هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، أبو المنذر

٨٥٩ فقرة، ج ١٤ ص ٢٢

الصفحة ٣ من ٢٢

  1. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٣) ، قال: حدَّثنا موسى بنُ معاوية، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن سَلَمة،

    ج ١٤ ص ٥٨عن الضحاك - في قوله: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} - قال: سُكرُ النوم (١) . ولا أعلمُ أحدًا قال ذلك غيرَ الضحاك.

    ج ١٤ ص ٥٧
  2. وأما عكرمةُ فقال: نسخَتها: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} الآيةَ (٢) [المائدة: ٦] .

    وقال مجاهد: كانوا يُصلُّون وهم سُكارى قبل نُزول تحريم الخمر، فنزلت: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} . ثم نسخها تحريمُ الخمر.

    وقال قتادة: كانوا يَجتَنبون الخمرَ حَضْرةَ الصلاة، ثم نزَل تحريمُ الخمر (٣) .

  3. وقال ابنُ وَهْب (٤) ، عن يونُس، عن ابن شهاب، قال: نزلت هذه الآيةُ قبل تحريم الخمر، فكانوا يَجتنبونها عندَ الصلاة، ثم نزَل تحريمُ الخمر بعدَ ذلك في "المائدة" .

  4. حديثٌ سادسٌ لهشام بنِ عُروةَ

    مالكٌ (١) ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصلِّي من الليل ثلاثَ عشْرةَ ركعةً ثم ينصرِفُ، فإذا سمِع النداءَ بالصبح ركع ركعتَين خفيفتَين.

    ج ١٤ ص ٥٩
  5. ذكَر قومٌ من رواة هذا الحديث، بنِ هشام بنِ عُروة، أنه كان لا يجلِسُ في شيء من الخمس ركعاتٍ إلا في آخِرهنّ. رواه حمادُ بنُ سَلمة (٢) ، وأبو عَوانة (٣) ، ووُهيبٌ (٤) ، وغيرُهم، عن هشام (٥) وذكَروا أنه كان لا يُسلِّمُ بينَهنَّ.

  6. وذلك كلُّه لا يَثبُتُ؛ لأنه قد عارضه عن عائشةَ ما هو أثبتُ منه، وأكثرُ الحُفّاظ روَوْا هذا الحديثَ عن هشام، كما رواه مالكٌ، والأصولُ تَعضُّدُ روايةَ مالك؛ لأنه قد ثبَت عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "صلاةُ الليل مثنَى مثنَى" (٦) .

  7. وهذا من الأحاديث التي لم يُختلَف في إسنادِها ولا في متْنها، وهو حديثٌ ثابتٌ مجتمَعٌ على صحتِه، وهو قاضٍ في هذا الباب على ما كان ظاهرُه خلافَه، وقد أوضَحْنا هذا المعنى في غير موضع من كتابنا، وذكَرنا ما للعلماء في ذلك من التَّنازُع، وأخبرنا بالوجه المختار الصحيح عندَنا، والحمدُ للَّه، ولا وجهَ لتكرار ذلك هاهنا.

    قال أبو عُمر: الروايةُ المخالفةُ في حديث هشام بن عُروةَ هذا لرواية مالكٍ فيه، إنما حدَّث به عن هشام أهلُ العراق، وما حدَّث به هشامٌ بالمدينة قبلَ خروجِه إلى العراق أصحُّ عندَهم (١) .

    ج ١٤ ص ٦٠
  8. ولقد حكى عليُّ بنُ المَدينيِّ، عن يحيى بن سعيد القطّان (٢) ، قال: رأيتُ مالكَ بنَ أنس في النوم، فسألتُه عن هشام بن عُروة، فقال: أمّا ما حدَّث به عندَنا - يعني: بالمدينة قبل خُروجه- فكأنه يُصحِّحُه، وأما ما حدَّث به بعدَما خرج من عندِنا فكأنه يُوهِنُه.

  9. وفي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ ركْعَتي الفجر مما كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُواظِبُ عليهما، وهما عندنا من مؤكَّدات السُّنن وإن كان بعضُ أصحابنا يُخالف في ذلك؛ وقد بيَّنا الوجهَ فيه في باب شَريكِ بنِ أبي نَمرٍ وغيرِه (٣) من هذا الكتاب، والحمدُ للَّه.

