هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، أبو المنذر

٨٥٩ فقرة، ج ١٤ ص ٢٢

الصفحة ٢ من ٢٢

  1. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ وسعيدُ بنُ نصر، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (١) : حدَّثنا سفيان، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ فاطمةَ ابنةَ أبي حُبَيش الأسديةَ كانت تُستحاضُ، فسألت رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال لها: "إنما ذلك عِرْقٌ وليس بالحَيْضة، فإذا أقبَلتِ الحَيضة، فاترُكي الصلاة، وإذا أدبَرت فاغتسلي وصلِّي" . أو قال: "اغسلي عنكِ الدَّمَ وصلِّي" ، قالت عائشة: وهي إحدى نسائنا.

    ج ١٤ ص ٤٠
  2. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمد الصائغ، قال: حدَّثنا عفّان، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سَلَمة، قال: أخبرنا هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ فاطمةَ قالت: يا رسولَ اللَّه، إني مُستحاضة، أفأتركُ الصلاة؟ قال: "إنما ذلك عِرْقٌ وليسَ بالحَيْضة، فإذا أقبَلتِ الحَيضة، فاترُكي الصلاة، وإذا ذهَب وقتُها فاغسلي عنك الدَّمَ ثم تطَهَّري وصلِّي" . قال هشام: كان عُروةُ يقول: الغسلُ الأَوْلى ثم الطُّهرُ بعدُ (٢) .

  3. وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم وعبدُ الوارث بن سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ وأحمدُ بنُ سعيدٍ الجمّال، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ كُنَاسة، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: أتتْ فاطمةُ بنتُ أبي حُبَيش النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالت: إني أُستحاضُ فلا أطهُرُ، أفأدَعُ الصلاة؟

    ج ١٤ ص ٤١قال: "إنما ذلك ليس بحيض، ولكنه عِرْقٌ، فإذا أقبَلتِ الحَيضةُ، فدَعي الصلاة، وإذا أدبَرت فاغسلي عنكِ الدَّمَ وصلِّي" (١) .

  4. ورواه يحيى بنُ هاشم، عن هشام بنِ عُروة، بإسنادِه مثلَه، وقال فيه: "إذا أدبرَتْ فاغسلي عنك الدَّمَ وتوضَّئي عندَ كلِّ صلاةٍ وصلِّي" (٢) .

  5. ورواه الزهريُّ، عن عُروة، فاختُلف فيه عليه اختلافًا كثيرًا، قال فيه الأوزاعيُّ: عن الزُّهريِّ، عن عُروةَ وعَمرة، أن عائشة قالت: استُحيضَت أمُّ حَبيبةَ بنتُ جحش، وهي تحتَ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ سبعَ سنين، فأمرَها النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا أقبَلتِ الحَيضةُ فدعي الصلاة، وإذا أدبَرت فاغتسلي وصلِّي" (٣) .

    قال أبو داود (٤) : ولم يذكُرْ هذا الكلامَ أحدٌ من أصحاب الزهريِّ غيرَ الأوزاعيِّ، رواه عن الزُّهريِّ عمرُو بنُ الحارث، ويونسُ بنُ يزيد، والليثُ، وابنُ أبي ذئب، ومَعْمر، وإبراهيمُ بنُ سعد، وسليمانُ بنُ كثير، وابنُ إسحاق، وابنُ عُيينة، لم يذكُروا هذا الكلام، وإنما هذا لفظُ حديثِ هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة. قال أبو داود: وزاد ابنُ عُيينة فيه: أمَرها أن تدعَ الصلاةَ أيامَ أقرائِها. وهو وَهَمٌ من ابن عُيينة، قال: وحديثُ محمدِ بنِ عَمْرو، عن الزُّهريِّ فيه شيءٌ يقرُبُ من الذي روَى الأوزاعيُّ في حديثه.

  6. حدَّثنا (١) محمدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن محمدِ بنِ عَمْرو، قال: حدَّثني ابنُ شهاب، عن عُروةَ بنِ الزبير، عن فاطمةَ بنتِ أبي حُبيش، أنها كانت تُستحاضُ، فقال لها النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا كان دمَ الحيض، فإنه دمٌ أسودُ يُعرَفُ، فإذا كان ذلك فأمسِكي عن الصلاة، فإذا كان الآخرَ فتوضَّئي وصلِّي، فإنما ذلك عِرْقٌ" .

