سهيل بن أبي صالح

١٩١ فقرة، ج ١٣ ص ٤٥٥

الصفحة ٣ من ٥

  1. وقال مَعمَرٌ، عن الزُّهريِّ، فيمَن افْتَأَتَ على السُّلطانِ في حدٍّ: عليه العُقوبةُ ولا يُقتَل (٢) .

    قال أبو عُمر: قولُ مالكٍ وأصحابِه وأكثرِ الفقهاءِ في هذا كقول الزُّهريِّ، وليس هذا البابُ موضِعَ ذِكْرِ هذه المسألة، وقد ذكرْنا منها ما فيه -والحمدُ للَّه- كفايةٌ وشفاءٌ، وقد مضى القولُ في أحكام اللِّعان ممَهَّدًا في باب ابنِ شهاب، وباب نافعٍ من هذا الكتاب، والحمدُ للَّه (٣) .

    ج ١٣ ص ٤٨٨
  2. حديثٌ سادسٌ لسُهَيل

    مالكٌ (١) ، عن سهيلِ بنِ أبي صالح السَّمّان، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا توضَّأ العبدُ المسلمُ -أو المؤمنُ- فغسَل وجهَه خرجَتْ من وجْهِه كلُّ خطيئةٍ نظَر إليها بعينَيْه مع الماء - أو: مع آخرِ قَطْرِ الماء، أو نحوَ هذا- فإذا غسَل يدَيْهِ خرجَتْ من يدَيْه كلٌّ خطيئةٍ بطَشتهُما يداهُ معَ الماء - أو: مع آخرِ قَطْرِ الماء- حتى يخرُجَ نقيًّا من الذُّنوب" .

    ج ١٣ ص ٤٨٩
  3. هكذا هو في "الموطأ" في هذا الحديث: "بطَشتْهما يداهُ" ليحيى وغيرِه جماعة، بتثنيةِ الضميرِ المتصلِ بالفعلِ وهو ضميرُ الخطيئة، والخطيئةُ مفردةٌ، وليس بالجيد؛ لأنَّ التثنيةَ إنما هي لليدين لا للخطيئة، ويقال: إنه في روايةِ ابنِ وَهْبٍ (٢) عن مالك كذلك أيضًا.

    قال أبو عُمر: في روايةِ ابنِ وَهْبٍ عن مالك، في هذا الحديث، زيادةٌ ليست لغيرِه من الرواة عن مالك، وذلك أنّه زاد في هذا الحديثِ ذِكْرَ الرِّجلين، فقال: "إذا غسَل رِجْليه خرَجتْ كلُّ خطيئةٍ مشَتْهما رجلاه مع الماء، أو: مع آخرِ قَطْرِ الماء" ، وهكذا قال: "مشَتْهما" ، فثنّى أيضًا، ولم يقلْ في شيءٍ من الحديث: "أو نحوَ هذا" (٣) . وسائرُ الرواة قالوا في هذا الحديث كما قال يحيى.

  4. وأما قولُه: "العبدُ المسلمُ - أو: المؤمن " فهو شكٌّ من المحدِّث مَن كان؛ مالكٌ أو غيرُه.

    ج ١٣ ص ٤٩٠
  5. وقولُه: "مع الماء، أو: مع آخرِ قَطْرِ الماء" شكٌّ أيضًا من المحدِّث، ولا يجوزُ أن يكونَ ذلك شكًّا من النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (١) ، ويُحملُ على الشكِّ في مثل هذه الألفاظِ التَّحرِّي في الإتيانِ بلفظِ الحديث دونَ معناه (٢) ، وهذا شيءٌ قد اختلَف فيه السلف، وقد ذكَرنا ما جاء عنهم في ذلك في كتاب "العلم" ، والحمدُ للَّه.

  6. وفيه من الفقه: تكفيرُ الخطايا بالوضوء، وقد مضى القولُ في هذا المعنَى ممهَّدًا في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ عن عطاءِ بنِ يسار، عن الصُّنابحيِّ (٣) ، فلا معنَى لتكريرِ ذلك هاهنا، ومعاني هذا الحديثِ كلُّها قد مضَى القولُ فيها هناك، وباللَّه التوفيق.

