارُهُ من قولِ مالكٍ. وقال مالكٌ مرَّةً أُخرى: يَسْجُدُ سَجْدتيِ السَّهوِ، وتُجزِئُهُ (٢) . وهي رِوايةُ ابن عبدِ الحكم وغيرِهِ عنهُ. قال: وقد قيل: إنَّهُ يُعِيدُ تلكَ الرَّكعةَ، ويسجُدُ للسَّهوِ بعد السَّلام. قال: وقال الشّافِعيُّ وأحمدُ بن حنبلٍ: لا تُجزِئُهُ حتّى يقرأ بفاتحةِ الكِتابِ في كلِّ ركعةٍ. نحو قولِنا. قال: وقال أبو حنِيفةَ والثَّورِيُّ والأوزاعِيُّ: إن تَرَكها عامِدًا في صلاتِهِ كلِّها، وقرأ غيرها أجزأ، على اختِلافٍ عن الأوزاعِيِّ في ذلك.

    وقال الطَّبرِيُّ: يقرأُ المُصلِّي بأُمِّ القُرآنِ في كلِّ ركعةٍ، فإن لم يَقْرأ بها، لم يُجزِهِ إلّا مِثلُها من القُرآنِ عَدَدُ آياتِها وحُرُوفِها.

    وقال أبو حنِيفةَ: لا بُدَّ في الأُولَيَينِ من قِراءةٍ، أقلُّ ذلك في كلِّ رَكْعةٍ منها آيةٌ.

    وقال أبو يُوسُف ومحمدٌ: أقلُّهُ ثلاثُ آياتٍ، أو آيةٌ طوِيلةٌ كآيةِ الدَّينِ (٣) .

    وقال مالكٌ (٤) : إذا لم يقرأ أُمَّ القُرآنِ في الأُوليينِ أعادَ. ولم يختلِف قولُهُ في ذلك ولا في قِراءَتِها في الآخِرتينِ.

    وقال الشّافِعيُّ (٥) : أقلُّ ما يُجزِئُ المُصلِّي من القِراءةِ، قِراءةُ فاتحةِ الكِتابِ،

    ج ١٣ ص ١٩إن أحسنها، فإن كان لا يُحسِنُها ويُحسِنُ غيرها من القُرآنِ، قرأ بعدَدِها سبع آياتٍ، لا يُجزِئُهُ دُون ذلك، وإن لم يُحسِن شيئًا من القُرآنِ، حمِدَ اللَّه وكبَّر مكان القِراءةِ، لا يُجزِئُهُ غيرُهُ. قال: ومَن أحسَنَ فاتحةَ الكِتابِ، فإن تركَ منها حرفًا واحِدًا، وخرجَ من الصَّلاةِ، أعاد الصَّلاةَ.

  3. ورُوِي عن عُمر بن الخطّابِ، وعبدِ اللَّه بن عبّاسٍ، وأبي هريرةَ، وعُثمان بن أبي العاصِ، وخوّاتِ بن جُبيرٍ، وأبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، أنَّهُم قالوا: لا صلاةَ إلّا بفاتحةِ الكِتابِ (١) . وهُو قولُ ابن عونٍ، والمشهُورُ من مَذهبِ الأوزاعِيِّ.

  4. وأمّا ما رُوِي عن عُمرَ: أنَّهُ صلَّى صلاةً لم يَقْرأ فيها، فقيل لهُ، فقال: كيفَ كان الرُّكُوعُ والسُّجُودُ؟ قالوا: حَسَن. فقال: لا بأس إذَنْ. فحدِيثٌ مُنكرُ اللَّفظِ، مُنقطِعُ الإسنادِ؛ لأنَّهُ يَروِيهِ محمدُ بن إبراهيم بن الحارِثِ التَّيمِيُّ، عن عُمر. ومرَّةً يَروِيهِ محمدُ بن إبراهيم، عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن عُمر (٢) .

  5. وكِلاهُما مُنقطِعٌ لا حُجَّةَ فيه عِندَ أحدٍ من أهلِ العِلم بالنَّقلِ.

  6. وقد رُوِي عن عُمرَ من وُجُوهٍ مُتَّصِلةٍ: أَنَّهُ أعادَ تلكَ الصَّلاةَ. رَوَى يحيى بن يحيى النَّيسابُورِيُّ قال: حدَّثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ النَّخعِيِّ، عن همّام بن الحارِثِ: أنَّ عُمرَ نَسِي القِراءةَ في المغرِبِ، فأعادَ بهمُ الصَّلاةَ (٣) .

