ربيعة بن أبي عبد الرحمن المدني

٤٣٣ فقرة، ج ٢ ص ٣٩٣

الصفحة ٤ من ١١

  1. وذكَر عبدُ الرزاق (١) ، عن الثوريِّ، عن عُبيدِ الله بنِ عمرَ، عن نافع، عن ابن عمرَ، قال: إذا أُعتِقت تحتَ حُرٍّ فلا خيارَ لها.

    ج ٢ ص ٤٣٩
  2. وفي تَخييرِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بَريرةَ بعدَ أن بِيعَت من عائشةَ دليلٌ على أنَّ بيعَ الأمَةِ ليس بطلاقٍ لها، وفي ذلك بُطلانُ قولِ مَن قال: بَيعُ الأمَةِ طلاقُها؛ لأنَّ بيعَها لو كان طلاقًا لم يُخيِّرْها رسولُ - صلى الله عليه وسلم - في أنْ تبقَى مع مَن طُلِّقَتْ عليه، أو تُطلِّقَ نفسَها؛ لأنَّه مُحالٌ أنْ تُخيَّرَ وهي مطلَّقةٌ. وهذا واضحٌ يُغني عن الإكثارِ فيه، وهذا القولُ يُروَى عن بعضِ الصحابةِ، وأكثرُ الفقهاءِ على خلافِه لحديثِ بريرةَ هذا، واللهُ أعلمُ، وقد أوضَحنا هذا المعنَى في باب هشام بن عروةَ (٢) .

  3. وأمَّا قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "الولاءُ لمن أعتَقَ" فإنَّه يدخُلُ في قولِه: "لِمَن أعتَق" كُلُّ مالكٍ نافذٍ أمرُه مُستقرٍّ مِلكُه، من الرجالِ والنساءِ البالغين، إلّا أنَّ النساءَ ليس لهُنَّ من الولاءِ إلّا ما أعتَقْنَ، أو ولاءُ معتَقِ مَن أعْتَقْنَ؛ لأنَّ الولاءَ للعَصَباتِ، وليس لِذوي الفُروضِ مَدخلٌ في مِيراثِ الولاءِ، إلّا أن يكونوا عَصَبةً، وليس النساءُ بعَصبَةٍ.

  4. روَى ابنُ المباركِ، عن يونسَ بن يزيدَ، عن الزُّهريِّ، أنَّه أخبَره، عن سالم: أنَّ ابنَ عمرَ كان يَرِثُ (٣) مواليَ عمرَ دونَ بناتِ عمرَ (٤) .

  5. ورُوِي عن زيدِ بنِ ثابتٍ معناه (١) ، وعليه جماعةُ أهلِ العلم، ولا يَستَحِقُّ الولاءَ من العَصَباتِ إلّا الأقربُ فالأقربُ، ولا يَدخُلُ بعيدٌ على قريب وإن قرُبَتْ قراباتُهم، فأقْربُ العَصباتِ الأبناءُ، ثم بنُوهم وإن سَفَلُوا، ثم الأبُ؛ لأنّه ألصقُ الناسِ به بعدَ ولدِه وولدِ ولدِه، ثم الإخوةُ؛ لأنَّهم بنُو الأب، ثم بنُو الإخوةِ وإن سَفَلُوا، ثم الجدُّ أبُ الأبِ، ثم العَمُّ؛ لأنّه ابنُ الجدِّ، ثم بنُو العمِّ، فعلى هذا التنزيل ميراثُ الولاءِ، وعلى هذا المجرَى يَجرِي ميراثُ الولاءِ، وما أحرَز الأبناءُ أو الآباءُ من الولاءِ فهو لعَصَبَتِهم.

    ج ٢ ص ٤٤٠
  6. حدَّثني سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمَّدُ بنُ وضَّاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (٢) : حدَّثنا أبو أسامةَ، عن حُسين المعلِّم، عن عمرِو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: تزوَّج رئابُ بنُ حذيفةَ بنِ سُعيدِ بنِ سَهْمٍ أُمَّ وائلٍ بنتَ معمرٍ الجُمحيَّةَ، فولَدت له ثلاثةَ أولادٍ، فتوفِّيت أمُّهم، فوَرِثَها بنوها رِباعَها (٣) وولاءَ موالِيها، فخرَج بهم عمرُو بنُ العاص معه إلى الشام، فماتُوا في طاعونِ عَمَواسَ، فوَرِثهم عمرو، وكان عَصَبَتَهم (٤) ، فلمَّا رجَع عمرٌو جاءَه بنُو معمرٍ يُخاصِمُونه في ولاءِ أُختِهم إلى عمرَ بن الخطاب، فقال عمرُ:

    ج ٢ ص ٤٤١أقضِي بينَكم بما سمِعتُه من رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -؛ يقولُ: "ما أحرَزَ الولدُ أو الوالدُ، فهو لعَصَبتِه مَن كان" . فقضَى لنا، وكتَب بذلك كتابًا فيه شهادةُ عبدِ الرَّحمن بن عوفٍ وزيدِ بن ثابتٍ وآخرَ، حتى إذا استُخْلِفَ عبدُ الملك بنُ مروانَ تُوفِّي مولًى لها، وترَك ألفَيْ دينارٍ، وبلَغني أنَّ ذلك القضاءَ قد غُيِّرَ، فخاصَموه إلى هشام بن إسماعيلَ، فرفَعه إلى عبد الملكِ بن مروانَ، فأتيناه بكتابِ عمرَ، فقال: إنْ كنتُ لأرَى أنَّ هذا من القضاء الذي لا يُشَكُّ فيه، وما كنتُ أرَى أمرًا بالمدينةِ بلَغ هذا؛ أن يَشُكُّوا في القضاءِ به. فقضَى لنا به، فلم نُنازَعْ فيه بعد.

  7. وهذا صحيحٌ حسنٌ غريبٌ، فقال يعقوبُ بنُ شيبةَ: ما رأيْتُ أحدًا من أصحابِنا ممَّن يَنظُرُ في الحديث وَينتقِي الرِّجالَ يقولُ في عمرِو بن شُعيبٍ شيئًا، وحديثُه عندَهم صحيحٌ، وهو ثِقةٌ ثبَتٌ، والأحاديثُ التي أنكَروا من حديثه إنَّما هي لقومٍ ضُعفاءَ زوَّرُوها عنه، وما روَى عنه الثِّقاتُ فصحيحٌ. قال: وسمِعتُ عليَّ بنَ المدينيِّ يقولُ: قد سمِع أبوه شعيبٌ من جدِّه عبدِ الله بن عمرٍو. قال عليٌّ: وعمرُو بنُ شُعيبٍ عندَنا ثقةٌ، وكتابُه صحيحٌ، وحسينٌ المعلِّمُ ثقةٌ عندَ جميعِهم.