  7. حديثٌ سابعٌ لسُهَيل

    مالكٌ (١) ، عن سُهَيل بنِ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "تُفتَحُ أبوابُ الجنةِ يومَ الاثنين ويومَ الخميس، فيُغفَرُ لكلِّ عبدٍ مُسلم لا يُشرِكُ باللَّه شيئًا، إلَّا رجلًا كانت بينَه وبينَ أخيه شحناءُ، فيقال: أنظِروا هذينِ حتى يَصطلِحا، أنظِروا هذَينِ حتّى يَصطلِحا" .

    ج ١٣ ص ٤٩١
  8. في هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ الجنةَ مخلوقة، وأنَّ لها أبوابًا، وقد جاءَ في الآثارِ الصِّحاحِ أنَّ لها ثمانيةَ أبواب. وقد ذكَرنا ذلك في بابِ ابنِ شهاب، عن حميدِ بنِ عبدِ الرحمن، من هذا الكتابِ من طُرقٍ شتّى (٢) ، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهنا.

  9. وفيه: أنَّ المغفرةَ لا تكونُ إلا للعبدِ المُسلم الذي لا يُشرِكُ باللَّه شيئًا، قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: ٤٨] .

  10. وفيه: أنَّ المُهاجَرةَ والعداوةَ والشحناءَ والبغضاءَ من الذُّنوب العِظام، والسيِّئاتِ الجِسام، وإن لم تكنْ في الكبائر مذكورة، ألا ترَى أنه استثنَى في هذا الحديثِ غُفرانَها وخصَّها بذلك؟ وقد بيّنّا الوجهَ في الهجرة، وما يجوزُ منها وما لا يجوز، وكيف المخرَجُ والتوبةُ منها، في بابِ ابنِ شهاب، عن أنسٍ، وغيرِه من هذا الكتاب (٣) .

  11. وفيه: أنَّ الذنوبَ إذا كانت بينَ العبادِ فوقَعت بينَهم فيها المغفرةُ والتجاوزُ والعفو، سقَطَت المطالبةُ بها من قبلِ اللَّه عزَّ وجلَّ، ألا ترَى إلى قوله: "حتى

    ج ١٣ ص ٤٩٢يَصطلِحا؟ " فإذا اصْطلَحا غُفِر لهما ذلك وغيرُه من صغائرِ ذنوبِهما بأعمالِ البِرِّ؛ من الطهارة، والصلاة، والصيام، والصدقة.

  12. وفيه: دليلٌ على فضلِ يوم الاثنينِ والخميسِ على غيرِهما من الأيام، وكان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يصومُهما ويَندُبُ أمَّتَه إلى صيامِهما، وكان يَتحرَّاهما بالصيام (١) . وأظنُّ هذا الخبرَ إنما توجَّه إلى أُمّةٍ وطائفةٍ كانت تصومُهما تأكيدًا على لزوم ذلك، واللَّهُ أعلم.

  13. ووُلِد رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ الاثنين، وتُنُبَّئ يومَ الاثنين، ودخَل المدينةَ يومَ الاثنين، وتوفِّي يومَ الاثنين -صلى اللَّه عليه وسلم- (٢) .

  14. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ عبد اللَّه وأبو عَوانة قالا: حدَّثنا سُهيلُ بنُ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تُفتَح أبوابُ الجنّةِ كلَّ يوم اثنينِ وخميسٍ فيُغفَرُ لكلِّ عبدٍ لا يُشركُ باللَّه شيئًا، إلّا رجلًا كانت بينَه وبينَ أخيهِ شحناءُ، فيقال: انظِروا هذَين حتّى يصْطَلِحا" .

