هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، أبو المنذر

٨٥٩ فقرة، ج ١٤ ص ٢٢

الصفحة ١١ من ٢٢

  1. حديثٌ خامسٌ وعشرونَ لهشام بنِ عُروة

    مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنَّه قال: سُئل أسامةُ بنُ زيدٍ وأنا جالسٌ: كيف كان رسولُ الله - صلي الله عليه وسلَّم - يسيرُ في حَجّةِ الوداع حينَ دفَع من عَرَفة؟ فقال: كان يسيرُ العَنَق، فإذا وجَد فُرجةً نَصَّ. قال هشام: والنَّصُّ: فوقَ العَنَق.

    ج ١٤ ص ١٧٨
  2. هكذا قال يحيى: "فُرجةً" وتابعَه جماعةٌ؛ منهم أبو المُصعب (٢) ، وابنُ بُكير، وسعيدُ بنُ عُفير. وقالت طائفةٌ منهم ابنُ وَهْب (٣) ، وابن القاسم (٤) ، والقَعْنَبيُّ (٥) : فإذا وجد فَجْوةً. والفجوةُ والفُرجةُ سواءٌ في اللغة.

  3. وليس في هذا الحديث أكثرُ من معرفةِ كيفيةِ السير في الدَّفعةِ من عرفة إلى مُزْدَلِفة، وهو شيءٌ يجبُ الوقوفُ عليه وامتثالُه على أئمةِ الحاجِّ فمن دونَهم؛ لأنَّ في استعجالِ السَّيرِ إلى مُزْدَلِفَة استعجالَ الصلاةِ بها، ومعلومٌ أنّ المغربَ لا تُصَلَّى تلك الليلةِ إلا مع العشاء، وتلك سنَّتُهما، فيجبُ أن يكونَ ذلك على حسبِ ما فعَله رسولُ الله - صلي الله عليه وسلَّم -، فمَن قصَّر عن ذلك أو زادَ فقد أساءَ، إذا كان عالمًا بما جاء في ذلك.

  4. وأما حُكمُ الصلاتين بينَ المُزْدلفة (١) ، فقد ذكَرناها في بابِ ابنِ شهابٍ من هذا الكتاب (٢) . والحمدُ لله.

    ج ١٤ ص ١٧٩
  5. والعَنَقُ: مشيٌ معروفٌ للدوابِّ لا يُجهَلُ، وقد يُستعملُ مجازًا في غير الدوابِّ. قال الشاعر:

    يا جارتي يا طويلةَ العُنُقْ ... أخرَجتِني بالصُّدود عن عَنَقْ

    والنَّصُّ هاهنا كالخَبَب، وهو فوقَ العَنَقِ وأرفعُ في الحركة، وأصلُ النَّصِّ في اللغة: الرَّفْعُ، يقال منه: نصَصْتُ الدّابةَ في سيرِها. قال الشاعر (٣) :

    ألستِ التي كلَّفتِها سَيرَ ليلةٍ ... من أهْل منًى نصًّا إلى أهلِ يثربِ

    وقال اللَّهَبيُّ (٤) :

    يا رُبَّ بَيْداءَ وليلٍ داجِ ... قطَعتُه بالنَّصِّ والإدلاجِ

    وقال آخر (٥) :

    ونصَّ الحديثَ إلى أهلِهِ ... فإنَّ الوثيقَةَ في نصِّهِ

    ج ١٤ ص ١٨٠أي ارفعْهُ إلى أهلِه وانسُبْهُ إليهم.

    وقال أبو عُبيد (١) : النَّصُّ التحريكُ الذي يُستخرجُ به من الدَّابةِ أقصى سَيْرها، وأنشدَ قولَ الرَّاجز: تقطعُ الخَرْقَ بسَيْرِ نصِّ.

  6. وأما النَّصُّ في الشريعة فما استوَى من خطاب القُرآنِ وغيره ظاهرُه مع باطنه وفَهْم مُرادِه من ظاهره، ومنهم من قال: النَّصُّ ما لا يصحُّ أن يُرَدَّ عليه التخصيصُ ويَسْلمُ من العِلل، ولهم في حُدوده كلامٌ كثيرٌ ليس هذا مَوضع ذكرِه، وبالله التوفيق.

  7. عُرْوةُ عن عَبْدِ الله بن الأرقم حديثٌ سادسٌ وعشرونَ لهشام بنِ عُروة

    مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنَّ عبدَ الله بنَ الأرقم كان يؤُمُّ أصحابَه، فحضَرتِ الصَّلاةُ يومًا، فذهَب لحاجتِه، ثم رجع فقال: سمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا أرادَ أحدُكم الغائِطَ فليَبدَأ به قبلَ الصَّلاة" .

