سهيل بن أبي صالح

١٩١ فقرة، ج ١٣ ص ٤٥٥

الصفحة ٥ من ٥

  1. وروَى معمرٌ، عن الزهريِّ، عن السائبِ بنِ يزيد، قال: قال رجلٌ لعمرَ بنِ الخطاب: ألّا أخافَ في اللَّه لَومةَ لائم خير لي، أم أُقْبِلَ على أمري؟ فقال: أمّا مَن وليَ من أمرِ المسلمين شيئًا، فلا يَخَفْ في اللَّه لومةَ لائم، ومَن كان خِلْوًا (١) فليُقبِلْ (٢) على نفسِه، وليَنْصَحْ لأميرِه (٣) .

    ج ١٣ ص ٥٢٢
  2. وسُئِل مالكُ بنُ أنس: أيأتي الرجلُ إلى السلطانِ فيَعِظُه، ويَنْصَحُ له، ويَنْدُبُه إلى الخير؟ فقال: إذا رجا أن يَسمَعَ منه، وإلا فليس ذلك عليه.

    قال أبو عُمر: إنما فرَّ مَن فرَّ مِن الأمراء؛ لأنه لا يُمكِنُه أن يَنصَحَ لهم، ولا يُغيِّر عليهم، ولا يَسلَمَ من مُتابَعتِهم.

  3. روَى كعبُ بنُ عُجْرةَ وغيرُه، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "سيكونُ بعدي أُمراءُ، فمَن دَخَل عليهم، وصَدَّقهم بكَذِبهم، وأعانَهم على ظُلْمهم، فليس منِّي، ولستُ منه، ولا يَرِدُ عَلَيَّ الحوضَ، ومَن لم يُصَدِّقْهم بكَذِبهم، ولم يُعِنْهم على ظُلْمِهم، فهو منِّي، وأنا منه، وسيَرِدُ عَلَيَّ الحوضَ" (١) .

    ج ١٣ ص ٥٢٣
  4. وروى أبو سعيدٍ الخدريُّ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنه قال: "إنَّ أفضَلَ الجهادِ كَلِمةُ حَقٍّ - أو قال: كَلِمةُ عَدْلٍ- عندَ ذي سُلطانٍ جائر" .

  5. رواه ابنُ عيينةَ وغيرُه (٢) ، عن عليِّ بنِ زيد، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد.

  6. وأخبرنا أحمدُ بنُ قاسم بن عيسى، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ حَبَابةَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيزِ البَغَويُّ، قال (٣) : حدَّثنا عليُّ بنُ الجَعْد، قال: أخبرنا حمادُ بنُ سَلَمة، عن أبي غالب، عن أبي أُمامة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أفْضَلُ الجِهادِ مَن قال كَلِمةَ حَقٍّ عندَ ذي سلطانٍ جائر" .

  7. وقد ذكَرْنا خبرَ بلالِ بنِ الحارثِ في بابِ محمدِ بنِ عمرٍو من هذا الكتاب، وهو في معنى الكلام عندَ السلطانِ على حسَبِ ما فسَّرْناه هناك، وقد كان الفُضَيْلُ ابنُ عِياضٍ يُشدِّدُ في هذا، فيقول: ربّما دخَل العالمُ على السلطانِ ومعه دينُه،

    ج ١٣ ص ٥٢٤فيخرُجُ وما معه منه شيءٌ. قالوا: كيف ذلك؟ قال: يَمَدُحه في وجْهِه، ويُصَدِّقُه في كَذِبه (١) .

  8. وذكر أحمدُ بنُ حنبل، عن ابنِ المُبارَك قال: لا تَأتِهم، فإن أَتَيْتَهم فاصدُقْهم. قال: وأنا أخافُ ألّا أصْدُقَهم (٢) .

    قال أبو عُمر: إن لم يَتَمكّن نُصْحَ السلطان، فالصبرُ والدعاء، فإنَّهم كانوا يَنْهَوْن عن سبِّ الأمراء.