    قال أبو داود: قال ابنُ المثنَّى: هكذا حدَّثنا به ابنُ أبي عَدِيٍّ من كتابه، ثم حدَّثنا بعدُ حفظًا فقال: حدَّثنا محمدُ بنُ عَمْرو، عن الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشة، أنَّ فاطمةَ كانت تُستحاضُ، فذكَره.

    قال أبو عُمر: روَى هذا الحديثَ سهيلُ بنُ أبي صالح، عن الزُّهريِّ، عن

    ج ١٤ ص ٤٣عُروةَ بنِ الزبير، قال: حدَّثتْني فاطمةُ بنتُ أبي حُبَيش، أو أسماءُ حدَّثتْني أنّ فاطمةَ. فلم يُقم الحديث (١) .

    وقال فيه إبراهيمُ بنُ سعد: عن ابن شهاب، عن عَمرةَ بنتِ عبدِ الرحمن، أنها سمِعَتْ عائشةَ تقول: جاءت أمُّ حبيبةَ بنتُ جَحْش إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكانت قد استُحيضَت سبعَ سنين، فاشتَكت ذلك إليه واستفتَتْه، فقال لها: "إن هذا ليس بالحيضة، وإنما هو عِرْق فاغتسلي ثم صلِّي" . قالت عائشة: فكانت أمُّ حبيبةَ تغتسلُ لكلِّ صلاةٍ وتصلِّي (٢) .

    وقال فيه عمرُو بنُ الحارث: عن ابنِ شهاب، عن عُروةَ وعَمرة، عن عائشة، أنَّ أمَّ حبيبةَ بنتَ جحش خَتَنةَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وتحتَ عبدِ الرحمن بنِ عوف استُحيضَت سبعَ سنين، فقال لها رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عِرْقٌ فاغْتَسلي وصلِّي" (٣) . وقد ذكَرنا الآثارَ وما لعلماءِ الأمصارِ من المذاهب في هذا الباب ممهَّدًا في باب نافع من هذا الكتاب، والحمدُ للَّه (٤) .

    ج ١٤ ص ٤٢
  7. وأما حديثُ مالكٍ عن هشام، ففيه من الفقه: أنَّ الحيضَ يمنَعُ المرأةَ الحائضَ من الصلاة، وأنَّ من الدم الطاهر من الرحم دمًا لا تمتنعُ معه المرأةُ من الصلاة،

    ج ١٤ ص ٤٤وهو العِرْقُ الذي قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومعنى قوله: "إنما ذلك عِرْقٌ" ؛ يريد: عرقٌ انفجَر أو انقطَع وهي الاستحاضة؛ ولهذا سألتْه فاطمةُ إذ أشكَل عليها ذلك، فأجابها بجواب يدلُّ على أنها كانت تميزُ انفصالَ دم حيضِها من دم استحاضتِها؛ فلهذا قال لها: "إذا أقبَلتِ الحيضةُ فاتْرُكي الصلاة، فإذا ذهَب قدْرُها، فاغتسلي وصلِّي" . وهذا نصٌّ صحيحٌ في أن الحائضَ تتركُ الصلاة، ليس عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في هذا الباب أثبتُ منه من جهةِ نقل الآحادِ العُدول، والأمّةُ مجمعةٌ على ذلك وعلى أن الحائضَ بعدَ طُهرِها لا تقضي صلاةَ أيام حَيضتِها؛ لا خلافَ في ذلك بين علماءِ المسلمين، فلزِمَت حُجَّتُه وارتفعَ القولُ فيه.

  8. وقد روَى أبو قلابةَ وقتادةُ جميعًا، عن مُعاذةَ العدَوية، عن عائشة، أن امرأةً سألتها: أتقضي الحائضُ الصلاة؟ فقالت لها عائشة: أحَرُوريّةٌ أنت؟ قد كُنّا نَحيضُ على عهدِ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ثم نَطهُرُ فلا نُؤمَرُ بقضاءِ الصلاة. وزاد بعضُهم: ونُؤمَرُ بقضاءِ الصوم (١) . وهذا إجماعٌ أن الحائضَ لا تصومُ في أيام حَيضتِها، وتقضي الصومَ ولا تقضي الصلاة، لا خلافَ في شيءٍ من ذلك، والحمدُ للَّه.

  9. وما أجمعَ المسلمون عليه فهو الحقُّ والخبرُ القاطعُ للعُذْر، وقال اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: ١١٥] . والمؤمنون هاهنا: الإجماع؛ لأنَّ الخلافَ لا يكونُ معَه اتباعُ غير سبيل المؤمنين، لأنَّ بعضَ المؤمنين مؤمنون، وقد اتَّبع المتَّبعُ سبيلَهم، وهذا واضحٌ يُغني عن القول فيه.

