ربيعة بن أبي عبد الرحمن المدني

٤٣٣ فقرة، ج ٢ ص ٣٩٣

الصفحة ٥ من ١١

  1. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو طالب محمدُ بنُ زكريا المقدسيُّ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بنُ الغازي أبو ذُهْل، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ النَّبيلُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الرحمن، عن ابنِ أبي مُليكةَ، عن ابن عباسٍ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقبلُ الهدِيَّةَ ولا يَقبلُ الصدقة (٣) .

    وقالت طائفةٌ من أهل العلم: إنَّ صدَقةَ التَّطوُّعِ كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَتنزَّهُ عنها، ولم تكنْ عليه مُحَرَّمَةً.

    وقال آخرونَ، وهم أكثرُ أهل العلم: كلُّ صدقةٍ فداخلةٌ تحت قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ الصدقةَ لا تَحِلُّ لنا" (٤) . واستَدَلُّوا بأنَّه كان - صلى الله عليه وسلم - لا يأكُلُ صدقةَ التَّطوُّع. وقالوا في اللَّحم الذي تُصُدِّقَ به على بَريرةَ: إنّه كان من صَدَقات التَّطوُّع؛ لأنَّ

    ج ٢ ص ٤٦٧المعروفَ في الصدقاتِ المفروضاتِ أنَّها لا تُفرَّقُ لحمًا، وإنَّما تُفَرَّقُ لحمًا لُحومُ الأُضحِيةِ، والعَقيقةِ، وغير ذلك من التطوع.

    قال أبو عمر: أمَّا تحريمُ الصدقةِ المفترَضَةِ عليه وعلى آلِه، فأشهَرُ عندَ أهلِ العلم من أن يُحتاجَ فيها إلى إكثارٍ، ونحن نذكُرُ من ذلك هاهنا ما فيه كفايةٌ إن شاء الله.

    ج ٢ ص ٤٦٦
  2. ذكَر عبدُ الرزاق (١) ، عن معمرٍ، عن همَّام بن منبِّه، أنّه سمِع أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنِّي لأدخُلُ بيتي فأجِدُ التمرةَ مُلْقاةً على فِراشي، فلولا أنِّي أخشَى أن تكونَ من الصدقةِ لأكَلتُها" .

  3. وروَى حمادُ بنُ سلمةَ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَمُرُّ بالتمرة، فما يَمنَعُه من أخذِها إلّا مخافةُ أن تكونَ صدقةً (٢) .

  4. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ويَعيشُ بنُ سعيدٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي العوَّام، قال: حدَّثنا أبو عاصم النبيلُ، قال: حدَّثنا ثابتُ بنُ عُمارةَ، عن ربيعةَ بن شيبانَ، قال: قلتُ للحسن بن عليٍّ: هل حَفِظتَ من رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - شيئًا؟ قال: نعم، دخَلتُ غُرفةَ الصَّدقةِ فأخَذتُ تمرةً من تمرِ الصدقة، فألقَيتُها في فمي، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "انزِعْها، فإنَّ الصدقةَ لا تَحِلّ لمحمدٍ، ولا لأهلِه" (٣) .

  5. روَى شعبةُ، عن محمدِ بن زيادٍ، عن أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أُتِيَ بتمرٍ من تمرِ الصدقةِ، فتناوَلَ الحسنُ بنُ عليٍّ تمرَةً فلَاكَها، فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "كَخْ؛ إنَّه لا تَحِلُّ لنا الصدقةُ" (١) .

    قال أبو عمر: أمَّا الصدقةُ المفروضةُ فلا تَحِلُّ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا لبني هاشم، ولا لموالِيهم، لا خلافَ بين عُلماءِ المسلمينَ في ذلك، إلّا أنَّ بعضَ أهلِ العلم قال: إنَّ مواليَ بني هاشم لا يَحرُمُ عليهم شيءٌ من الصدقات. وهذا خلافُ الثابتِ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.

    ج ٢ ص ٤٦٨
  6. حدَّثنا محمَّدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (٢) : حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى، قال: حدَّثنا شعبةُ،

    ج ٢ ص ٤٦٩قال: حدَّثنا الحكمُ، عن ابن أبي رافع، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - استَعمَل رجلًا من بني مخزوم على الصدقة، فأراد أبو رافع أن يَتبَعَه، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ الصدقةَ لا تَحِلّ لنا، وإنَّ مولَى القومِ منهم" .

  7. وأبو رافعٍ مولَى (١) النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، واسمُه: أسلمُ. وقيل: إبراهيمُ. وقيل غيرُ ذلك، على ما قد ذكَرنا في كتاب "الصحابة" (٢) .

  8. واختلَف العلماءُ أيضا في جوازِ صدَقةِ التَّطوُّع لبني هاشم، والذي عليه جمهورُ أهل العلم - وهو الصحيح عندَنا - أنَّ صدَقةَ التَّطوُّع لا بأسَ بها لبني هاشمٍ ومواليهم، ومما يدُلُّك على صحَّة ذلك أنَّ عليًّا والعباسَ وفاطمةَ رضي اللهُ عنهم وغيرَهم تَصدَّقوا، وأوقَفوا أوقافًا على جماعة من بني هاشم، وصَدَقاتُهم الموقوفةُ معلومةٌ مشهورةٌ.

  9. ولا خلافَ عَلِمتُه بينَ العلماءِ أنَّ بني هاشم وغيرَهم في قَبولِ الهدايا والمعروفِ سواءٌ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "كلُّ معروفٍ صَدَقة" (٣) . وسنزيدُ هذا البابَ بيَانًا في أَوْلَى المواضع به من كتابِنا هذا إن شاء الله.