  9. أخبرنا محمدُ بنُ خليفة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين البغداديُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ الحميد، قال: حدَّثنا أبو هشام الرِّفاعيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ يَمان، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن قيسِ بنِ وَهْب، عن أنسِ بنِ مالك، قال: كان الأكابرُ من أصحابِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَنْهَوْنَنا عن سبِّ الأمراء (٣) .

  10. وحدَّثنا محمدُ بنُ خليفة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي داود، قال: حدَّثنا عيسى بنُ محمدٍ أبو (٤) عُمَيْرٍ الرمليُّ، عن ضَمْرةَ،

    ج ١٣ ص ٥٢٥عن رَجاءِ بنِ أبي سَلَمة، عن عُبادةَ بنِ نُسَيٍّ، قال: وقَف أبو الدَّرْداء على بابِ معاويةَ فحجَبه لشُغْلٍ كان فيه، فكأن أبا الدَّرْداءِ وجَد في نفسِه، فقال: مَن يَأتِ أبوابَ السلطانِ قام وقعَد، ومَن يَجِدْ بابًا مغلقًا يجدْ إلى جنبِه بابًا رَحْبًا فُتُحًا (١) ، إن سأل أُعْطِيَ، وإنِ استَعاذ أُعِيذ، وإنَّ أولَ نفاقِ المَرْءِ طَعْنُه على إمامِه (٢) .

  11. وحدَّثنا محمدُ بنُ خليفة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: حدَّثنا أبو بكر عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ الحميدِ الواسطيُّ، قال: حدَّثنا أبو هشام الرِّفاعيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ يَمان، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، قال: ما سبَّ قومٌ أميرَهم إلا حُرِموا خيرَه (٣) .

  12. أخبرنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ بِشْر، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ حَزْم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمد (٤) ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ نصرُ بنُ مُهاجر، قال: حدَّثنا الفَيْضُ بنُ إسحاق، عن زُهَيْر بنِ مُعاوية، عن الأعمش، قال: قال

    ج ١٣ ص ٥٢٦حذيفة: إذا كان والي القوم خيرًا منهم لم يزالوا في علياء، وإذا كان واليهم شرًّا منهم - أو قال: شرَّهم- لم يَزْدادوا إلا سَفالًا.

  13. وذكر البخاريُّ (١) من حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "إذا وُسِّد الأمرُ إلى غيرِ أهلِه فانتظِرِ الساعة، وحينئذٍ تُرفَعُ الأمانة" .

    قال أبو عُمر: ويَجبُ على الإمام من النُّصْحِ لرعيَّتِه كالذي يَجبُ عليهم له، قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتِه، فالإمامُ الذي على النّاسِ راعٍ عليهم، وهو مسؤولٌ عنهم" الحديثَ. رواه ابنُ عمرَ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (٢) .

  14. وروَى ابنُ عباس، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "ما مِن أميرٍ يُؤمَّرُ على عَشَرةٍ إلّا يُسألُ عنهم يومَ القيامة" (٣) .

  15. وروَى الحسن، عن مَعْقِلِ بن يَسار، قال: سمِعتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "مَن استَرْعاه اللَّهُ رعِيَّةً ومات وهو لها غاشٌّ، حَرَّمَ اللَّهُ عليه الجنَّة" ؛ حدَّثناه أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمن، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الجَعْد (٤) ، قال: أخبَرنا أبو الأشهَب، عن الحسن؛ فذكَره.

  16. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ وأحمدُ بنُ قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيْر والحارثُ بنُ أبي أسامة، قالا: حدَّثنا هَوْذَةُ، قال: حدَّثنا عوفٌ، عن الحسن، قال: مرِض مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ مرضًا ثقُل فيه، فأتاه ابنُ (١) زيادٍ يَعودُه، فقال: إني مُحدِّثُك حديثًا سمِعتُه من رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، سمِعتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "مَن اسْتُرعيَ رَعِيّةً فلم يُحِطْهم بنَصيحَة، لم يَجِدْ ريحَ الجنّة، ورِيحُها يوجَدُ من مَسيرةِ خمسِ مئةِ عام" (٢) .