  10. وأمّا قولُه: "فإذا أدبَرت الحيضةُ فاغسلي عنك الدمَ وصلِّي" . في رواية مالك، فقد فسَّره غيرُه ممن ذكَرنا روايتَه هاهنا؛ وهو أن تغتسلَ عندَ إدبارِ حيضتِها وإقبالِ دم استحاضتِها كما تغتسِلُ الحائضُ عندَ رؤيةِ طُهْرِها سواءً؛ لأنَّ المستحاضةَ طاهرٌ، ودمَها دمُ عرْقٍ كدم جُرح سواءً، فيلزَمُها عندَ انقطاع دم حيضتِها الاغتسال، كما يلزَمُ الطاهرَ التي لا ترَى دمًا.

    ج ١٤ ص ٤٥
  11. وفي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ المستحاضةَ لا يلزَمُها غيرُ ذلك الغُسْل؛ لأنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يأمُرْها بغيرِه، وفيه ردٌّ لقول مَن رأى عليها الغُسلَ لكلِّ صلاة، وردٌّ لقول مَن رأى عليها الجمعَ بين الظُّهر والعصر بغُسْل واحد، والمغرب والعشاء بغُسْل واحد، وتغتسِلُ للصبح؛ لأنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يأمُرْها بشيءٍ من ذلك في هذا الحديث، وهو أصحُّ حديث رُوِيَ في هذا الباب، وهو ردٌّ لقول من قال بالاستظهار يومين أو ثلاثًا أو أقلَّ أو أكثر.

  12. وقد استدلَّ بعضُ مَن يرَى الاستظهارَ من أصحابنا بقوله عليه السلام في هذا الحديث: "فإذا ذهبَ قَدْرُها" . قال: لأنَّ قدْرَ الحيض قد يَزيدُ مرةً وينقُصُ أخرى؛ فلهذا رأى مالكٌ الاستظهارَ بثلاثةِ أيام ليستبينَ فيها انفصالُ دم الحيض من دم الاستحاضة، واقتصَر على الثلاثةِ الأيام استدلالًا بحديثِ المُصرَّاة (١) ، إذ حدَّ فيه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ثلاثةَ أيام في انفصالِ اللَّبَنيْن.

    وقال غيرُه ممن يخالفُه في الاستظهار: معنى قوله: "فإذا ذهَب قَدْرُها" . تقول: إذا ذهبتْ وأدبَرتْ وخرَج وقتُها، ولم يكن في تقديرِك أنه بقيَ شيءٌ منه،

    ج ١٤ ص ٤٦فاغتسلي حينئذ ولا تمكُثي وأنتِ غيرُ حائض دون غسل ودون صلاة. قال: ومحالٌ أن يأمُرَها رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهي قد ذهَبت حيضتُها- أن تترُكَ الصلاةَ ثلاثةَ أيام لانتظارِ حيضٍ يجيءُ أو لا يجيءُ.

  13. ومعنى قوله: "فإذا ذهَب قدرُها" لا يخلُو من أن يكونَ أراد انقضاءَ أيام حيضتِها، أو انفصالَ دم حيضتِها من دم استحاضتِها، وأيُّ ذلك كان، فقد أمرها أن تغتسلَ وتصلِّي، ولم يأمُرْها باستظهار، ولو كان واجبًا عليها لأمَرها به، قالوا: والسُّنةُ تنفي الاستظهار؛ لأنَّ دمَ أيامِه جائزٌ أن يكونَ استحاضة، وجائزٌ أن يكونَ حيضًا، والصلاةُ فرضٌ بيقين، فلا يجوزُ لامرأةٍ أن تدَعَ الصلاةَ حتى تستيقِنَ أنها حائضٌ.

  14. وذكَروا أنَّ مالكًا وغيرَه من العلماء قد جاءَ عنهم أنهم قالوا: لأنْ تصلِّي المستحاضةُ وليس عليها ذلك خير من أن تدعَ الصلاةَ وهي واجبةٌ عليها.

  15. وفي هذا الحديث أيضًا ردٌّ على مَن أوجَب الوضوءَ على المستحاضةِ لكلِّ صلاة، لأنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لها: "إذا ذَهبتِ الحيضةُ فاغتَسلي وصلِّي" ، ولم يقل: توضَّئي لكلِّ صلاة.

