هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، أبو المنذر
٨٥٩ فقرة، ج ١٤ ص ٢٢
الصفحة ١٠ من ٢٢
- ج ١٤ ص ١٦٣
هكذا قال ابنُ عيينةَ في هذا الحديث، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - هو كان الداخلَ على أبي بكرٍ وعلى بلالٍ وعامرِ بنِ فُهَيرةَ يعودُهم، وهو كان المخاطِبَ لهم. وشكَّ في قولِ بلال في البيت الذي أنشَده: بفخٍّ أو: بوادٍ.
-
وروَى ابنُ إسحاق (٢) هذا الحديث، عن عبدِ الله بنِ عُروة، عن عُروة، عن عائشةَ بمثل روايةِ ابنِ عُيينةَ سواءً في المعنى، إلا أنه قال: بفَخٍّ. من غير شَكٍّ، ولم يقل: بوادٍ.
قال الفاكهيُّ (٣) : وفَخٌّ: الوادي الذي بأصلِ الثَّنيةِ البيضاءِ إلى بَلْدَح.
ج ١٤ ص ١٦٤قال أبو عُمر: وهو بقُربِ وادي ذي طَوًى، وإيّاه عنى الشاعرُ النُّمَيريُّ (١) حيث قال:
تَضَوَّعَ مِسْكًا بطنُ نَعْمانَ أنْ ... مشَتْ به زينبٌ في نِسوةٍ خَفِراتِ (٢)
مَرَرْنَ بفخٍّ رائحاتٍ عَشِيّةً ... يُلَبِّينَ للرَّحمنِ مُعْتَمِراتِ
ونَعْمانُ: وادي عرفات.
وقال آخرُ:
ماذا بفَخٍّ من الإشراقِ والطِّيبِ ... ومن جَوارٍ نَقيّاتٍ رَعابيبِ (٣)
-
وأما قولُ ابنِ عُيينة: "وانْقُلْ وباءَها إلى خُمٍّ أو الجُحْفَة" . شَكٌّ، فإنَّ "خُمّ" أيضًا من الجُحْفَةِ قَريبٌ.
وقال ابنُ إسحاقَ في حديثه: "وانْقُلْ وباءَها إلى مَهْيعَةَ" : وهي الجُحْفة.
-
وقد روَى ابنُ أبي الزناد، عن موسى بن عُقْبةَ، عن سالم، عن ابنِ عمر، قال: سمِعتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقول: "رأيتُ في المنام امرأةً سوداءَ ثائرةَ الشَّعَرِ تَفِلةً (٤) ، أُخْرِجت من المدينة فأُسْكِنت مَهْيعةَ، فأوَّلتُها وباءَ المدينةِ يَنقُلُها اللهُ إلى مَهيعةَ" (٥) .
- ج ١٤ ص ١٦٥
وفي هذا الحديثِ: بيانُ ما هو مُتعارَفٌ حتى الآنَ من تَنكُّرِ البُلدانِ على مَن لم يعرِفْ هواها، ولم يُغَذَّ بمائها.
-
وفيه: عيادةُ الجِلَّةِ السادةِ لإخوانهم ومواليهم الصالحين، وفي فضلِ العيادةِ آثارٌ كثيرةٌ قد وقَعت في مواضِعها من هذا الكتاب.
-
وفيه: سؤالُ العليل عن حاله بـ: كيفَ تَجِدُكَ؟ وكيف أنت؟ ونحو ذلك.
-
وفيه: أنّ إشارةَ المريض إلى ذكرِ ما يجدُ ليس بشَكْوَى، وإذا جاز استخبارُ العليل جاز إخبارُه عمّا به، ومَن رضيَ فله الأجرُ والرِّضا، ومَن سَخِط فله السَّخَطُ والبَلْوَى.
-
وفيه: إجازةُ إنشادِ الشِّعر والتَّمثل به واستِماعِه، وإذا كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَسمَعُه وأبو بكر يُنشِدُه، فهل للتقليدِ والاقتداءِ موضعٌ أرفَعُ من هذا؟ وما استَنْشَده رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وأُنْشِد بينَ يدَيْه أكثرُ من أن يُحصَى، ولا يُنكِرُ الشِّعرَ الحسنَ أحدٌ من أُولي العلم ولا من أُولي النُّهَى.