  10. وأمَّا امتناعُه - صلى الله عليه وسلم - من أكلِ صَدَقةِ التَّطوُّع، فمشهورٌ منقولٌ من وُجُوهٍ صِحاح:

    حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدِ بن عليٍّ، قال:

    ج ٢ ص ٤٧٠حدَّثنا أحمدُ بن شُعيبٍ، قال (١) : أخبَرنا زيادُ بنُ أيوب. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بن يوسفَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحسن بن هارونَ الصَّبَّاحيُّ، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ الدَّورَقيُّ، قالا: حدَّثنا أبو عبيدةَ عبدُ الواحد بنُ واصل، قال: حدَّثنا بَهزُ بنُ حكيم، عن أبيه، عن جدِّه، قال: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا أُتِيَ بشيءٍ سأل عنه: "أصدقةٌ أم هَديَّةٌ؟ " . فإن قيل: صَدَقَةٌ. لم يَأكُلْ، وإن قيل: هديةٌ. بَسَط يَدَه.

  11. وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا مُؤمَّلُ بنُ يحيى بن مهديٍّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرِ بن حفصِ بن راشدٍ الإمامُ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المدينيِّ، قال: حدَّثنا مَكِّيُّ بنُ إبراهيمَ ويوسفُ بنُ يعقوبَ السَّدُوسيُّ، قالا: حدَّثنا بَهْزُ بنُ حكيم، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أُتِيَ بهديةٍ قَبِلها، وإذا أُتِيَ بصدقةٍ أمَر أصحابَه فأكَلوها" (٢) .

  12. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاحٍ (٣) ، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (٤) : حدَّثنا عبيدُ الله بنُ موسى،

    ج ٢ ص ٤٧١قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي قرةَ الكنديِّ، عن سلمانَ الفارسيِّ، قال: كنتُ من أبناءِ أساورة فارسَ، وكنتُ في كُتَّابٍ، وكان معي غُلامان، فإذا أتَيا مِن عندِ مُعلِّمِهما أتَيا قِسًّا، فدخَلا عليه، فدخَلتُ معهما عليه، فقال: ألم أنهَكما أن تَأتِياني بأحدٍ؟ فجعَلتُ أختلِفُ إليه حتى كنتُ أَحَبَّ إليه منهما، فقال لي: إذا سألك أهلُك: ما حبَسكَ؟ فقل: مُعلِّمي. وإذا سألَك مُعلِّمُكَ: ما حبَسك؟ فقلْ: أهلي. ثم إنّه أراد أن يَتحوَّلَ، فقلتُ له: أنا أتحوَّلُ معك. فتحوَّلتُ معه، فنزَل قريةً فكانتِ امرأةٌ تأتيه، فلمَّا حُضِر قال لي: يا سلمانُ، احفِرْ عندَ رأسِي. فحَفَرتُ عندَ رأسِه، فاستَخرَجتُ جَرَّةً من درَاهِمَ، فقال لي: صُبَّها على صدري. فصَبَبتُها على صدرِه، فجعَل يقولُ: ويلٌ لاقتنائي. ثم إنَّه ماتَ، فهَمَمتُ بالدراهِمِ

    ج ٢ ص ٤٧٢أن أحوِّلَها، ثم إنِّي ذكَرتُ قولَه فترَكتُها، ثم إنِّي آذَنتُ القِسِّيسينَ والرُّهبانَ به فحضَرُوه، فقلتُ لهم: إنَّه قد ترَك مالًا. فقام شبابٌ مِن القرية، فقالوا: هذا مالُ أبينا. فأخَذوه، قال: فقلتُ للرُّهبان: أخبِروني برجلٍ عالمٍ أتَّبِعْه. فقالوا: ما نَعلَمُ في الأرض رجلًا أعلمَ من رجل بحِمصَ. فانطلَقتُ إليه فلَقِيتُه، فقصَصتُ عليه القصَّةَ، قال: وما جاء بك إلّا طلبُ العلم؟ قلتُ: ما كان إلّا طلبُ العلم. فقال: إنِّي لا أعلمُ اليومَ في الأرضِ أحدًا أعلمَ من رجلٍ يأتي بيتَ المقدسِ كلَّ سنةٍ، إنِ انطلَقتَ الآنَ وافَقتَ حمارَه. فانطلَقتُ، فإذا أنا بحمارِه على بابِ بيتِ المقدس، فجلَستُ عندَه وانطلَق، فلم أرَه حتى الحَوْلِ، فجاءَ فقلتُ: يا عبدَ الله: ما صنَعتَ بي؟ قال: وإنّك لهاهنا؟ قلتُ: نعم. قال: فإنِّي واللّه ما أعلمُ اليومَ رجلًا أعلمَ من رجلٍ خرَج بأرضِ تَيْماءَ (١) ، وإن تَنْطَلِقِ الآنَ تُوافِقْه، وفيه ثلاثُ آياتٍ، يأكُلُ الهديَّةَ، ولا يأكُلُ الصَّدَقةَ، وعندَ غُرْضُوفِ (٢) كَتِفِه اليُمنَى خاتَمُ النُّبوةِ، مثلُ بَيضَةِ الحمامة، لونُها لونُ جِلدِه.

    قال: فانطلَقتُ تَرفَعُني أرضٌ وتَخفِضُني أُخرَى، حتى مرَرتُ بقومٍ من الأعراب فاستَعبَدوني، فباعوني حتى اشتَرَتني امرأةٌ بالمدينة، فسَمِعتُهم يَذكُرون النبيَّ عليه السّلامُ، وكان العيشُ عَزيزًا، فقلتُ لها: هبي لي يومًا. فقالت. نعم. فانطلَقتُ فاحتَطَبتُ حطبًا فبِعتُه، فأتيتُ به النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - - وكان يَسيرًا - فوضَعتُه بينَ يَدَيه، فقال: "ما هذا؟ " . قلتُ: صدَقةٌ. فقال لأصحابه: "كُلُوا" . ولم يَأكُلْ، قلتُ: هذه من علامتِه.