    ج ١٣ ص ٤٩٣
  15. حديثٌ ثامنٌ لسُهَيل

    مالكٌ (١) ، عن سُهيلِ بنِ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ضافَه ضيفٌ كافر، فأمَر له رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بشاةٍ فحُلِبَتْ فشَرِب حِلابَها، ثم أُخرى فشرِبَه، ثم أُخرى فشرِبَه، حتّى شرِبَ حِلابَ سبعِ شِياه، ثم إنه أصبَح فأسلَم، فأمَر له رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بشاةٍ فحُلِبَتْ فشرِبَ حِلابَها، ثم أمَر بأُخرى فلمْ يَستَتِمَّها، فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ المُسلمَ (٢) يشرَبُ في مِعًى واحد، والكافرُ يشرَبُ في سبعةِ أمعاء" .

    ج ١٣ ص ٤٩٤
  16. هذا الحديثُ ظاهرُه العموم، والمرادُ به الخصوص، وهو خبرٌ خرَج على رجلٍ بعينِه كافرٍ ضافَ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فعَرض له معه ما ذُكِر في هذا الحديث، فأخبَر رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عنه بأنه إذ كان كافرًا كان يأكُلُ في سبعةِ أمعاء، ولمّا أسلَم أكَل في مِعًى واحد. والمعنَى في ذلك أنه كانَ إذ كان كافرًا رجلًا أكُولًا أجوفَ لا يقومُ به شيءٌ في أكْلِه، فلمّا أسلَم بُورِك له في إسلامِه، فنزَع اللَّهُ من جوفِه ما كان فيه من الكَلَب (٣) والجُوع وشدةِ القوةِ على الأكل، فانصَرفتْ حالُه إلى سُبُع ما كان يأكُلُ إذ كان كافرًا، فكأنه إذ كان كافرًا يأكُلُ سبعةَ أمثالِ ما كان يأكلُ بعدَ ذلك إذ أسلَم، واللَّهُ أعلم.

  17. وقد رُوِيَ أنَّ هذا الرجلَ الذي أضاف رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وعرَض له معه ما ذُكِر في هذا الحديث، هو جَهْجاهُ بنُ سعيدٍ الغِفاريُّ، وقد ذكَرناه وذكَرنا خبرَه في كتاب "الصحابة" (٤) .

  18. ومن طُرق حديثه ما حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (١) : حدَّثنا زيدُ بنُ الحُباب، قال: حدَّثنا موسى بنُ عُبيدة، قال: حدَّثنا عبيدُ اللَّه بنُ أبي عبدِ اللَّه الأغَرُّ، عن عطاءِ بنِ يسار، عن جَهْجاهٍ الغِفاريِّ، أنه قدِم في نفرٍ من قومِه يُريدون الإسلام، فحضَروا مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المغربَ، فلمّا سلَّم قال: "يأخُذُ كلُّ رجلٍ منكم بيَدِ جليسِه" ، فلم يَبقَ في المسجدِ غيرُ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وغيري، وكنتُ رجلًا عظيمًا طُوالًا لا يُقْدِمُ عليَّ أحدٌ، فذهَب بي رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى منزلِه، فحلَب لي عنزًا فأتَيتُ عليها، حتى حلَب لي سبعةَ أعنُزٍ فأتَيتُ عليها، ثم أُتِيتُ بصَنِيع (٢) بُرمَةٍ فأتَيتُ عليها، فقالت أمُّ أيمن: أجاعَ اللَّهُ مَن أجاعَ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- هذه الليلة، فقال: "مَهْ يا أُمَّ أيمن، أكَل رِزقَه، ورِزقُنا على اللَّه" . فأصبَحوا قُعودًا، فاجتَمع هو وأصحابُه، فجعَل الرجلُ يُخبِرُ بما أتى عليه، فقال جَهْجاهٌ: حُلِبت لي سبعةُ أعنُزٍ فأتيتُ عليها، وصَنِيعُ (٣) بُرْمَةٍ فأتَيتُ عليها، فصلَّوا مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المغربَ فقال: "ليأخُذْ كلُّ رجلٍ منكم جليسَه" ، فلم يَبقَ في المسجدِ غيرُ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وغيري، وكنتُ رجلًا عظيمًا طويلًا لا يُقْدِمُ عليَّ أحدٌ، فذهَب بي رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى منزلِه، فحُلِبت لي عنزٌ فتروَّيتُ وشبِعتُ، فقالت أمُّ أيمن: يا رسولَ اللَّه، أليس هذا ضيفَنا؟ قال: "بلى" ، فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنه أكَل في مِعَى مؤمنٍ الليلة، وأكَل قبلَ ذلك في مِعَى كافر، والكافرُ يأكُلُ في سبعةِ أمعاء، والمؤمنُ يأكُلُ في مِعًى واحد" .