  16. وقد ذكَرنا القائلين بإيجاب الوضوءِ عليها لكلِّ صلاة، والقائلين بإيجابِ الغسل، ووجهَ قولِ كلِّ واحدٍ منهم مبسوطًا ممهَّدًا في باب نافع عن سليمانَ بنِ يسار (١) ، والحمدُ للَّه.

    قال أبو عُمر: إذا أحدَثتِ المستحاضةُ حدَثًا معروفًا معتادًا لزِمَها له الوضوء، وأمّا دمُ استحاضتِها فلا يوجبُ وضوءًا، لأنه كدَم الجُرح السائل، وكيف يجبُ من أجلِه وضوءٌ وهو لا ينقطعُ؟ ومَن كانت هذه حالَه من سلَس البول،

    ج ١٤ ص ٤٧والمَذْي، والاستحاضةِ لا يَرفَعُ بوضوئِه حدَثًا؛ لأنه لا يُتمُّه إلا وقد حصَل ذلك الحدَثُ في الأغلب، وإلى هذا المذهب ذهَب مالكٌ وأصحابُه، وهو ظاهرُ حديث هشام بنِ عُروةَ هذا في قصةِ فاطمةَ بنت أبي حُبَيش، إلا أن عُروةَ كان يُفتي بأن المستحاضةَ تتوضَّأُ لكلِّ صلاة، وذلك -عندَ مالكٍ- على الاستحبابِ لا على الإيجاب، وقد ذكَرنا ما في هذا الباب من الآثارِ المرفوعة وغيرِها على اختلافِها، وذكَرنا مَن تعلَّق بها وذهَب إليها من علماءِ الصحابةِ والتابعين وفقهاءِ المسلمين، وذكَرنا اختلافَهم في ذلك، وأصلَ كلِّ واحدٍ منهم في الحيضِ والطهرِ والاستحاضةِ، ممهَّدًا مبسوطًا في باب نافع عن سليمانَ من هذا الكتاب، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهنا، والحمدُ للَّه.

  17. روى مالكٌ في "موطئه" (١) عن هشام بن عُروة، عن أبيه، أنه قال: ليس على المستحاضةِ إلا أن تغتسلَ غسلًا واحدًا، ثم تتوضَّأ بعدَ ذلك لكلِّ صلاة.

    قال مالك (٢) : الأمرُ عندَنا على حديثِ هشام بنِ عُروة، عن أبيه، وهو أحبُّ ما سمِعتُ إليَّ.

  18. ومن معاني هذا الحديثِ وجهٌ آخرُ أخَّرنا القولَ فيه في ذلك الباب إلى هذا الموضع، وهو قولُ العلماءِ في المرأة التي لم تَحِضْ قطُّ، فحاضت يومًا وطهُرت يومًا، أو حاضَت يومين وطهُرت يومًا أو يومين، ونحو هذا:

    فأما مالك وأصحابه، فقالوا: تجمعُ أيامَ الدم بعضَها إلى بعض وتطرَحُ أيامَ الطُّهْر، وتغتسلُ عند كلِّ يوم ترَى فيه الطُّهرَ أولَ ما تراه، وتصلِّي ما دامت طاهرًا، وتكُفُّ عن الصلاةِ في أيام الدم اليومَ واليومين، وتُحصي ذلك، فإذا كان

    ج ١٤ ص ٤٨ما اجتمَع لها من أيام الدم خمسةَ عشَرَ يومًا اغتسَلتْ وصلَّتْ، وإن زاد على خمسةَ عشَرَ يومًا فهي مستحاضةٌ، وإن كانت خمسةَ عشَرَ يومًا أو أقلَّ، فهى حيضةٌ تقطَّعت. هذه رواية المدنيين عن مالك (١) .

  19. وروى ابنُ القاسم وغيره (٢) عنه أنها تضُمُّ أيامَ الدم بعضَها إلى بعض، فإن دام بها ذلك أيامَ عادتِها، استظهَرتْ بثلاثةِ أيام على أيام حيضتِها، فإن رأتْ في خلال أيام الاستظهارِ أيضًا طُهرًا ألغَتْه حتى تُحصِّلَ ثلاثةَ أيام للاستظهارِ وأيام الطُّهر، وتصلِّي وتصوم، ويأتيها زوجُها، ويكونُ ما جمعَتْ من أيام الدم بعضه إلى بعضٍ حيضةً واحدة، ولا تعتدُّ أيام الطُّهر في عدّةٍ من طلاق، فإذا استظهَرتْ بثلاثةِ أيام بعدَ أيام حيضتِها توضَّأت لكلِّ صلاة، وتغتسلُ كلَّ يوم من أيام الطُّهر عندَ انقطاع الدم. وإنما أُمِرت بالغسل لأنها لا تدري لعلَّ الدمَ لا يرجعُ إليها.