قال آخَر:
ماذا بفَخٍّ من الإشراقِ والطِّيب ... ومن جَوارِ نقياتٍ رَعابيب (١)
-
وليس أحدٌ من كبارِ الصحابةِ وأهل العلم وموضعِ القُدْوةِ إلا وقد قال الشِّعرَ وتمثَّل به، أو سمِعَه فَرضِيَه، وذلك ما كان حِكْمةً أو مباحًا من القول، ولم يكنْ فيه فُحْشٌ ولا خَنًى (٢) ، ولا لمسلم أذًى، فإن كان ذلك فهو والمنثورُ من الكلام سواءٌ، لا يحلُّ سماعُه ولا قولُه.
-
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملك (٣) ، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا
ج ١٤ ص ١٦٦الزَّعفرانيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن عبدِ الملك بنِ عُمَير، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة، قال: سمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبرِ يقول: "أصدَقُ - أو أشعرُ - كلمةٍ قالَتها العربُ كلمةُ لبيد: ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ" (١) .
-
وروينا من وجوه عن ابن سرين - وكان منَ الورَع بمنزلةٍ ذهَبت مثلًا - أنه أنشَد شِعرًا، فقال له بعضُ جُلسائه: مثلُك يُنشِدُ الشعرَ يا أبا بكر؟ فقال: ويلَك يا لُكعُ، وهل الشِّعرُ إلا كلامٌ، لا يُخالِفُ سائرَ الكلام إلا في القوافي، فحَسَنُه حسَنٌ، وقبيحُه قبيح. قال: وقد كانوا يتذاكَرون الشعرَ. قال: وسمِعتُ ابنَ عمرَ ينشدُ:
يُحِبُّ الخمرَ من مالِ النَّدامَى ... ويكْرَهُ أن تُفارقَهُ الفلوسُ (٢)
-
حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (٣) ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ السَّكَن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسف (٤) ، قال: حدَّثنا البخاريُّ، قال: أخبر نا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهريِّ، قال: أخبرني أبو بكر بنُ عبدِ الرحمن، أن مروانَ بنَ الحكَم أخبَره، أن عبدَ الرحمن بنَ الأسود بنِ عبد يغوثَ أخبرَه، أن أُبيَّ بنَ كعبِ أخبَره، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنّ مِن الشِّعْرِ حكمةً" (٥) .
- ج ١٤ ص ١٦٧
وقد كان لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - شُعراءُ يُناضِلون عنه وَيرُدُّون عنه الأذى: وهم حسانُ بنُ ثابت، وكعبُ بنُ مالك، وعبدُ الله بنُ رواحة، وفيهم نزلت: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الشعراء: ٢٢٧] ؛ لأنه لمّا نزلت: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٦] . جاؤوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا رسولَ الله، قد أنزَل اللهُ هذا في الشعراء. فنزلت: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أنتُمْ هُم" . {وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} [الشعراء: ٢٢٧] . قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أنتُمْ هُم" (١) .
-
وفي هذا دليلٌ بيِّنٌ على أن الشِّعرَ لا يضُرُّ من آمَن وعمِل صالحًا وقال حقًّا، وأنه كالكلام المنثور، يؤجَرُ منه المرءُ على ما يؤجرُ منه، ويُكرَه له منه ما يُكرَهُ منه. واللهُ أعلم.
قال أبو عُمر: وأما قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "لأن يمتلئ جوفُ أحدِكم قَيْحًا حتى يَرِيَه، خيرٌ من أن يمتلئ شِعرًا" (٢) . فأحسنُ ما قيل في تأويلِه، واللهُ أعلم، أنه الذي قد غلَب الشِّعرُ عليه وامتلأ صدرُه منه دونَ عِلمٍ سِواهُ، ولا شيءَ من الذِّكرِ غيرُه ممّن يخوضُ به في الباطل، ويسلُكُ به مسالكَ لا تُحمَدُ له، كالمُكْثِر من الهَذَر، واللَّغَط، والغِيبة، وقبيح القَوْل، ولا يَذكُرُ اللهَ كثيرًا، وهذا كلُّه ممّا اجتمَع العلماءُ على معنى ما
ج ١٤ ص ١٦٨قلتُ منه. ولهذا قلنا فيما رُوِيَ عن ابنِ سيرين، والشّعبيِّ، ومَن قال بقولهما من العلماء: الشعرُ كلامٌ، فحسَنُه حسَنٌ، وقبيحُه قبيحٌ: إنه قولٌ صحيحٌ. وبالله التوفيق.