    ج ١٣ ص ٥٢٧
  17. حدَّثنا محمدُ بنُ خليفة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين (٣) ، قال: حدَّثنا ابنُ شاهين، قال: حدَّثنا أبو هشام محمدُ بنُ يزيدَ الرفاعيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ سهل، عن المغيرةِ بنِ مسلم، عن قتادة، عن أبي الدّرداء، قال: لا إسلامَ إلّا بطاعة، ولا خيرَ إلّا في الجماعة، والنُّصحُ للَّه، وللخليفة، وللمؤمنين عامةً (٤) .

  18. وأمّا قولُه: "ويَكرَهُ لكم قيل وقال، وكثرةَ السُّؤال" . فمعنى: "قيل وقال" -واللَّهُ أعلم- الحديثُ بما لا معنى لهُ ولا فائدةَ فيه من أحاديثِ الناس التي أكثَرُها

    ج ١٣ ص ٥٢٨غِيبةٌ ولَغَطٌ وكذِبٌ، ومَن أكثر من القيلِ والقالِ مع العامةِ لم يسلَمْ من الخوضِ في الباطل، ولا من الاغتياب، ولا من الكذِب. واللَّهُ أعلم.

  19. وقد رُوِيَ عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "كفَى بالمرءِ كذِبًا أن يحدِّثَ بكلِّ ما يسمَعُ" (١) . ومكتوب في حكمةِ داودَ وفي صُحُفِ إبراهيم: مَن عدَّ كلامَه من عملِه، قلَّ كلامُه إلا فيما يَعنيه. وفي المثل السائر: التقيُّ مُلْجَمٌ (٢) . وقد مضَى قولُه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَن كان يؤمِنُ باللَّه واليوم الآخرِ فليقلْ خيرًا أو ليسكُتْ" في باب سعيدِ بنِ أبي سعيد (٣) ، ومضَى هناك في الصمتِ وحفظِ اللسانِ بعضُ ما يكفي إن شاء اللَّه.

  20. وأمّا قولُه: "وكثرةَ السُّؤال" . فمعناه عندَ أكثرِ العلماء: التكثيرُ في السُّؤال من المسائل النوازل والأُغْلوطات (٤) ، وتشقيقُ المولَّدات (٥) . وقد أوضحنا هذا البابَ وبسَطْناه، وأشبعنا القولَ فيه من جهة الأثرِ في كتاب العلم.

    وقال مالك: أمّا نهيُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن كثرة السُّؤال، فلا أدري أهو الذي أنهاكم عنه من كثرةِ المسائل، فقد كره رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المسائل وعابها، أم هو مسألة الناس؟

    ج ١٣ ص ٥٢٩قال أبو عُمر: الظاهر في لفظ هذا الحديث: كراهة السُّؤال عن المسائل إذا كان ذلك على الإكثار، لا على الحاجة عند نزول النازلة؛ لأن السُّؤال في مسألة الناس إذا لم يجز، فليس ينهى عن كثرته دون قلَّته، بل الآثارُ في ذلك آثارُ عموم لا تفرِّقُ بين القلة والكثرة لمن كُره له ذلك؛ وقد مضى في معنى السُّؤال وما يجوز منه ولمن يجوز أبوابٌ كافية في هذا الكتاب.

  21. وأمّا حديثُ هذا الباب فمعناه -واللَّه أعلم-: ما ذكرنا، على أنه قد اختُلف فيه على ما وصفنا؛ وكان الأصلُ في هذا أنهم كانوا يسألون رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أشياءَ ويُلحُّون فيها فينزلُ تحريمُها، قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [المائدة: ١٠١] .

  22. ثبت عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنّه قال: "أعْظَمُ المُسلمينَ في المُسلمين جُرمًا مَن سَألَ عمّا لم يُحرَّمْ، فحُرِّمَ على النّاسِ مِنْ أجْلِ مَسْألتِه" .