  13. ثم مكَثتُ ما شاءَ اللهُ أن أَمكُثَ، ثم قلتُ لمولاتي: هَبي لي يومًا. فقالت: نعم. فانطلَقتُ فاحتَطَبتُ حَطبًا، فبِعتُه بأكثرَ من ذلك، وصنَعتُ طعامًا، فأتَيتُ

    ج ٢ ص ٤٧٣به النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وهو بينَ أصحابِه، فوضَعتُه بينَ يَدَيه، فقال: "ما هذا؟ " . فقلتُ: هدية. فوضَع يَدَه، وقال لأصحابه: "خُذُوا باسم الله" . وقُمتُ من خلفِه، فوضَع رداءَه فإذا خاتَمُ النبوةِ، فقلتُ: أشهَدُ أنّكَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليك. فقال: "وما ذاك؟ " . فحدَّثتُه عن الرجل، ثم قلتُ: أيدخُلُ الجنةَ يا رسولَ الله، فإنَّه حدَّثني أنَّك نبيٌّ؟ فقال: "لن يَدخُلَ الجنّةَ إلّا نفسٌ مسلمةٌ" .

  14. وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بن المِسوَر، قال: حدَّثنا مِقدامُ (١) بنُ داودَ، قال: حدَّثنا عبدُ الأحدِ بنُ الليثِ بن عاصمٍ أبو زُرعةَ، قال: حدَّثني الليثُ بنُ سعدٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنَّ سلمانَ الخيرَ كان خالَط ناسًا من أصحابِ دانيالَ بأرضِ فارسَ قبلَ الإسلام، فسمِع ذِكْرَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وصِفَتَه، فإذا في حديثِهم: جملُ الهديَّةَ ولا يَأكُلُ الصدقةَ. في أشياءَ من صفتِه، فأراد الخروجَ في التِماسِه، فمنَعه أبوه، ثم هلَك أبوه، فخرَج إلى الشام يلتَمِسُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فكان هناك في كَنيسةٍ، ثم سمِع بخروج رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وذِكرِه، فخرَج يُريدُه، فأخَذَه أهلُ تَيماءَ فاستَرَقُّوه، ثم قَدِموا به المدينةَ فباعُوه، ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بمكةَ، فلمَّا قدِم المدينةَ أتاه سلمانُ بشيءٍ، فقال: "ما هذا؟ " . فقال: صدقةٌ. فأمَرَ بها فصُرِفَت، ثم جاءَ بشيءٍ، فقال: "ما هذا؟ " . فقال: هديَّة. فأكَل منها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فأسلَم سلمانُ عندَ ذلك، فأخبَر رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه مملوكٌ، فقال: "كاتِبْهم بغَرْسِ مئةِ وَدِيَّةٍ" . فرمَاه الأنصارُ من وَدِيَّةٍ وودِيَّتَيْنِ، فغرَسها، فأقبَل يومًا آخرَ وإنَّه لفي سَقْيِ ذلك الوَدِيِّ (٢) .

  15. وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا مُؤمَّلُ بنُ يحيى بن مهديِّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرِ بنِ حفصٍ الإمامُ، قال: حدَّثنا عليّ بنُ المدينيِّ، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، حدَّثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ بُريدةَ (١) ، عن أبيه، أنَّ سلمانَ أتى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بصدقةٍ، فقال: صدقةٌ عليكَ وعلى أصحابك. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّا لا تَحِلُّ لنا الصدقةُ" . فرفَعها، ثم جاءَه من الغَدِ بمثلِها، فقال: هذه هديَّةٌ لك. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: "كُلُوا" . قال: ثم اشترَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - سلمانَ بكذا وكذا دِرهمًا مِن يَهودَ، وعلى أنْ يَغرِسَ لهم كذا وكذا من النَّخل يقومُ عليه حتى يُدرِكَ. قال: فغرَس رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - النخلَ إلّا نخلةً غَرَسَها عمرُ. قال: فأطعَمَ النخلُ كلُّه إلّا النخلةَ التي غرَس عمرُ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن غرَس هذه النخلةَ؟ " . فقالوا: عمرُ. قال: فقطَعها وغرَسها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فأطعَمت من عامِها (٢) .

    ج ٢ ص ٤٧٤
  16. حدَّثنا خلفُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا عليّ بنُ عبد العزيز، قال: حدَّثنا ابنُ الأصبهانيِّ، قال: أخبَرنا

    ج ٢ ص ٤٧٥شريكٌ، عن عُبيدٍ المُكْتِب، عن أبي الطُّفَيل، عن سلمانَ، قال: أتَيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بصدقةٍ فردَّها، وأتَيتُه بهديةٍ فقبِلها (١) .

  17. وإنّما لم تَجُزْ صدقةُ التَّطَوُّع للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - واللّهُ أعلمُ؛ لأنَّ الصدقةَ لا يُثابُ عليها صاحبُها، لأنَّه يَبتغي بها الآخرةَ، وأُبِيحت له الهديةُ؛ لأنَّه يُثيبُ عليها، ولا تَلحَقُه بذلك مِنَّة.

