ربيعة بن أبي عبد الرحمن المدني

٤٣٣ فقرة، ج ٢ ص ٣٩٣

الصفحة ٧ من ١١

  1. وفيه أنَّ أُمَّ الولدِ لا يجوزُ بيعُها؛ لقولِه: وأحببْنا الفداءَ، فأرَدْنا أنْ نعزِلَ. والفداءُ هاهنا الثمنُ في البيع، أو أخْذُ الفداءِ من أقاربِهِنَّ من المشركين فيهِنَّ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ قد ملَك ما وقَع في سَهْمِه من السَّبْيِ، فأرادوا الوَطْءَ، وخافوا الحملَ المانعَ من الفِداءِ والبيع، فهمُّوا بالعزلِ رجاءَ السلامةِ من الحَمْلِ في الأغلب، ولم يُقْدِموا على العزلِ حتى سألوا رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنَّ اليهودَ كانت تقولُ بينَ أظهُرِهم: إنَّ العزلَ هو الموؤودةُ الصُّغرَى. وكانوا أهلَ كتابٍ، فلم يُقْدِموا على العزلِ لما كان في نُفوسِهم من قولِ اليهود، حتى وقَفوا على ما في ذلك عندَ نبيِّهم - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفي شريعتهم، فسألوا رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك، فأباح لهم العزلَ، ولو كانت أُمُّ الولدِ يجوزُ بَيعُها، ولم يَمْنَعْ من ذلك حَمْلُها، لبَلَغوا من الوَطْءِ ما أحَبُّوا، مع حاجتِهم إلى ذلك، ولكنَّهم لما أرادوا الفِداءَ أحبُّوا العَزْلَ، ليَسْلمَ ذلك لهم، ثم لَمْ يُقْدِمُوا على ذلك حتى سألوا رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأخبرَهم أنَّ اللهَ قد فرَغ من العبادِ، وقد علِم كلَّ نسَمةٍ كائنةٍ وقدَّرها، وجفَّ القلمُ بها، وما قَدَّرَ لَمْ يُصرَفْ.

    ج ٢ ص ٥٠٩
  2. وهذا الحديثُ من أصحِّ شيءٍ في المنع من بيع أُمَّهاتِ الأولادِ، وقد أجمَع المسلمون على منعِ بيعِ أُمِّ الولدِ ما دامَتْ حاملًا من سيِّدِها، ثم اختَلَفوا في بيعِها بعدَ وِضْع حَمْلِها. وأصلُ المخالِفِ أنَّه لا يَنتَقِضُ إجماعٌ إلَّا بمثلِه، وهذا قطعٌ لقولِه هاهنا. إلَّا (١) أنَّه يُعتَرضُ بزوال العلَّة المانعةِ من بيعها؛ لأنه إذا زال الحمْلُ المانعُ من ذلك وَجَب أن يزولَ بزواله المنعُ من البيع، ولهم في ذلك ضُروبٌ من التّشْغيبِ، وأمّا طريقُ الاتِّباع للجمهور الذي يُشبه الإجماعَ فهو المنعُ من بيعِهِنّ.

    ج ٢ ص ٥١٠
  3. وعلى المنع من بيعِهِنَّ جماعةُ فُقهاءِ الأمصار، منهم مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وأصحابُهم، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، والليثُ بنُ سعدٍ، وجمهورُ أهلِ الحديث. وقد قال الشافعيُّ في بعضِ كُتُبِه بإجازةِ بيعِهِنَّ، ولكنَّه قطَع في مواضعَ كثيرةٍ من كُتُبِه بأنَّهُنَّ لا يجوزُ بيعُهُنَّ، وعلى ذلك عامَّةُ أصحابِه (٢) . والقولُ ببيعِ أُمَّهاتِ الأولادِ شُذوذٌ تعلَّقَتْ به طائفةٌ؛ منهم داودُ، اتِّباعًا لعليٍّ رضي اللهُ عنه، ولا حُجَّةَ لها في ذلك، ولا سلَفَ لها؛ لأنَّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ مُختلفٌ عنه في ذلك،