  23. ورُوِيَ عن الزُّهريِّ، ومجاهد، وقتادةَ، وعكرمةَ، بمعنًى واحد، أنهم قالوا: كانوا يسألون رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فسألوه يومًا فأكثَروا عليه، فقام مُغضَبًا وقال: "سلُوني، فواللَّه لا تسألُوني - أو: لا يسألُني أحدٌ- عن شيءٍ في مقامي هذا إلا أخبَرتُه، ولو سألني عن أبيه لأخبَرتُه" ، فقام عبدُ اللَّه بنُ حُذافة فقال: مَن أبي؟ فقال: "أبوك حُذافة" . قال الزُّهريُّ: فقالت أمُّه: ما رأيتُ ولدًا أعقَّ منك! أكنتَ تأمَنُ أن تكونَ أمُّك قارَفت ما قارَف أهلُ الجاهلية فتفضَحَها؟ وقام رجلٌ فقال: الحجُّ واجبٌ في كلِّ عام، أم مرةً واحدةً؟ فقال: "بل مرةً واحدةً، ولو قلتُها لوَجَبت" . وقام سعدٌ مولى شيبةَ فقال: مَن أنا يا رسولَ اللَّه؟ قال: "أنتَ سعدٌ مولَى شيبةَ بنِ ربيعةَ" . وقام رجلٌ من بني أسدٍ فقال: أين أنا يا رسولَ اللَّه؟ قال: "أنتَ في النار" . فقام عمرُ فقال: رضِينا باللَّه ربًّا، وبالإسلام دينا، وبمحمَّدٍ نبيًّا، نعوذُ باللَّه من

    ج ١٣ ص ٥٣٠غضبِ اللَّه وغضبِ رسولِه. فنزَلت عندَ ذلك هذه الآيةُ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} الآيةَ (١) .

  24. ونَهى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن قيلَ وقال، وكثرةِ السُّؤال، وإضاعةِ المال. وقال ابنُ جُريج، عن عطاءٍ وعمرِو بنِ دينار، عن عُبيدِ بنِ عُمير: إنَّ اللَّهَ حرَّم أشياءَ وأحلَّ أشياءَ، فما حرَّم فاجتنِبوه، وما أحلَّ فاستحِلُّوه، وما سكَت عنه فهو عفوٌ فلا تسألوا عنه (٢) .

    وقال آخرون: معنى نَهْي النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن كثرةِ السُّؤال، أراد سؤالَ المال والإلحاحَ فيه على المخلوقين. واستدلُّوا بعطفِه على ذلك قولَه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وإضاعةَ المال" ، وبما رواه المغيرةُ بنُ شعبةَ وعمارُ بنُ ياسر، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "إنّ اللَّهَ كرِه لكم قيلَ وقالَ، وكثرةَ السُّؤال، وإضاعةَ المال، ومنْعَ وهات، ووأْدَ البنات، وعُقوقَ الأُمّهات" (٣) . قالوا: فقولُه: "ومنع وهات" هو من باب السُّؤال، والمنعُ في المال لا في العلم. قالوا: فكذلك نهيُه عن كثرةِ السؤال. واللَّهُ أعلم.

  25. حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حمدان، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ أحمدَ بنِ حنبل، قال: حدَّثني أبي (١) ، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا غيرُ واحدٍ منهم مُغيرةُ، عن الشعبيِّ، عن وَرّادٍ كاتبِ المغيرةِ بنِ شعبة، أنَّ معاويةَ كتَب إلى المغيرة: اكتُبْ إليَّ بحديثٍ سمعتَه من رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. فكتَب إليه المغيرةُ: إنّي سمعتُه يقولُ عندَ انصرافِه من الصلاة: "لا إلهَ إلا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ" ثلاثَ مرات، وكان ينهَى عن قيلَ وقالَ، وكثرةِ السُّؤال، وإضاعةِ المال، ومنْعَ وهات، وعقوقِ الأمهات، ووأدِ البنات.

    قال أبو عُمر: قد مضَى فيما يَحِلُّ من السُّؤالِ وما لا يَحِلُّ أبوابٌ كافيةٌ فيما سلفَ من هذا الكتاب، والسؤالُ إذا لم يَحِلَّ فلا يَحِلُّ منه التكثيرُ ولا التقليل، وإذا كان جائزًا حلالًا فلا بأسَ بالإكثارِ منه حتى يبلُغَ إلى الحدِّ المنهيِّ عنه. واللَّهُ أعلم.