  7. وهذا حدِيثٌ سنَدُهُ مُتَّصِلٌ شهِدَهُ همامٌ (١) من عُمر (٢) ، رُوِي ذلك من وُجُوهٍ.

    ج ١٣ ص ٢٠
  8. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٣) ، عن عِكرِمةَ بن عمّارٍ، عن ضَمْضم بن جَوْسٍ، عن عبدِ اللَّه بن حَنْظلةَ، قال: صلَّيتُ مع عُمرَ، فلم يَقْرأ، فأعادَ الصَّلاةَ.

  9. ورَوَى إسرائيلُ، عن جابرٍ، عن الشَّعبِيِّ، عن زِيادِ بن عِياضٍ: أنَّ عُمرَ صلَّى بهم فلم يَقْرأ، فأعادَ الصَّلاةَ، وقال: لا صلاةَ إلّا بقِراءةٍ (٤) .

  10. وعن مَعْمرٍ، عن قتادةَ وأبانٍ، عن جابرِ بن زيد (٥) : أنَّ عُمرَ أعادَ تلك الصَّلاةَ بإقامةٍ (٦) .

  11. وعنِ ابن جُريج، عن عِكرِمةَ بن خالدٍ: أنَّ عُمرَ أمر المُؤَذِّن فأقامَ، وأعادَ تلك الصَّلاةَ (٧) .

  12. وأجمعَ العُلماءُ على إيجابِ القِراءة في الرَّكعتينِ الأُوليينِ من صلاةِ أربع، على حسَبِ ما ذكرنا من اختِلافِهِم في فاتحةِ الكِتابِ من غيرِها.

  13. واختلفُوا في الرَّكعتينِ الآخِرتينِ:
  14. فمذهبُ مالكٍ، والشّافِعيِّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثورٍ، وداودَ: أنَّ القِراءةَ فيهما بفاتحةِ الكِتابِ واجِبةٌ، ومن لم يَقْرأ فيهما بها، فلا صلاةَ لهُ، وعليه إعادةُ ما صلَّى كذلك (٨) .

    ج ١٣ ص ٢١وقال الطَّبرِيُّ: القِراءةُ فيهما واجِبةٌ. ولم يُعيِّن أُمَّ القُرآنِ.

    وقال ابن خُوَيْزمَنْداد: لم يختلِف قولُ مالكٍ: أنَّ القِراءةَ في الرَّكعتينِ الآخِرتينِ واجِبةٌ. وبه قال الشّافِعيُّ، وأحمدُ بن حنبلٍ.

    قال أبو عُمر: الأُولَيانِ عِندَ مالكٍ، والآخِرتانِ سواءٌ، في وُجُوبِ القِراءةِ، إلّا ما ذكرتُ لكَ عنهُ في نِسيانِها من رَكْعةٍ واحِدةٍ.

  15. حدَّثنا محمدُ بن إبراهيم بن سعِيدٍ وعبدُ العزيزِ بن عبدِ الرَّحمنِ، قالا: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١) : أخبَرنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن مهدِيٍّ، قال: حدَّثنا أبانُ بن يزِيد، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، عن عبدِ اللَّه بن أبي قَتادةَ، عن أبيهِ، قال: كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَقْرأُ في الظُّهرِ، والعَصْرِ في الرَّكعتينِ الأُولَيينِ بأُمِّ القُرآنِ وسُورةٍ، وفي الآخِرتينِ بأُمِّ القُرآنِ، كان يُسمِعُنا الآيةَ أحيانًا، وكان يُطِيلُ أوَّل رَكْعةٍ من الظُّهرِ.

  16. وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يحيى المَرْوزِيُّ، قال: حدَّثنا أبو طالِبٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن عَمرٍو، عن عبدِ الكرِيم الجَزَرِيِّ، عن زِيادِ بن أبي مَرْيمَ، قال: كُنتُ عِندَ ابن عُمرَ، فجاءَهُ رجُلٌ فقال: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ، هل في الظُّهرِ والعَصْرِ قِراءةٌ؟ فقال: هل تكونُ صلاةٌ بغيرِ قِراءةٍ؟

    ج ١٣ ص ٢٢وقال أبو حنِيفةَ (١) : القِراءةُ في الآخِرتينِ لا تجِبُ. وكذلك قال الثَّورِيُّ، والأوزاعِيُّ. قال الثَّورِيُّ: يُسبِّحُ في الآخرتين أحبُّ إليَّ من أن يقرأ.