    ج ٢ ص ٥١١وأصحُّ شيءٍ عنه في ذلك ما ذكَره الحُلوانيُّ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ، قال: حَدَّثَنَا عطاءُ بنُ السَّائبِ، قال: سمِعتُ عَبِيدةَ يقولُ: كان عليٌّ يَبيعُ أُمَّهاتِ الأولادِ في الدَّيْن. وقد صحَّ عن عمرَ في جماعةٍ من الصحابةِ المنعُ من بيعِهِنَّ (١) .

  4. ومن حُجَّةِ مَن أجاز بيعَهُنَّ ما رُوِي عن جابر: كُنَّا نَبِيعُ أُمَّهاتِ الأولادِ على عهدِ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (٢) . وقد رُوِي عن أبي سعيدٍ الخدريِّ مثلُ ذلك أيضًا (٣) .

  5. ويُعارِضُه ما رُوِي أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في ماريةَ إذ وَلَدَتْ إبراهيمَ: "أعْتَقَها ولدُها" (١) . والحججُ مُتساوِيةٌ في بيعِهِنَّ للقولين جميعًا من جهةِ النَّظَرِ، وأمَّا العملُ والاتِّباعُ، فعلَى مذهبِ عمرَ رضي اللهُ عنه.

    ج ٢ ص ٥١٢
  6. وفي هذا الحديثِ بُرهانٌ واضحٌ على إثباتِ قِدَم العلمِ، وأنَّ الخلقَ يَجْرُون في علم الله وقدَرِه، فلا يَخرُجُ شيءٌ من خَلْقِه عن ذلك، جلّ اللهُ تعالى عمَّا يقولُ الظالمون عُلُوًّا كبيرًا.

  7. وروَى حمادُ بنُ زيدٍ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ في قولِه: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ} [القمر: ٥٢] . قال: كُتِب عليهم قبلَ أن يَعمَلوه.

  8. وروَى شُعبةُ، عن أبي هاشم (١) ، عن مجاهدٍ في قولِه تعالى: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} [الأنفال: ٦٨] . قال: كان في عِلْمِه أنَّهم يأخُذُونَ الغنائمَ (٢) .

    ج ٢ ص ٥١٣
  9. وروَى سالمٌ الأفطَسُ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قوله: {أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ} [الأعراف: ٣٧] . قال: ما كُتِب لهم من الشقاءِ والسعادةِ (٣) .

  10. وعن ابن عباس في قوله: {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ} [هود: ١٠٩] . قال: ما قُدِّرَ لهم من خيرٍ وشرٍّ (٤) .

  11. وجملةُ القول في القَدَرِ أنَّه سِرُّ الله، لا يُدرَكُ بجدالٍ ولا نظَرٍ، ولا تَشْفِي منه خُصومةٌ ولا احتجاجٌ، وحَسْبُ المؤمنِ من القَدَرِ أنْ يَعلَمَ أنَّ اللهَ لا يقومُ شيءٌ دُونَ إرادتِه، ولا يكونُ شيءٌ إلَّا بمشيئتِه، له الخلقُ والأمرُ كلُّه، لا شريكَ له، يُظاهرُ ذلك قولُه: "و {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: ٣٠] . وقولُه: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: ٤٩] . وحسبُ المؤمنِ من القدَرِ أنْ يَعلمَ أنَّ اللهَ لا يَظلِمُ مثقالَ ذرَّةٍ، ولا يُكلِّفُ نفسًا إلَّا وُسعَها، وهو الرحمنُ الرحيمُ، فمَن ردَّ على الله تعالى خبرَه في الوجهين أو في أحدِهما، كان عنادًا وكفرًا، وقد ظاهرَتِ

    ج ٢ ص ٥١٤الآثارُ في التسليم للقدَرِ، والنَّهْي عن الجدالِ فيه، والاستسلام له، والإقرارِ بخيرِه وشرِّه، والعلم بعدلِ مُقدِّرِه وحِكمَتِه، وفي نقضِ عزائمِ الإنسانِ بُرهانٌ فيما قُلْنا وتبيانٌ، واللّهُ المستعانُ.

