هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، أبو المنذر
٨٥٩ فقرة، ج ١٤ ص ٢٢
الصفحة ١٨ من ٢٢
- ج ١٤ ص ٢٩٢
وقد رُوي هذا الحديثُ بمثلِ لفظِ حديثِ مالك، من حديثِ عمرِو بنِ عوف، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -:
ج ١٤ ص ٢٩٣حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارث بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (١) ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة. وحدَّثنا عبيدُ بنُ محمد (٢) ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مسرور، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مسكين، قال: حدَّثنا ابنُ سَنْجر (٣) ، قالا: حدَّثنا خالدُ بنُ مخْلَد، قال: حدَّثنا كثيرُ بنُ عبدِ الله - وهو ابنُ عمرِو بنِ عوف - عن أبيه، عن جدِّه، قال: سمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "مَن أحْيا مَواتًا من الأرضِ في غيرِ حقِّ مُسلم فهو له، وليس لعِرْقٍ ظالمٍ حقٌّ" (٤) .
-
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنُ الحداد، قال: حدَّثنا بُهلولُ بنُ إسحاقَ بنِ بُهلولٍ الأنباريُّ بالأنبار، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي أُويس، قال: حدَّثنا كثيرٌ، عن أبيه، عن جدِّه، عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَن أحْيا مَواتًا من الأرضِ في غيرِ حقِّ مسلم فهو له، وليس لعِرْقٍ ظالمٍ حقٌّ" (٥) .
-
وأما قوله: "وليس لعِرْقٍ ظالمٍ حقٌّ" . فقد فسَّره هشامُ بنُ عُروةَ ومالكُ بنُ أنس بما لا أعلمُ فيه لغيرِهما خلافًا.
- ج ١٤ ص ٢٩٤
أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١) : حدَّثنا أحمدُ بنُ السَّرْح، قال: أخبرنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني مالكٌ، قال: قال هشام: العِرْقُ الظالمُ: أن يغرِسَ الرجلُ في أرضِ غيرِه ليستحِقَّها بذلك.
قال مالكٌ: والعِرْقُ الظالمُ كلُّ ما أُخِذ واحتُفِر وغُرِس في غير حقٍّ.
قال أبو عُمر: لم يُختلَفْ فيما ذكَره مالكٌ من الأعيانِ المغْصُوبات، وكذلك عندَ مالكٍ مَن غَصَبَ أرضًا فزرَعها أو اكْتَراها، أو غَصَبَ دارًا فسكَنها أو أكْراها، ثم استحقَّها ربُّها، أن على الغاصبِ كِراءَ ما سكنَ، وردَّ ما أخَذ في الكِراء (٢) .
-
واختَلف قولُه إذا غَصَبها فلم يسكُنْها، ولم يَزْرع الأرضَ وعَطَّلها، فالمشهورُ من مذهبِه أنه ليسَ عليه فيما لم يَسكُنْ ولم يُكْرِ ولم يَزْرَعْ شيءٌ (٣) .
-
وقد رُوِيَ عنه أن عليه كراءَ ذلك كلِّه. واختاره الوقارُ (٤) ، وهو مذهبُ الشافعيِّ (٥) . ومن حُجَّتِه قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "ليس لعِرْقٍ ظالمٍ حقٌّ" .
-
وأمّا العُروضُ والحيوانُ والثيابُ، فليس هذا البابُ موضعَ ذكرِ شيءٍ من ذلك.
قال أبو عُمر: أجمع العلماءُ على أن ما عُرِف ملكًا لمالكٍ غيرِ منقطع، أنه لا يجوزُ إحياؤُه وملكُه لأحدٍ غيرِ أربابه، إلا أنهم اختلَفوا في إحياءِ الأرضِ المواتِ بغيرِ أمرِ السلطان:
ج ١٤ ص ٢٩٥فذهَب الكوفيُّونَ إلى أنها إنما تُحيا بأمرِ الإمام، وسواءٌ عندَهم في ذلك ما قرُب من العمرانِ وما بعُد. وهذا قولُ أبي حنيفة (١) .
وقال مالكٌ: أما ما كان قريبًا من العمرانِ وإن لم يكنْ مملوكًا، فلا يُحازُ ولا يُعمَرُ إلا بإذنِ الإمام، وأما ما كان في فَيافي الأرض، فلك أن تحييَه بغيرِ إذنِ الإمام.