  10. وفي هذا الحديث من الفقه: المُواظَبةُ على صلاةِ اللَّيل، وأنَّ صلاةَ الليل آخِرُها الوِتْر، إمّا بواحدَةٍ وإمّا بثلاث، وقد قيل غيرُ ذلك على حسَبِ ما أوضَحْناهُ في باب سعيدِ بنِ أبي سعيد، وباب نافع (١) ، والحمدُ للَّه.

    ج ١٤ ص ٦١
  11. وفيه: النِّداء للصُّبح بعدَ الفجْرِ وتخفيفُ ركعَتَي الفجر، وقد استدَلَّ به مَنْ زعمَ أنّ النِّداء للصُّبح لا يكونُ إلّا بعدَ الفجر؛ وقد مضى القولُ في ذلك في باب ابنِ شهابٍ عن سالم (٢) ، والحمدُ للَّه وبه التوفيق.

  12. حديثٌ سابعٌ لهشام بنِ عُروة

    مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان أحَبُّ العَمل إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، الذي يَدومُ عليه صاحبُه.

    ج ١٤ ص ٦٢
  13. ومعنى هذا الحديث مفهوم، لأنَّ العملَ الدائمَ يتَّصلُ أجرُه وحسناتُه، وما انقَطَع من العَمَل (٢) انقَطَع أجرُه وحسناتُه.

  14. وفي هذا الحديث -عندي- دليلٌ على أنّ قليلَ العمل إذا دام عليه صاحبُه أزْكى له، واللَّهُ يُحبُّ الرِّفقَ في الأمرِ كلِّه ويرضاهُ، ولا يرضَى العُنفَ؛ وباللَّه التوفيق.

  15. حديثٌ ثامنٌ لهشام بنِ عُروة

    مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: صلَّى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-وهو شاكٍ، فصلَّى جالسًا، وصلَّى وراءَه قومٌ قيامًا، فأشار إليهم أن اجْلِسوا، فلمّا انصرَف قال: "إنما جُعِل الإمامُ ليُؤتَمَّ به؛ فإذا ركَع فارْكعوا، وإذا رفَع فارْفَعُوا، وإذا صلَّى جالسًا فصَلُّوا جُلوسًا" .

    ج ١٤ ص ٦٣
  16. وقد تقدَّم القولُ في معنى هذا الحديث مُستوعَبًا مهذَّبًا في باب ابنِ شهاب عن أنس (٢) من هذا الكتاب.

  17. وقد روَى هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، مرسلًا في روايةِ مالك (٣) ، ومسندًا في رويةِ غيره، نَسْخَ هذا المعنى في الصلاة جالسًا للصحيح خلفَ الإمام الجالسِ العليل، وسيأتي في بابه من هذا الكتاب إن شاء اللَّه (٤) .

  18. حديثٌ تاسعٌ لهشام بنِ عُروة

    مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنها أخبرَتْه أنها لم ترَ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصلِّي صلاةَ الليل قاعدًا قطُّ حتى أسَنَّ، فكان يقرأُ قاعدًا، حتى إذا أراد أن يركعَ قام فقرأ نحوًا من ثلاثينَ أو أربعينَ آيةً، ثم ركع.

    ج ١٤ ص ٦٤
  19. في هذا الحديث: ما كان عليه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من الصَّبْر على الصَّلاة بالليل.

  20. وفيه: إباحةُ صلاةِ النافلة جالسًا، وهو أمرٌ مجتمَعٌ عليه لا خلافَ فيه.

  21. وفيه: ردٌّ على مَن أبى من أن يكونَ المُصلِّي يُصلِّي النافلةَ بعضَها جالسًا وبعضَها قائمًا، والذي عليه جمهورُ الفقهاء فيمَن افتَتح صلاةَ النافلة قاعدًا، أنه لا بأسَ أن يقومَ فيها ويقرأَ بما أحبَّ على ما في هذا الحديث وشِبهِه.

  22. واختلفوا فيمَن افتتَحها قائمًا ثم قعَد:
  23. فقال مالكٌ، والثوريُّ، وأبو حنيفة، والشافعيُّ (٢) : يجوزُ أن يقعُدَ فيها كما يجوزُ له أن يفتتِحَها قاعدًا.

    وقال الحسنُ بنُ حيٍّ، وأبو يوسُف، ومحمد (٣) : يُصلِّي قائمًا ولا يجلسُ إلا من ضرورة، لأنه افتتَحها قائمًا.