  8. وأمّا اختلافُهم في الولاءِ للكُبْرِ؛ فذكَر إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا حجَّاجٌ، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، قال: حدَّثنا المغيرةُ، عن إبراهيمَ، أنَّ عليًّا، وابنَ مسعودٍ، وزيدًا، كانوا يقولون: الولاءُ للكُبْر (١) .

    قال: وحدَّثنا حجَّاج، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، عن الأشعث، عن الشعبيِّ، عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وزيدٍ، مثلَ ذلك (٢) .

    ج ٢ ص ٤٤٢قال إسماعيلُ: فأوجَبَ هؤلاء الولاءَ للأقربِ فالأقربِ خاصَّة، ولم يَجعَلوه مُشترَكًا على طريق الفرائض.

    قال: وحدَّثنا حجَّاجٌ، قال: حدَّثنا أبو عوانةَ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ في أخوينِ وَرِثا مولًى كان أعتَقَه أبوهما، فمات أحدُ الأخوينِ وترَك ولدًا، قال: كان شريحٌ يقولُ: مَن ملَك شيئًا حياتَه، فهو لورَثَتِه من بعدِه. قال: وكان عليٌّ، وعبدُ الله، وزيدٌ، يقولون: الولاءُ للكُبْر (١) .

    قال أبو عمر: على قول عليٍّ، وعبدِ الله، وزيدٍ، قولُ جُمهور فُقهاءِ الأمصار، وأكثرِ أهلِ العلم، كلُّهم يقولُ: إنَّ الولاءَ لا يحُوزُه في الميراثِ إلا أقربُ الناسِ إلى المُعتِقِ يومَ يموتُ الموروثُ المعتَقُ، وأنَّه يَنتقِلُ أبدًا لهذه الحال.

    قال إسماعيلُ: حدَّثنا حجَّاجٌ، قال: حدَّثنا حمَّادٌ، عن قتادة: أنَّ شُريحًا قال في رجل ترَك جدَّه، وابنَه، ومولًى؛ قال: للجدِّ السُّدُسُ من الولاء، وما بقيَ فللابن.

    قال قتادةُ: وقال زيدٌ: الولاءُ للابن كلُّه (٢) .

    قال أبو عمر: وعليه الناسُ اليومَ.

    وقال إسماعيلُ: وحدَّثنا حجَّاج، قال: حدَّثنا حمّادٌ، قال: سألتُ إياسَ بنَ معاويةَ عن رجلٍ ترَك جدَّه، وابنَه، ومولاه، فقال: الولاءُ للابنِ. وقال: كلُّ إنسانٍ له فريضةٌ مُسمَّاةٌ، فليس له من الولاء شيءٌ (٣) .

    ج ٢ ص ٤٤٣قال إسماعيلُ: يعني إياسٌ: لا يكونُ له شيءٌ مِن الولاءِ في هذه الحال التي له فيها فريضةٌ مُسمَّاةٌ؛ لأنَّه لم يَرِثْ في هذا الموضع من طريق العصَبة، وإن كان قد يكونُ عَصَبةً في موضع آخرَ، فيكونُ له الولاءُ.

    قال أبو عمر: أجمَع المسلمون على أنَّ المسلمَ إذا أعتَقَ عبدَه المسلمَ عن نفسِه، فإنَّ الولاءَ له، هذا ما لا خِلافَ فيه.

  9. واختَلَفوا فيمَن أعتَق عن غيرِه رقبةً بغيرِ إذنِ المعْتَقِ عنه ودونَ أمرِه، وكذلك اختَلَفوا في النصرانيِّ يُعتِقُ عبدَه المسلمَ قبلَ أن يُباعَ عليه، وفي ولاءِ المعتَقِ سائبةً (١) ، وفي ولاءِ الذي يُسلِمُ على يدَي رجلٍ، فقالوا في ذلك أقاويلَ شتَّى، منهم مَن قادَ أصلَه فيها اعتمادًا على قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنّما الولاءُ لِمَن أعتَق" . ومنهم مَن نزَع به رأيُه وأدَّاهُ اجتهادُه إلى غير ذلك. وأنا أُبيِّنُ قولَ فقهاءِ الأمصارِ في هذه المسائل، وأقتَصِرُ على ذكرِهم في ذلك دُونَ ذكرِ مَن قال بقولهم من التابعين قبلَهم والخالِفِين بعدَهم، على ما اعتمَدنا عليه من أوَّلِ تأليفنا هذا وقصَدناه؛ لئلّا نَخرُجَ عن شَرطِنا ذلك، إذْ كان مُرادُنا فيه الفِرارَ من التخليطِ والإكثارِ، وباللّه التوفيقُ.

  10. فأمَّا عِتْقُ الرجل عن غيرِه؛ فإنَّ مالكًا وأصحابَه إلا أشهبَ قالوا: الولاءُ للمُعتَقِ عنه، سواءٌ أمَر بذلك أو لم يَأمُرْ، إذا كان مسلمًا، فإن كان نصرانيًّا فالولاءُ لجماعةِ المسلمين (٢) . وكذلك قال الليثُ بنُ سعدٍ في ذلك كلِّه (٣) .

    ج ٢ ص ٤٤٤وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه والثوريُّ: إن قال: أعتِقْ عبدَك عنِّي. على مالٍ ذكَره، فالولاءُ للمعتَقِ عنه؛ لأنَّه بيعٌ صحيحٌ، فإذا قال: أعتِقْ عبدَكَ عنِّي بغيرِ مالٍ، فأعتَقه، فالولاءُ للمعتِقِ؛ لأنَّ الآمِرَ لم يَملِكْ منه شيئًا، وهي هِبَةُ باطلٍ؛ لأنّها لا يَصحُّ فيها القَبْضُ (١) .