  20. وروايةُ الربيع عن الشافعيِّ (٣) مثلُ روايةِ المدنيين عن مالك في هذه المسألة، اعتبارُ الخمسةَ عشَرَ يومًا بلا استظهار. وكذلك قال محمدُ بنُ مَسلَمة.

  21. ولم يختلفْ مالكٌ والشافعيُّ، إذا كان تقطُّعُ حيضتِها يومًا كاملًا أو يومًا وليلة، أنها في يوم الحيض حائضٌ لا مستحاضةٌ، وفي يوم الطُّهر طاهرٌ، أو هي حيضةٌ متقطِّعة.

    وقال محمدُ بنُ مَسْلَمة: إذا كان طُهرُها يومًا وحَيضُها يومًا، فطُهرُها أقلُّ الطُّهر، وحَيضُها أكثرُ الحيض، فكأنها قد حاضَت خمسةَ عشَرَ يومًا متواليةً، وطهُرت خمسةَ عشَر؛ فخَبالُ حيضتِها لا يضُرُّها، واجتماعُ الأيام وافتراقُها سواءٌ، ولا تكونُ مستحاضة.

  22. وأمّا أبو حنيفةَ وأصحابُه فمذهبُهم في هذه المسألة اعتبارُ أقلِّ الطُّهرِ وأقلِّ الحيض؛ فأما أبو يوسُف (١) فاعتبَر أقلَّ الطُّهر خمسةَ عشَرَ يومًا، وجعَله كدم متَّصل، وأما محمدُ بنُ الحسن (٢) فاعتبَر مقدارَ الدم والطُّهر؛ فإذا كان بينَ الدَّمَين من الطُّهر أقلُّ من ثلاثةِ أيام، فإن ذلك كلَّه كدمٍ متَّصل، سواءٌ كان الحيضُ أكثرَ أو الطُّهرُ أكثرَ؛ نحوَ أن تَرى يومًا حيضًا أو يومين، ويومين طُهرًا، وساعةً دمًا، فيكون جميعُ ذلك حيضًا.

    وقال أبو جعفر الطحاويُّ (٣) : قد اتفقوا أنه لو انقطَع ساعةً أو نحوَها أنه كدم متصل، فكذلك اليومَ واليومين؛ لأنه لا يُعتدُّ به من طلاق.

    ج ١٤ ص ٤٩
  23. وقد قال أبو الفرج: ليس بنكير أن تَحيضَ يومًا وتطهُرَ يومًا فتتقطَّعَ الحيضةُ عليها، كما لا يُنكرُ أن يتأخَّرَ حيضُها عن وقتِه؛ لأن تأخيرَ بعضِه عن اتصالِه كتأخيرِه كلِّه، فمن أجل ذلك كانت بالقليل حائضًا، ثم لم يكن القليلُ حيضة؛ لأنَّ الحيضةَ لا تكونُ إلا بأنْ يمضيَ لها وقتٌ تامٌّ وطُهرٌ تامٌّ، أقلُّه فيما روَى عبدُ الملك خمسةُ أيام، قال: ولو أن قلّة الدم يُخرِجُه من أن يكونَ حيضًا، لأخرجَتْه من أن تكونَ استحاضةً؛ لأنَّ دمَ العرْق هو الكثيرُ الزائدُ على ما يُعرَفُ.

    قال أبو عُمر: راعَى عبدُ الملك (٤) وأحمدُ بنُ المعذَّل في هذه المسألة ما أصَّلاه في أقلِّ الطُّهر خمسةَ أيام، وراعى محمدُ بنُ مسلمةَ خمسةَ عشَرَ طُهرًا، وجعل كلَّ ما يأتي من الدم قبلَ تمام الطُّهر عِرقًا لا تُترَكُ فيه الصلاة، وكذلك يلزَمُ كلَّ مَن

    ج ١٤ ص ٥٠أصَّل في أقلِّ الطُّهر أصلًا بعدَّةٍ معلومة، أن يعتبرَها في هذه المسألة، وقد ناقَض الكوفيون؛ لأنهم قالوا في هذه المسألة بمراعاةِ ثلاثةِ أيام طُهرًا، وقولِهم في أقلِّ الطُّهر: إنه خمسةَ عشَرَ يومًا، وقد ذكَرنا في باب نافع من أصول العلماء وفروع أقوالهم في الحَيْضِ والطُّهر والاستحاضةِ ما تقفُ به على صحةِ هذه المسألة وغيرِها في مذاهبِهم إن شاء اللَّه.