    وقال ابنُ جُريج: قلت لعطاء: استَفْتحتُ الصلاةَ قائمًا، فركعتُ ركعة، وسجَدتُ ثم قُمتُ، أفأجلسُ إن شئتُ بغير ركوع ولا سجود؟ قال: لا (٤) .

  24. فأما المريضُ، فقال ابنُ القاسم (١) في المريض: يُصلِّي مُضْطَجعًا أو قاعدًا، ثم يَخفُّ عنه المرضُ فيَجدُ القوة: إنه يقومُ فيما بقيَ من صلاتِه، ويَبني على ما مضَى منها. وهو قولُ الشافعيِّ، وزُفَرَ، والطبريِّ (٢) .

    ج ١٤ ص ٦٥
  25. وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد -فيمَن صلَّى مُضطَجِعًا ركعةً، ثم صحَّ-: إنه يستقبلُ الصلاةَ من أولها. ولو كان قاعدًا؛ يركَعُ ويسجُدُ، ثم صحَّ، بَنى في قول أبي حنيفة، ولم يَبنِ في قول محمد. وقال أبو حنيفةَ وأصحابه: إذا افتتحَ الصلاةَ قائمًا، ثم صار إلى حال الإيماءِ، فإنه يَبْني. ورُوي عن أبي يوسُفَ أنه يَستقبل (٣) .

  26. وقال مالكٌ (٤) في المريض الذي لا يستطيعُ الركوعَ ولا السُّجود، وهو يَستطيعُ القيامَ والجلوس: إنه يُصلِّي قائمًا ويُومئُ إلى الركوع، فإذا أراد السجودَ جلس فأومَأ إلى السجود. وهو قولُ أبي يوسُف، وقياسُ قول الشافعيِّ. وقال أبو حنيفة وسائرُ أصحابه: يُصلِّي قاعدًا (٥) .

    وقال مالكٌ، وأبو حنيفة، وأصحابُهما (٦) : إذا صلَّى مُضْطَجِعًا، تكونُ رِجْلاه مما يلي القِبْلةَ مُستقبِلَ القِبْلة.

    وقال الثوريُّ، والشافعيُّ (٧) : يُصلِّي على جَنْبه ووجْهُهُ إلى القِبْلة. وقد ذكَرنا كيفيةَ صلاةِ القاعدِ في باب إسماعيلَ بنِ محمد (٨) ، والحمدُ للَّه.

  27. حديثٌ عاشرٌ لهشام بنِ عُروةَ

    مالكٌ (١) ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مُروا أبا بكر فلْيُصلِّ للناس" ، فقالت عائشة: إن أبا بكر إذا قامَ مقامَك لم يُسمِع الناسَ من البكاء، فمُرْ عمرَ فليُصلِّ للناس، قال: "مُروا أبا بكر فلْيُصلِّ للناس" ، قالت عائشة: فقلتُ لحفصة: قولي له: إن أبا بكر إذا قامَ في مقامِك لم يُسمِع الناسَ من البكاء، فمُرْ عمرَ فليُصلِّ للناس. ففعلَتْ حفصةُ، فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنكنَّ لأنتُنَّ صواحبُ يوسُف، مُروا أبا بكر فلْيُصلِّ للناس" . فقالت حفصةُ لعائشة: ما كنتُ لأُصيبَ منكِ خيرًا.

    ج ١٤ ص ٦٦
  28. في هذا الحديث من الفقه: أنّ القومَ إذا أجمعوا للصلاةِ فأحقُّهم وأوْلاهُم بالإمامة فيها أفضَلُهم (٢) أفقَهُهم؛ لأنَّ أبا بكر قدَّمه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- للصلاةِ بجماعةِ أصحابه، ومعلومٌ أنهم كان فيهم مَن هو أقرأُ منه ولا سيّما أُبيُّ بنُ كعب وابنُ مسعودٍ وزيدٌ ومعاذ (٣) . وهذه مسألةٌ اختلفَ فيها السلف:

    فقال مالكٌ (٤) : يؤُمُّ القومَ أعلمُهم إذا كانت حالُه حسنةً، وللسِّنِّ حقٌّ. قيل له: فأكثرُهم قرآنًا؟ قال: لا، قد يقرأُ مَن لا يكونُ فيه خير.

    وقال الثوريُّ: يؤمُّهم أقرؤهم، فإن كانوا سواءً فأعلمُهم بالسُّنة، فإن استوَوْا فأسنُّهم.