    قال أبو عُمر: رُوِي عن عليِّ بن أبي طالِبٍ، وجابرِ بن عبدِ اللَّه، والحسنِ، وعَطاءٍ، والشَّعبِيِّ، وسعِيدِ بن جُبيرٍ: القِراءةُ في الرَّكعتينِ الآخِرتينِ من الظُّهرِ والعصرِ بفاتحةِ الكِتابِ، في كلِّ ركعةٍ منهُما (٢) .

  17. وثبتَ ذلك، عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلا وجه لما خالفهُ، والحمدُ للَّه.

    وقال الثَّورِيُّ وأبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ: يَقْرأُ في الرَّكعتينِ الأُولَيينِ، وأمّا في الآخِرتينِ: فإن شاءَ قَرأ، وإن شاءَ سبَّحَ، وإن لم يَقْرأ، ولم يُسبِّح، جازَتْ صلاتُهُ (٣) . وهُو قولُ إبراهيمَ النَّخعِيِّ (٤) .

  18. ورُوِي ذلك عن عليٍّ رضِي اللَّه عنهُ (٥) . والرِّوايةُ الأُولى عنهُ أثبتُ، رواها عنهُ أهلُ المدِينةِ.

    قال أبو عُمر: قولُهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كلُّ صلاةٍ لم يُقرأ فيها بأُمِّ القُرآنِ، فهي خِداجٌ غيرُ تمام" . وقولُهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا صلاةَ لمن لم يَقْرأ بفاتحةِ الكِتابِ" . يَقْضِى في هذا البابِ بين المُختلِفِين فيه، وهُو الحُجَّةُ اللّازِمةُ، ولم يُرو عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- شيءٌ يَدْفعُ ذلك، ولا يُعارِضُهُ.

  19. حدَّثنا أحمدُ بن فَتْح، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه بن زكرِيّا النَّيسابُورِيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو البزّارُ، قال: حدَّثنا أبو سَلَمةَ يحيى بن خَلَفٍ، قال: حدَّثنا

    ج ١٣ ص ٢٣عبدُ الأعلى بن عبدِ الأعلى، عن محمدِ بن إسحاقَ. وحدَّثنا خَلَفُ بن القاسم، واللَّفظُ لحدِيثِه، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمد بن (١) المِسورُ، قال: حدَّثنا مِقدامُ بن داود، قال: حدَّثنا أبو الأسودِ النَّضرُ بن عبدِ الجبّارِ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ بن سعْدٍ، عن ابن عَجْلانَ، جميعًا عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي السّائبِ، عن أبي هريرةَ، أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أيُّما رجُلٍ صَلَّى صلاةً بغيرِ قراءةِ أُمِّ القُرآنِ، فهي خِداجٌ، فهي خِداجٌ، فهي خِداجٌ" (٢) .

  20. وحدَّثنا خلفُ بن القاسم الحافِظُ، قال: حدَّثنا مُؤَمَّلُ بن يحيى بن مهدِيٍّ الفقِيهُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جعفرِ ابن الإمام، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ اللَّه بن المدِينيِّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن الزُّهرِيِّ، عن محمُودِ بن الرَّبِيع، عن عُبادةَ بن الصّامِتِ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا صلاةَ لمن لم يَقْرأ فيها بفاتحةِ الكِتابِ" (٣) .

  21. وحدَّثنا خلفٌ، قال: حدَّثنا مُؤَمَّلٌ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ (٤) ، عن معمرٍ، عن الزُّهرِيِّ، بإسنادِهِ مِثلهُ.

  22. وحدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا مُؤَمَّلُ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن المدِينيِّ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن ميمُونٍ، قال: حدَّثنا أبو عُثمان النَّهدِيُّ، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ رجُلًا أن يُنادِي في النّاسِ: "أن لا صَلاةَ إلّا بقراءةِ فاتحةِ الكِتابِ، فما زادَ" (١) .

    ج ١٣ ص ٢٤
  23. وحدَّثنا أحمدُ بن فَتْح، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه النَّيسابُورِيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرِو بن عبدِ الخالقِ البزّارُ، قال (٢) : حدَّثنا عمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعِيدٍ القطّانُ، عن جعفرِ بن ميمُونٍ، عن أبي عُثمانَ النَّهدِيِّ، عن أبي هريرةَ، قال: أمَرَ النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مُنادِيًا يُنادِي: "ألا (٣) لا صَلاةَ إلّا بفاتحةِ الكِتابِ" .