    وقال الشافعيُّ: إذا أعتقْتَ عبدَك عن رجلٍ حيٍّ أو ميِّتٍ فولاؤُه لك، وإن أعتَقْتَه عنه بأمرِه بعِوَضٍ أو غيرِ عِوَضٍ، فولاؤُه له دونَك، ويُجزئُه بمالٍ وبغيرِ مالٍ، وسواءٌ قَبِلَه المعتَقُ عنه بعدَ ذلك أو لم يَقبَلْه. قال الشافعيُّ: ولا يكونُ ولاءٌ لغيرِ مُعتِقٍ أبدًا (٢) . وكذلك قال أحمدُ وداودُ. وقال الأوزاعيُّ فيمَن أعتَقَ عن غيرِه: الولاءُ لمن أعتَقَ (٣) . وأجمَعوا أنَّ الوَكالةَ في العتْقِ وغيرِه جائزةٌ. وأمّا أشهبُ فيُجِيزُ كفَّارةَ الإنسانِ عن غيرِه بأمرِه، ولا يُجيزُها بغيرِ أمرِه في العتقِ وغيرِ العتقِ، وسنَذكُرُ ذلك في بابِ سُهيلٍ (٤) إن شاء الله.

  11. فأمَّا حُجَّةُ مالكٍ ومَن ذهَب مذهبَه؛ فمِنها ما حدَّثناه أحمدُ بنُ قاسم بن عبد الرَّحمن وأحمدُ بنُ محمَّد بنِ أحمدَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمَّدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا نُعيمُ بنُ حمادٍ (٥) ، قال: حدَّثنا ابنُ المباركِ، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ يزيدَ، عن عُقيل بنِ خالدٍ، عن ابنِ شهابٍ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -

    ج ٢ ص ٤٤٥قال في حديث ذكَره فيه طولٌ: "إنَّ نبيَّ الله أيوبَ عليه السلامُ قال في بلائه: إنَّ اللهَ لَيَعْلَمُ أنِّي كنتُ أمُرُّ على الرَّجلينِ يَتنازعانِ ويَذكُرانِ اللهَ، فأرجِعُ إلى بيتي فأُكفِّرُ عنهما، كَراهةَ أن يَذكُرَا اللهَ إلّا في حقٍّ" .

    قال أبو عمر: هكذا روَى هذا الحديث يونسُ، عن عُقيلٍ، عن ابن شهابٍ مرسلًا.

  12. ورواه نافعُ بنُ يزيدَ، عن عُقيلٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن أنسٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فوصلَه (١) ، وفيه: أنَّ أيوبَ كان يُكفِّرُ عن غيرِه بغيرِ أمرِه. ولو لم يُجزِئْه عندَ

    ج ٢ ص ٤٤٦أيوبَ لم يُكفِّرْ عنه، والكفَّارةُ قد تكونُ بالعِتقِ وغيرِه؛ لأنَّه لم يبلُغْنا أنَّ شريعةَ أيوبَ كانت في كفَّاراتِ الأيمانِ على غيرِ شريعتِنا، وإذا جاز العِتقُ للإنسانِ عن غيرِه في شريعةِ أيوبَ عليه السلامُ، لم يُنسَخْ ذلك في شريعتِنا بأمرٍ بَيِّنٍ، فالواجبُ الاقتداءُ به؛ لقولِ الله عزَّ وجلَّ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: ٩٠] .

    وقال ابنُ القاسم: مَن أعتَق عن رجلٍ بغيرِ أمرِه في كفَّارِةٍ، أنَّه يُجزئُه (١) .

    قال أبو عمر: حجَّتُه في ذلك ما تَقَدَّم، والقياسُ على أداءِ الدَّينِ عن غيرِه بغيرِ إذنِه، أنَّه براءةٌ صحيحةٌ.

    قال أبو عمر: إذا صحَّ هذا الأصلُ صحَّ أنَّ الولاءَ للمعتَقِ عنه؛ لأنَّه مستحيلٌ أنْ تُجْزِئَ عنه الكفَّارةُ فيما قد وجَب عليه، والولاءُ لغيرِه، فإذا أجزأَتْ عنه كفَّارةُ غيرِه فالولاءُ له.

  13. وذكَر القاسمُ (٢) بنُ خلفٍ، عن أبي بكرٍ الأَبْهِريِّ، أنَّه قال في مسألةِ ابنِ القاسم هذه: القياسُ أنه لا يجوزُ؛ لأنَّه غيرُ جائزٍ أن يفعَلَ الإنسانُ عن غيرِه شيئًا واجبًا عليه ولا يَصِحُّ إلّا بنِيَّةٍ منه، بغيرِ أمرِه، كالحجِّ والزكاةِ، وكذلك الكفّاراتُ؛ لأنَّها أفعالٌ تُعُبِّدَ بها الإنسانُ، وليس كذلك الدَّينُ، لأنَّه قد يَزولُ عن الإنسانِ بغيرِ أداءٍ؛ وهو أن يُبْرَأَ منه.

    قال أبو عمر: من حُجَّةِ مَن لم يُجِزِ العِتقَ عن غيرِه بغيرِ أمرِه قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "الولاءُ لمَن أعتَق" . هذا معنَاه عندَهم أنَّ الولاءَ لا يكونُ إلّا لمعتِقٍ، والمعتَقُ عنه عندَهم غيرُ المعتِقِ، فبَطَل ذلك عندَهم؛ لأنَّ الولاءَ لا يَنتَقِلُ، وهو لُحمةٌ

    ج ٢ ص ٤٤٧كلُحْمَةِ النَّسَبِ (١) لا يُباعُ ولا يُوهَبُ، وغيرُ جائزٍ في الحقيقةِ أن يُضافَ إلى الإنسانِ فعلٌ لم يَقصِدْه ولم يَعلمْ به، فلهذا يَستحيلُ أن يُقالَ: إنَّه وهَبه له، ثم أعتَقه عنه مِن غيرَ توكيلٍ منه.

  14. وأمّا إذا أمَرَه أنْ يُعتِقَ عبدَه عنه فأجابَه المأمورُ إلى ذلك، ثم أعتَق عنه، فإنّما هي هِبةٌ مقبوضةٌ يَنفُذُ فيها التَّوكيلُ والتّسليطُ، والمالُ في ذلك وغيرُ المالِ سواءٌ؛ لأنَّ الهِبةَ والبيعَ في ذلك سواءٌ.