قال: والإحياءُ في ميتِ الأرض؛ شقُّ الأنهار، وحفرُ الآبار، والبناء، وغرسُ الشجر، والحرثُ، فما فُعِلَ من هذا كلِّه، فهو إحياءٌ. هذا قولُ مالك، وابنِ القاسم (٢) .
وقال أشهبُ: ولو نزَل قومٌ أرضًا من أرضِ البرِّيَّة، فجعَلوا يرعَون ما حولَها، فذلك إحياءٌ، وهم أحقُّ بها من غيرِهم ما أقاموا عليها.
قال ابنُ القاسم (٣) : ولا يعرِفُ مالكٌ التحجيرَ إحياءً، ولا ما قيل: مَن حجَّرَ أرضًا وترَكها ثلاثَ سنين، فإن أحياها وإلا فهي لمَن أحياها. لا يعرفُ ذلك مالكٌ.
قال مالكٌ: ومَن أحيا أرضًا ثم ترَكها حتى دثَرت وطال الزمانُ، وهلَكتِ الأشجارُ، وتهدَّمتِ الآبارُ، وعادت كأوِّلِ مرة، ثم أحياها غيرُه، فهي لمُحْييها آخرًا، بخلافِ ما مُلِك بخِطَّةٍ (٤) أو شراء (٥) .
ج ١٤ ص ٢٩٦وقال المزنيُّ (١) : عن الشافعيِّ: بلادُ المسلمين شيئان، عامرٌ ومَواتٌ، فالعامرُ لأهلِه، وكلُّ ما أُصْلِحَ به العامِرُ، من طريق، وفِناء، ومَسيلِ ماء، وغيرِه، فهو كالعامرِ في أن لا يُملكُ على أهلِه إلا بإذنهم، والمواتُ شيئان، مواتٌ قد كان عامرًا لأهلِه معروفًا في الإسلام، ثم ذهبَت عِمارتُه فصار مواتًا، فذلك كالعامرِ لأهلِه، لا يُملكُ إلّا بإذنهم، والمواتُ الثاني: ما لم يملِكْه أحدٌ في الإسلام يُعرَفُ، ولا عِمارةَ مِلْكٍ في الجاهلية إذا لم يُملَكْ، فذلك المواتُ الذي قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن أحْيا أرضًا ميِّتةً فهيَ له" ، و "مَن أحْيا مواتًا فهو له" .
قال (٢) : والإحياءُ ما عرَفه الناسُ إحياءً لمثلِ المُحْيا، إن كان مسكنًا، فبأنْ يَبْني بناءً مثلِه أو ما يقرُب.
قال (٣) : وأقلُّ عمارةِ الأرض الزرعُ فيها، والبئرُ يحفَرُ، ونحوُ ذلك (٤) .
قال (٥) : ومَن اقتطَع أرضًا وتحجَّرها فلم يعمُرْها، رأيتُ للسلطانِ أن يقولَ له: إن أحييتَها، وإلا خَلَّينا بينَها وبينَ مَن يُحْييها. فإن تأجَّله رأيتُ أن يفعل.
قال أبو عُمر: مَن رأى التَّحجيرَ إحياءً، فحُجَّتُه ما رواه شعبةُ وغيرُه من أصحابِ قتادة، عن قتادة، عن الحسن، عن سَمُرة، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَن
ج ١٤ ص ٢٩٧أحاط حائطًا على أرضٍ فهي له " (١) . والحسَنُ عندَهم لم يسمَعْ من سمُرة، وإنما هي فيما زعمُوا صَحِيفة (٢) ، إلا أنّهم لم يختلفوا أنّ الحسنَ سمعَ من سمُرة حديثَ العَقيقة؛ لأنه وقفَ على ذلك فقال: سمِعتُه من سمُرة.
-
وقد روَى الترمذيُّ عن البُخاري أنّ سماعَ الحسنِ من سمُرةَ صحيح (٣) .
-
وقد ذكر عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمرٌ وابنُ عُيينة، عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابنِ عُمر، قال: كان الناسُ يتَحَجرونَ على عهدِ عمرَ في الأرض التي ليست لأحدٍ، فقال عُمر: مَن أحْيا أرضًا فهي له (٤) .