    ج ١٤ ص ٦٧وقال الأوزاعيُّ: يؤمُّهم أفقهُهم في دينِ اللَّه (١) .

    وقال أبو حنيفة: يؤمُّهم أقرؤهم لكتابِ اللَّه وأعلمُهم للسُّنة، فإن استوَوْا في القراءةِ والعلم بالسُّنّة فأكبرُهم سنًّا، فإن استوَوْا في القراءةِ والفقهِ والسِّنِّ فأورَعُهم.

    وقال محمدُ بنُ الحسن وغيرُه: إنما قيل في الحديث: "أقرؤهم" ، لأنهم أسلَموا رجالًا فتفقَّهُوا فيما علموا من الكتاب والسُّنة، وأمّا اليومَ فيتعلَّمون القرآنَ وهم صِبيانٌ لا فقهَ لهم (٢) .

    وقال اللّيثُ: يؤمُّهم أفضلُهم وخيرُهم، ثم أقرؤهم، ثم أسنُّهم إذا استوَوْا (٣) .

    وقال الشافعيُّ (٤) : يؤمُّهم أقرؤُهم وأفقهُهم، فإن لم يجتمعْ ذلك قُدِّم أفقهُهم إذا كان يقرأ ما يكتفي به في صلاتِه، وإن قُدِّم أقرؤهم وعَلِم ما يلزَمُه في الصلاة فحسَنٌ.

    وقال الأثرم: قلت لأحمدَ بنِ حنبل: رجُلان أحدُهما أفضلُ من صاحبه، والآخرُ أقرأُ منه. فقال: حديثُ أبي مسعود: "يؤمُّ القومَ أقرؤهم" (٥) . قال: ألا ترَى

    ج ١٤ ص ٦٨أن سالمًا مولى أبي حُذيفةَ كان مع خيارِ أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- منهم: عُمرُ وأبو سَلَمة بنُ عبد الأسد، فكان يؤمُّهم؛ لأنه جمع القرآن، وحديثُ عَمْرو بن سَلَمة؛ أمَّهم للقرآن (١) . فقلت له: حديثُ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مُرُوا أبا بكر فليُصلِّ بالناس" ، أليس هو خلافَ حديث أبي مسعودٍ عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يؤُمُّ القومَ أقرؤُهم" ؟ فقال: إنما قولُه لأبي بكر يُصلِّي بالناس إنما أراد الخلافة، وكان لأبي بكر فضلٌ بيِّن على غيرِه، وإنما الأمرُ في الإمامةِ إلى القراءة، وأما قصةُ أبي بكر فإنما أراد به الخلافة.

    قال أبو عُمر: لما قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مُرُوا أبا بكر يُصلِّي بالناس" في مرضِه الذي توفِّي فيه، واستخلَفه على الصلاة وهي عُظمُ الدين، وكانت إليه لا يجوزُ أن يتقدَّم إليها أحدٌ بحضرتِه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلما مرِض استخلَف عليها أبا بكر، والصحابةُ متوافرون، منهم: عليٌّ وعُمرُ وعثمانُ رضي اللَّه عنهم، استدلَّ المسلمون بذلك وبغيره على فضل أبي بكر، وعلى أنه أحقُّ بالخلافة بعدَه، وعلِموا ذلك، فارتضَوا لدُنياهم وإمامتِهم وخلافتِهم مَن ارتضاه لهم رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لأصل دينِهم؛ وذلك إمامتُهم في صلاتهم، ولم يكنْ يمنعُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من أن يُصرِّحَ بخلافةِ أبي بكر بعدَه، واللَّهُ أعلم، إلا أنه كان لا ينطِقُ في دين اللَّه بهواه، ولا ينطِقُ إلا بما يُوحَى إليه فيه؛ قال اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: ٣ - ٤] ، ولم يكن يوحَى إليه في الخلافة شيء، وكان لا يتقدَّمُ بين يدَي ربِّه في شيء، وكان يحبُّ أن يكونَ أبو بكر الخليفةَ بعدَه، فلما لم ينزِلْ عليه في ذلك وحيٌ ونصٌّ: لم يَأمُرْ بذلك، ولكنه أراهُم موضعَ الاختيار، وموضعَ إرادتِه، فعرَف

    ج ١٤ ص ٦٩المسلمون ذلك منه، فبايَعوا أبا بكر بعدَه، فخِيرَ لهم في ذلك، ونفَعهم اللَّهُ به، وبارَك لهم فيه، فقاتَل أهلَ الرِّدَّة حتى أقامَ الدِّين كما كان، وعدَل في الرعية، وقسَم بالسَّويَّة، وسار بسِيْرة رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى توفّاه اللَّهُ حميدًا، رضي اللَّه عنه.