    قال أبو عُمر: إنما أجرَينا هذه المسألة هاهنا وإن كانت قد مرَّت في باب نافع (١) ؛ لأنها داخلةٌ في معنى قول رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا أقبَلتِ الحَيضةُ فاترُكي الصلاة، فإذا ذهب قدْرُها وأدبَرت فاغتسلي وصلِّي" . وقد ذكَرنا حكمَ أقلِّ الحيض والطُّهر وأكثرِهما، واختلافَ العلماءِ في ذلك في باب نافع من هذا الكتاب، والحمدُ للَّه.

  24. حديثٌ ثالثٌ لهشام بنِ عُروةَ

    مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة، أن الحارثَ بنَ هشام سألَ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: كيف يأتيك الوحيُ؟ فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أحيانًا يأتيني في مثل صَلْصَلَةِ الجرَس، وهو أشدُّه عليَّ، فيَفصِمُ عنِّي وقد وعَيتُ ما قال، وأحيانًا يَتمثَّلُ لي الملكُ رجلًا، فيُكلِّمُني فأعي ما يقول" . قالت عائشة: ولقد رأيتُه يُنزَلُ (٢) عليه في اليوم الشَّديد البَرْد، فيفصِمُ عنه وإنّ جبينَه ليَتفصَّدُ عرَقًا.

    ج ١٤ ص ٥١
  25. في هذا الحديث دليلٌ على أن أصحابَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كانوا يسألونه عليه السلامُ عن كثير من المعاني، وكان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُجيبُهم ويُعلِّمُهم، وكانت طائفةٌ تسألُ، وطائفةٌ تحفظُ وتُؤدِّي وتُبلِّغُ، حتى أكمَل اللَّهُ دينَه، والحمدُ للَّه.

  26. وفي هذا الحديث نوعان أو ثلاثةٌ من صفة نُزول الوحي عليه، وكيفية ذلك، وقد ورد في غيرِ ما أثر ضروبٌ من صفة الوحي حتى الرُّؤيا؛ فرُؤيا الأنبياء وحيٌ أيضًا، ولكن المقصدَ بهذا الحديث إلى نزول القرآن، واللَّهُ أعلم. وقد بيَّنا معنى هذا الحديث وشبهِه في باب إسحاقَ بنِ عبد اللَّه بن أبي طلحةَ من هذا الكتاب (٣) . والحمدُ للَّه.

  27. وأمّا قولُه: "صَلْصَلَة الجَرَس" فإنه أراد في مثل صوتِ الجرَس، والصَّلْصَلةُ: الصوت، يقال: صلْصلةُ الطَّسْت، وصَلْصلةُ الجرس، وصَلْصلةُ الفَخّار.

  28. وقد روَى حمّادُ بنُ سَلَمة، عن عطاءِ بنِ السائب، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن

    ج ١٤ ص ٥٢ابن عباس، أنه قال: كان الوحيُ إذا نزل سمِعَتِ الملائكةُ صوتَ مِرَارِ -أو إمرارِ- السِّلْسِلَةِ على الصَّفا (١) .

  29. وفي حديث حُنين، أنهم سمِعوا صلصلةً بين السماء والأرض، كإمرارِ الحديدِ على الطَّست الجديد (٢) .

  30. ورُوي عن مجاهدٍ في قول اللَّه تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا} . قال: أن ينفُثَ في نفسه، {أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} . قال: موسى حين كلَّمه اللَّه، {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا} [الشورى: ٥١] . قال: جبريلَ إلى محمد صلَّى اللَّه عليهما وسلم، وأشباهِه من الرسل.