  12. حَدَّثَنَا محمدُ بنُ زكريا، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا مروانُ بنُ عبدِ الملك، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حَدَّثَنَا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، قال: حَدَّثَنَا حبيبُ بنُ الشَّهيدِ عن محمدِ بن سيرينَ قال: ما يُنكِرُ هؤلاء أن يكونَ اللهُ عزَّ وجلَّ عَلِمَ علمًا فجعَلَه كتابًا (١) .

  13. أخبَرنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرّحمن، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا الحارثُ بنُ أبي أُسامةَ، قال: حَدَّثَنَا خالدُ بنُ القاسم، قال: حَدَّثَنَا اللَّيثُ بنُ سعد. وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ، قال: حَدَّثَنَا قاسمٌ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ صالح، قالا جميعًا: حَدَّثَنَا مُعاويةُ بنُ صالح، أنَّ عليَّ بنَ أبي طلحةَ حدَّثه، أنَّ أبا الوَدَّاكِ أخبرَه، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئل عن العزلِ فقال: "ما من كلِّ الماءِ يكونُ الولدُ، وإذا أراد اللهُ خلقَ شيءٍ لَمْ يَمنَعْه شيءٌ" (٢) .

  14. وروَى يحيى القطَّانُ، عن مجالدٍ، عن أبي الودَّاكِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مثلَه (١) .

    ج ٢ ص ٥١٥
  15. حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قالْ حَدَّثَنَا سُليمانُ بنُ أبي شيخ، قال: حَدَّثَنَا عُيينةُ بن المنهالِ، قال: قال بلالُ بنُ أبي بُردةَ لمحمدِ بنِ واسع: ما تقولُ في القضاءِ والقدر؟ فقال: أيُّها الأميرُ، إنَّ الله تبارك وتعالى لا يَسألُ عبادَه يومَ القيامةِ عن قضائِه وقدرِه، وإنّما يَسألهُم عن أعمالهم (٢) .

  16. وفي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ السِّباءَ يَقطَعُ العِصْمَةَ بينَ الزوجَين، إلا ترَى أنَّ أصحابَ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انطَلَقوا على وَطْءِ السَّبايَا يَومئذٍ، كلُّ واحدٍ منهم انطلَقَتْ يَدُه في ذلك على مَن وقَع في سهمِه منهُنَّ، وأرادوا العزْلَ عنهُنَّ، وذلك محمولٌ عندَ أهلِ العلم على أنَّ ذلك إنّما كان منهم بعد الاسْتِبراء؛ لأنَّه مذكورٌ في غيرِ ما خبرٍ أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال يَومئذٍ: "لا تُوطَأُ حامل حتى تَضَعَ،

    ج ٢ ص ٥١٦ولا حائلٌ حتى تَحِيضَ حيضةً". رَواه شَريكٌ، عن قيسِ بن وهبٍ (١) ، عن أبي الودَّاكِ، عن أبي سعيدٍ (٢) .

  17. وروِي من حديثِ جابرٍ (٣) ، وأنس (٤) ، وروَيْفع بن ثابتٍ (٥) ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نحوُه.

  18. حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا مِقدامُ بنُ عيسى، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ بكرِ بنِ مُضرَ، قال: حدَّثني أبي، عن جعفرِ بن ربيعةَ، عن أبي مَرزوقٍ، عن حَنَشٍ الصَّنعانيِّ، عن رُويفعِ بنِ ثابتٍ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنَّه قال: "لا يَحِلُّ لأحدٍ يُؤمِنُ باللّه واليومِ الآخرِ أنْ يَسْقِيَ ماءَه ولدَ غيرِه" (١) .