  18. وروَى مالكٌ (٢) ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تَحِلُّ الصدقةُ لغنِيٍّ إلّا لخمسةٍ؛ لغازٍ في سبيلِ الله، أو لعاملٍ عليها، أو لغارمٍ، أو لرجلٍ اشتراها بمالِه، أو لرجلٍ له جارٌ مسكينٌ، فتُصُدِّق على المسكين، فأهدَى المسكينُ للغنيِّ" .

  19. وهذا في معنَى حديثِ بَريرةَ سواءٌ، في قوله عليه السلام: "هو لها صدقةٌ، ولنا هديَّةٌ" . وسيأتي هذا الحديثُ، ويأتي القولُ فيه، وفي إسنادِه ومعانيه، في باب زيدِ بن أسلمَ من كتابنا هذا إن شاء الله (٣) .

  20. وقولُه: "لا تَحِلُّ الصدقةُ لغنيٍّ إلّا لخمسةٍ" . يريدُ الصدقةَ المفروضةَ، وأمَّا التَّطوُّعُ، فغيرُ مُحرَّمَةٍ على أحدٍ غيرِ مَن ذكَرنا، على حسَبِ ما وصَفنا في هذا

    ج ٢ ص ٤٧٦الباب، إلّا أنَّ التَّنزُّهَ عنها حسنٌ، وقبولهُا من غيرِ مسألةٍ لا بأسَ به، ومسألتُها غيرُ جائرةٍ إلا لمن لم يَجِدْ بُدًّا. وسنبَيِّنُ هذه الوجوهَ كلَّها في مواضعِها من كتابِنا هذا إن شاء الله.

  21. وقد استدلَّ جماعةٌ من أهل العلم على جوازِ شراءِ المتَصَدِّقِ صَدَقتَه من الساعِي إذا قبَضها الساعي وبان بها إلى نفسِه، بحديثِ بَريرةَ هذا، وقالوا: شراءُ الصدقةِ من الساعي ومن المتصدَّقِ عليه جائزٌ؛ لأنَّها ترجِعُ إلى مُشترِيها من غير تلك الجهة، لانه ليس بمانعٍ للصدقة، ولا عائدٍ فيها من وجهِها.

    وقالوا: كما رجَعتِ الصدقةُ على بَريرةَ هديَّة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يكنْ بذلك بأسٌ، فكذلك إذا اشتراها المتصدِّقُ بها.

    قالوا: وكما أنَّه لو وَرِثَها لم يكنْ بذلك عندَ أهل العلم بأسٌ. وقيل: إنَّ اسْتِقاءَ عمرَ بن الخطاب اللبنَ الذي سُقِيه من نَعَم الصدقةِ إنّما استَقاءَه؛ لأنَّ الذي سقَاه إيَّاه كان من الأغنياءِ الذين لا تَحِلُّ لهم الصدقةُ (١) ، ولا يَصِحُّ لهم مِلْكُها، ولو كان ممّن تَحِلُّ له الصدقةُ ويَستَقِرُّ عليها مِلْكُه ما استقاءَه عمرُ؛ لأنَّه كان تَحِلُّ له حينَئذٍ، لأنَّه غنيٌّ أهدَى إليه رجلٌ مسكين ممَّا تُصُدِّقَ عليه، على حديثِ بَريرةَ وغيرِه، وممَّا قد ذكَرناه في هذا الباب، والحمدُ للّه.

    قال أبو عمر: أمَّا إهداءُ المسكين إلى الغنيِّ، فقد ثبَت عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - جوازُه

    ج ٢ ص ٤٧٧من حديث عائشةَ وغيره، في قصةِ بَريرةَ، ومن حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ أيضًا (١) وغيرِه، وكذلك ما رجَع بالميراثِ إلى المتَصَدِّقِ، فقد رُوِي عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - جوازُه أيضًا (٢) ، فوجبَ الوقوفُ عندَ ذلك كلِّه على حسَبِ ما نُقِل عنه من ذلك - صلى الله عليه وسلم -. وأمَّا شِراءُ الصدقةِ من المتَصَدَّقِ عليه ومن الساعي، فقد ثبَت عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - النَّهيُ عن ذلك بقولِه عليه السلامُ لعمرَ في الفرس التي حمَل عليها عمرُ في سبيل الله: "لا تَشْتَرِها، ولا تَعُدْ في صدقتِك" ، الحديثَ (٣) . فكيف يُجمَعُ بينَ أمرَين فرَّق رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما؟ إلا أنَّ أهلَ العلم حمَلوا نَهيَه عن شراءِ الصدقةِ والعَودَةِ فيها على سبيل التَّنزُهِ عنها لا على سبيل التَّحريم، ولما في ذلك من قَطْعِ الذَّريعة؛ لئلّا يُطلَقَ للناس اشتراءُ صدقاتِهم، فيَشتَرونَها من الساعي والمتصدَّقِ عليه قبلَ القبض، فيَدخُلَ في ذلك بيعُ ما لم يُقْبَضْ، وإعطاءُ القيمةِ عن العينِ الواجبة، وسنذكُرُ ما للعلماءِ في هذا المعنَى، في باب زيدِ بن أسلمَ، من كتابِنا هذا، عندَ ذكرِ حديثِ عمرَ في الفرَسِ إن شاء الله (٤) . وأمَّا رُجوعُها بالميراثِ إلى المتَصدِّقِ بها، فلا تُهمَةَ فيها ولا كراهِيةَ تَدخُلُه، إلى ما رُوِي عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من جوازِه:

    حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ (٥) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ،

    ج ٢ ص ٤٧٨قال (١) : حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ يُونسَ، قال: حدَّثنا زُهير، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عطاءٍ، عن عبدِ الله بن بُريدةَ، عن أبيه، أنَّ امرأةً أتَت رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: كنتُ تصدَّقتُ على أُمِّي بوليدةٍ، وإنَّها ماتَت وترَكَت تلك الوليدةَ. فقال: "وجَب أجرُكِ، ورجَعت إليكِ بالميراث" .