    ج ١٤ ص ١٨١
  8. قد ذكَرنا عبدَ الله بنَ الأرقم في كتابنا في "الصحابة" (٢) بما يُغني عن ذكرِه هاهنا.

  9. ولم يخُتلَفْ عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديثِ ولفظِه (٣) ، واختُلف فيه عن هشام بنِ عُروة، فرواه مالكٌ، كما تَرَى، وتابَعه زُهيرُ بنُ مُعاوية (٤) ، وسُفيانُ بنُ عُيَيْنة (٥) ، وحَفْصُ بنُ غِياث (٦) ، ومحمدُ بنُ إسحاق، وشُجاعُ بنُ الوليد، وحَمّادُ بنُ زيد (٧) ، ووكيع، وأبو معاوية (٨) ، والمُفضَّلُ بنُ فَضَالةَ،

    ج ١٤ ص ١٨٢ومحمدُ بنُ كُناسة (١) ، كلُّهم رواه عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عبدِ الله بنِ الأرقم، كما رواه مالكٌ.

  10. ورواه وُهيبُ بنُ خالد، وأنسُ بنُ عِياض، وشُعيبُ بنُ إسحاق، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن رجل حدَّثه، عن عبدِ الله بنِ الأرقم. فأدخَلَ هؤلاءِ بينَ عُروةَ وبينَ عبدِ الله بنِ الأرقم رجلًا. ذكَر ذلك أبو داود (٢) .

  11. ورواه أيوبُ بنُ موسى، عن هشام، عن أبيه، أنَّه سمِعه من عبدِ الله بنِ الأرقم. فاللهُ أعلم (٣) .

  12. ذكَر عبدُ الرزاق (٤) ، قال: أخبَرنا ابنُ جريج، عن أيوبَ بنِ موسى، عن هشام بنِ عُروة، عن عُروة، قال: خرَجنا في حجٍّ أو عُمْرةٍ مع عبدِ الله بنِ الأرقم الزُّهريِّ، فأقامَ الصَّلاةَ ثم قال: صلُّوا. وذهَب لحاجتِه فلمّا رجَع قال: إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا أُقيمتِ الصَّلاةُ وأرادَ أحدُكُم الغائطَ فلْيَبدَأ بالغائط" .

  13. فهذا الإسنادُ يشهَدُ بأن روايةَ مالكٍ ومَن تابعَه في هذا الحديثِ متصلة، وابنُ جريج وأيوبُ بنُ موسى ثقتان حافظان.

    ج ١٤ ص ١٨٣
  14. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ الجمّالُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ كُناسة، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عبدِ الله بنِ الأرقم، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا حضَرتِ الرجلَ الصلاةُ وأراد الخلاءَ، بدَأ بالخلاء" (١) .

  15. وحدَّثنا عبدُ الوارث (٢) ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمّاد (٣) ، قال: حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمّاد بنُ زيد، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عبدِ الله بنِ الأرقم، أنّه كان يسافرُ، فكان يُؤذِّنُ لأصحابِه ويَؤمُّهم، فثَوَّب بالصَّلاةِ يومًا فقال: ليَؤُمَّكم أحدُكم، فإنِّي سمِعتُ رسولَ الله - صلي الله عليه وسلَّم - يقول: "إذا أرادَ أحدُكم أن يأتيَ الخلاءَ وأُقيمتِ الصلاةُ، فلْيَبدأ بالخلاء" (٤) .

  16. وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير،

    ج ١٤ ص ١٨٤قال (١) : حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، عن عبدِ الله بنِ الأرقم، قال: قال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلَّم -: فذكَر نحوَه.

  17. ورواه أبو الأسود (٢) ، عن عُروة، عن عبدِ الله بنِ الأرقم. ذكَره ابنُ وَهْب، عن ابن لَهيعةَ، عن أبي الأسود.

  18. في هذا الحديثِ من الفقهِ ألّا يصلِّيَ أحدٌ وهو حاقنٌ. واختلف الفقهاءُ فيمَن صلَّى وهو حاقنٌ؛ فقال ابنُ القاسم، عن مالك: إذا شغَله ذلك فصلَّى كذلك، فإنِّي أُحبُّ أن يُعيدَ في الوقتِ وبعدَه (٣) .

    وقال الشافعيُّ وأبو حنيفة وعبيدُ الله بنُ الحسن: يُكرَهُ أن يُصلِّيَ وهو حاقنٌ، وصلاتُه جائزةٌ مع ذلك إن لم يترُكْ شيئًا من فَرضِها (٤) .