  15. وأمَّا النَّصرانيُّ يُعتِقُ عبدَه المسلمَ قبلَ أن يُباعَ عليه؛ فإنَّ مالكًا وأصحابَه يقولون: ليس له من ولائِه شيءٌ، وولاؤُه لجماعةِ المسلمين، ولا يَرجعُ إليه الولاءُ أبدًا، ولا إلى ورَثَتِه وإن كانوا مسلمين (٢) . وحجَّةُ مَن قال بهذا القولِ أنَّ إسلامَ عبدِ النصرانيِّ يَرفَعُ مِلكَه عنه، ويُوجِبُ إخراجَه عن يَدِه، فلمّا كان ملكُه يَرتَفِعُ بإسلامِه لم يَثبُتِ الولاءُ له بعدَ عتقِه، وإذا لم يَثبُتْ له ثبَتَ لجماعةِ المسلمين، وإذا ثبَتَ لهم الولاءُ لم يَنتقِلْ عنهم؛ لأنَّه لُحمةٌ كلُحمةِ النَّسب، وسواءٌ أسلَم سيِّدُه بعدَ ذلك أو لم يُسلِمْ؛ لأنَّ الولاءَ قد ثبَت لجماعةِ المسلمين.

    قالوا: والدليلُ على ارتفاع مِلْكِ النَّصرانيِّ عن عبدِه إذا أسلَم عُمومُ قولِ الله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: ١٤١] ، وقولُه تعالى: {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [ال عمران: ١٣٩] . والحديثُ: "الإسلامُ يَعلُو ولا يُعلَى" (٣) .

    ج ٢ ص ٤٤٨وقال الشافعيُّ والعراقيُّونَ وأصحابُهم (١) : إذا أسلَم عبدُ النصرانيِّ، فأعتَقَه قبلَ أن يُباعَ عليه، فولاؤُه له ولورَثَتِه من بعدِه، فإن أسلَم مولاه ثم ماتَ المعتَقُ، ولم يكنْ له وارثٌ بالنسب، وَرِثه مُعتِقُه، وان لم يُسلِمْ لم يَرِثْه؛ لقولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَرِثُ المسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ" (٢) . وحجّتُهم في أنَّ ولاءَه له

    ج ٢ ص ٤٤٩عمومُ قولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "الولاءُ لمن أعتَق" . لم يَخُصَّ مسلمًا من كافر، ولو لم يكنْ له عليه مِلْكٌ ما بِيعَ عليه ودُفِعَ ثمنُه إليه، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "الولاءُ لُحمةٌ كلُحمةِ النَّسبِ، لا يُباعُ ولا يُوهَبُ" (١) .

    قال أبو عمر: رُوِي في هذا الباب حديثٌ ليس بالقويِّ من جهةِ الإسنادِ، ولكنَّه قد احتجَّ به مَن ذهَب هذا المذهبَ، وهو ما حدَّثناه إبراهيمُ بنُ شاكرٍ، قال: حدَّثنا محمَّدُ بنُ أحمدَ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمَّدُ بنُ أيوبَ الرَّقيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو البزَّارُ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ الجُنيد، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ لهيعةَ، عن يزيدَ بن أبي حبيبٍ، أنَّ عروةَ بنَ غَيلانَ الثقفيَّ أخبرَه، عن أبيه، أنَّ نافعًا أبا السائب كان عبدًا لغَيلانَ بنِ سلمةَ،

    ج ٢ ص ٤٥٠ففرَّ إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يومَ حاصَر الطائفَ، فأعتَقَه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فلمَّا أسلَم غَيلانُ ردَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ولاءَ نافعٍ إليه (١) .

    قال أبو عمر: كان أهلُ الطَّائفِ حربِيِّين يومَئذٍ، وما خرَج عنهم من أموالِهم إلى المسلمين كان للمسلمين، وجائزٌ أن يكونَ هذا قبلَ نَهْيِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيعِ الولاءِ وهِبَتِه، ونَهيُه - صلى الله عليه وسلم - عن بيعِ الولاءِ وهبتِه أقوَى من هذا، وباللّه التوفيقُ.

    وقال الشافعيُّ: في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنّما الولاءُ لمَن أعتَق" . بيانُ أنَّ الولاءَ لا يكونُ إلّا لمعتِق، ويُوجِبُ أن يكونَ الولاءُ لكلِّ مُعتِق، كافِرًا كان أو مسلمًا؛ لأنَّه قد جعَله - صلى الله عليه وسلم - كالنَّسَب، فكما منَع اختلافُ الأديانِ من التَّوارثِ مع صِحَّةِ النَّسبِ، فكذا منَع من التوارثِ مع صِحَّةِ الولاءِ وثبوتِه، فإذا اتفقا على الإسلام توارثا، وليس اختلافُ الأديانِ ممَّا يَمنَعُ من الولاءِ ولا يَدفعُه، كما أنَّ اختلافَ الأديانِ لا يَمنَعُ النَّسبَ، ولكنَّه يَمنَعُ الميراثَ كما تمَنَعُه العبوديَّةُ والقتلُ عمدًا. قالوا: فولاءُ المسلمِ على الكافرِ ثابتٌ، وولاءُ الكافرِ على المسلمِ ثابتٌ إذا أعتقَه، بقولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "الولاءُ لمَن أعتَق" . قالوا: ولا يُزيلُ إسلامُ عبدِ النصرانيِّ مِلكَه عنه، وإنَّما يَمنَعُ استقرارَه واستِدامتَه، ألَا ترَى أنَّه إذا بِيعَ عليه

    ج ٢ ص ٤٥١ملَك ثَمنَه، ولو ارتفَع مِلكُه عنه لم يُبَعْ عليه ولا مَلَك المبدَلَ منه؟ ونظيرُ ذلك مِلْكُ الرجلِ لمَن يَعتِقُ عليه، يَمنَعُ من استدامةِ الرِّقِّ، ويعتِقُ عليه بالمِلكِ، فيكونُ له ولاؤُه، وهذا ما لا خلافَ فيه. ومالكٌ وأصحابُه (١) يقولون في العبدِ إذا اشْتُرِي شراءً فاسِدًا، فأعتَقَه المشتري: إنّ العِتقَ واقع، والولاءَ ثابِتٌ له، وإن كان مِلكُه غيرَ تامٍّ ولا مُستَقِرٍّ.