  31. ورَوى ابنُ وَهْب (٣) ، عن يونُس، عن ابن شهاب، أنه سُئل عن هذه الآية: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} . قال: نرى هذه الآيةَ تعُدُّ مَن أوحى اللَّهُ إليه من البشر؛ فالكلام: ما كلَّم اللَّه بهِ موسى من وراء حجاب، والوحيُ: ما يُوحي اللَّهُ إلى النبيِّ من الهداية، فيُثبتُ اللَّهُ ما أراد من وحيِه في قلب النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فيتكلَّمُ به النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ويكتبُه، فهو كلامُ اللَّه ووحيُه، ومنه ما يكونُ بين اللَّه وبين

    ج ١٤ ص ٥٣رسُلِه، لا يكلِّمُ به أحدٌ من الأنبياء أحدًا من الناس، ولكنه يكونُ سرَّ غيبٍ بين اللَّه وبين رسُله، ومنه ما يتكلَّمُ به الأنبياء ولا يكتبونه، ولكنهم يُحدِّثون به الناسَ ويأمرونَهم بكتابِه ويُبيِّنون لهم أنّ اللَّه أمرَهم أن يُبيِّنوه للناس، ويُبلِّغوهم إيّاه.

  32. ومنَ الوحْي ما يُرسل اللَّهُ مَنْ يشاءُ من ملائكتِه فيُوحِيه وحيًا في قلوب مَنْ يشاءُ من رُسُله، وقد بيَّن لنا في كتابه أنّه كان يُرسل جبريلَ إلى محمد -عليهما السّلام- فقال في كتابه: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: ٩٧] ، وقال عزَّ وجلَّ: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥] .

  33. وأما قولُه: "فيَفْصِمُ عنّي" ، فمعناه: ينْفَرجُ عنّي ويذهَبُ، كما تفْصِمُ الخَلْخالَ إذا فتحْتَهُ لتُخرِجَه من الرِّجْل، وكلُّ عُقْدةٍ حللْتَها فقد فَصَمْتَها؛ قال اللَّه عزَّ وجلَّ: {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: ٢٥٦] . وانفصامُ العُروة: أن تنفَكَّ عن موضِعِها، وأصلُ الفصْم عندَ العرب: أن يُفَكَّ الخَلْخالُ ولا يَبِينَ كسرُهُ، فإذا كَسَرتَهُ، فقد قَصَمْتَه، بالقاف. قال ذو الرُّمَّة (١) :

    كأنَّه دُمْلُجٌ من فضّةٍ نَبَهٌ ... في ملْعَبٍ مِنْ عَذَارى الحَيِّ مفْصُومُ

    ج ١٤ ص ٥٤حديثٌ رابعٌ لهشام بنِ عُروةَ

    مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنها قالت: خسَفَت الشمسُ في عهدِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فصلَّى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالناس، فقامَ فأطالَ القيامَ، ثم ركَع فأطال الركوع، ثم قام فأطالَ القيامَ وهو دونَ القيام الأول، ثم ركع فأطالَ الركوعَ وهو دونَ الركوع الأول، ثم رفَع فسجَد، ثم فعَل في الركعةِ الآخرة مثلَ ذلك، ثم انصرَف وقد تجلَّت الشمسُ، فخطَب الناسَ، فحمِد اللَّهَ وأثنى عليه، ثم قال: "إنّ الشَّمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ اللَّه، لا يَخْسِفان لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه، فإذا رأيتُم ذلك فادعُوا اللَّه وكبِّروا وتصَدَّقوا" . ثم قال: "يا أمةَ محمد، واللَّه ما من أحدٍ أغيرُ من اللَّه أن يَزنيَ عبدُه، أو تَزنيَ أمَتُه، يا أمةَ محمد، واللَّه لو تعلَمون ما أعلمُ، لضحِكتُم قليلًا، ولبكَيتُم كثيرًا" .

    قال أهلُ اللغة: خسَفَت: إذا ذهَب ضَوْؤها ولونُها، وكسَفَت: إذا تغيَّر لونُها، يقال: بئرٌ خَسِيف: إذا ذهَب ماؤُها، و: فلانٌ كاسفُ اللون؛ أي: متغيِّرُ اللون. ومنهم مَن يجعلُ الخسوفَ والكسوفَ واحدًا، والأولُ أولى (٢) . واللَّه أعلم.

  34. وقد تقدَّم القولُ في معاني هذا الحديث، وما للعلماء في صلاةِ الخسوف من المذاهب والمعاني ممهَّدًا في باب زيد بن أسلَم (٣) من هذا الكتاب، فلا معنى لإعادةِ ذلك هاهنا.

  35. وفي هذا الحديث حُجَّةٌ للشافعيِّ في قوله: إن الإمامَ يخطُبُ في الكُسوف بعدَ الصلاة كالعيدَين والاستسقاء (١) . ألا ترى إلى قوله في هذا الحديث: "ثم انصرَف وقد تجلَّت الشمسُ (٢) ، فخطَب الناسَ، فحَمِد اللَّهَ وأثنى عليه" . وهو قولُ الطبريّ.