-
وأما قولُه في حديث مالك: "فرفَع بلالٌ عَقيرَتَه" فمعناه: رفَع بالشِّعرِ صوتَه كالمتغَنِّي به ترنُّمًا، وأكثرُ ما تقولُ العرب: رفَع عقيرتَه: لمَن رفَع بالغناءِ صوتَه (١) .
-
وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أن رَفْعَ الصوتِ بإنشادِ الشعرِ مباحٌ، ألا ترَى أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يُنكِرْ على بلالٍ رَفْعَ عَقيرته بالشِّعر؟ وكان بلالٌ قد حَمَلَهُ على ذلك شدَّةُ تشوُّقِه إلى وطنِه، فجرَى في ذلك على عادتِه، فلم يُنكِرْ ذلك رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -.
-
وهذا البابُ من الغناءِ قد أجازه العلماء، وورَدتِ الآثارُ عن السَّلفِ بإجازته، وهو يُسمَّى غناءَ الرُّكبان، وغِناءَ النَّصْب (٢) ، والحُداء، هذه الأوجُهُ من الغناءِ لا خلافَ في جوازِها بين العلماء.
-
روَى ابنُ وَهْب، عن أسامةَ وعبدِ الله ابنَي زيدِ بنِ أسلم، عن أبيهما زيدِ بنِ أسلم، عن أبيه، أن عمرَ بنَ الخطاب قال: الغناءُ من زادِ الراكب. أو قال: زادِ المسافر (٣) .
-
أخبرنا أحمدُ بنُ محمد (٤) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
ج ١٤ ص ١٦٩جرير، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى الفَزاريُّ، قال: أخبَرنا سفيانُ بنُ عيينة، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه قال: قال عمر: نِعم زادُ الراكب الغناءُ نَصْبًا (١) .
-
وأخبرنا أحمدُ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا محمدٌ (٢) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشار، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ جرير، قال: حدَّثني أبي، قال: سمِعتُ محمد بن إسحاق يحدِّثُ، عن صالح بنِ كَيسان، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، قال: رأيتُ أُسامةَ بنَ زيدٍ مضطجعًا على باب حُجرتِه رافعًا عَقيرتَه يَتغنَّى (٣) .
قال: وحدَّثنا ابنُ بشار، قال: أخبرنا أبو عاصم، قال: أخبرنا ابنُ جريج، قال: قال ابنُ شهاب، عن عمرَ بنِ عبد العزيز، أن محمدَ بنَ نوفل أخبَره، أنَّه رأى أُسامةَ بنَ زيدٍ واضِعًا إحدَى رجلَيه على الأُخرى يَتغنَّى النَّصْب (٤) .
- ج ١٤ ص ١٧٠
وروَى شعيبُ بنُ أبي حمزة، عن الزُّهريِّ، قال: أخبرني عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ عُتبةَ، أن أباه أخبَره، أنَّه سمِع عبدَ الله بنَ الأرقم رافعًا عَقيرتَه يَتغنَّى. قال عبدُ الله بنُ عتبة (١) : ولا والله، ما رأيتُ رجلًا كانَ أخشَى لله من عبدِ الله بنِ الأرقم.
-
وقد ذكَر أهلُ الأخبارِ أن عمرَ بنَ الخطاب أتى دارَ عبدِ الرحمن بنِ عوفٍ فسمِعه يتغنَّى بالرُّكبانيّة (٢) :
وكيف ثوائي بالمدينةِ بعدَما ... قضَى وطَرًا منها جميلُ بنُ مَعْمَرِ
هكذا ذكَر هذا الخبرَ الزُّبيرُ بنُ بكّارٍ (٣) ، وذكَره المُبرِّدُ (٤) مقلوبًا (٥) ، أن عبدَ الرحمن سمِع ذلك من عمرَ. والصوابُ ما قاله الزبيرُ، واللهُ أعلم.
-
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد (٦) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثني أبو السائب، قال: حدَّثنا ابنُ إدريس، عن ابن جريج، قال: سألتُ عطاءً عن الحُداء، والشِّعْر، والغناء، قال ابنُ إدريس: يُغنِّي غناءَ الرُّكبان. فقال: لا بأسَ به ما لم يكنْ فُحْشًا (٧) .