-
وأمّا قولُه في حديث جابر: "وما أكلَتِ العافيةُ فهو له صدقةٌ " فالعافيةُ والعَوافي: سِباعُ الوحْشِ والطّيرِ والدَّواب.
-
وأمّا قولُه في حديث عُروة: "وإنّها لنَخْلٌ عُمٌّ"؛ فالعُمُّ: التامّةُ الكاملة.
- ج ١٤ ص ٢٩٨
حديثٌ رابعٌ وأربعونَ لهشام بنِ عُروة
مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلِّي في مسجدِ ذي الحُلَيفَةِ رَكعتَين، فإذا استَوتْ به راحلتُه أهلَّ.
-
لم يختلفِ الرواةُ عن مالك في إرسالِ هذا الحديث بهذا الإسناد (٢) ، وقد رُويَ معناه مسندًا، من حديثِ ابنِ عمرَ وأنسٍ من وُجوهٍ ثابتة.
-
أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ عمرَ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حربٍ الطائيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بنُ عيينة، عن إبراهيمَ بنِ مَيْسرةَ ومحمدِ بنِ المُنكدِر، سمِعَا أنسَ بنَ مالكٍ يقول: صليتُ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالمدينةِ أربعًا، وبذي الحُلَيفةِ رَكْعَتين (٣) .
-
وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيم (٤) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (٥) : أخبرنا عيسى بنُ إبراهيم، عن ابنِ وَهْب، قال: أخبرني يونس، عن ابنِ شهاب، أن سالمَ بنَ عبدِ الله أخبرَه، أن عبدَ الله بنَ عمر، قال: رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يركَبُ راحلتَه بذي الحُلَيفة، ثم يُهِلُّ حين تستوي به قائمة.
- ج ١٤ ص ٢٩٩
أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر (١) ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢) : حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل (٣) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: أخبرنا ابنُ جريج، عن محمدِ بنِ المُنكَدِر، عن أنس، قال: صلَّى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الظهرَ بالمدينةِ أربعًا، وصلَّى العصرَ بذي الحُلَيفة ركعتين، ثم باتَ بذي الحُلَيفةِ حتى أصبَح، فلما ركِبَ راحلتَه واستَوتْ به أهَلَّ.
قال (٤) : وحدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال (٥) : حدَّثنا رَوحٌ، قال: حدَّثنا أشعثُ، عن الحسن، عن أنسِ بنِ مالك، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - صلَّى الظهرَ ثم ركِب راحلتَه، فلمّا علا جبلَ البيداءِ أهَلَّ.
قال (٦) : وحدَّثنا ابنُ بشّار، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا أبي،
ج ١٤ ص ٣٠٠قال: سمِعتُ محمدَ بنَ إسحاق يحدثُ عن أبي الزناد، عن عائشةَ بنتِ سعدِ بنِ أبي وَقّاص، قالت: قال سعد: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أخَذ طريقَ الفُرْع أهَلَّ إذا استقلَّت به راحلتُه، وإذا أخَذ طريقَ أُحُدٍ أهلَّ إذا أشرَف على البيداء.
-
وفي حديث مالك، عن سعيدٍ المَقبُريِّ، عن عُبيدِ بنِ جُريج، عن ابنِ عُمر، قال: لم أرَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يُهِلُّ حتَّى تنبعثَ به راحلتُه. وقد ذكَرنا هذا الخبرَ بتمامِه وما فيه من المعاني في بابِ سعيدٍ المَقبُريِّ (١) ، وذكَرنا الاختلافَ في موضع إهلالِه - صلى الله عليه وسلم -، وما جاء في ذلك في معنى الإهلالِ من جهةِ اللغةِ والشريعةِ مهذبًا كلُّه في باب موسى بن عُقْبةَ (٢) ، وغيرِ ما باب من هذا الكتاب، والحمدُ للّه.
- ج ١٤ ص ٣٠١
حديثٌ خامسٌ وأربعونَ لهشام بنِ عُروة
مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يعتمِرْ إلا ثلاثًا؛ إحداهُنَّ في شوال، واثنتَين في ذي القَعدة.