    قال أبو عمر: أمَّا المسلمُ إذا أعتَقَ عبدَه النصرانيَّ، فلا خلافَ بينَ العلماءِ أنَّ له ولاءَه، وأنَّه يَرِثُه إن أسلَمَ إذا لم يكنْ له وارِثٌ من نَسَبِه يَحجُبُه. فإن مات العبدُ وهو نصرانيٌّ، فلا خلافَ عَلِمتُه أيضًا بينَ الفقهاءِ أنَّ مالَه يُوضَعُ في بيتِ مالِ المسلمين، ويجري مَجْرى الفَيْء، إلا ما ذكَره أشهَبُ، عن المخزوميِّ، فإنَّه قال عنه: إنَّ مِيراثَه لأهلِ دينِه. قال: فإن أسلَم النصارى ميراثَه ولم يَطلُبُوه، ولا طلَبه منهم طالبٌ، أدخَلْناه بيتَ مالِ المسلمين مَعزولًا، ولا يكونُ فَيئًا حتى يَرِثَه اللهُ أو يأتيَ له طالبٌ. وهذا عندِي لا وجهَ له إلّا كونُ الكفَّارِ بعضُهم أولياءُ بعضٍ، كما المسلمون بعضهم أولياءُ بعضٍ. والصَّحيحُ في ذلك ما قاله جمهورُ الفقهاء، أنَّه يُوضعُ في بيتِ المال؛ لأنَّه ولاءٌ ثبَت للمسلم وِلايةَ نَسَبٍ، وهي أقعَدُ مِن ولايةِ الدِّينِ في جهةِ المواريثِ، إلّا أنَّ الشريعةَ منَعت من التوارثِ بينَ المسلمين والكفار، فكأنَّ هذا النصرانيَّ المعْتَقَ قد ترَك مالًا لا وارِثَ له، وله أصل في المسلمينَ عُدِمَ مُستَحِقُّه بعينِه، فوجَب أن يُصرَفَ في مصالح المسلمين، ويوقَفَ في بيتِ مالِهم. واللّهُ أعلمُ.

  16. وأمَّا الحربيُّ يُعتِقُ مملوكَه، ثم يَخرُجانِ مسلِمَين، فإنَّ أبا حنيفةَ وأصحابَه قالوا: للعبدِ أن يُواليَ مَن شاء، ولا يكونُ ولاؤُه للمعتِقِ (٢) .

    ج ٢ ص ٤٥٢قال الشافعيُّ: له ولاؤُه يَرِثُه إذا أسلَم (١) . واستَحْسَنه أبو يوسفَ. وهو قياسُ قولِ مالكٍ في الذِّميِّ يُعتِقُ الذِّميَّ ثم يُسلمان، وقولِهم جميعًا، وباللّه التوفيقُ.

  17. وأمَّا المعتِقُ سائِبةً، فإنَّ ابنَ وهبٍ روَى عن مالكٍ قال: لا يُعتِقُ أحدٌ سائبةً؛ لأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نهَى عن بيع الولاءِ وعن هبتِه (٢) . وهذا عندَ كلِّ مَن ذهَب مذهبَ مالكٍ إنّما هو على كراهةِ السّائبةِ لا غيرُ؛ لأنَّ كلَّ مَن أعتَق عندَهم سائِبةً نفَذ عِتْقُه، وكان ولاؤُه لجماعةِ المسلمينَ. هكذا روَى ابنُ القاسم، وابنُ عبدِ الحكم، وأشهبُ، وغيرُهم، عن مالكٍ، وكذلك ذكَر ابنُ وهبٍ، عن مالكٍ في "موطَّئِه" ، وهو المشهورُ من مذهبِه عندَ أصحابِه. وقد يحتَمِلُ أن يكونَ قولُ مالكٍ: لا يُعتِقُ أحد سائبةً. رُجوعًا عن قولِه المعروف، واللّهُ أعلمُ، ولكنَّ أصحابَه على المشهورِ من قولِه.

    قال مالكٌ في "مُوطَّئِه" (٣) : أحسنُ ما سَمِعتُ في السَّائبةِ أنَّه لا يُوالِي أحدًا، وأنَّ ولاءَه لجماعةِ المسلمينَ، وعَقْلَه عليهم. وهذا يدُلُّكَ على تجوِيزِه لعِتقِ السائبةِ.

    وقال ابنُ القاسم وابنُ وهبٍ، عن مالكٍ: أنا أكرَهُ عِتْقَ السائِبةِ وأنهَى عنه، فإن وقَع نفَذ، وكان مِيراثُه لجماعةِ المسلمينَ، وعَقْلُه عليهم (٤) .

    وقال ابنُ نافع (٥) : لا سائبةَ اليومَ في الإسلام، ومَن أعتَق سائبةً كان ولاؤُه له.

    ج ٢ ص ٤٥٣وقال أصبغ (١) : لا بأسَ بعِتْقِ السائبةِ ابتداءً.

    قال أبو عمر: أصبغُ ذهَب في هذا إلى المشهورِ من مذهبِ مالكٍ، وله احتجَّ إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، وإيَّاه تقلَّد، ومن حُجَّتِه في ذلك أنَّ عِتْقَ السائبةِ مُستَفِيضٌ بالمدينة، لا يُنكِرُه عالمٌ، وأنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ وغيرَه من السَّلَفِ أعتَقُوا سائبةً، وأنَّ عمرَ بنَ الخطاب قال: السائبةُ والصدقةُ ليومهما؛ أي: لا يُتصَرَّفُ في شيء منهما.

  18. وروَى سليمانُ التَّيميُّ، عن بكرٍ الزنيِّ، أنَّ ابنَ عمرَ أُتِيَ بمالِ مولًى أعتَقه سائبةً، فمات، فقال: إنّا كنَّا أعتقْنَاه سائبة. فأمَر أنْ يُشترَى به رقابٌ فتُعتَقَ (٢) .

  19. وروَى سليمانُ التيميُّ، عن أبي عثمانَ النهديِّ، قال: قال عمرُ بنُ الخطاب: السائبةُ والصدقةُ ليَومِهما (٣) .

  20. وروَى ابنُ عيينةَ، عن الأعمش، ولم يَسمَعْه منه، قال: سمِعتُ إبراهيمَ يقولُ: أتَى عبدَ الله رجلٌ بمالٍ، فقال: خُذْ هذا. فقال: ما هو؟ قال: مالُ رجلٍ أعتَقْتُه سائبةً فمات وترَك هذا. قال: هو لك. قال: ليس لي فيه حاجةٌ. قال: فطرَحه عبدُ الله في بيت المال (٤) .