    ج ١٣ ص ٤٩٦قال أبو عُمر: يَحتملُ أنَّ الإشارةَ بالألف واللام (١) في: "الكافر" ، و: "المؤمن" في هذا الحديث إلى ذلك الرَّجل بعينِه (٢) ، وإنما يحمِلُنا على هذا التأويل؛ لأن المُعاينة، وهي أصَحُّ علوم الحواسِّ، تدفَعُ أن يكونَ ذا عُمومًا في كلِّ كافرٍ ومؤمنٍ، ومعروفٌ من كلام العرب الإتيانُ بلفظِ العُموم والمرادُ به الخصوص، ألا ترى إلى قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} [آل عمران: ١٧٣] . وهذه الإشارةُ في: "النّاسِ" إنّما هي إلى رجل واحدٍ أخبَر أصحابَ محمدٍ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّ قريشًا جمَعت لهم، وجاءَ اللفظُ كما ترَى على العُموم؟ ومثلُه: {تُدَمِّرُ كُلُّ شَيْءٍ} [الأحقاف: ٢٥] ، و {مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ} [الذاريات: ٤٢] ، ومثلُ هذا كثيرٌ لا يجهَلُه إلا مَن لا عنايةَ له بالعلم.

    ج ١٣ ص ٤٩٥
  19. وقد قيل: إنّه في كلِّ كافر، وإنه -لموضع التسميةِ- يقِلُّ أكلُه، وهذا تدفَعُه المشاهدةُ وعلمُ الضرورة، فلا وجهَ له.

  20. وأمّا قولُه في هذا الإسناد: "عُبيد اللَّه الأغرُّ" فليس عُبيد اللَّه يُعرف بالأغرِّ، وإنّما يُعرَف بالأغرِّ أبوه، وهو عُبيدُ اللَّه بنُ سلمانَ الأغرِّ، وهو عُبيد اللَّه بنُ أبي عبدِ اللَّه الأغرِّ، وأبو عبد اللَّه الأغرُّ اسمُه: سلمانُ، واللَّهُ المُستعان.

  21. حديثٌ تاسعٌ لسُهَيل

    مالكٌ (١) ، عن سُهَيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنه قال: كان الناسُ إذا رأَوْا أولَ الثمَرِ جاؤوا به إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإذا أخَذه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "اللَّهُمَّ بارِكْ لنا في ثمرِنا، وبارِكْ لنا في مدينتِنا، وبارِكْ لنا في صاعِنا، وبارِكْ لنا في مُدِّنا، اللَّهُمَّ إنّ إبراهيمَ عبدُكَ وخليلُكَ ونبيُّك، وإنّي عبدُك ونبيّك، وإنّه دعاكَ لمكّةَ، وإنّي أدعُوكَ للمدينةِ بمثلِ ما دعاكَ به لمكّةَ ومثلِه معَه" . ثم يدْعُو أصغَرَ وليدٍ يراهُ، فيُعطِيه ذلك الثَّمر.

    ج ١٣ ص ٤٩٧
  22. وقد ذكَر البخاريُّ (٢) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدَّثنا حسينُ بنُ الحَسن، عن ابنِ عَوْن، عن نافع، عن ابنِ عُمر، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "اللَّهُمَّ بارِكْ لنا في شامِنا ويَمَنِنا" ، قالوا: وفي نجدِنا، قال: "اللَّهُمَّ بارِكْ لنا في شامِنا ويَمَنِنا" ، قالوا: وفي نَجدِنا، قال: "هناك الزلازلُ والفِتَنُ، وبها يطلُعُ قَرنُ الشيطان" .