-
وهذا حديث مرسلٌ أيضًا عندَ جميع الرواةِ عن مالك (٢) ، وقد رُويَ مسندًا عن عائشة:
حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر بن عبد الرزاق، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣) : حدَّثنا عبدُ الأعلى بنُ حماد، قال:
ج ١٤ ص ٣٠٢حدَّثنا داودُ بنُ عبدِ الرحمن، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - اعتمَرَ عمرتَين في ذي القَعدة، وعمرةً في شوال.
-
ورواه هكذا مسندًا عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، يزيدُ بنُ سنانٍ الرُّهَاويُّ، ومسلمُ بنُ خالدٍ الزَّنْجيُّ، وليس هؤلاء ممّن يُذكَرُ مع مالكٍ (١) في صحّةِ النقل.
-
وحدَّثنا عمرُ بنُ حسين، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن منصور، عن مجاهدٍ، قال: دخلتُ أنا وعُروةُ بنُ الزبير المسجدَ، وإذا ابنُ عُمرَ جالسٌ إلى حُجْرةِ عائشة، فسألناه: كم اعتمَر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: أربعًا؟ إحداهنَّ في رَجَب. فكرِهنا أن نردَّ عليه، فقال عُروة: يا أمَّ المؤمنين، أمَا تسمَعين ما يقولُ أبو عبد الرحمن؟ قالت: ما يقول؟ قال: يقول: اعتمَر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أربعَ عُمر، إحداهنَّ في رَجَب. قالت: يرحَمُ اللهُ أبا عبدِ الرحمن، ما اعتمَر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلا وهو شاهدُه، وما اعتمَر في رَجَب قطُّ (٢) .
قال أبو عُمر: رُوِيَ عن جماعةٍ من السلف؛ منهم ابنُ عباس (٣) ،
ج ١٤ ص ٣٠٣وعائشة (١) ، وإليه ذهَب ابنُ عُيينة، والزهريُّ، وجماعةٌ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - اعتمَر أربعَ عُمر؛ ثلاثٌ مُفترِقاتٌ، وواحدةٌ مع حَجَّتِه. وهذا على مذهبِ مَن جعَله قارنًا أو متمتعًا، وأمّا مَن جعَله مُفرِدًا في حَجَّتِه، فهو يَنفي أن تكونَ عُمرُه إلا ثلاثًا. وقد ذكَرنا الآثارَ في القِرانِ والتمتعِ والإفرادِ في بابِ ابنِ شهابٍ من هذا الكتاب (٢) . وأما ابنُ شهاب - وهو أعلمُ الناس بالسِّير عندَهم - فكان يقول: إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - اعتَمر ثلاثًا، كلُّهن في ذي القعدة.
-
حدَّثنا عمرُ بنُ حُسين، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذرِ الخزاميُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُليح، عن موسى بنِ عُقبة، عن ابنِ شهاب، قال: اعتمَر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثَ عُمَر، اعتَمر من الجُحْفَة عامَ الحديبية، فصدَّه الذين كفَروا في ذي القَعدةِ سنةَ ستٍّ، واعتَمر من العام القبل في ذي القَعدةِ من سنةِ سبعٍ آمنًا هو وأصحابُه، ثم اعتمَر الثالثةَ في ذي القَعدةِ سنةَ ثمانٍ حين أقبلَ من الطائف؛ من الجِعِرَّانة (٣) .
- ج ١٤ ص ٣٠٤
حدَّثنا إبراهيمُ بنُ شاكر (١) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوب (٢) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرو البزارُ، قال (٣) : حدَّثنا محمدُ بنُ مَعْمَر، قال: حدَّثنا سهلُ بنُ بكّار، قال: حدَّثنا وُهَيْبٌ، عن عبدِ الله بنِ عثمانَ بنِ خُثَيْم، عن سعيدِ بنِ جُبير، وطَلْقِ بنِ حبيب وأبي الزُّبير، عن جابر، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اعتمَرَ ثلاثَ عُمَرٍ، كلُّها في ذي القَعدة؛ إحداهنَّ زمنَ الحديبية، والأخرى في صُلْح قريش، والأخرى مَرجِعَه من الطائف زمنَ حنين؛ من الجِعِرَّانة.
-
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٤) ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: اعتمرَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثَ عُمَر (٥) .
