ربيعة بن أبي عبد الرحمن المدني
٤٣٣ فقرة، ج ٢ ص ٣٩٣
الصفحة ٢ من ١١
- ج ٢ ص ٤٠٥
وأمَّا سِنُّه في حين وفاته، ففي حديث ربيعةَ وأبي غالبٍ، عن أنسٍ، أنّه تُوُفِّي - صلى الله عليه وسلم - وهو ابنُ ستِّين. وهو قولُ عُروةَ بنِ الزبير.
-
وروَى حُميدٌ، عن أنسٍ، قال: تُوُفِّي رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ابنُ خمسٍ وستينَ؛ ذكَره أحمدُ بنُ زُهير، عن المثنَّى بن مُعاذٍ، عن بشرِ بن المفضَّلِ، عن حُميد (٧) .
-
وروَى الحسنُ، عن دَغْفَل النَّسَّابة، وهو دَغْفَلُ بنُ حَنْظَلةَ، أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -
ج ٢ ص ٤٠٦قُبِض وهو ابنُ خمسٍ وستِّين (١) . ولم يُدرِكْ دَغْفَلٌ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -. قال البخاريُّ: ولا نَعرِفُ للحسنِ سَماعًا مِن دَغْفَل (٢) .
قال البخاريُّ (٣) : وروَى عمّارُ بنُ أبي عمّارٍ، عن ابن عباسٍ، قال: تُوُفِّي رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ابنُ خمسٍ وستِّين.
قال البخاريُّ (٤) : ولا يُتابَعُ عليه، إلا شيءٌ رواه العلاءُ بنُ صالح، عن المِنهالِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: أُنزِل على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بمكةَ عشرَ سنينَ وخمسَ سنينَ وأكثَرَ. ولم يُوافَقْ عليه العلاءُ، وهو شيءٌ لا أصلَ له.
قال (٥) : وروَى عكرمةُ، وأبو ظَبْيَانَ، وأبو سلمةَ بنُ عبد الرحمن، وعمرُو بن دينار، كلُّهم عن ابن عباسٍ، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قُبِض وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّين.
قال أبو عمر: قد روَى عليُّ بنُ زيدٍ، عن يوسفَ بن مِهرانَ، عن ابن عباسٍ: أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - تُوُفِّي وهو ابنُ خمسٍ وستِّينَ. ذكَرَه أحمدُ بنُ زُهيرٍ، عن أحمدَ بن حنبلٍ (٦) ، عن هُشيم، عن عليٍّ بن زيد.
- ج ٢ ص ٤٠٧
وإنّما ذَكَرنا هذا، وإن كان الصحيحُ عندَنا غيرَه؛ لقولِ البخاريِّ: إنّه لم يُتابَعْ عليه عمَّارُ بنُ أبي عمّارٍ مولَى بني هاشم، عن ابن عباس. والذي ذكَر البخاريُّ أنَّهم رَوَوا عن ابن عباسٍ، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - تُوُفِّي وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّين. فكما ذكَر.
-
وقد روَى أبو جمرةَ (١) ، ومحمدُ بنُ سيرينَ أيضًا (٢) ، عن ابن عبّاس، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - تُوُفِّي وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّينَ. ولم يُختَلَفْ عن عائشةَ ومعاويةَ؛ أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - تُوُفِّي وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّين.
-
وأمّا حديثُ عمّارِ بنِ أبي عمّار؛ فرواه سفيانُ الثَّوريُّ، عن خالدٍ الحذّاءِ، عن عمّارٍ مولى هاشم، عن ابن عبّاسٍ، قال: بُعث النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وهو ابنُ أربعينَ سنةً، فأقام بمكّةَ خمسَ عشرةَ سنةً، وبالمدينةِ عشْرَ سنينَ، وقُبض وهو ابنُ خمسٍ وستِّينَ سنةً (٣) .
-
ورواه شعبةُ، عن يونسَ، عن عمّارٍ مولى بني هاشم، قال: سألتُ ابنَ عبّاسٍ: ابنَ كمْ توفّيَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: إنّ هذا لَشديدٌ على مثلِكَ، ألا تعلمُ مثلَ هذا في قومك؟! توفّي وهو ابنُ خمسٍ وستِّين (٤) .
- ج ٢ ص ٤٠٨
ورواه حمّادُ بن سلمةَ، عن عمّارِ بن أبي عمّارٍ، عن ابن عبّاسٍ مثلَه (١) .