  24. فمن خالفَ ظواهِر هذه الآثارِ الثّابِتةِ، فهُو مخصُومٌ محجُوجٌ مُخطَّأٌ، وباللَّه التَّوفِيقِ.

  25. واختَلَفُوا فيمَن تركَ القِراءةَ في رَكْعةٍ:
  26. فأمّا مذهبُ مالكٍ، فيمَن تركَ قِراءةَ أُمِّ القُرآنِ في ركعةٍ، فقد ذكرناهُ.

    ج ١٣ ص ٢٥وقال الأوزاعِيُّ: من قرأ في نِصفِ صَلاتِهِ، مضَتْ صلاتُهُ، وإن قَرَأ في رَكْعةٍ واحِدةٍ من المغرِبِ، أوِ الظُّهرِ، أوِ العَصْرِ، أوِ العِشاءِ، ونسِي أن يقرأ فيما بَقِي من الصَّلاةِ، أعاد الصلاةَ (١) .

  27. وأمّا إسحاقُ فقال: إذا قَرأ في ثلاثِ رَكَعاتٍ، إمامًا أو مُنفرِدًا، فصلاتُهُ جائزةٌ، بما اجتمع النّاسُ عليه: أنَّ من أدركَ الرُّكُوع، أدركَ الرَّكعةَ.

    وقال الثَّورِيُّ: إن قرأ في ركعةٍ من الصُّبح، ولم يقرأ في الأُخرى، أعادَ الصَّلاةَ، وإن قرأ في رَكْعةٍ ولم يقرأ في الثَّلاثِ من الظُّهرِ، أوِ العصرِ، أوِ العشاءِ، أعادَ.

  28. ورُوِي عن الحسنِ البصرِيِّ، أَنَّهُ قال: إذا قرأتَ في ركعةٍ واحِدةٍ من الصَّلاةِ، أجزأكَ. وبهِ قال أكثرُ فُقهاءِ أهلِ البصرةِ.

    وقال المُغِيرةُ بن عبدِ الرَّحمنِ المخزُومِيُّ: إذا قرأ بأُمِّ القُرآنِ مرَّةً واحِدةً في الصَّلاةِ أجزأهُ، ولم تكُن عليه إعادةٌ.

  29. وقد رُوِي عن مالكٍ قولٌ شاذٌّ لا يعرِفُهُ أصحابُهُ: أنَّ الصَّلاةَ تُجزِئُ بغيرِ قِراءةٍ. على ما رُوِي عن عُمرَ، وهي رِوايةٌ مُنكرةٌ.

    وقال الشّافِعيُّ (٢) : عليه أن يَقْرأ في كلِّ ركعةٍ بفاتحةِ الكِتابِ، ولا ركعةَ إلّا بقِراءةِ فاتحةِ الكِتابِ. قال: وكما لا ينُوبُ سُجُودُ ركعةٍ ورُكُوعُها، عن رَكْعةٍ أُخرى، فكذلك لا ينُوبُ قِراءةُ رَكْعةٍ عن ركعةٍ غيرِها.

  30. وهذا قولُ ابن عونٍ (٣) ، وأبي ثورٍ، ورُوِي مِثلُهُ عن الأوزاعِيِّ.

    ج ١٣ ص ٢٦قال أبو عُمر: ثبت عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّهُ قال: "لا صلاةَ لمن لم يَقْرأ فيها (١) بفاتحةِ الكِتابِ، ومن صلَّى صَلاةً لم يَقْرأ فيها بأُمِّ القُرآنِ فهي خِداجٌ غيرُ تمام" . فثبتَ بهذا النَّصِّ وُجُوبُ قِراءَتِها في كلِّ صلاةٍ لمن قدَرَ عليها، وبطَلَ بهذا قولُ من قال: إنَّ أُمَّ القُرآنِ وغيرها في ذلك سواءٌ. وقولُ من قال: يَقْرأُ بعدَدِ آياتِها وحُرُوفِها من غيرها من القُرآنِ، ويُجزِئُهُ. لأنَّ النَّصَّ عليها، والتَّعيِين لها، قد خصَّها بهذا الحُكم دُون غيرِها.

  31. وهذا لا إشكالَ فيه، إلّا على من حُرِم رُشدهُ، وعَمِي قلبُهُ، ومحُالٌ أن يجِيءَ بالبَدلِ منها من وجبَتْ عليه فتَرَكها وهُو قادِرٌ عليها، وإنَّما عليه أن يجِيءَ بها، ويَعُود إليها، إذا كان قادِرًا عليها كسائرِ المفروضات المُعيَّناتِ في العِباداتِ.