- ج ١٤ ص ٣٠٥
حدَّثنا عبدُ الوارث (١) ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسَدَّد، قال: حدَّثنا الحجاجُ، عن عَمْرِو بنِ شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اعتمَر ثلاثَ عُمَرٍ في ذي القَعدة، كلَّ ذلك يُلبِّي حتى يستلِمَ الحَجَر (٢) .
قال أبو عُمر: قد ذكَرنا في باب عبدِ الرحمن بنِ حَرْملةَ (٣) من هذا الكتاب ما للعلماءِ من المذاهب في العُمرةِ ووجوبها، وهل يُعتمرُ في السَّنة أكثرَ من مرة، فلا معنى لذكرِ شيءٍ من ذلك هاهنا، وسيأتي زياد في باب عُمَرِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - عندَ ذكرِ بلاغاتِ مالكٍ (٤) إن شاء الله.
-
وفي اعتمارِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في شوالٍ وذي القَعدةِ أوضحُ الدلائلِ على ردِّ قولِ مَن كَرِهَ العُمرةَ في أشهُرِ الحجِّ، على أني لا أعرِفُ أحدًا كَرِهَ ذلك إلا مَن لا يُعَدُّ خلافًا فيه لشذوذِه في ذلك، وقد شُبِّه عليه بقولِ عُمرَ رضيَ الله عنه: افصِلوا بينَ حَجِّكم وعُمْرتِكم؛ فإن ذلك أتمُّ لحجِّ أحدِكم وأتمُّ لعمرتِه أن يعتمِرَ في غيرِ أشهرِ الحجِّ (٥) . وهذا إنما أراد به عمرُ ندْبَ الناس إلى إفرادِ الحجِّ وكراهيةِ التمتُّع،
ج ١٤ ص ٣٠٦فإذا أفرَد الإنسانُ الحجَّ وائْتَمَّ عليه، خرَج من شُهورِه، وجازَت له العمرةُ عندَ عُمرَ وغيره. وقد بيَّنّا هذا المعنى في بابِ عبدِ الرحمن بنِ حَرْملة (١) .
-
ولم يختلفِ العلماءُ في جوازِ العُمرةِ في شُهورِ الحجِّ في شوّالٍ وذي القَعدةِ وذي الحِجَّةِ لمَن تمتَّع ولمَن لم يتمتَّعْ، وفي إجماعِهم على ما وصَفْنا دليلٌ على أن معنى قولِ عُمرَ عندَهم ما ذكَرنا، أو على أنهم ترَكُوه ونبَذُوه ولم يلتفتُوا إليه؛ لأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كانت عُمَرُه في شهورِ الحجِّ، وقد صحَّ عن عُمرَ أنه أذِن لعُمرَ بنِ أبي سَلَمةَ أن يعتمِرَ في شوال (٢) ، فصار ما وصَفنا إجماعًا صحيحًا، والحمدُ للّه.
وقال أهلُ العلم: إن عُمرَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في شوال وذي القَعدةِ إنّما كانت ليقطَعَ بذلك ما كان عليه المشركُون من إنكارِ العُمرةِ في شهورِ الحجِّ (٣) ، ولهذا ما فسَخ أصحابُه حَجَّتَهم بأمرِه في عُمْرة، ولهذا ما أعمَر عائشةَ من التنعيم في ذي الحجَّة، كلُّ ذلك دَفْعٌ لِما كان المشركون عليه من كراهيَّتِهم العُمرةَ في أشهُرِ الحجِّ، ألا ترى إلى ما رُوِيَ من قولهم: إذا دخَل صَفَرْ، حَلَّت العُمرةُ لمَن اعتَمرْ. وقد ذكَرنا هذا الخبرَ بتمامِه في باب ابنِ شهاب (٤) ، والحمدُ للّه.
- ج ١٤ ص ٣٠٧
حديثٌ سادسٌ وأربعونَ لهشام بنِ عُروة
مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الحُمَّى من فَيْح جَهَنَّم، فابْرُدُوها بالماء" .