    وقال الثوريُّ: إذا خاف أن يسبِقَه البولُ قدَّم رجلًا وانصرَف (٥) .

    وقال الطحاويُّ (٦) : لا يختلِفون أنّه لو شغَل قلبَه بشيءٍ من أمرِ الدنيا لم تُستَحبَّ له الإعادة، كذلك إذا شغَله البول.

    ج ١٤ ص ١٨٥قال أبو عُمر: أحسنُ شيءٍ رُوِي مسندًا في هذا الباب، حديثُ عبدِ الله بنِ الأرقم وحديثُ عائشة، فأما حديثُ عبدِ الله بنِ الأرقم فقد مضَى، وأما حديثُ عائشة، فأحسنُ أسانيدِه ما حدَّثناه عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١) : حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، ومحمدُ بنُ عيسى، ومسددٌ، المَعْنَى، قالوا: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ القَطّان، عن أبي حَزْرَة، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد - يعني ابنَ أبي بكر - أخو القاسم بن محمد، قال: كُنا عندَ عائشةَ فجيء بطعامِها، فقام القاسمُ يصلِّي، فقالت: سمِعتُ رسولَ الله - صلي الله عليه وسلَّم - يقول: "لا يصلِّي أحدٌ بحضرةِ الطعام، ولا هو يدافعُه الأخبَثان" . وهذا حديثٌ ثابتٌ صحيح.

  19. وأما ما رُوِيَ عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن أنس، أنَّ رسولَ الله - صلي الله عليه وسلَّم - قال: "لا يُصلِّي أحدُكم وهو يدافعُ الأخبَثين، الغائطَ والبول" . فلا أصلَ له في حديثِ مالك، وهو موضوعُ الإسناد.

    قال أبو عُمر: قد أجمَعوا أنّه لو صلَّى بحضرةِ الطعام فأكملَ صلاتَه ولم يَتْرُكْ من فَرائضِها شيئًا أن صلاتَه مجزئَةٌ عنه، فكذلك إذا صَلّاها حاقِنًا فأكملَ

    ج ١٤ ص ١٨٦صلاتَه، وفي هذا دليلٌ على أن النَّهي عن الصَّلاةِ بحضرةِ الطعام من أجل خَوفِ اشتغالِ بالِ المُصلِّي بالطعام عن الصَّلاةِ وتَركِه إقامتَها على حدودِها، فإذا أقامَها على حدودِها خرَجَ من المعنَى المَخُوف عليه، وأجْزأته صلاتُه لذلك.

  20. وقد روَى يزيدُ بنُ شُريح الحَضْرَميُّ، عن أبي حيٍّ المؤذِّن، عن أبي هريرة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: "لا يحلُّ لمؤمنٍ أن يصلِّيَ وهو حاقنٌ جدًّا" . رواه ثورُ بنُ يزيدَ الشاميُّ، عن يزيدَ بنِ شُريح (١) .

  21. ورواه حبيبُ بنُ صالح، عن يزيدَ بنِ شريح، عن أبي حيٍّ المؤذِّن، عن ثوبان،

    ج ١٤ ص ١٨٧عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (١) . ومثلُ هذا الخبرِ لا تقومُ به حجةٌ عندَ أهلِ العلم بالحديث (٢) ، ولو صحَّ كان معناه أنّه إذا كان حاقنًا جدًّا لم يتهيّأ له إكمالُ صلاتِه علي درجهِها، واللهُ أعلم.

  22. وقد رُوِيَ عن عمرَ بنِ الخطاب أنَّه قال: من استَطاع منكم فلا يُصلِّي وهو موجَحٌ (٣) من خلاءٍ أو بَول. وهذا واللهُ أعلمُ يدلّ على الاستحباب. ورُوِيَ عنه أيضًا أنّه قال: لا يدافِعنَّ أحدُكم الخبثَ في الصلاة. ذكَره ابنُ المبارك، قال: أخبَرنا عمرانُ بنُ حُدير، عن نصرِ بنِ عاصم، عن عمرَ بنِ الخطاب.

  23. والخبرُ الأولُ عن عمرَ ذكَره أيضًا ابنُ المبارك، عن حَيوةَ بنِ شريح، عن جعفرِ بنِ ربيعة، عن عبدِ الله بنِ رافع الحضرميِّ المصريِّ، عن عمرِو بنِ معدي كَرِب سَمِعَ عمرَ.

  24. وذكر مالكٌ (٤) ، عن زيدِ بنِ أسلم، أن عمرَ بنَ الخطاب قال: لا يُصلِّينَّ أحدُكم وهو ضامٌّ بينَ وَرِكَيه.