- ج ١٤ ص ١٧١
وقد كان رسولُ الله - صلي الله عليه وسلَّم - يُحْدَأُ له في السَّفَر. رُوِيَ ذلك من حديثِ ابنِ مسعود (١) ، وابنِ عباس (٢) .
-
وروى شعبةُ، عن ثابتٍ البُنانيِّ، عن أنس، قال: كان رسولُ الله - صلي الله عليه وسلَّم - في مَسيرٍ ومعهم حادٍ وسائقٌ (٣) .
-
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ قراءةً منِّي عليه، أنَّ أحمدَ بنَ الفَضْل بنِ العباس حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جريرِ بنِ يزيدَ، قال: حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن ثابتٍ البُنانيِّ، عن أنسِ بنِ مالك، قال: كان البَرَاءُ جيدَ الحُداء، وكان حادِيَ الرجال، وكان أنْجَشَةُ يَحْدو بالنِّساء، فحَدا ذاتَ ليلةٍ فأعنَقتِ الإبل، فقال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلَّم -: "ويحَكَ يا أنْجَشَةُ،
ج ١٤ ص ١٧٢رويدًا سوقَك بالقوارير" (١) .
-
وقد حَدَا به - صلى الله عليه وسلم - عبدُ الله بنُ رَوَاحة (٢) ، وعامرُ بنُ سنان (٣) ، وجماعةٌ، فهذا مما لا أعلمُ فيه خلافًا بينَ العلماء إذا كان الشِّعرُ سالمًا من الفُحشِ والخَنَى.
- ج ١٤ ص ١٧٣
وأما الغناءُ الذي كرِهه العلماءُ، فهو الغناءُ بتقطيع حروفِ الهجاء، وإفسادِ وَزنِ الشعرِ والتَّمطيطِ به طلبًا للَّهو والطَّرب، وخُروجًا عن مذاهبِ العرب، والدليلُ على صحَّة ما ذكَرنا، أن الذين أجازوا ما وصَفنا من النَّصْب والحُداءِ هم كرِهوا هذا النوعَ من الغناء، وليس منهم مَنْ يأتي شيئًا وهو يَنهَى عنه.
-
روَى شعبةُ (١) وسفيانُ (٢) ، عن الحَكَم وحماد (٣) ، عن إبراهيم، قال: قال عبدُ الله بنُ مسعود: الغناءُ يُنبتُ النفاقَ في القلب.
-
وروَى ابنُ وَهْب، عن سليمانَ بنِ بلال، عن كثيرِ بنِ زيد، أنَّه سمِع عُبيدَ الله بنَ عبدِ الله بنِ عمرَ يقول للقاسم بنِ محمد: كيف ترَى في الغناء؟ فقال القاسم: هو باطل. قال: قد عرفتُ أنَّه باطلٌ، فكيف ترَى فيه؟ قال القاسم: أرأيتَ الباطلَ أين هو؟ قال: في النار. قال: فهو ذاك.
- ج ١٤ ص ١٧٤
ورُوِيَ من حديثِ أنس (١) ، وحديثِ عبدِ الرحمن بنِ عوف (٢) ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال معنى ما أقول لك: "صَوْتانِ مَلْعونان فاجِرانِ أنْهَى عنهما: صوتُ مزمار، ورَنَّةُ شيطانٍ عندَ نِعْمَةٍ ونَوْحٌ، ورَنَّة عند مُصيبة، ولَطْمُ وُجُوه، وشَقُّ جُيوب" .
-
فهذا ما أتى في كراهيةِ الغناء، وقد أتَى ما هو أثبَتُ من هذا من جهةِ الإسنادِ في خصوصِ الرُّخصةِ في ذلك في الأعيادِ والإملاكِ خاصّة.
- ج ١٤ ص ١٧٥
روَى ابنُ شهاب (١) ، وهشامُ بنُ عُروة (٢) ، عن عُروةَ، عن عائشة، أن أبا بكر دخَل عليها وعندَها جاريَتانِ تُغنِّيان في يوم عيد، أو في أيام منًى، ويضرِبان بالدُّفِّ ورسولُ الله - صلي الله عليه وسلَّم - يَسمعُ ذلك ولا ينْهاهما، فانتهَرهما أبو بكر، فقال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلَّم -: "دَعْهما يا أبا بكر، فإنها أيامُ عيد" .
-
وفي كلا الوجهين آثارٌ عن السَّلَف كثيرةٌ تركتُ ذِكْرَها؛ لأنَّ مدارَ الباب كلِّه على ما أورَدْنا فيه، واللهَ أسألُه العِصْمةَ والتوفيق.