  22. أخبَرنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح (٢) ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ (٣) ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ نُميرٍ، عن عبدِ الله بنِ عطاءٍ، عن ابنِ بُريدةَ، عن أبيه، قال: كنتُ جالسًا عندَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءَتِ امرأةٌ، فقالت: يا رسولَ الله، إنِّي كنتُ تصدَّقتُ على أُمِّي بجاريةٍ فماتت، وبَقِيتِ الجاريةُ. فقال لها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "وجَب أجرُك، ورجَعت إليكِ بالميراث" .

  23. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد بن عبد المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرِ بن دَاسَةَ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ الأشعث، قال (٤) : حدَّثنا عمرُو بنُ مرزوقٍ،

    ج ٢ ص ٤٧٩قال: حدَّثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن أنسِ بن مالكٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أُتِي بلحم، فقال: "ما هذا؟ " . فقالوا: شيءٌ تُصُدِّقَ به على بَريرةَ. قال: "هو لها صدقةٌ، ولنا هديَّةٌ" .

    قال أبو عمر: ففي هذه الآثار ما يَدُلُّ على أنَّ الصدقةَ إذا تحوَّلَتْ إلى غيرِ معناها حلَّتْ لِمَن لمْ تكنْ تَحِلُّ له قبلَ ذلك.

  24. وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: "هو عليها صدقةٌ، وهو لنا هديَّةٌ" دليلٌ واضحٌ على أنَّ ما لم يُحرَّمْ لعينِه، كالميْتَةِ، والخنزيرِ، والدمِ، والعَذِرات، وسائرِ النَّجاسَاتِ، وما أشبهَها، وحُرِّم لعلَّةٍ عرَضت من فعلِ فاعلٍ إلى غيرِه من العِلَلِ، فإنَّ تَحريمَه يَزولُ بزوالِ العلَّة، ألا ترَى أنَّ الدِّرهمَ المغصوبَ والمسروقَ حرامٌ على الغاصبِ والسارقِ من أجلِ غَصْيِه له وسَرِقتِه إيَّاه، فإن وهَبَه له المغصوبُ منه أو المسروقُ منه طَيِّبةً به نفسُه، حلَّ له، وهو الدِّرهمُ بعينِه.

  25. وقد اعتَلَّ قومٌ ممن نفَى القياسَ في الأحكام، وزعَم أنَّ التعَبُّدَ بالأسماءِ دونَ المعاني، بحديثِ بريرةَ هذا في قصةِ اللحم والصدقةِ به والهديَّة، وزعَم أنَّ ذلك اللحمَ لمَّا سُمِّي صدقةً حَرُم، فلمَّا سُمِّي هديةً حَلَّ. فجاء بتخليطٍ من القولِ وخَطَل، واحتجَّ على مذهبِه في ذلك بقولِ الله عزَّ وجلَّ: {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا} (١) [البقرة: ١٥٤] . وللكلام في هذا البابِ موضعٌ غيرُ هذا، ولو ذكَرناه هاهنا خرَجنا عمَّا شرَطنا وعمَّا له قَصَدنا. وباللّه توفيقُنا وعليه توكَّلْنا.

  26. حديثٌ رابعٌ لربيعةَ مُسنَدٌ صَحيحٌ

    مالك (١) ، عن ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن، عن يزيدَ مولى المُنبَعِثِ، عن زيدِ بن خالدٍ الجُهَنيِّ، أنَّه قال: جاءَ رجلٌ إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فسَألَهُ عن اللُّقَطَة، فقال: "اعرِفْ عِفاصَهَا ووِكاءَهَا، ثم عَرِّفْها سنةً، فإن جاءَ صاحبُها، وإلا فشأنَكَ بها" . قال: فضالَّةُ الغنَمِ يا رسول الله؟ قال: "لك، أو لأخيك، أو للذئب" . قال: فضالَّةُ الابل؟ قال: "ما لك ولها؟ معها سِقاؤُها وحِذاؤُها (٢) ، تَرِدُ الماءَ، وتَأكلُ الشَّجَرَ، حتى يَلقَاها ربُّها" .

    ج ٢ ص ٤٨٠
  27. والعِفاصُ هاهنا: الخِرقَةُ المربوطُ فيها الشيءُ المُلتَقَطُ. وأصلُ العِفاصِ: ما سُدَّ به فمُ القارُورةِ، وكلُّ ما سُدَّ به فمُ الآنيةِ فهو عِفاصٌ. يُقالُ منه: عَفَصْتُ القارورةَ وأعفَصتُها. وقال أبو عُبيدٍ (٣) : هو جِلدٌ تُلْبَسُه رأسُ القارورةِ، والوِكاءُ الخيطُ الذي يُشَدُّ به، يقالُ منه: أوْكَيتُها إيكاءً. وأمَّا الصِّمَامُ: فهو ما يُدخَلُ في فَمِ القارُورَةِ، فيكونُ سِدادًا لها.

    قال أبو عمر: في هذا الحديثِ معانٍ اجتمَع العلماءُ على القولِ بها، ومعانٍ اختَلَفوا فيها؛ فممَّا اجتمَعوا عليه: أنَّ عِفاصَ اللُّقَطَةِ ووِكاءَها مِن أهْدَى علاماتِها وأدَلِّها عليها.

  28. وأجمَعوا أنَّ اللُّقَطَةَ ما لم تكنْ تافِهًا يسيرًا، أو شيئًا لا بقاءَ له، فإنَّها تُعرَّفُ حَولًا كاملًا.