-
هذا الحديثُ غيرُ حديثِ هشام، عن فاطمة، عن أسماء، المتقدم ذكرُه في هذا الكتاب (٢) ، ولفظُهما مختلفٌ وإن كانَ المعنَى متقاربًا، وهكذا هذا الحديثُ في "الموطأ" مرسلًا (٣) إلا عندَ مَعْنِ بنِ عيسى، فإنه رواه مسندًا في "الموطأ" ، عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة.
-
وزعَم الجوهريُّ (٤) أنه لم يُسنِدْه في "الموطأ" غيرُ مَعْن. وقد أسنَده عن مالكٍ عبدُ الله بنُ وَهْبٍ في غير "الموطأ" (٥) . وقد رواه جماعةٌ من أصحابِ هشام، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ مسندًا. كما رواه ابنُ وَهْبٍ عن مالك.
- ج ١٤ ص ٣٠٨
فأما روايةُ ابنِ وَهْب، فحدَّثنا (١) عبدُ الرحمن بنُ يحيى (٢) ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ داود (٣) ، قال: حدَّثنا سُحنون. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٤) ، قال: حدَّثنا سُحنون وأبو الطاهر، قالا: حدَّثنا ابنُ وَهْب، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الحُمَّى من فَيْح جهنم، فأطفِئوها بالماء" (٥) .
قال ابنُ وَهْب: وسمِعتُ مالكًا يُحدِّثُ، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلَه.
-
هكذا عطَفه ابنُ وَهْب على حديثِ مالك، عن نافع، عن ابنِ عُمر، ولفظُ حديثِ ابنِ عُمر: "فأطفِئوها" . ولفظُ حديثِ هشام: "فابْرُدُوها" . وهذا يدُلّك على ما قدَّمنا ذكرَه في هذا الكتاب (٦) ، أن جماعةً من العلماءِ يُجيزون الحديثَ بالمعاني، وباللّه التوفيق.
-
ومن رواية مَن أسنَده عن هشام، ما حدَّثناه أحمدُ بنُ قاسم بن عيسى المقرئ، قال: حدَّثنا عبيدُ الله بنُ محمدِ بنِ حَبابة، قال: حدَّثنا البغويُّ (٧) ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الجَعْد، قال (٨) : حدَّثنا زهيرُ بنُ معاوية. وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ
ج ١٤ ص ٣٠٩عبدِ الرحمن البزار (١) . قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى المَرْوزيُّ، قال: حدَّثنا عاصمُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو خيثمة - يعني زهيرَ بنَ معاوية - قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الحُمَّى من فَيْحِ جهنم، فابْرُدُوها بالماء" .
-
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٢) ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال (٣) : حدَّثنا عبدُ الله بنُ نُمَير، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنّ الحُمّى مِنْ فيْحِ جهنّمَ، فابْرُدُوها بالماء" .
-
وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمّدِ بنِ يوسف، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ إسماعيل، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسَنِ الصبّاحي، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ الدّوْرَقيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الرّحمنِ الطُّفاويُّ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنّ الحُمّى مِنْ فَيْحِ جهنّمَ، فابْرُدُوها بالماء" (٤) .
-
وقد تقدَّم القولُ في معنى هذا الحديثِ في حديث هشام بنِ عُروة، عن فاطمةَ بنتِ المُنْذِر (٥) ، عن أسماءَ بنتِ أبي بكر، من هذا الكتاب، والحمدُ للّه كثيرًا.
- ج ١٤ ص ٣١٠
حديثٌ سابعٌ وأربعونَ لهشام بنِ عُروة
مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "تَحَرَّوا ليلةَ القَدْرِ في العَشرِ الأواخرِ مِن رَمَضان" .
-
لم يُختلَفْ عن مالكٍ فيما علِمتُ في إرسالِ هذا الحديث (٢) ، وقد رواه أنسُ بنُ عياضٍ أبو ضَمْرة، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة (٣) .
-
وهذا المعنى يتصلُ أيضًا من حديثِ نافع (٤) وعبدِ الله بنِ دينار (٥) ، عن ابنِ عمر.
-
ومن حديثِ الزهريِّ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ، أن رجلًا أتَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنِّي رأيتُ ليلةَ القدرِ ليلةَ كذا وكذا. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أرَى رُؤياكم قد تواطَأت، فالتمِسوها في العشرِ الأواخرِ في الوترِ منها" (٦) . وعُروةُ قد أدرَك ابنَ عمر.