-
فالاختلافُ على ابن عبّاس في هذا قويٌّ؛ لأنّ عمّارَ بنَ أبي عَمّار مولى بني هاشم وسعيدَ بنَ جُبير - من رواية العلاءِ بنِ صالح عن المنهالِ عن سعيدٍ - ويوسفَ بنِ مِهْرانَ، كلُّهم اتفقوا عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تُوفّيَ وهو ابنُ خمسٍ وستِّينَ سنةً (٢) .
-
وروَى أبو سلمةَ وعكرمةُ ومحمّدُ بنُ سيرينَ وأبو جمرة وأبو حَصِين ومِقْسَم وأبو ظَبْيان وعَمْرو بن دينار كلهم، عن ابن عباس، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توفي وهو ابن ثلاث وستين.
-
وقد روَى معاذُ بنُ معاذٍ، عن بِشْر بن المفضّل، عن حُميدٍ، عن أنس، قال: توفّي رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ابنُ خمسٍ وستِّين؛ ذكره ابن أبي خيثمة عن المثنى بن معاذ هكذا (٣) ، وذكرَه المستملي، عن معاذ بنِ هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن أنس مثله: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توفّي وهو ابن خمس وستين.
-
والصّحيح عندي حديث معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن الحسن عن دَغْفل بن حنظلة، قال: توفّي النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وهو ابنُ خمسٍ وستّين.
-
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ وإسحاقُ بنُ إبراهيمَ بن حَبيب،
ج ٢ ص ٤٠٩قال إسحاقُ: أخبرني أبي، وقال إبراهيمُ بنُ حمزةَ: حدَّثني محمدُ بنُ فُليح، كلاهما عن موسى بن عُقبةَ، عن ابن شهاب، قال: حدَّثني عروةُ، عن عائشةَ، قالت: تُوُفِّي رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّين (١) .
-
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إبراهيمَ التَّرْجُمانيُّ، قال: حدَّثنا حسّانُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا يُونسُ بنُ يَزيدَ، عن الزهريِّ، قال: أخبرني عروةُ، عن عائشةَ، قالت: تُوُفِّي رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّين (٢) .
قال الزهريُّ: وأخبرني سعيدُ بنُ المسيِّبِ، عن عائشةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلَ ذلك (٣) .
قال أبو عمر: هذا أصحُّ شيءٍ جاءَ في هذا الباب، إلّا أنِّي أعجَبُ من روايةِ هشام بن عروةَ، وعَمْرو بن دينارٍ، عن عروةَ، وقولِه بخلافِ هذا الحديث على ما قدَّمْنا عنه، وما أدري كيف هذا؟
- ج ٢ ص ٤١٠
وروَى شعبةُ (١) وإسرائيل (٢) ، عن أبي إسحاقَ، عن عامرِ بن سعدٍ، عن جريرِ بن عبد الله، أنّه سمِع معاويةَ يقولُ: قُبِضَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّين؛ قاله أبو إسحاقَ (٣) ، وعامرُ بنُ سعدٍ، وعبدُ الله بنُ عتبةَ، وسعيدُ بنُ المسيِّب، والشعبيُّ (٤) ، وعليه أكثرُ الناس؛ لأنّه يَجتمِعُ على هذا القول كلُّ مَن قال: تُنُبِّئَ على رأسِ أربعينَ، فأقام بمكةَ ثلاثَ عشرةَ سنةً. وكلُّ مَن قال: بُعِثَ على رأسِ ثلاثٍ وأربعينَ، فأقام بمكةَ عشرًا. وهو الذي يَسكُنُ إليه القلبُ في وفاتِه، والله أعلمُ.
-
ولا خلافَ أنّه وُلِد يومَ الاثنين بمكةَ، في ربيعٍ الأوَّلِ عامَ الفيل، وأنّ يومَ الاثنين أوَّلُ يومٍ أوحَى اللهُ إليه فيه، وأنه قَدِم المدينةَ في ربيعٍ الأوَّل. قال ابنُ إسحاقَ: وهو ابنُ ثلاثٍ وخمسينَ سنةً (٥) . وأنّه تُوُفِّي يومَ الاثنين في شهرِ ربيعٍ الأوّل، سنةَ إحدَى عشْرةَ من الهِجرة - صلى الله عليه وسلم -.