    ج ١٣ ص ٥٣١
  26. وقد كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يكرَهُ كثرةَ السائل ويعيبُها، والانفكاكُ عندي من هذا المعنى والانفصالُ من هذا السُّؤالِ والإدخال، أن السُّؤالَ اليومَ لا يُخافُ منه أن ينزِلَ تحريمٌ ولا تحليلٌ من أجلِه، فمَن سأل مستفهِمًا راغبًا في العلم ونفيِ الجهل عن نفسِه، باحثًا عن معنًى يجبُ الوقوفُ في الديانةِ عليه، فلا بأسَ به، فشفاءُ العِيِّ السُّؤال، ومَن سأل مُعنِتًا غيرَ متفقِّهٍ ولا متعلِّم، فهذا لا يَحِلُّ قليلُ سؤالِه ولا كثيرُه. وقد أوضَحنا هذه المعانيَ كلَّها في كتاب "العلم" (٢) بما لا سبيلَ إلى ذكرِه هاهنا.

  27. وأمّا قولُه: "وإضاعةَ المال" ، فللعلماءِ في تأويلِ معناه ثلاثةُ أقوال:

    ج ١٣ ص ٥٣٢أحدُها: أنه أراد بذكرِ المالِ هاهنا الحيوانَ من مِلك اليمين؛ أن يُحسَنَ إليهم، ولا يُضَيَّعون فيهلِكون. وهذا قولٌ رواه السَّرِيُّ بنُ إسماعيل، عن الشعبيّ (١) . واحتجَّ مَن ذهَب هذا المذهبَ بحديث أنس (٢) وأمِّ سَلَمة (٣) ، أنَّ عامّةَ وصيةِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حينَ حضَرته الوفاةُ كانت قولَه: "الصَّلاةَ الصَّلاةَ وما ملَكت أيمانُكم" .

  28. والقولُ الثاني: إضاعةُ المالِ تَرْكُ إصلاحِه والنظرُ فيه وكسبِه. واحتجَّ مَن قال هذا بقولِ قيسِ بنِ عاصم لبَنيهِ حينَ حضَرته الوفاةُ: يا بَنيَّ، عليكم بالمالِ واصطناعِه، فإنَّ فيه منبَهةً للكريم (٤) ، ويُستغنَى به عن اللئيم (٥) . وبقول عَمْرِو بنِ

    ج ١٣ ص ٥٣٣العاص في خطبتِه حيث قال: يا معشَرَ الناس، إيَّايَ وخِلالًا أربعًا، فإنها تَدْعو إلى النصَبِ بعدَ الراحة، وإلى الضيقِ بعدَ السَّعَة، وإلى المذلةِ بعدَ العزِّ؛ إيَّايَ وكثرةَ العيال، وإخفاضَ الحال، والتضييعَ للمال، والقيلَ والقالَ في غيرِ دَرَكٍ ولا نَوال (١) .

  29. والقولُ الثالث: إضاعةُ المال: إنفاقُه في غير حقِّه؛ من الباطلِ والإسرافِ والمعاصي، لا جعَلنا اللَّه ممّن يستعينُ بنعمِه على معاصيه، آمينَ برحمتِه.

  30. حدَّثنا عبدُ الرحمن (٢) ، قال: حدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا سُحنونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ نَشيط، قال: سألتُ عمرَ مولَى غُفْرةَ عن الإسرافِ ما هو؟ قال: كلُّ شيءٍ أنفَقتَه في غيرِ طاعةِ اللَّه فهو سَرَفٌ وإضاعةٌ للمال (٣) .

  31. أخبرنا أحمدُ بنُ عبد اللَّه بن محمد، أنّ أباهُ حدَّثَه، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ يونس، قال: حدَّثنا بَقيُّ بنُ مخْلَد، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٤) : حدَّثنا يعلى بنُ عُبيد، عن محمدِ بنِ سُوقةَ، عن سعيدِ بنِ جُبير، أنَّه سألَهُ رجلٌ عن إضاعةِ المال، فقال: أن يرزُقَكَ اللَّهُ رزقًا فتُنفِقَهُ فيما حرَّم اللَّهُ عليك. وهكذا قال مالكٌ (٥) .