    ج ٢ ص ٤٥٤قال أبو عمر: لو صحَّ هذا لم تكنْ فيه حُجَّةٌ؛ لأنَّ ابنَ مسعودٍ قد قال: هو لك. ولم يقل: هو لجماعةِ المسلمين. وإنّما جعَلَه في بيتِ المال؛ لأنّ ذلك حُكمُ كلِّ مالٍ يَدفَعُه ربُّه عن نفسِه إلى غير مالكٍ مُعيَّنٍ، وكذلكَ فعَل عمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ عنه في طارقِ بنِ المرَقَّع؛ ذكَره وكيعٌ، عن بسطامَ بن مسلم، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ، أنَّ طارقَ بن المرقَّع أعتَقَ عبدًا له فمات وترَك مالًا، فعُرِض على طارقٍ فأبَى وقال: إنَّما جعَلتُه للّه، ولستُ آخُذُ ميراثَه. فكتَب فيه إلى عمرَ، فكتَب عمرُ؛ أنِ اعرِضوا على طارقٍ الميراثَ، فإن قبِلَه وإلا فاشتَرُوا به رَقيقًا فأعتِقُوهم. فبلَغ خمسةَ عشَرَ، أو ستةَ عشَرَ رأسًا (١) .

  21. وأمَّا أهلُ المدينةِ فأكثرُهم على أنَّ السائبةَ ميراثُه لجماعةِ المسلمينَ. وممَّن رُوِي هذا عنه منهم؛ ابنُ شهابٍ، وربيعةُ (٢) ، وأبو الزِّناد. وهو قولُ عمرَ بن عبد العزيز، وأبي العالية، وعطاءٍ، وعمرو بن دينارٍ (٣) .

    وقال سفيانُ الثوريُّ في قول عمرَ: السائبةُ ليومِها (٤) . قال: يعني يومَ القيامة، لا يُرجَعُ في شيءٍ منها إلى يومِ القيامة.

  22. وذكَر ابنُ وهبٍ، عن أسامةَ بن زيدٍ، عن نافع: أنَّ ابنَ عمرَ كان إذا أعتَقَ سائبةً لم يَرِثْه.

  23. ولا يُختلَفُ في أنَّ سالمًا مولَى أبي حذيفةَ أعتَقته مولاتُه لُبْنَى أو ليلى (١) بنتُ يَعارٍ، وكانت تحتَ أبي حذيفةَ بن عتبةَ بنِ ربيعةَ، فأعتَقته سائبةً، ثم ماتَ وترَك ابنةً، فأعطَاها عمرُ بنُ الخطابِ نصفَ مالِه، وجعَل النِّصفَ في بيت المال (٢) . والذي لم يُختلَفْ فيه من أمرِ سالم مولَى أبي حُذيفةَ أنَّه أُعتِقَ سائبةً، ولا خلافَ أنَّه قُتِل يومَ اليمامةِ، وإنَّما نُسِب القضاءُ فيه إلى عمرَ؛ لأنَّه كان بأمرِ أبي بكرٍ، وكان عمرُ القاضيَ لأبي بكرٍ. وقد رُوِي أنَّ عمرَ جعَل ميراثَه لابنتِه لمَّا امتنَع مواليه من قَبول ميراثِه، إذ كان سائبةً. ورُوِي أنَّها أعتَقته سائبةً، فوالَى أبا حذيفةَ (٣) .

    وقال الشعبيُّ: ترَك سالمٌ مولَى أبي حذيفةَ ابنتَه، ومولاتَه ليلى بنتَ يَعارٍ امرأةَ أبي حُذيفةَ بن عتبةَ، فورَّثَ أبو بكرٍ البنتَ النِّصفَ، وعرَض الباقيَ على مولاتِه، فقالت: لا أرجِعُ في شيءٍ من أمرِ سالم، إنِّي جعَلتُه للّه. فجعَل أبو بكرٍ رضي اللهُ عنه النِّصفَ الباقيَ في سبيلِ الله (٤) . وهذا أولَى من روايةِ من روَى أنَّ عمرَ حكَم بذلك، إلا بما وجَّهنا من أمرِ أبي بكرٍ له بذلك، واللّهُ أعلمُ.

    ج ٢ ص ٤٥٥
  24. ورُوِيَ عن عمرَ وابن مسعودٍ: أنَّهما قالا: يُعرَضُ مالُ المعتَقِ سائبةً على الذي أعتَقه، فإن تحرَّجَ عنه، اشتُري به رقابٌ وأُعتِقوا (٥) .

  25. وعن أبي عَمْرٍو الشيبانيِّ، عن ابن مسعودٍ، قال: يضَعُ السائِبةُ مالَه حيثُ شاء (١) .

    وقال أبو العالية، والزُّهريُّ، ومكحولٌ، ومالكُ بنُ أنسٍ: لا ولاءَ عليه، ويَرِثُه المسلمون (٢) .

    وقال مالكٌ رحِمه الله: السائبةُ لا يُوالي أحدًا، وولاؤُه لجماعةِ المسلمين (٣) . وحجَّتُه في أنَّه لا يُوالي أحدًا قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "الولاءُ لمن أعتَق" . ومعلومٌ أنَّ مَن تولَّاه السائبةُ لم يُعتِقْه، فكيف يكونُ له ولاؤُه!

    وقال ابنُ شهابٍ، والأوزاعيُّ، والليثُ بنُ سعدٍ: له أن يُواليَ مَن شاء، فإن مات ولم يُوالِ أحدًا، فولاؤُه لجماعةِ المسلمين (٤) . ومن حُجَّتِهم في ذلك قولُ عمرَ رضي اللهُ عنه: "لكَ ولاؤُه" (٥) ؛ في المنبوذ. قالوا: فقام للصغيرِ مقامَه لنفسِه لو ميَّزَ مَوضِعَ الاختيارِ لها والدَّفع عنها، فجاز بذلك للكبير أن يُواليَ مَن شاء

    ج ٢ ص ٤٥٧إذا لم يكنْ له عليه ولاءٌ. وهؤلاء كلُّهم يُجيزون عِتْقَ السائبة، ويَجعَلون الولاءَ للمسلمين. وحجَّتُهم ما ذكَرناه من عملِ أهل المدينةِ قَرْنًا بعدَ قرنٍ في زَعم المحتجِّ بذلك؛ لأنَّه في معنَى مَن أعتَق عن غيرِه، فيكونُ الولاءُ له، ومَن أعتَق عبدَه سائبةً فقد أعتَقه عن جماعةِ المسلمين، فلذلك صارَ الولاءُ لهم.

    قالوا: وإنَّما يكونُ الولاءُ لمن أعتَق إذا أعتَق عن نفسِه. فهذا ما احتَجَّ به إسماعيلُ (١) وغيرُه في عِتقِ السَّائبة.