-
وقد رُوِيت الرُّخصةُ في الألحان التي تَعرِفُها العربُ ورفع العَقيرةِ بها دونَ ألحانِ الأعاجم المكروهة، عن جماعة من علماء السَّلف، لو ذكَرناهم لطالَ الكتابُ بذِكْرِهم، وحسبُكَ منهم بسعيدِ بنِ المسيِّب، ومحمدِ بنِ سِيْرين، وهما ممّن يُضرَبُ المثلُ بهما.
-
ذكَر وكيع محمدُ بنُ خلف، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ أبي سعد، قال: حدَّثني الحسنُ بنُ عليٍّ بنِ منصور، قال: أخبرني أبو عتّاب، عن إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ العباسِ المطَّلبيِّ، أنَّ سعيدَ بنَ المسيب مرَّ في بعض أزِقَّةِ مكة، فسمِع الأخضرَ الجُدِّيَّ يتغنَّى في دارِ العاصي بن وائل:
تضوَّعَ مسكًا (٣) بطنُ نَعمانَ أن ... مَشَت به زينبٌ في نسوةٍ خَفِراتِ
فضَرب سعيدٌ برجلِه، وقال: هذا والله ما يَلذُّ استماعُه! ثم قال:
وليسَت كأخْرَى أوسَعت جَيبَ دِرْعِها ... وأبْدَت بَنانَ الكفِّ بالجَمَراتِ
ج ١٤ ص ١٧٦وعَلَّت بِنانَ المِسكِ وَحْفًا مرجَّلًا ... على مثلِ بَدرٍ لاحَ في ظُلماتِ (١)
وقامَت تَراءَى يومَ جَمْعٍ فأفتَنت ... برؤيتِها مَن راحَ مِن عَرَفاتِ
قال: فكانوا يَرونَ أن هذا الشعرَ لسعيدِ بنِ المسيب (٢) .
قال أبو عُمر: يُحفَظُ لسعيدٍ أبياتٌ كثيرةٌ، وتمثَّل أيضًا بأبياتٍ لغيرِه كثيرة، وليس هذا في شعرِ النُّميريِّ، والذي حَفِظناه من شعرِ النُّميريِّ وروَيْناه ليس فيه هذه الأبيات (٣) ، فهي لسعيد. واللهُ أعلم.
-
والنُّميريُّ هذا ليس هو من بني نُمير، إنما هو ثَقَفيٌّ، وهو محمدُ بنُ عبدِ الله، نُسِب إلى جدِّه.
-
وروَى قتيبةُ بنُ سعيد، عن أبي بكرِ بنِ شعيبِ بنِ الحَبْحابِ المِعْوليِّ،
ج ١٤ ص ١٧٧عن أبيه قال: كنتُ عندَ ابنِ سيرينَ، فجاءه إنسان يسألُه عن شيءٍ من الشِّعرِ قبلَ صلاةِ العصر، فأنشَده ابنُ سيرين:
كأنَّ المُدامةَ والزَّنْجَبيلْ ... وريحَ الخُزامى (١) وذَوْبَ العسَلْ
يُعَلُّ به بَرْدُ أنيابِها (٢) ... إذا النجمُ وَسْطَ السماءِ اعْتَدَلْ
وقال: اللهُ أكبرُ. ودخَل في الصلاة (٣) .
-
وهذا الشِّعرُ أيضًا للنُّمَيريِّ المذكورِ في زينبَ أختِ الحَجّاج التي له فيها الشِّعرُ الثاني، أوله:
ألا مَن لقَلْبٍ مُعَنّى غَزِلْ ... يُحِبُّ المُحِلَّةَ أختَ المُحِلْ
تراءت لنا يومَ فرعَ الأرا ... كِ بينَ العِشاءِ وبينَ الأُصُلْ
كأن القَرنفلَ والزَّنجبيلْ ... وريحَ الخُزامى وذوبَ العسَلْ
يُعَلُّ به بَرْدُ أنيابِها .... إذا ما صغَا (٤) الكوكبُ المُعتَدِلْ
وقد مضَى في مواضعَ من هذا الكتابِ في أمرِ استتارِ النساءِ والحجابِ وفضائلِ المدينةِ ما يُغْني عن تكريرِه في هذا الباب. والحمدُ لله.