-
وروَى كُريبٌ عن ابن عبّاس، قال: أوحى الله إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وهو ابنُ أربعينَ سنةً، فأقام بمكّةَ ثلاثَ عشرةَ سنةً، وبالمدينة عشرًا، وتوفِّيَ وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّينَ (٦) .
- ج ٢ ص ٤١١
وذكر يعقوبُ بن شيبة، قال: حدَّثنا عارمُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ زيدٍ عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بن المسيّب، قال: توفّي رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ابنُ ثلاثٍ وستّينَ سنةً، وأُنزل عليه وهو ابنُ أربعينَ سنةً، وأقام بمكّةَ ثلاثَ عشرةَ سنةً، وبالمدينة عشرًا (١) . قال أبو عمر: هذا ما عندي في ذلك، والله أعلم.
-
وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ عمرَ أبو الميمونِ بدمشقَ، قال: حدَّثنا أبو زُرعةَ، قال (٢) : حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا عَنْبسَةُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ يزيدَ، عن ابنِ شهاب، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: توفّيَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ابنُ ثلاثٍ وستّين، وصدَّقَ ذلك حديثُ عليِّ بنِ الحُسين: أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - توفّي وهو ابنُ ثلاثَ وستِّينَ (٣) .
-
وأمّا شيْبُه - صلى الله عليه وسلم -، فأكثَرُ الآثارِ على نحوِ حديثِ رَبيعةَ، عن أنسٍ، في تقليلِ شَيْبِه - صلى الله عليه وسلم -، وأنَّ ذلك كان منه في عَنْفَقَتِه. وقد رُوِيَ أنّه كان يَخْضِبُ، وليسَ بقويٍّ، والصَّحيحُ أنّه لم يَخْضِبْ، ولم يَبلُغْ من الشَّيبِ ما يَخْضِبُ له.
-
وسنَذْكُرُ ذلك في بابِ حديثِ سعيد المَقْبُريِّ، عن عُبيدِ بن جُريج، عن ابن عمرَ من كتابِنا هذا إن شاء الله (٤) .
-
أخبَرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاح إملاءً، قال: حدَّثنا يُوسفُ بن عَدِيٍّ، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ كثيرٍ، عن ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن، قال: سألْتُ أو سُئلَ أنسٌ: هل خضَب رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: لم يُدْرِكِ الخِضابَ، ولكن خَضبَ أبو بكرٍ وعمرُ (٥) .
- ج ٢ ص ٤١٢
وقد أكثَر الناسُ في صِفَتِه - صلى الله عليه وسلم -، فمنهم المُطَوِّلُ، ومنهم المقْتَصِدُ، ومَن أراد الوُقوفَ على ذلك تأمَّلَه في كتاب "أحمدَ بن زُهير" وغيرِه. وأحسنُ الناسِ له صفةً في اختصارٍ عليُّ بنُ أبي طالب:
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سعيدٍ الأصبهانيُّ. وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاحٍ (١) ، قال: حدَّثنا يُوسفُ بنُ عديٍّ، وزهيرُ بنُ عبّادٍ، وابنُ أبي شَيْبَة، قالوا (٢) : حدَّثنا عيسى بنُ يُونسَ، عن عمرَ بن عبد الله مولَى غَفْرَةَ، عن إبراهيمَ بن محمدٍ من وَلَدِ عليٍّ، قال: كان عليٌّ إذا نعَت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: لم يكنْ بالطَّويل الممَغَّط، ولا بالقصيرِ المتَرَدِّدِ، وكان رَبْعَةً مِن القوم، ولم يكنْ بالجَعْدِ القَطَطِ، ولا بالسَّبْط، كان جعْدًا رَجِلًا (٣) ، ولم يكنْ بالمُطَهَّم، ولا بالمُكَلْثَم (٤) ، وكان في الوجهِ تَدويرٌ، أبيضَ، مُشْرَبٌ حُمرةً، أدْعَجَ العينين (٥) ،
ج ٢ ص ٤١٣أهْدَبَ الأشفار (١) ، جليلَ المُشاش والكَتَدِ، أجرَدَ (٢) ، ذُو مَسْرُبةٍ، شَثْنَ الكفَّينِ والقدمين (٣) ، إذا مشَى تَقَلَّعَ (٤) ، كأنَّما يَمشِي في صَبَبٍ (٥) ، وإذا التَفَت التفَتَ معًا، بين كَتِفَيْه خاتمُ النُّبوة، وهو خاتمُ النبيين، أجودَ الناسِ كفًّا، وأجرأَ الناس صَدْرًا، وأصدقَ الناسِ لهجةً، وأوفَى الناس بذمَّةٍ، وأليَنَهم عَريكَةً (٦) ، وأكرَمَهم عِشْرَةً، مَن رآه بَدِيهةً هابَه، ومَن خالَطَه معرفةً أحبَّه، يقولُ ناعِتُه: لم أرَ قبلَه ولا بعدَه مثلَه، - صلى الله عليه وسلم -.