  23. في هذا الحديثِ: اختصاصُ الرئيسِ وانتخابُه بأولِ ما يُطِلُّ من الفاكهة، إمّا هديةً وجلالةً وتعظيمًا ومحبّةً، وإما تبرُّكًا بدعائِه، والذي يغلِبُ عليَّ أنَّ ذلك إنّما كان من الصحابةِ رضوانُ اللَّه عليهم ليدعوَ لهم رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالبركة، وسياقُ هذا الحديثِ يدُلُّ على ذلك، والمعْنيانِ جميعًا مُحتَمِلان.

  24. وأما دعاءُ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فمُجابٌ لا محالة. وقد ظنَّ قومٌ أنَّ هذا الحديثَ يدُلُّ على أنَّ المدينةَ أفضلُ من مكّة؟ لدُعاءِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لها بمثلِ دعاءِ إبراهيمَ لمكّةَ ومثلِه معه. وهذا يُحْتَمَلُ لموضع دعاءِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وموضعِ التضعيفِ في ذلك،

    ج ١٣ ص ٤٩٨إلا انه قد جاءت في مكّة آثارٌ كثيرةٌ تدُلُّ على فضلِها، وقد اختلَف العلماءُ قديمًا وحديثًا في الأفضل منهما، وقد بيَّنا الصّحيحَ من ذلك عندَنا في بابِ خُبَيبِ بنِ عبدِ الرحمن من كتابِنا هذا (١) ، وقد ثبَت عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "بُنيَ الإسلامُ على خَمْس" ، فذكَر منها حجَّ البيتِ الحرام، وجعَل الإلحادَ فيه من الكبائر، وجعله قِبلةَ الأحياءِ والأموات، ورضِيَ عن عبادِه فحطَّ أوزارَهم بقصْدِ القاصدِ له مرةً من دهْرِه، وقال -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو بالحَزْوَرَةِ: "واللَّه إنّي لَأعلَمُ أنكِ خيرُ أرضِ اللَّه وأحبُّها إلى اللَّه، ولولا أنَّ أهلَكِ أخرَجوني منكِ ما خرَجتُ" . وقد مضَى من هذا المعنى ما يكفي في بابِ خُبَيبٍ (٢) وباب زيدِ بنِ رباح (٣) ، وباللَّه التوفيق.

  25. وفي قولِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ اللَّهَ حرَّم مكَّةَ يومَ خلَق السّماوات والأرض" (٤) ، وقولِه: "إن اللَّهَ حرَّم مكةَ ولم يحرِّمْها الناسُ" (٥) دليلٌ على فضلِها على سائرِ ما حرَّمه الناسُ، وأنَّ دعاءَ إبراهيمَ لمكّةَ كان كما قال عزَّ وجلَّ عنه: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} الآية [البقرة: ١٢٦] . ولو كان الدعاءُ بالبركةِ في صاعِ المدينةِ ومُدِّها يدُلُّ على فضلِها على مكة، لكان كذلك دعاءُ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالبركةِ في الشام واليمن تفضيلًا منه لهما على مكّة، وهذا لا يقولُه أحدٌ، وأمّا دعاءُ

    ج ١٣ ص ٤٩٩إبراهيمَ عليه السلام فهو معنى قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} .

  26. ذكر الفريابيُّ، قال: حدَّثنا قيسُ بنُ الربيع، عن خُصيف، عن سعيدِ بنِ جبير ومجاهدٍ في قوله: {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} ، قالا: سأل الرزقَ لمَن آمَن.

  27. وحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ حكم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية (١) ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حسّان، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمّار، قال: حدَّثنا حاتمُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا حُميدٌ، عن عمّارٍ الدُّهْنيِّ، عن سعيدِ بنِ جبير، عن ابنِ عباس - في قوله: {اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} - قال: كان إبراهيمُ يحْجِرُها على المؤمنينَ دونَ الناس، ومَنْ كفَر أيضًا، فإنّي أرزُقُه كما أرزقُ الؤمنين، أأخلُقُ خلْقًا لا أرزُقُهم، أُمتِّعُهم قليلًا ثم أضطرُّهم إلى عذابٍ غليظ. قال: ثم قرأ ابنُ عبّاس: {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} [الإسراء: ٢٠] (٢) .