  25. وقرأتُ على عبدِ الوارثِ بنِ سفيان، أن قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل الترمذيُّ، قال: حدَّثنا نعيمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ المبارك، قال: أخبرنا هشامٌ، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، قال: لأن أصلِّي وهو في ناحيةٍ من ثوبي، أحبُّ إليَّ من أن أصلِّي وأنا أُدافعُه (١) .

    ج ١٤ ص ١٨٨
  26. فهؤلاء كَرِهوا الصلاةَ للحاقِن، وجاءت فيه رُخصةٌ عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ، وطاوسٍ اليمانيِّ.

  27. ذكَر ابنُ المبارك، عن الثوريِّ، عن الحسنِ بنِ عُبيدِ الله، عن إبراهيم، قال: لا بأسَ به ما لم يُعجِلْك (٢) .

  28. وعن سفيان، عن إبراهيمَ بنِ ميسرة، عن طاوس، قال: إنّا لنَصُرُّه صَرًّا، وإنّا لنضغَطُه (٣) .

    قال أبو عُمر: الذي نقول به: إنّه لا ينبغي لأحدٍ أن يفعلَه، فإن فعَل وسَلِمت له صلاتُه، أجزَأت عنه، وبئسما صنَع.

  29. وفي قوله في هذا الحديث وغيره: "إذا أراد أحدُكم الغائطَ" . ما يدُلُّك على هروبِ العربِ من الفُحشِ والقَذْع، ودَناءةِ القولِ وفُسولتِه، ومجانَبتِهم للخَنَا كلِّه، فلهذا قالوا لموضع الغائط: الخلاء، والمذهَبُ والمخرَجُ، والكَنيفُ، والحُشُّ، والمرحاضُ. وكلُّ ذلك كنايةٌ وفرارٌ عن التصريح في ذلك.

  30. عُروةُ عن المِسْوَر حديثٌ سابعٌ وعشرونَ لهشام بنِ عُروة

    مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمة، أنّه أخبره، أن سُبيعةَ الأسلميةَ نُفِست (٢) بعدَ وفاةِ زوجِها بليال، فقال لها رسولُ الله - صلي الله عليه وسلَّم -: "قد حلَلْتِ، فانكِحي مَن شئت" .

    ج ١٤ ص ١٨٩
  31. قد مضَى القولُ في معنَى هذا الحديثِ في بابِ عبدِ ربِّه بنِ سعيد (٣) ، فلا معنَى لتكريرِه هاهنا. وأكثرُ رواةِ "الموطأ" ليس هذا الحديثُ عندَهم بهذا الإسناد.

  32. وفِقهُ هذا الحديث أن المُتوفَّى عنها الحاملَ عدَّتُها أن تضَعَ ما في بطنِها، خلافَ قولِ مَن قال: عدَّتُها آخِرُ الأجلَين. وقد بيَّنّا ذلك كلَّه وأوضَحنا القولَ فيه والحُجَّة. والحمدُ لله.

  33. عُروةُ عن عُمر بن أبي سَلَمَة حديثٌ ثامنٌ وعشرونَ لهشام بنِ عُروة

    مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عُمرَ بن أبي سَلَمة أنَّه رأى رسولَ الله - صلي الله عليه وسلَّم - يصلِّي في ثوبٍ واحدٍ مُشْتَمِلًا به في بيتِ أمِّ سلَمَة، واضعًا طرفَيْهِ على عاتِقَيْه.

    ج ١٤ ص ١٩٠
  34. لم يُختلَفْ عن مالكٍ في إسنادِ الحديثِ ولفظِه (٢) ، وكذلك رواه جماعةُ أصحاب هشام، كما رواه مالكٌ بإسنادِه.

  35. وقد روَى ابنُ أبي الزِّناد، عن أبيه، عن عُروةَ بنِ الزُّبير، عن عبدِ الله بنِ أبي أميّة أخي أمِّ سَلَمة، أنَّه أبصَر رسولَ الله - صلي الله عليه وسلَّم - يصلِّي في بيتِ أمِّ سَلَمةَ ملتحِفًا في ثوب.

  36. ذكَره ابنُ أبي فُديك، عن ابنِ أبي الزِّناد (٣) ، وهذا عندي، واللهُ أعلمُ، خطأ، والقولُ قولُ مالك، وكذلك رواه الناسُ عن هشام، كما رواه مالكٌ، وروايةُ هشام أولى من روايةِ ابنِ أبي الزِّناد عندَهم، وابنُ أبي الزِّناد ضعيفٌ لا يُحتجُّ به وبما خولفَ فيه أو انفردَ به، ولو انفردَ بروايتِه هذه لكان الحديثُ مرسلًا؛ لأنَّ عُروةَ لم يدركْ عبدَ الله بنَ أبي أميّة أخا أمِّ سَلَمة؛ لأنه استُشهِدَ يومَ الطائف، شهدَ مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - المشهدَ ورُمي بسهم يومئذٍ فماتَ منه بعدَ ذلك.