-
قولُه: المُمَغَّطُ. هو الطويلُ المديدُ. وقال الخليلُ بنُ أحمدَ (٧) : الفَرَسُ المُطَهَّمُ: التامُّ الخَلْقِ.
وقال أبو عُبيدٍ (٨) : المُشاشُ رُؤوسُ العظام. وقال الخليلُ (٩) : الكَتَدُ ما بينَ الثَّبَجِ (١٠) إلى مُنتصفِ الكاهِلِ من الظَّهْرِ. والمَسْرُبةُ: شَعَراتٌ تتَّصلُ من الصَّدر إلى السُّرَّة (١١) .
- ج ٢ ص ٤١٤
حديثٌ ثانٍ لربيعةَ متَّصل مُسنَدٌ
مالكٌ (١) ، عن ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن، عن حنظلةَ بن قيسٍ الزّرَقيِّ، عن رافع بن خَديج، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نهَى عن كِرَاءِ المزارع.
قال حنظلةُ: فسألْتُ رافعَ بنَ خَديجٍ: بالذَّهَبِ والوَرِقِ؟ قال: أمّا بالذَّهبِ والوَرِقِ فلا بأسَ.
قال أبو عمر: اختلَف الناسُ في كراءِ المزارع، فذهبَت فرقةٌ إلى أنّ ذلك لا يجوزُ بوجهٍ من الوُجوه، ومالوا إلى ظاهر هذا الحديثِ وما كان مثلَه، وقالوا: إنّه قد رُوِيَ عن رافع بن خديج من هذا الوجه وغيره خلافُ ما حكَاه ربيعةُ، عن حنظلةَ، عنه من تأويلِه هذا. وذكَرُوا أنَّ أحاديثَ رافع في ذلك مضطربةُ الألفاظ، مختلفةُ المعاني. واحتجُّوا بما:
حدَّثناه إسماعيلُ بن عبد الرحمن القرشيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ العباس الحلبيُّ، قال: حدَّثنا أبو عَروبةَ الحسينُ بنُ محمدٍ الحَرَّانيُّ بحرَّانَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ عُثمانَ الحمْصيُّ، قال: حدَّثنا ضَمْرَةُ بنُ ربيعةَ، عن ابنِ شَوْذَبٍ، عن مَطَرٍ، عن عطاءٍ، عن جابرٍ، قال: خَطَبَنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "من كانت له أرض فليَزْرَعْها، أو لِيُزْرِعْها ولا يُؤاجِرْها" (٢) .
- ج ٢ ص ٤١٥
وحدَّثنا إسماعيلُ أيضًا، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ العبّاس، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الرحمن محمدُ بنُ عبد الله مكحولٌ البَيْرُوتيُّ ببيروت، قال: حدَّثنا أبو عُميرٍ عيسى بنُ محمدِ بن النحاس، قال: حدَّثنا ضَمْرَةُ، عن ابن شوذبٍ، عن مَطَرٍ الورَّاق، عن عطاءٍ، عن جابرٍ مثلَه سواءً مرفوعًا (١) .
قالوا: فهذا جابرٌ يروي عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - النهيَ عن كِراءِ الأرض مُطلقًا، ولم يُختلَفْ عن جابر في ذلك كما اختُلِفَ عن رافع.
-
وقد رُويَ من حديث رافع بن رفاعةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "من كانت له أرضٌ فلْيَزْرَعْهَا، أو ليُزْرِعْها أخاهُ، أو لِيَدَعْها" (٢) .
- ج ٢ ص ٤١٦
وذكَر مَن ذهَب إلى هذا المذهب من حديث رافعٍ ما رواه ابنُ شهابٍ، عن سالم: أنَّ ابنَ عمرَ كان يُكْري أرضَه، حتى بلَغه أنَّ رافعَ بنَ خديجٍ كان يَنْهَى عن كراءِ الأرض، فترَك ابنُ عمرَ كِراءَ الأرض (١) .