    وقال أبو حنيفة والشافعيُّ وأصحابُهما: مَن أعتَق سائبةً فولاؤُه له، وهو يَرِثُه دونَ الناس. وهو قولُ الشافعيِّ، وعطاءٍ، والحسن، وابنِ سيرينَ، وضمرةَ بنِ حبيبٍ، وراشدِ بنِ سعدٍ (٢) . وبه يقولُ محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ الحكم (٣) . وحجَّتُهم في ذلك قولُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّما الولاءُ لمن أعتَق" (٤) . فنفَى بذلك أن يكونَ الولاءُ لغيرِ مُعتِقٍ، ونهَى عليه السَّلامُ عن بيع الولاءِ وهِبَتِه (٥) .

    ج ٢ ص ٤٥٦
  26. واحتجُّوا أيضًا بقولِ الله عزَّ وجلَّ: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ} [المائدة: ١٠٣] . والحديث: "لا سائبةَ في الإسلام" (١) . وبما رواه أبو قيسٍ، عن هُزَيلِ بن شُرَحبيل، قال: قال رجلٌ لعبدِ الله بن مسعودٍ: إنِّي أعتَقتُ غُلامًا لي سائبةً، فماتَ وترَك مالًا. فقال عبدُ الله: إنَّ أهلَ الإسلام لا يُسَيِّبون، إنَّما كانت تُسيِّبُ الجاهليّةُ، أنتَ وارِثُه ووليُّ نعمتِه (٢) .

    ج ٢ ص ٤٥٨
  27. وقد روَى ابنُ جريج، عن عطاءٍ، أنَّ طارقَ بنَ المرقَّعِ كان أميرًا على مكَّةَ، فأعتَق سوائِبَ فماتوا، فجاءُوا بالميراثِ إلى عمرَ، فقال: أعطُوه ورَثَتَه، فأبَى الورَثَةُ أن يَقبلُوه، فاشتَرَوا به رِقابًا فأعتَقُوهم (٣) .

    قال أبو عمر: روَى شعبةُ، عن سلمةَ بنِ كُهيلٍ، قال: سمِعتُ أبا عمرٍو الشيبانيَّ قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ مسعودٍ يقولُ: السائبةُ يَضعُ مالَه حيثُ شاء (٤) .

  28. وهذا معناه أنَّ المعتِقَ له سائبةً لم يكنْ حيًّا ولا عَصَبَتُه، ومَن كانت هذه حالَه، فمَذهبُ ابن مسعودٍ فيه وفي كلِّ مَن لا وارِثَ له، أنَّه يَضَعُ مالَه حيثُ شاء.

  29. وأجاز له أن يُوصِيَ بمالِه لمن شاء. وهو قولُ مسروقٍ، وعَبِيدةَ، والشعبيِّ، وأكثرِ أهلِ العراق (١) .

    ج ٢ ص ٤٥٩
  30. وأمّا الذي يُسلِمُ على يدَي رجلٍ أو يُواليه، فإنَّ مالكًا، وأصحابَه، وعبدَ الله بنَ شُبْرُمةَ، والثوريَّ، والأوزاعيَّ، والشافعيَّ، وأصحابَه، قالوا: لا ميراثَ للذي أسلمَ على يَديْهِ، ولا ولاءَ له بحالٍ، وميراثُ ذلك المسلم إذا لم يَدَعْ وارثًا لجماعةِ المسلمين (٢) . وهو قولُ أحمدَ وداودَ ولا ولاءَ إلّا للمُعتِقِ (٣) . وحجّتُهم في ذلك قولُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "الولاءُ لمَن أعتَق" . قالوا: وهذا غيرُ مُعتِقٍ، فكيف يكونُ له ولاءُ مَن أسلَم على يَديْه!

  31. ومن حُجَّتِهم أيضًا أنَّ الميراثَ بالمعاقدةِ مَنسوخٌ، فبطَل بذلك أنْ يُواليَ أحدٌ أحدًا؛ لأنَّ الولاءَ نَسَبٌ.

    قال أشهبُ عن مالك: جاءَني رجلٌ من أهلِ مصرَ ذكَر أنَّ في يَدِه ألفَ دينارٍ مِن مالِ رجلٍ هلَك، وقد أسلَم على يَديْه، فقيل له: ليس لك هذا. فلا أُرَاه إلا ردَّها. قال أشهبُ: الرجلُ الذي جاء هو موسى بنُ عُلَيِّ بنِ رَبَاح.

    وقال ربيعةُ بنُ أبي عبدِ الرحمن: إذا أسلَم رجلٌ كافرٌ على يدَي رجُلٍ مسلم بأرضِ العدوِّ، أو بأرضِ المسلمين، فميراثُه للذي أسلَم على يَدَيْه (٤) .

    ج ٢ ص ٤٦٠وقال يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ: إذا كان من أرضِ العدوِّ، فجاء فأسلَم على يَدَيْ رجلٍ مسلم، فإنَّ ولاءَه لمَن والَاه، ومَن أسلَم من أهل الذِّمَّةِ على يَدَيْ رجلٍ مسلمٍ، فولاؤُه للمسلمين عامَّةً (١) .

    وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: مَن أسلَم على يَدَيْ رجلٍ ووالَاه وعاقدَه، ثم ماتَ ولا وارثَ له غيرُه فميراثُه له (٢) .

    وقال الليثُ بنُ سعدٍ: مَن أسلَم على يَدَيْ رجلٍ فقد والَاه، وميراثُه للذي أسلَم على يَدَيْه إذا لم يَدَعْ وارثًا غيرَه (٣) .

  32. وحجَّةُ مَن قال بهذا القول ما حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ داودَ، عن عبدِ العزيزِ بن عمرَ بن عبدِ العزيز، عن عبدِ الله بن مَوهَبٍ، عن تميم الدَّاريِّ، قال: سألتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن المشرِكِ يُسلِمُ على يَدَي الرجلِ المسلم، فقال: "هو أحقُّ الناسِ وأولَى النَّاسِ بمَحْيَاه ومماتِه" . قال عبدُ العزيز: فحدَّث به ابنُ مَوهَب عمرَ بنَ عبد العزيز، فشَهِدتُه قضَى بذلك في رجلٍ أسلَم على يَدَيْ رجلٍ مسلم، فمات وترَك مالًا وابنةً، فقسَم مالَه بينَه وبينَ ابنتِه، فأعطَى الابنةَ النِّصفَ، وأعطَى الذي أسلَم على يَدَيْه النِّصفَ (٤) .