  28. وفي هذا الحديثِ منَ الآداب وجَمِيلِ الأخلاق: إعطاءُ الصّغير منَ الولْدانِ وإتحافُه بالطُّرَف، وذلك يدلُّ على أنه أوْلى بذلكَ منَ الكبير؛ لقِلَّةِ صبْرِه وفرَحِه بذلك، وفي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أُسوَةٌ حسَنةٌ في كلِّ حال.

  29. حديثٌ عاشرٌ لسُهَيل بن أبي صالح مرسلٌ يتصل من وجوه

    مالكٌ (١) ، عن سُهَيل بن أبي صالح السَّمّان، عن أبيه، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن اللَّهَ يرضَى لكم ثلاثًا، ويسخَطُ لكم ثلاثًا: يرضَى لكم أن تعبُدُوه ولا تُشرِكوا به شيئًا، وأن تعتصِموا بحبلِ اللَّه جميعًا، وأن تُناصِحوا مَن ولّاه اللَّهُ أمرَكم، ويسخَطُ لكم: قيلَ وقالَ، وإضاعةَ المال، وكثرةَ السُّؤال" .

    ج ١٣ ص ٥٠٠
  30. هكذا روَى يحيى هذا الحديثَ مرسلًا لم يَذكُرْ أبا هريرة، وتابعَه ابنُ وَهْب (٢) من روايةِ يونُسَ بنِ عبدِ الأعلى عنه، والقعنبيُّ (٣) ، ومطرِّفٌ (٤) ، وابنُ نافع (٥) .

  31. وأسندَه عن ابنِ وَهْب؛ أحمدُ بنُ صالح (٦) ، والربيعُ بنُ سليمان، ذكَرا فيه أبا هريرة (٧) .

  32. وكذلك رواه ابنُ بُكير (٨) ، وأبو المصعَب (٩) ، ومصعبٌ الزُّبَيريُّ، وعبد اللَّه بنُ

    ج ١٣ ص ٥٠١يوسفَ التِّنِّيسيُّ (١) ، وسعيدُ بنُ عُفَير، وابنُ القاسم، ومَعْنُ بنُ عيسى، وأبو قُرّةَ موسى بنُ طارق، والأُوَيسيُّ (٢) ، وابنُ عبدِ الحكَم، والحُنَينيُّ (٣) . وأكثرُ الرواة، عن مالك، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مسنَدًا.

  33. حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عمرُ بنُ محمدِ بنِ القاسم ومحمدُ بنُ أحمدَ بنِ كامل ومحمدُ بنُ أحمدَ بنِ المسوَر، قالوا: حدَّثنا بكرُ بنُ سهل، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ يوسُف، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن سُهيلِ بنِ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه قال: "إنَّ اللَّهَ يرضَى لكم ثلاثا، ويكرَهُ لكم ثلاثًا، يرضَى لكم أن تعبُدوه ولا تُشرِكوا به شيئًا، وأن تعتصِموا بحبلِ اللَّه جميعًا، وأن تُناصِحوا مَن ولّاه اللَّهُ أمرَكم. ويكرَهُ لكم قيل وقال، وإضاعةَ المال، وكثرةَ السُّؤال" (٤) .

  34. والحديثُ مسنَدٌ محفوظٌ لمالكٍ وغيرِه، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ كذلك رواهُ حمادُ بنُ سَلَمةَ وغيرُه، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (٥) .

  35. وليس لهذا الحديث في "الموطأ" غيرُ هذا الإسناد. وعند مالكٍ فيه إسنادٌ

    ج ١٣ ص ٥٠٢آخر، رواه عنه عبدُ العزيز بنُ أبي روّاد (١) ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. وأخشَى أن يكونَ هذا الإسنادُ غيرَ محفوظ، وأن يكونَ خطأً؛ لأن ابنَ أبي روّادٍ هذا قد روَى عن مالكٍ أحاديثَ أخطَأ فيها، أشهَرُها خطأً أنه روَى عن مالك، عن زيدِ بنِ أسلَم، عن عطاءِ بنِ يَسار، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إنما الأعمالُ بالنِّيّات" . الحديثَ. وهذا خطأٌ لا شكَّ فيه عندَ أحدٍ من أهلِ العلم بالحديث، وإنما حديثُ: "الأعمالُ بالنِّيّات" عندَ مالك، عن يحيى بنِ سعيد، عن محمدِ بنِ إبراهيم، عن علقمةَ بنِ وقاص، عن عمر (٢) . ليس له غيرُ هذا الإسناد، وكذلك رواه الناسُ عن يحيى بنِ سعيد.