    ج ١٤ ص ١٩١وقال الأخفشُ: الاشتمالُ أن يلتفَّ الرجلُ بردائِه وبكسائِه من رأسِه إلى قدمَيه، يردُّ طرفَ الثوبِ الأيمنَ على مَنكبِه الأيسر، فهذا هو الاشتمال.

    قال: وقد حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ موسى، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عمرَ بنِ أبي سَلَمة قال: رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي في ثوبٍ واحدٍ قد خالفَ بينَ طرفَيْه (١) . قال: وهذا هو التوشُّحُ، وهو أن يأخذَ طرفَ الثوبِ الأيسرَ من تحتِ يدِه اليسرى فيلقيَه على مَنْكبِه الأيمن، ويُلقيَ طرفَ الثوبِ الأيمنَ من تحتِ يدِه اليمنى على مَنكبِه الأيسر. قال: فهذا التوشُّحُ الذي جاء عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه صلَّى في ثوبٍ واحدٍ متوشِّحًا به.

  37. وقد مضى القولُ في معنى هذا الحديث مستوعبًا ممهَّدًا في بابِ ابن شهاب، عن سعيدِ بنِ المسيِّب من هذا الكتاب (٢) .

  38. عُرْوةُ عن حُمْران حديثٌ تاسعٌ وعشرون لهشام بنِ عُروة

    مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن حُمْرانَ مولى عثمانَ بنِ عفان، أنّ عثمانَ بنَ عفانَ جلَس على المقاعد (٢) ، فجاء المؤذنُ، فآذنَه بالصَّلاةِ للعَصْر، فدعا بماءٍ فتوضَّأ، ثم قال: والله، لأحدِّثنَّكم حديثًا لولا أنَّه في كتاب الله ما حدَّثتُكموه. ثم قال: سمِعتُ رسولَ الله - صلي الله عليه وسلَّم - يقول: "ما من امرئ يتوضَّأُ فيُحسنُ وضوءَه، ثم يصلِّي الصلاةَ، إلا غُفِر له ما بينَه وبينَ الصلاةِ الأُخرى حتى يصلِّيَها" . قال مالكٌ: أُراه يريدُ هذه الآية: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود: ١١٤] .

    ج ١٤ ص ١٩٢
  39. وحُمْرانُ مولى عثمان (٣) : هذا هو حُمْرانُ بنُ أعينَ بنِ خالدِ بنِ عبدِ عمرٍو بنِ عُقَيْلِ بنِ كعب بنِ سعدِ بنِ جَندلةَ بنِ مسلم بنِ أوسِ بنِ زيدِ مناةَ بنِ النمرِ بنِ قاسط، وهو ابنُ عمِّ صهيبِ بنِ سنان، يلتقي هو وصهيبٌ في خالدِ بنِ عبدِ عمرٍو. وكان حُمْران من سبي عَيْنِ التَّمر، وهو أوَّل سبيٍ دخل المدينةَ في خلافةِ أبي بكر الصديق، سَباهُ خالدُ بنُ الوليد، فرآه غُلامًا أحمرَ مَخْتونًا كيِّسًا، فوَجَّهَ به إلى عثمانَ رضيَ اللهُ عنه فأعتقه.

  40. ودارُ حُمْرانَ بالبصرةِ مُشرِفة على رَحْبَةِ المسجدِ الجامع، وكان عثمانُ أقطَعهُ إياها، وأقطَعهُ أيضًا أرضًا على فراسِخَ من الأُبلَّةِ فيما يلي البحرَ، ذكرَ ذلكَ أهلُ السِّير والعلم بالخبر، قالوا: وكان حُمْرانُ أحدَ العلماءِ الجُلَّةِ أهلِ الوجاهةِ والرأي

    ج ١٤ ص ١٩٣والشَّرف بولائِه ونَسَبِه، وهو أحد الشاهدين على الوليدِ بنِ عُقبةَ بشرب الخمر، فجلَدهُ بشهادتِه عليٌّ، جعلَ ذلك إليه عثمانُ، وتولى ضرب الوليد بيده عبدُ الله بنُ جعفرٍ بأمرِ عليّ له بذلك، وكان جَلْدُه له أربعين جَلْدةً.