-
ورواه جماعةٌ، عن ابن شهاب هكذا، وكذلك رواه جُوَيْريَةُ وحدَه، عن مالكٍ، عن ابن شهابٍ، عن سالم، أنّه سألَه عن كِراءِ المزارع، فقال سالم: أخبَر رافعُ بنُ خديج عبدَ الله بنَ عمرَ أنّ عَمَّيْه، وكانا شهِدا بدرًا، أخبَراه، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نهَى عن كِراء المزارع، فترَك عبدُ الله كِراءَها، وكان يُكْرِيها قبلَ ذلك (٢) .
-
والذي في "الموطَّأ" (٣) عن ابن شهاب، أنّه قال: سألْتُ سالمَ بن عبد الله عن كراءِ الأرضِ بالذَّهَبِ والفضَّةِ، فقال: لا بأسَ بذلك. قال: فقلتُ: أرأيتَ
ج ٢ ص ٤١٧الحديثَ الذي يُذكَرُ عن رافعِ بن خَدِيج؟ فقال: أكثرَ رافعٌ، ولو كانتْ لي أرضٌ أكرَيتُها.
-
هكذا هو في "الموطَّأ" لمالكٍ، عن أبي شهابٍ، عن سالم قولَه. ورواه جُويريةُ مرفوعًا (١) . وقد روَى نافعٌ، عن ابنِ عمرَ مثلَه (٢) .
-
ولمّا كان سالمٌ يذهبُ إلى إجازة كِراءِ الأرضِ بالذَّهب والوَرِقِ، ولم يحملْ نهيَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - عن كِراءِ المزراعِ على العُموم، اعترضَه ابنُ شهابٍ بحديث رافع، والقولِ بظاهرِه، فقال سالمٌ: أكثَر رافعٌ في حمْلِه الحديثَ على ظاهرِه، ومنعَه من كِرائها بالذَّهب والورِقِ؛ لأنّ المعنى عند سالمٍ وطائفةٍ منَ العلماءِ كان في النَّهيِ عن كِرائها لوُجوهٍ سنذكرُها مفسَّرةً بعد هذا إن شاءَ الله.
-
منها أنّه إنّما نهى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن كِراء الأرض؛ لأنّهم كانوا يَكْرُونها ببعض ما يخرج منها.
-
ومنها قولُ زيدِ بنِ ثابتٍ: أنّه أعلَمُ بذلك من رافع؛ لأنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أتاه قومٌ قد تشاجروا وتقاتلوا في كِراء المزارعِ؛ وهذا كلُّه يدلُّ على أنْ ليس الحديثُ على ظاهرِه ولا عُمومِه، وأنه لمعنى ما قدَّمنا، قد اعتقَدَه كلُّ فريقٍ فيه، فلهذا قال سالمٌ: أكثرَ رافعٌ؛ يعني: في حمْلِ الحديثِ على ظاهرِه، واللهُ أعلمُ، أي: حَجَر ما قد وسَّعه اللهُ تعالى وتأوَّل ما يُضيِّق على الناس؛ على أنّه قد رُويَ عن رافعٍ إجازةُ كِرائها بالذَّهبِ والورِقِ وغيرِ ذلك مما يأتي بعدُ إنْ شاء الله.
-
أخبَرنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، عن أيوبَ،
ج ٢ ص ٤١٨عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، أنّه كان يُكْري أرضَه في عهدِ أبي بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وصدرًا من إمارةِ معاويةَ، حتى إذا كان في آخرِها بلَغه أنَّ رافعًا يُحدِّثُ في ذلك بنهي رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فأتاه وأنا معه فسألَه، فقال: نعم، نهَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن كِراءِ المزارع. فترَكها ابنُ عمرَ بعدُ (١) .
قالوا: وهذا أيضًا على الإطلاق والعُموم. وما رواه اللَّيثُ بنُ سعدٍ، عن يزيدَ بن أبي حبيبٍ، عن أبي عُفَيْر، أنَّ رافعَ بن خديج كان يقولُ: منعَنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أنْ نُكرِيَ المحاقِلَ، والمحاقِلُ فُضولٌ يكونُ من الأرض (٢) .