  36. وأما حديثُ ابنِ أبي روّادٍ في هذا الباب، فحدَّثناه أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ محمد، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا حاجبُ بنُ سليمان، قال: حدَّثنا ابنُ أبي رَوّاد، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يُحِبُّ اللَّهُ لكم ثلاثًا، ويسخَطُ لكم ثلاثًا، يُحِبُّ لكم أن تعبُدوا اللَّهَ ولا تُشركوا به شيئًا، وأن تعتصِموا بحبلِ اللَّه جميعًا ولا تفرَّقوا، وأن تنصَحوا لوُلاةِ الأمر، ويسخَطُ لكم ثلاثًا؛ قيل وقال، وكثرةَ السُّؤال، وإضاعةَ المال" .

    قال أبو عُمر: أما حديثُ سُهيلٍ فمحفوظٌ، ولعلَّ حديثَ أبي الزِّنادِ أن يكونَ له أصلٌ، واللَّهُ أعلم.

    ج ١٣ ص ٥٠٣
  37. حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أيوبَ بنِ بادي. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا مُطرِّفُ بنُ عبدِ الرحمن، قالا: حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ اللَّه بنِ بُكير. وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ جعفرِ بنِ الورد، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أيوبَ وأحمدُ بنُ حماد، قالا: حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ اللَّه بنِ بُكَير، عن مالك، عن سُهَيل بنِ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إنَّ اللَّهَ يرضَى لكم ثلاثًا، ويسخَطُ لكم ثلاثًا؛ يرضَى لكم أنَّ تعبُدوه ولا تُشرِكوا به شيئًا، وأن تعتصِموا بحبلِ اللَّه جميعًا، وأن تُناصِحوا مَن ولّاه اللَّهُ أمرَكم، ويسخَطُ لكم قيل وقال، وإضاعةَ المال، وكثرةَ السُّؤال" (١) .

  38. في هذا الحديثِ ضروبٌ من العلم، منها: أنَّ اللَّهَ يحبُّ من عبادِه الإخلاصَ في عبادتِه في التوحيدِ وسائرِ الأعمالِ كلِّها التي يُعبَدُ بها، وفي الإخلاص طرحُ

    ج ١٣ ص ٥٠٤الرياءِ كلِّه، لأن الرياءَ شِركٌ أو ضَربٌ من الشِّرك. قال أهلُ العلم بالتأويل: إن قولَ اللَّه عزَّ وجلَّ: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: ١١٠] ، نزَلت في الرياء.

  39. ويدخُلُ في الإخلاصِ أيضًا التوكُّلُ على اللَّه، وأنه لا يضُرُّ ولا ينفَعُ، ولا يُعطي ولا يمنَعُ، على الحقيقة غيرُه؛ لأنه لا مانعَ لِمَا أعطَى، ولا مُعطيَ لما منَع، لا شريكَ له.

  40. وفيه: الحضُّ على الاعتصام والتمسُّكِ بحبلِ اللَّه في حالِ اجتماعٍ وائتلاف، وحبلُ اللَّه في هذا الموضعِ فيه قولان، أحدُهما: كتابُ اللَّه، والآخرُ: الجماعةُ، ولا جماعةَ إلا بإمام. وهو عندي معنًى متداخِلٌ متقاربٌ، لأن كتابَ اللَّه يأمُرُ بالأُلفَةِ وينْهَى عن الفرقة، قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا} الآيةَ [آل عمران: ١٠٥] ، وقال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: ١٠٣] .