  29. وقد روَى هذا الحديثَ حمادُ بنُ سَلَمة، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، بمعنى حديث مالك (١) . قال حمادٌ: وأخبَرنا أيوب، عن ابن أبي مُلَيكة، عن عائشة، بمثله. قال ابنُ أبي مُليكة: وأيُّ خلافةٍ أبينُ من هذا؟ (٢) .

  30. وقد جاءت عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- آثارٌ تدلُّ على أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُسِرُّه ويَعلَمُ أن الخليفةَ بعدَه أبو بكر، واللَّهُ أعلم؛ منها: قولُه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اقتَدُوا باللَّذَين من بعدي؛ أبي بكر وعمرَ" : حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا قَبِيصةُ بنُ عقبةَ الكوفيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ سعيد، عن عبدِ الملك بن عُمير، عن مولًى لرِبْعيٍّ، عن رِبْعيٍّ، عن حُذَيفة، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اقتَدُوا باللَّذَين من بعدي: أبي بكرٍ وعمرَ" (٣) .

  31. وحدَّثنا أحمدُ بنُ عبد اللَّه (١) ، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزة، قال: حدَّثنا الطحاويُّ (٢) ، قال: حدَّثني المُزنيُّ، قال (٣) : حدَّثنا الشافعيُّ، قال: أخبرنا إبراهيمُ بن سعدِ بن إبراهيمَ، عن أبيه، عن محمدِ بنِ جبيرِ بنِ مُطعِم، عن أبيه، أن أمرأةً أتت رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فسألتْه عن شيء، فأمَرها أن ترجعَ، قالت: يا رسول اللَّه، إن رجَعتُ فلم أجدْك؟ - قال: كأنها تعني الموت- قال: "فائْتي أبا بكر" . قال الشافعيُّ: وفي هذا دليلٌ على خلافةِ أبي بكر.

    ج ١٤ ص ٧٠
  32. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمد الصائغ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ داود، قال (٤) : حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعد، قال: حدَّثني أبي، عن محمدِ بن جبيرِ بن مُطعم، عن أبيه، أن امرأةً أتَتِ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فسألتْه عن شيء، فقال لها: "ارجِعي" . فقالت: يا رسولَ اللَّه، إن رجَعتُ فلم أجِدْك؟ -تعني الموت- قال: "فائْتي أبا بكر" .

  33. حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا منصورُ بنُ سَلَمةَ الخُزاعيُّ أبو سَلَمةَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعد، عن أبيه، عن محمدِ بنِ جبير، عن أبيه، قال: أتتِ النبيَّ عليه السلامُ امرأةٌ تكلِّمُه في شيء، فأمرَها أن ترجعَ إليه، فقالت: إن جئتُ ولم أجِدْك؟ قال: "فائْتي أبا بكر" .

  34. أخبرنا أبو محمد عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ عبدِ اللَّه الشافعيُّ ببغدادَ إملاءً في الجامع يومَ الجمُعة سنةَ تسع وأربعينَ وثلاثِ مئة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بن أبي العوّام الرِّياحيُّ سنة ستٍّ وسبعين ومئتين، قال: أخبرني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يزيد (١) ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالد، عن زرٍّ، عن عبدِ اللَّه، قال: كان رجوعُ الأنصار يومَ سَقيفةِ بني ساعدةَ لكلام قاله عُمرُ: أنشدُكم باللَّه، أتعلمون أنّ رسولَ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر أبا بكر أن يُصلِّيَ بالناس؟ قالوا: نعم. قال: فأيُّكم تَطيبُ نفسُه أن يُزيلَه عن مقام أقامَه فيه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قالوا: كلُّنا لا تَطيبُ أنفسُنا أن يُزيلَه عن مقام أقامَه فيه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.