-
وما رواه عبدُ الكريم، عن مجاهدٍ، عن ابن رافعِ بن خَديج، عن أبيه، سمِعه يقولُ: نهَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن إجارةِ الأرض (٣) .
-
وإلى (٤) هذا ذهب طاووسٌ اليماني، فقال: لا يجوزُ كِراءُ الأرض بالذَّهب،
ج ٢ ص ٤١٩ولا بالوَرِقِ، ولا بالعُروض (١) . وبه قال أبو بكرٍ الأصَمُّ عبدُ الرحمن بنُ كيسانَ (٢) ، فقال: لا يجوزُ كِراءُ الأرض بشيءٍ من الأشياءِ. قال: لأنّها إذا استُؤْجِرَتْ، وحرَثها المُستَأجِرُ وأصلَحها، لعلَّه أنْ يُحْرَقَ زرعُه، فيَرُدَّها وقد زادَتْ، فانتفَع ربُّ الأرض ولم ينتفعِ المُستَأجِرُ، فمِن هناك لم يَجُزْ لأحدٍ أنْ يَستَأجِرَها، واللهُ أعلمُ.
وقال آخرون: جائزٌ كِراءُ الأرضِ لمن شاء، ولكنْ لا يجوزُ كِراؤُها بشيءٍ من الأشياءِ إلّا بالذَّهبِ والوَرِق. وذكَروا في إباحةِ كراءِ الأرضِ ما رواه عبدُ الرحمنِ بنُ إسحاقَ، عن أبي عبيدةَ بن محمدِ بن عمارِ بن ياسر، عن الوليدِ بن أبي الوليد، عن عروةَ بن الزُّبير، قال: قال زيدُ بنُ ثابتٍ: يغفِرُ اللهُ لرافعِ بنِ خديج، أنا والله أعلمُ بالحديثِ منه، إنّما أتاه رجلانِ من الأنصار قد اقتَتلا، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "إن كان هذا شَأنْكم، فلا تُكْرُوا المزارعَ" . فسمِع قولَه: "لا تُكروا المزارعَ" . ذكَره أبو داود (٣) ، عن مسدَّدٍ، عن بشرِ بن المفضَّلِ، عن عبد الرحمنِ بن إسحاقَ.
-
واحتَجُّوا بحديثِ طارقِ بن عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيبِ، عن رافعِ بن خديج، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنّه قال: "إنّما يزرَعُ ثلاثةٌ؛ رجلٌ له أرضٌ فهو يَزرَعُها،
ج ٢ ص ٤٢٠ورجلٌ مُنِح أرضا فهو يَزْرَعُ ما مُنِح، ورجلٌ اكترَى بذهبٍ أو فضة "؛ حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ (١) وبكرُ بنُ حمادٍ، قال أحمدُ: حدَّثنا الفضلُ بنُ دُكينٍ. وقال بكرٌ: حدَّثنا مسدَّدٌ، قالا: حدَّثنا أبو الأحوص، عن طارقِ بن عبد الرَّحمن، فذكَره.
-
وذكَر أبو داودَ (٢) ، عن مسدَّدٍ مثلَه.
قالوا: فلا يجوزُ أنْ يُتَعَدَّى ما في هذا الحديث، لما فيه من البيانِ والتوقيف، ولأن رافعًا بذلك كان يُفتي، ألَا ترَى ما ذكَره ربيعةُ، عن حنظلةَ، عنه؟ وكان أحمدُ بنُ حنبلٍ يقولُ: أحاديثُ رافعٍ في كِراءِ الأرضِ مضطرِبةٌ، وأحسنُها حديثُ يعلى بن حكيمٍ، عن سليمانَ بن يسارٍ، عن رافعِ بنِ خديج.
وقال آخرون: جائزٌ أن تُكرَى الأرضُ بكلِّ شيءٍ من الأشياءِ حاشَا الطعامَ.
-
واحتجُّوا بما روَاه يعلى بنُ حكيم، عن سليمانَ بن يسارٍ، عن رافع بن خديج، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "من كانتْ له أرضٌ فلْيَزرَعْها، أو ليُزرِعْها أخاه، ولا يُكريها بثلُثٍ، ولا ربُع، ولا طعامٍ مسمَّى"، ذكَره أبو داود، قال (٣) : حدَّثنا عبيدُ الله بنُ عمرَ بنِ ميسرةَ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ الحارث، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن يعلى بن حكيم.