  32. ولم يبق بعد هذا البيانِ إلّا الكلامُ: هل يتعيَّنُ وُجُوبُها في كلِّ ركعةٍ، أو مرَّةً واحِدةً في الصَّلاةِ كلِّها، على ظاهِرِ الحدِيثِ؟ لأنَّهُ لا يخلُو قولُهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا صَلاةَ لمن لم يَقْرأ فيها بفاتحةِ الكِتابِ" . وقولُهُ: "من صَلَّى صلاةً لم يَقْرأ فيها بفاتحةِ الكِتابِ، فهي خِداجٌ غيرُ تمام" . من أن يكونَ على ظاهِرِهِ، وبكونُ معنى قولِهِ: "كلُّ صلاةٍ" كلُّ ركعةٍ.

  33. فإن كان الحدِيثُ على ظاهِرِهِ، فينبغِي أن يكونَ من صلَّى صلاةً من أربَع ركعاتٍ، أو ثلاثٍ، أو رَكْعتينِ، فقرَأ فيها مرَّةً واحِدةً بفاتحةِ الكِتابِ، أن تُجزِئَهُ صلاتُهُ تلكَ، وتكون تامَّةً غير خِداج، لأنَّها صَلاةٌ قد قُرِئَ فيها بأُمِّ القُرآنِ، فليسَتْ بخداج غيرِ تمام، بل هي تمامٌ، لا خِداجَ فيها، إذا قُرِئَ فيها بأُمِّ القُرآنِ، على ظاهِرِ الحدِيثِ، على ما ذهَبَ إليه بعضُ أهلِ البصرةِ، والمُغِيرةُ المخزُومِيُّ.

  34. فلمّا رأينا جماعتهُم، وجُمهُورهُم، وعامَّتهُمُ، التي هي الحُجَّةُ على من خالَفَها، ولا يجُوزُ الغلطُ عليها في التَّأوِيلِ، ولا الاتِّفاقِ على الباطِلِ، ولا التَّواطُؤِ عليه،

    ج ١٣ ص ٢٧مع اختِلافِ مذاهِبِها، وتبايُنِ آرائها، قدِ اتَّفقُوا، إلّا من شذَّ مِمَّن لا يُعدُّ خِلافًا على الجُمهُورِ، بل هُو محجُوجٌ بهم، ومأمُورٌ بالرُّجُوع إليهم، إذا شذَّ عنهُم، اتَّفقُوا على أنَّ من لم يَقْرأ في ركعتينِ من صلاتِهِ، أنَّهُ لا تُجزِئُهُ صلاتُهُ تلكَ، وعليه إعادتُها، وهُو في حُكم من لم يُصلِّها، اسْتَدللنا بهذا الاتِّفاقِ والإجماع في هذا المعنى، على أنَّ قولهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا صلاةَ لمن لم يَقْرأ فيها بفاتحةِ الكِتابِ" . و "من صلَّى صَلاةً لم يقرأ فيها بأُمِّ القُرآنِ، فهي خِداجٌ غيرُ (١) تمام" . معناهُ: كلُّ ركعةٍ لم يقرأ فيها بفاتحةِ الكِتابِ.

  35. وكذلك قال جابرُ بن عبدِ اللَّه رضي اللَّهُ عنه: كلُّ رَكْعةٍ لم يقرأ فيها بأُمِّ القُرآنِ، فلم تُصَلَّ إلّا وراءَ الإمام (٢) . وجابرٌ أحدُ عُلماءِ الصَّحابةِ، الذين يُسلَّمُ إليهم (٣) في التَّأوِيلِ، لمعرِفتِهِم بما خرجَ عليه القولُ.

  36. ولا خِلافَ بين أهلِ العِلم والنَّظرِ، أنَّ المسألةَ إذا كان فيها وَجْهانِ، فقام الدَّليلُ على بُطلانِ الوَجْهِ الواحِدِ منهُما، أنَّ الحقَّ في الوَجْهِ الآخرِ، وأنَّهُ مُستَغنٍ عن قِيام الدَّليلِ على صِحَّتِهِ، بقِيام الدَّليلِ على بُطلانِ ضِدِّهِ، وقد قام الدَّليلُ من أقوالِهِم: أنَّ القِراءةَ لا بُدَّ منها في رَكْعتينِ أقلُّ شيءٍ.