    ج ٢ ص ٤٨١
  29. وأجمَعوا على أنَّ صاحبَها إذا جاءَ فهو أحقُّ بها من مُلْتَقِطِها، إذا أثْبَتَ له أنَّه صاحبُها.

  30. وأجمَعوا أنَّ مُلتَقِطَها إن أكَلَها بعدَ الحولِ وأراد صاحبُها أن يُضَمِّنَه، فإنَّ ذلك له، وإن تَصدَّقَ بها فصاحبُها مُخيَّرٌ بين التضمين، وبينَ أن يَنْزِلَ على أجرِها، فأيَّ ذلك تخيَّرَ كان ذلك له بإجماع، ولا تَنْطَلِقُ يَدُ مُلْتَقِطِها عليها بصدقةٍ ولا تَصَرُّفٍ قبلَ الحَول. وأجمَعوا أنَّ آخِذَ ضَالَّةِ الغَنَمِ في الموضع المخُوفِ عليها له أكلُها.

  31. واختلفوا في سائر ذلك على ما نذكُرُه إن شاء اللهُ تعالى. فمن ذلك أنَّ في الحديثِ دليلًا على إباحةِ التِقاطِ اللُّقَطَةِ، وأخذِ الضالَّةِ ما لم تكنْ إبلًا؛ لأنَّه عليه السلامُ أجاب السائلَ عن اللُّقَطَةِ بأن قال: "اعرِفْ عِفاصَها ووكاءَها" . كأنَّه قال: احفَظْها على صاحبِها، واعرِفْ من العلاماتِ ما تُسْتَحَقُّ به إذا طُلِبت. وقال في الشاة: "هي لك، أو لأخيك، أو للذِّئب" . يقولُ: خُذْها، فإنَّما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب إن لم تأخُذْها. كأنَّه يحُضُّه على أخذِها، ولم يقُلْ في شيءٍ من ذلك: دعُوه حتى يَضيعَ أو يَأتيَه ربُّه. ولو كان تركُ اللُّقَطَةِ أفضلَ لأمَر به رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فيها، كما قال في ضالَّة الإبل، واللّهُ أعلمُ.

  32. ومعلومٌ أنَّ أهلَ الأماناتِ لو اتَّفقوا على تَركِ اللُّقَطَةِ، لم تَرجِعْ لُقَطَةٌ ولا ضالَّة إلى صاحبِها أبدًا؛ لأنَّ غيرَ أهلِ الأماناتِ لا يُعرِّفونَها، بل يَستحِلُّونَها ويأكُلُونَها.

  33. واختَلَف الفقهاءُ في الأفضل من أخذِ اللُّقَطَةِ وتركِها، فروَى ابنُ وهبٍ، عن مالكٍ، أنَّه سُئل عن اللُّقَطَةِ يجِدُها الرجلُ، أيأخُذُها؟ فقال: أمَّا الشيءُ

    ج ٢ ص ٤٨٢الذي له بالٌ، فإنِّي أرَى ذلك. فقال له الرجلُ: إنِّي رأيْتُ شَنْفًا (١) أو قُرْطًا في المسجدِ مطروحًا فتَركتُه. فقال مالكٌ: لو أخَذتَه فأعطَيتَه بعضَ نساءِ المسجدِ كان أحبَّ إليَّ (٢) .

    قال: وكذلك الذي يَجِدُ الشيءَ، فإن كان لا يَقوَى على تعريفه، فإنَّه يَجِدُ مَن هو أقوَى على ذلك منه ممَّن يوثقُ به يُعطِيه فيُعَرِّفُه، فإن كان الشيءُ له بالٌ فأَرَى أن يَأخُذَه (٣) .

  34. وروَى يحيى بنُ يحيى، عن ابن القاسم، عن مالكٍ: أنَّه كرِه أخْذَ اللُّقَطَةِ والآبِقِ جميعًا. قال: فإن أخَذ أحدٌ شيئًا من ذلك، فأبَق الآبِقُ، أو ضاعَتِ اللُّقَطَةُ من غيرِ فِعلِه ولم يُضيِّع، لم يَضْمَنْ. وقال مالًا فيمَن وجَد آبِقًا: إن كان لجارٍ أو لأخ، رأيتُ له أن يَأخُذَه، وإن كان لمن لا يَعرِفُ، فلا يَقْرَبْه، وهو في سَعَةٍ من تركِ ما لجارِه وأخيه (٤) . وحمَله أصحابُ مالكٍ أنَّه في سَعَةٍ، إن شاء أخذَها، وإن شاء ترَكها. هذا قولُ إسماعيلَ بن إسحاقَ رحِمه اللهُ، وهو ظاهرُ حديث زيدِ بنِ خالدٍ هذا إن شاء الله.

    قال أبو عمر: إنَّما جعَله مالكٌ، واللّهُ أعلمُ، في سَعَةٍ من ذلك؛ لما في أخذِ الآبقِ والحيوانِ الضَّالِّ من المُؤَنِ، ولم يُكلِّفِ اللهُ عبادَه ذلك، فإن فعَله فاعلٌ

    ج ٢ ص ٤٨٣فقد أحسَنَ، وليسَتِ اللُّقَطَةُ كذلك؛ لأنَّ المؤونةَ فيها خَفيفةٌ؛ لأنّها لا تَحتاجُ إلى غذاءٍ ولا اهتبالٍ بحِرْزٍ، ولا يُخشَى غائلتُها فيُتَحفَّظَ منها كما يُصنَعُ بالآبق.