    وقال مالكٌ وأبو حنيفة وأصحابُهما (٣) : لا خُطبةَ في الخسوف. والحُجَّةُ لهم أن خُطبةَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يومئذ إنما كانت لأن الناسَ كانوا يقولون: كسَفت الشمسُ لموت إبراهيمَ، ابن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فخطَبهم ليُعْلِمَهم بأنه ليس كذلك، وأن الشمسَ والقمرَ آيتان من آياتِ اللَّه، لا يَخسِفانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه.

    ج ١٤ ص ٥٥
  36. واحتجَّ الشافعيُّ ومَن قال بقوله في أنّ القمرَ يُصلَّى لكسوفه، كما يُصلَّى في كُسوف الشّمس، سواءً في جماعةٍ وعلى هيئتِها، بقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنّ الشمسَ والقمرَ آيتان من آياتِ اللَّه، لا يَخْسِفان لموتِ أحَدٍ ولا لحياته؛ فإذا رأيتُم ذلك فصَلُّوا وادْعُوا (٤) " ، فندَب رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى الصلاة عند خُسُوفهما، ولم يَخُصَّ إحداهما دونَ الأخرى بشيء؛ وصلّى عند كُسوفِ الشّمس، فكان القمرُ في حُكْم ذلك عندَ كُسُوفِه، إذ لم يُنقَل عنه خلافُ ذلك -صلى اللَّه عليه وسلم- في القَمَر.

    ج ١٤ ص ٥٦وقال مالكٌ وأبو حنيفة (١) : يُصلِّي الناسُ عند كُسوف القمرِ وُحْدانًا ركعَتَين ركعَتَين ركعَتَين، ولا يصلُّون جماعةً، وكذلك القولُ عند أبي حنيفةَ في كُسوف الشَّمس في هيئة الصَّلاة.

    وقال الليثُ وعبدُ العزيز بنُ أبي سَلَمة (٢) : لا يُجمع فيها، ولكن يُصلُّونها مُنفَرِديْنَ على هيئةِ الصّلاة في كُسوف الشَّمس.

    وقال الشافعيُّ وأصحابُه والطبريُّ (٣) : الصلاةُ في خُسوف الشَّمسِ والقمرِ سواءٌ على هيئةٍ واحدةٍ ركعتان، في كلِّ ركْعَةٍ رُكوعان، جماعة. وروي ذلك عن عثمان بن عفان وابن عباس، وقد مضت هذه المعاني مهذَّبةً في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ من هذا الكتاب (٤) . والحمدُ للَّه.

  37. حديثٌ خامسٌ لهشام بنِ عُروةَ

    مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا نَعَسَ أحدُكُم في صلاتِه، فليَرْقُدْ حتى يذْهَبَ عنه النَّوم، فإنّ أحدَكُم إذا صلَّى وهو ناعِسٌ لا يدْرِي لعلَّه يذهَبُ يستَغفِرُ فيَسُبُّ نفسَه" .

    ج ١٤ ص ٥٧
  38. في هذا الحديث دليلٌ على أنّ الصلاةَ لا ينبغي أن يقرَبَها مَن لا يعقِلُها ويعقِلُ حدودَها، وقد قال الضحّاكُ بنُ مُزاحم في قول اللَّه عزَّ وجلَّ: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: ٤٣] . قال: من النوم.

  39. وأما معنى هذا الحديث فبيّنٌ لا مدخلَ للقول فيه، إلا أنَّ الاستدلالَ منه بأنّ النُّعاسَ والنومَ اليسيرَ لا ينقُضُ الصَّلاة استدلالٌ صحيحٌ، وإذا لم يَنقُض الصلاةَ لم يَنقُض الوُضوء، وقد مضى القولُ في أحكام النوم في باب أبي الزناد (٢) ، والحمدُ للَّه.

  40. وفي هذا الحديث أيضًا دليلٌ على أنّ ما شغَل القلبَ عن الصلاة، وعن خُشُوعها، وتمام ما يجبُ فيها، فواجبٌ تركُه، وواجبٌ ألّا يُصلِّيَ المرءُ إلّا وقلبُه مُتفرِّغٌ لصلاتِه، ليكونَ متيقِّظًا فيها مُقبلًا عليها، وباللَّه التوفيق.