  37. فعَلِمنا بذلك أنَّ الحدِيث المذكُور ليسَ على ظاهِرِهِ، وأنَّ معنَى قولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من صلَّى صَلاةً لم يَقْرأ فيها بفاتحةِ الكِتابِ، فلا صلاةَ لهُ، وهي خِداجٌ غيرُ تمام" . أنَّهُ أرادَ كلَّ ركعةٍ، بدليلِ ما وصفنا، والرَّكعةُ تُسمَّى صَلاةً في اللُّغةِ والشَّرع، بدليلِ الوِترِ بركعةٍ منقطِعةٍ (٤) عمّا قبلها، وباللَّه توفِيقُنا.

  38. وأمّا قولُهُ في الحدِيثِ: "قال اللَّه عزَّ وجلَّ: قسَمتُ الصَّلاةَ بيني وبين عبدِي نِصفينِ، فنِصفُها لي، ونِصفُها لعبدِي، ولعَبدِي ما سأل، اقرؤُوا: يقولُ العبدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} " . فبدأ بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فجعلها آيةً، ثُمَّ {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} آيةٌ، ثُمَّ {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} آيةٌ، فهذه ثلاثُ آياتٍ لم يختلِف فيها المُسلِمُونَ، جعلها اللَّه لهُ تباركَ وتعالى. ثُمَّ الآيةُ الرّابعةُ جعلَها بينهُ وبين عَبدِهِ، ثُمَّ ثلاثُ آياتٍ لعَبدِهِ تتِمَّةَ سبع آياتٍ، فهذا يدُلُّ على أنَّ {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} آيةٌ، ثُمَّ الآيةُ السّابعةُ إلى آخِرِها، على ما تقدَّم في الحدِيثِ في هذا البابِ، لأنَّهُ قال في قولِهِ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} إلى آخِرِ السُّورةِ: "هؤُلاءِ لعبدِي، ولعبدِي ما سأل" . و "هؤُلاءِ" إشارةٌ إلى جَماعةِ ما يَعقِلُ، وما لا يَعقِلُ، وأقلُّ الجماعةِ ثلاثة، فعلِمنا بقولِهِ: "هؤُلاءِ" أَنَّهُ أرادَ هؤُلاءِ الآياتِ، والآياتُ أقلُّها ثلاثٌ، لأنَّهُ لو أرادَ آيةً واحِدةً، لقال: هذه. كما قال في قولِهِ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} : "هذه الآيةُ بيني وبين عبدِي" . ولو أرادَ آيتينِ، لقال: هاتانِ لعبدِي. فلمّا قال: "هؤُلاءِ لعبدِي" علِمنا أنَّهُ عَنَى ثلاث آياتٍ، وإذا كان من قولِهِ: {اهْدِنَا} إلى آخِرِ السُّورةِ ثلاثُ آياتٍ، كانتِ السَّبعُ آياتٍ من قولِهِ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} إلى قولِهِ: {وَلَا الضَّالِّينَ} . وصحَّ قِسمةُ السَّبع الآياتِ على السَّواءِ: ثلاثٌ، وثلاثٌ، وآيةٌ بينهُما، ألا ترَى أَنَّهُ قال: "اقرؤُوا، يقولُ العبدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} يقولُ اللَّه: حَمِدني عبدِي" . فهذه آية. "يقولُ العبدُ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} يقولُ اللَّه: أثنى عليَّ عبدِي" . فهذه آيتانِ. يقولُ العبدُ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} يقولُ اللَّه: مجَّدني عبدِي ". فهذه ثلاثُ آياتٍ، كلُّها للَّه عزَّ وجلَّ. ثم: " يقولُ العبدُ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فهذه الآيةُ بيني وبين عبدِي، ولعبدِي ما سألَ ". فهذه أربعُ آياتٍ. ثُمَّ قال: " يقولُ العبدُ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}

    ج ١٣ ص ٢٨
  39. فهؤُلاءِ لعبدِي، ولعبدِي ما سألَ ". فلمّا قال: " فهؤُلاءِ " عَلِمنا أنَّها ثلاثُ آياتٍ، وتَقدَّمت أربعٌ، تتِمَّةُ سَبْع آياتٍ، ليسَ فيها {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الثَّلاثُ لهُ، تبارك اسمُهُ، والرّابعةُ بينهُ وبين عَبدِهِ، والثَّلاثُ لعَبدِهِ.

    ج ١٣ ص ٢٩
  40. وقد أجمعتِ الأُمَّةُ على أنَّ فاتحةَ الكِتابِ سَبْعُ آياتٍ، وقال النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وهي السَّبعُ المثاني " (١) .