    وقال الليثُ في اللُّقَطة: إن كان شيءٌ له بالٌ، فأحَبُّ إليَّ أن يأخُذَه ويُعَرِّفَه، وإن كان شيئًا يَسيرًا، فإن شاء ترَكه، وأمَّا ضالَّةُ الإبِل (١) ، فلا أُحِبُّ أن يَقْرَبَها، إلا أن يَحُوزَها لصاحبِها (٢) .

    قال ابنُ وهبٍ: وسمِعتُ الليثَ ومالكًا يقولان في ضالَّةِ الإبلِ في القُرَى: مَن وجَدها يُعرِّفُها، وإن وجَدها في الصَّحارَى فلا يَقربْها (٣) . وأصحابُ مالكٍ يقولونَ في الذي يأخُذُ اللُّقَطَةَ ثم يَرُدُّها إلى مكانِها في فَورِها أو قريبًا من ذلك: إنَّه لا ضَمانَ عليه. قال ابنُ القاسم: إن تَباعدَ ذلك ثم ردَّها، ضَمِنَ (٤) . وقال أشهبُ: لا يَضمَنُ وإن تَباعدَ. ولا وجْهَ عندي لقول أشهبَ؛ لأنَّه رجلٌ قد حصَل بيدِه مالُ غيره، ثم عرَّضَه للضَّياع والتّلف. وقال المُزَنيُّ (٥) عن الشافعيِّ: لا أُحِبُّ لأحدٍ تَرْكَ لُقَطَةٍ وجَدها إذا كان أمينًا عليها. قال (٦) : وسواءٌ قليلُ اللُّقَطَةِ وكثيرُها. واحتجَّ بقول رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في ضالَّة الغَنَم: "هي لك، أو لأخيك، أو للذِّئب" . يقولُ: إنْ لم تَحفَظْها بنفسِك على أخيك أكَلها الذِّئبُ، فاحْفَظْ على أخيكَ ضالَّتَه الضَّائعةَ.

  35. وذكَر بعضُ أصحابِه ما حدَّثنا به عبدُ الله بنُ محمدِ بن أسدٍ وخلفُ بن قاسمِ بنِ سهلٍ، قالا: حدَّثنا عبدُ الله بنُ جعفرِ بنِ الوَرْد، قال: حدَّثنا مِقدامُ بنُ داودَ،

    ج ٢ ص ٤٨٤قال: حدَّثنا ذُؤيبُ بنُ عِمامةَ السَّهميُّ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ سعدٍ، عن عمرِو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئلَ عن ضالَّةِ الغَنَم، فقال: "هي لك، أو لأخيك، أو للذِّئب، فرُدَّ على أخيكَ ضالَّتَه" . وسُئِلَ عن ضالَّةِ الإبل، فقال: "ما لك ولها؟ معَها سِقاؤُها وحِذاؤُهَا، تَرِدُ الماءَ، وتأكُلُ الشَّجَرَ، حتى يَلقَاها ربُّها" . وسُئِل عن حَريسَةِ الجبل، فقال: "فيها جَلَدَات نَكَالٌ، وغَرامَةُ مثلِها، فإذا أوَاه المُراحُ، فالقَطعُ فيما بلَغ ثَمنَ المِجَنِّ" (١) .

  36. فقولُه في هذا الحديث: "فرُدَّ على أخيك ضالَّتَه" ؛ يعني: ضالَّةَ الغَنَم في الموضِع المخُوفِ عليها، دليل على الحَضِّ على أخذِها؛ لأنَّها لا تردُّ إلّا بعدَ أخذِها، وحكمُ اللُّقَطَة في خَوفِ التَّلَفِ عليها، والبِدَارِ إلى أخذِها، وتعريفها، كذلك، واللّهُ أعلم.

  37. واختلَف العلماءُ في اللُّقَطَةِ والضالَّةِ، وكان أبو عُبيدٍ القاسمُ بنُ سلَّام وجماعةٌ من أهل العلم باللغة يُفرِّقونَ بينَ اللُّقَطَةِ والضالَّةِ، قالوا: الضالَّةُ لا تكونُ إلا في الحيوان، واللُّقَطةُ في غير الحيوان. قال أبو عبيدٍ: إنَّما الضوَالُّ ما ضلَّ بنفسِه (١) . وكان يقولُ: لا يَنبغي لأحدٍ أنْ يَدعَ اللُّقَطَة، ولا يجوزُ لأحدٍ أخْذُ الضالَّة. وَيحتَجُّ بحديثِ الجارود، وحديثِ عبدِ الله بن الشِّخِّير، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنّه قال: "ضالَّةُ المؤمن حَرَقُ النَّار" (٢) . وبحديثِ جريرٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يُؤوِي الضالَّةَ إلّا ضالٌّ" (٣) .

    ج ٢ ص ٤٨٦وقالت طائفةٌ من أهل العلم: اللُّقَطَةُ والضَّوالُّ سواءٌ في المعنَى والحكمُ فيهما سواءٌ. وكان أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ يَذهبُ إلى هذا، وأنكَر قولَ أبي عُبيدٍ:

    ج ٢ ص ٤٨٧الضَّالُّ ما ضلَّ بنفسِه. وقال: هذا غَلَطٌ لأنَّه قد رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ الإفكِ قولُه للمسلمين: "إنَّ أُمَّكم ضلَّت قِلادَتُها" (١) . فأطلَق ذلك على القِلادَة. وقال في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ضالَّةُ المؤمنِ حَرَقُ النَّار" . قال: وذلك لأنَّهم أرادوها للرُّكوبِ والانتفاع بها، لا للحِفظِ على صاحبِها، فلذلك قال لهم - صلى الله عليه وسلم -: "ضالَّةُ المؤمنِ حَرَقُ النار" . قال: وذلكَ بَيِّنٌ في روايةِ الحسنِ، عن مُطرِّفِ بن عبدِ الله بن الشِّخِّير، عن أبيه، قال: قَدِمنا على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ألَا أحمِلُكم؟ " . قلنا: نحن نَجِدُ في الطَّريق ضوالَّ من الإبلِ نركَبُها. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ضالَّةُ المؤمنِ حَرَقُ النار" (٢) .