    ج ١٤ ص ٧١
  35. وأخبرنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو بكر محمدُ بنُ أبي العوّام، قال: حدَّثني أبي أحمد بن يزيدَ أبي العوّام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يزيدَ الواسطيُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالد، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللَّه بن مسعود، قال: كان رجوعُ الأنصار يومَ سقيفةِ بني ساعدةَ بكلام قاله عُمرُ بنُ الخطاب: نشدتُكمُ اللَّه، هل تعلَمون أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَر أبا بكر أن يُصلِّيَ بالناس؟ قالوا: اللهمَّ نعم، قال: فأيُّكم تَطيبُ نفسُه أن يُزيلَه عن مقام أقامَه فيه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ فقالوا: كلُّنا لا تَطيبُ نفسُه، نستغفرُ اللَّه (٢) .

  36. وأجمعوا أنّ أبا بكر كان يكتبُ: "من خليفةِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-" في كتبه كلِّها.

  37. وذكر نافعُ بنُ عمرَ الجُمَحيُّ، عن ابن أبي مُليكةَ، أن رجلًا قال لأبي بكر: يا خليفةَ اللَّه. فقال أبو بكر: أنا خليفةُ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأنا راضٍ بذلك.

  38. وبَعث عمرُ بنُ عبد العزيز محمدَ بنَ الزبير إلى الحسن يسألُه: هل استخلَف رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أبا بكر؟ فقال: نعم (١) .

    قال أبو عُمر: إنما قال هذا استدلالًا بنحو ما ذكَرنا من الحديث، واللَّهُ أعلم، ولم يُختلَفْ عن عمرَ أنّه لما حضرتْه الوفاةُ قال: إن أستخلِفْ فقدِ استَخْلَفَ أبو بكر، وإن لم أستَخلِفْ فلم يَستخلِفْ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. قال ابنُ عمر: فلمّا ذكَر رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- علِمتُ أنه لا يَستخلِفُ. وهذا معناه أنه لم يستخلِفْ نصًّا ولا تصريحًا. واللَّهُ أعلم.

    ج ١٤ ص ٧٢
  39. حدَّثنا عبد الوارث (٢) ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أيوب، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعد، عن محمدِ بنِ إسحاق، عن الزُّهريِّ، عن عبدِ الملك بنِ أبي بكر بنِ عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبدِ اللَّه بن زَمعةَ بنِ الأسود، قال: قلتُ لعُمر: صلِّ بالناس -وأبو بكر غائبٌ في مرض رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فلما كبَّر سمع رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صوتَه، فقال: "وأينَ أبو بكر؟ يأبى اللَّهُ ذلك والمسلمون، يأبى اللَّهُ ذلك والمسلمون" ، مرتين، فبعَث إلى أبي بكر، فجاء بعد أن صلَّى عمرُ تلك الصلاةَ، فصلَّى بالناس (٣) .

  40. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا ابنُ المفسِّر (١) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عليٍّ القاضي، قال: حدَّثنا عبيدُ اللَّه بنُ عمرَ القواريريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ داود، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن ابن عُمر، قال: لما طُعن عمرُ رحمه اللَّهُ قالوا له: ألا تستخلِفُ؟ قال: أحتمِلُكم حيًّا وميِّتًا؟ ليت حظِّي منكم الكفافُ؛ لا عليَّ ولا لي، إن أترُكْكم فقد تركَكم مَن هو خيرٌ منِّي ومنكم؛ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وإن أستخلِفْ فقد استخلَف مَن هو خيرٌ منِّي؛ أبو بكر (٢) .

    قال: وحدَّثنا أحمدُ بنُ علي (٣) ، قال: حدَّثنا أبو بكر (٤) وعثمانُ ابنا أبي شيبة، قالا: حدَّثنا حسينُ بنُ عليٍّ، عن زائدةَ بنِ قُدامة، عن عاصم، عن زرٍّ، عن عبدِ اللَّه، قال: لما قُبِض رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قالت الأنصار: منّا أميرٌ ومنكم أميرٌ. قال: فأتاهم عمرُ بنُ الخطاب فقال: يا معشرَ الأنصار، ألسْتُم تعلمونَ أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مُرُوا أبا بكرٍ يؤُمَّ الناسَ" ؟ فأيُّكم تَطيبُ نفسُه يتقدَّم أبا بكر؟ قال: فقالت الأنصار: نعوذُ باللَّه أن نتقدَّم أبا بكر.

    ج ١٤ ص ٧٤قال أحمدُ (١) : وحدَّثنا أبو خيثمةَ زُهيرُ بنُ حرب، قال: حدَّثنا معاويةُ بنُ عَمْرو، عن زائدة، عن عاصم، عن زرٍّ، عن عبدِ اللَّه، مثله.

    ج ١٤ ص ٧٣