  33. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ج ٢ ص ٤٦١
  34. وذكَر عبدُ الرزاق (١) ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، قال: قضَى عمرُ بنُ الخطاب في رجلٍ والَى قومًا، فجعَل ميراثَه لهم وعَقْلَه عليهم. قال معمرٌ: وقال الزهريُّ: إذا لم يُوالِ أحدًا وَرِثه المسلمون.

    قال أبو عمر (٢) : في هذه المسألةِ أقوالٌ:

    أحدُها: ما قدَّمنا عن مالكٍ والشافعيِّ ومَن تابَعهما، أنَّه لا يكونُ وَلاؤُه ولاءَ ميراثٍ لمن أسلَم على يَدَيْه، وسواءٌ والاه أو لم يُوالِه.

    ج ٢ ص ٤٦٢
  35. وقولٌ آخر: إذا أسلَم على يَدَيْهِ وَرِثَه وإن لم يُوالِه. رُوِي ذلك عن عمرَ بنِ الخطَّابِ وعمرَ بن عبد العزيز. وبه قال اللَّيثُ بنُ سعدٍ، جعَل إسلامَه على يَديْه مُوالاةً (٣) .

  36. ومن حُجَّةِ مَن ذهَب إلى هذا حديثُ تميم الداريِّ المذكورُ، وما رواه حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن جعفرِ بنِ الزبير، عن القاسمِ بن عبد الرَّحمن، عن أبي أُمامةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَن أسلَم على يَدَيْ رجلٍ فله ولاؤُه" (٤) .

  37. وذكَر سعيدُ بنُ منصورٍ (١) ، عن عيسى بن يونسَ، عن الأحوصِ بنِ حكيم، عن راشدِ بنِ سعدٍ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن أسلَم على يَدَيْه رجلٌ فهو مولاه" (٢) . وهي آثارٌ ليست بالقويّةِ ومراسيلُ.

    وقالت طائفةٌ: إذا والَى رجلٌ رجلًا وعاقدَه، فهو يَعقِلُ عنه وَيرِثُه، إذا لم يُخلِّفْ ذا رَحِم. ورُوِيَ عن عمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وابن مسعودٍ، أنَّهم أجازوا الموالاةَ ووَرَّثوا بها (٣) . وعن عطاءٍ، والزهريِّ، ومكحولٍ، نحوُه.

    وقالت طائفةٌ: إن عَقَل عنه وَرِثه، وإن لم يَعقِلْ عنه لم يَرِثْه. رُوِي عن سعيدِ بنِ المسيبِ: أيُّما رجلٍ أسلَم على يَدَيْ رجلٍ فعَقَل عنه وَرِثَه، وإن لم يَعْقِلْ عنه لم يَرِثْه.

    وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: إذا والَاه على أن يَعقِلَ عنه ويَرِثَه عَقَل عنه، ووَرِثه إذا لم يُخلِّفْ وارثًا مَعروفًا. قالوا: وله أن يَنقُلَ ولاءَهُ عنه، ما لم يَعقِلْ عنه أو عن أحدٍ من صغارِ ولدِه، وللمُوالي أن يَبْرَأَ من ولائِه بحضرتِه، ما لم يَعقِلْ عنه. قالوا: وإن أسلَم على يَدَيْ رجلٍ ولم يُوالِه لم يَرِثْه ولم يَعقِلْ عنه. وهو قولُ الحكم، وحمَّادٍ، وإبراهيمَ (٤) . وهذا كلُّه فيمَن لا تُعرفُ له عَصبَةٌ، ولا ذو رحمٍ يَرِثُ بها.

    ج ٢ ص ٤٦٣
  38. وأمّا قولُه في الحديث: "ألم أرَ بُرمةً فيها لحمٌ؟ " . فقيل: بلى يا رسولَ الله، ولكنَّ ذلك لحمٌ تُصُدِّقَ به على بَرِيرةَ، وأنت لا تأكُلُ الصدقةَ. فقال - صلى الله عليه وسلم -: "هو

    ج ٢ ص ٤٦٤عليها صدقةٌ، وهو لنا هَدِيَّةٌ ". ففيه من الفقه: إباحةُ أكْلِ اللحم، وهو يَرُدُّ قولَ من كَرِهَه من الصُّوفيةِ والعُبَّادِ، ويُبَيِّنُ معنَى قولِ عمرَ: إيَّاكم واللحمَ، فإنَّ له ضراوةً كضَراوةِ الخمرِ (١) . وقد رُوِي عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " سيِّدُ إدامِ الدُّنيا والآخرةِ اللحمُ " (٢) . وسيأتي من هذا المعنى ذِكْرٌ عندَ قولِه - صلى الله عليه وسلم -: " نكِّبْ عن

    ج ٢ ص ٤٦٥ذاتِ الدَّرِّ". في موضعِه من هذا الكتاب (١) إن شاء اللهُ.

  39. ذكَر الحسنُ (٢) بنُ عليٍّ الحُلْوانيُّ، قال: حدَّثنا مُسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا بكَّارُ بنُ عبدِ العزيزِ بنِ بُريدٍ الكنديُّ، قال: حدَّثنا غالبٌ القطَّان، قال: كان للحسنِ كلَّ يومٍ لحم بنصفِ درهمٍ، وما وجَدتُ مَرَقَةً قطُّ أطيَبَ رِيحًا من مَرَقَةِ الحسن.

    قال: وحدَّثنا عائذٌ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، قال: ما وجَدتُ مَرَقَةً أطيَبَ ريحًا من مرقةِ الحسَن (٣) .

    ج ٢ ص ٤٦٦قال: وحدَّثنا عبدُ الصمدِ (١) ، قال: حدَّثنا أبو هلالٍ، قال: ما دخَلنا على الحسن قطُّ إلّا وقِدْرُه تفورُ بلحمٍ طيِّبَةِ الرِّيح. قال: ودخَلتُ يومًا على محمدٍ وهو يأكُلُ مُتّكئًا من سَمَكٍ صِغارٍ.

  40. وفي هذا الحديث أيضًا: أنَّ الصدقةَ كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لا يأكُلُها، وكان يأكُلُ الهَدِيَّة. وأجمَع العلماءُ أنَّ الصدقةَ كانت لا تَحِلُّ له على لسانِه - صلى الله عليه وسلم -، ثبَتَ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: "إنَّ الصدقةَ لا تَحِلُّ لمحمدٍ، ولا لآلِ محمدٍ" (٢) . وأنَّه كان يأكُلُ الهديَّةَ، ولا يأكُلُ الصدقةَ.