    ج ٢ ص ٥١٧
  19. ورَواه محمدُ بنُ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبِ، عن أبي مرزوقٍ مولَى تُجيبَ، عن حَنَشٍ، سمِع رُويفعَ بنَ ثابتٍ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " (٢) .

  20. والأحاديثُ عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنَّه قال: "لا تُوطأُ حامل حتى تضَعَ، ولا حائلٌ حتى تحيضَ حَيضةً" أحاديثُ حسانٌ، وعليها جماعةُ أهلِ العلمِ في الوَطْءِ الطَّارئ بمِلكِ اليمين.

  21. وليس عندَ مالكٍ في هذا حديثٌ مُسندٌ، وعندَه (٣) فيه عن يحيى بنِ سعيدٍ،

    ج ٢ ص ٥١٨عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ، أنَّه كان يقول: يُنهَى أن تُنكَحَ المرأةُ على عمَّتِها، أو على خالتِها، وأن يَطأَ الرجلُ وليدةً وفي بطنِها جنينٌ لغيرِه.

  22. واختلَف الفقهاءُ في الزوجَين إذا سُبيَا معًا؛ فقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: إذا سُبِي الحربِيَّانِ وهما زوجان معًا، فهما على النِّكَاح، وإن سُبِيَ أحدُهما قبلَ الآخر، وأُخْرِج إلى دارِ الإسلام، فقد وَقَعَتِ الفُرقة (١) . وهو قولُ الثوريِّ.

    وقال الأوزاعيُّ: إذا سُبيا معًا، فما كانا في المقاسمِ فهما على النِّكَاح، فإن اشتَراهما رجلٌ، فإن شاء جمَع بينَهما وإن شاء فرَّق بينَهما فاتَّخذَها لنفسِه، أو زوَّجها لغيرِه بعدَ أنْ يَسْتَبْرِئَها بحيضةٍ. وهو قولُ الليثِ بنِ سعدٍ. وقال الحسنُ بنُ حيٍّ: إذا سُبِيَتْ ذاتُ زوج، استُبْرِئَتْ بحيضتينِ، وغيرُ ذاتِ زوجٍ بحيضةٍ (٢) .

    وقال الشافعيُّ (٣) : إذا سُبِيَتْ بانت من زوجِها، سواءٌ كان معها أو لَمْ يكنْ. قال: والسِّباءُ يَقطَعُ العِصمَةَ على كلِّ حالٍ، لأنَّ اللهَ قد أحلَّ فُرُوجَهُنَّ في الكتاب والسُّنَّةِ للذين سبَوْهُنَّ، وصِرْنَ بأيدِيهم ومِلكَ أيمانِهم. وهو قولُ مالكٍ فيما روَى ابنُ وهبٍ وابنُ عبدِ الحكم، وهو قولهُما وقولُ أشهبَ. وقال ابنُ القاسم في ذلك بمثلِ قولِ أبي حنيفةَ إذا سُبيا معًا أو مُفْتَرِقَيْن. ورواه عن مالكٍ (٤) .

  23. وكل هؤلاء يقولُ في قول الله عزَّ وجلَّ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: ٢٤] . أنَّهُنَّ السَّبايا ذواتُ الأزواج يُحِلُّهُنَّ السِّباءُ.

  24. وفي حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ هذا دليلٌ واضح على ذلك، وفيه تفسيرُ الآية، وهو أولَى ما قيل به في تفسيرِها. وقال ابنُ مسعودٍ، وابنُ عباس، وأُبَيُّ بنُ كعب: إنَّ معنى الآيةِ في الإماءِ ذواتِ الأزواج، وأنَّهُنَّ إذا مُلِكْنَ جاز وَطْؤُهُنَّ بملكِ اليمين، وكان بَيعُهُنَّ طلاقَهُنَّ (١) . والتفسيرُ الأوَّلُ عليه جُمهورُ الفقهاء.