    وقال في قوله: "لا يُؤوِي الضَّالَّة إلا ضالٌّ" . قال: هذا محمولٌ على أنَّه يُؤْويها لنَفسِه لا لصاحبِها، ولا يُعرِّفُها (٣) .

    ج ٢ ص ٤٨٥
  38. وذكر الطحاويُّ أيضًا، عن يونسَ بنِ عبدِ الأعلَى، عن ابنِ وَهْبٍ، عن

    ج ٢ ص ٤٨٨عَمْرِو بنِ الحارثِ، عن بكرِ بنِ سوادةَ، عن أبي سالم الجَيْشَانيِّ، عن زيدِ بنِ خالدٍ الجهنيِّ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن آوَى ضالَّةً فهو ضالٌّ ما لم يُعرِّفْها" (١) .

    قال أبو عمر: في قولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في ضالَّةِ الغَنَم: "هي لك، أو لأخيك، أو للذِّئب" . وفي ضالَّةِ الإبل: "ما لَك ولها؟ معها سِقاؤُها وحِذاؤُها، تَرِدُ الماءَ، وتأكُلُ الشجرَ حتى يَلقَاها ربُّها" دليلٌ واضحٌ على أنَّ العِلَّةَ في ذلك خوفُ التَّلَفِ والذَّهابِ، لا جنسُ الذاهبِ، فلا فَرقَ بينَ ما ضلَّ بنفسِه وبينَ ما لم يَضِلَّ بنفسِه، إذا خُشِيَ عليه التَّلَفُ، عندي، واللّهُ أعلمُ، بظاهرِ الحديثِ الصحيح في الفَرقِ بينَ ضالَّةِ الغَنم وضالَّةِ الإبل. ألَا ترَى أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - حينَ سُئل عن ضالَّةِ

    ج ٢ ص ٤٨٩الإبل غَضِب واشتدَّ غَضَبُه، ثم قال فيها ما ذكَرنا؟ وقد قيل: إنَّ الإبلَ تَصبِرُ على الماءِ ثلاثةَ أيَّامٍ وأكثرَ، وليس ذلك حُكْمَ الشاةِ؛ لأنَّه يقولُ: إنْ لم تأخُذْها، ولا وجَدها أخوكَ؛ صاحبُها أو غيرُه، أكَلَها الذِّئبُ. يقولُ: فخُذْها. وهذا محفوظٌ من رواية الثِّقَات:

    حدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ قراءةً منِّي عليه، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا أبو يعقوبَ الأيْليُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن ربيعةَ، عن يزيدَ مولَى المُنبعِثِ، عن زيدِ بن خالدٍ الجُهَنيِّ (١) ، قال سفيانُ: فلقِيتُ ربيعةَ، فسألتُه، فقال: حدَّثني يَزيدُ، عن زيدِ بن خالدٍ الجُهَنيِّ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه سُئل عن ضالَّةِ الإبل، فغضِب، واحمَرَّت وجْنَتاه، وقال: "ما لك ولها؟ معها الحِذَاءُ والسِّقاءُ، تَرِدُ الماءَ، وتَأكُلُ الشَّجَرَ، حتى يَلقَاها ربُّها" . وسُئِل عن ضالَّةِ الغنم، فقال: "خُذْها، فإنّما هي لك، أو لأخيك، أو للذِّئْب" . وسُئِل عن اللُّقَطَةِ، فقال: "اعرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها، وعَرِّفْها سنةً، فإنِ اعتُرِفَت (٢) ، وإلا فاخلِطْها بمالِك" (٣) .

  39. كذا قال ابنُ عيينةَ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن ربيعةَ، وخالَفَه سليمانُ بنُ بلالٍ وحمادُ بنُ سلمةَ، فروَياه عن يحيى بن سعيدٍ وربيعةَ جميعًا، عن يزيدَ مولَى المُنبعِثِ، عن زيدِ بنِ خالدٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.

    ج ٢ ص ٤٩٠
  40. أخبَرنا خلفُ بنُ القاسم الحافظ قراءةً منِّي عليه، أنَّ عبدَ الله بنَ جعفرِ بنِ الوردِ حدثهم، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ غالبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ إسحاقَ أبو محمدٍ البَيْطَاريُّ، قال: أخبَرنا سُليمانُ بنُ بلالٍ، قال: حدَّثني يحيى بنُ سعيدٍ وربيعةُ بنُ أبي عبد الرحمن، عن يزيدَ مولَى المُنبعِثِ، عن زيدِ بن خالدٍ الجهنيِّ، قال: سُئل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن اللُّقَطَةِ؟ الذَّهبِ أو الوَرِقِ؟ قال: "اعرِفْ وِكاءَها وعِفاصَها، ثم عرِّفْها سنةً، فإن لم تُعْرَفْ فاستعِنْ بها، ولتكنْ وديعةً عندك، فإن جاء طالبُها يومًا من الدهرِ فأدِّها إليه" . وسأله عن ضالَّةِ الإبل، فقال: "ما لَك ولها؟ دعْها، معَها حِذاؤُها وسِقاؤُها؛ تَرِدُ الماءَ، وتأكُلُ الشَّجرَ، حتى يَجِدَها ربُّها" . وسألَه عن الشاةِ، فقال: "خُذْها، فإنَّما هي لك، أو لأخيك، أو للذِّئب" (١) .