    ج ٢ ص ٥١٩
  25. وقد روَى أبو علقمةَ الهاشميُّ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنَّ هذه الآية، قولَه عزَّ وجلَّ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} نزَلتْ في سَبايا أوطاسٍ (٢) . وقاله الشعبيُّ (٣) وأكثرُ أهل التفسير.

  26. حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (٤) : حَدَّثَنَا عبدُ الأعلَي، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أبي الخليل، أنَّ أبا علقمةَ الهاشميَّ حدَّثه، أنَّ أبا سعيدٍ الخدريَّ حدَّثهم: أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعَث يومَ حُنينٍ سَرِيَّةً، فأصابوا أحياءً من أحياءِ العربِ يومَ أوطاسٍ، فقتَلوهم وهَزَموهم وأصابوا نساءً لَهُنَّ أزواجٌ، فكأنَّ ناسًا من أصحابِ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تأثَّموا من غِشْيانِهِنَّ من أجلِ أزواجِهِنَّ، فأنزَل اللهُ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} منهنَّ، فحلالٌ لكم.

  27. وحَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكرٍ (١) ، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ، قال: حَدَّثَنَا عبيدُ الله بنُ عمرَ بن مَيْسَرةَ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ زُرَيع، قال: حَدَّثَنَا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن صالح أبي الخليل، عن أبي علقمةَ الهاشميِّ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعَث بعثًا يومَ حُنينٍ إلى أوطاسٍ، فلقُوا عدوًّا فقاتَلوهم، فظَهَروا عليهم، وأصابوا لهم سبايَا، فكأنَّ ناسًا (٢) من أصحابِ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تحرَّجُوا من غِشْيانِهِنَّ من أجلِ أزواجِهِنَّ من المشركين، فأنزَل اللهُ في ذلك: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} فهنَّ لكم حلالٌ إذا انقَضَتْ عدَّتُهُنَّ.

    قال أبو عمر: وهذه اللفظةُ حُجَّةٌ للحسنِ بن حيٍّ في اعتبارِه العدَّةَ ذلك، وفي حديثِ بَريرةَ ما يُبيِّنُ أنَّ بيعَ الأمةِ ليس بطلاقِها، وقد ذكَرنا ذلك فيما تقدَّم من كتابِنا هذا (٣) .

    ج ٢ ص ٥٢٠
  28. وفي هذا الحديث أيضًا إباحةُ العَزْلِ، وقد اختلف السلفُ في ذلك، والحُجَّة قائمة لمن أجازَه بهذا الحديث وما كان مثلَه. حَدَّثَنَا خلفُ بنُ قاسم قال: حَدَّثَنَا محمّدُ بنُ قاسم بن شعبانَ، قال: حَدَّثَنَا الحُسين بن محمد بن

    ج ٢ ص ٥٢١الضّحاك (١) ، قال: حَدَّثَنَا أبو مروانَ العُثْمانيُّ (٢) ، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ سعدِ بنِ إبراهيمَ (٣) عن ابن شهابٍ الزُّهريِّ، أن زيدَ بنَ ثابتٍ وابنَ مسعود كانا يعْزِلانِ، وكان عمرُ وابنُ عمرَ يَكْرهانِ العزْلَ.

  29. وفي الحديث أيضًا أنَّ للرجلِ أن يَعْزِلَ عن الأمةِ بغيرِ أمْرِها، وأنَّها لا حقَّ لها في ذلك؛ لأنَّهم لَمْ يَحتاجُوا في أمْرِ العزلِ إلى أكثرَ من معرفةِ جوازِه في الشريعةِ، لَمْ يُضيفُوا إلى ذلك استِئمارَ الإماءِ ولا مُشاورتَهُنَّ، فدلَّ ذلك على جوازِ العزل عنهنَّ دونَ رأيهِنَّ. والأصولُ تَشهَدُ لصِحَّةِ هذا التأويل، والإجماعُ، والقياسُ؛ لأنَّه لما جاز له أنْ يَمْنَعَ أمتَه الوَطْءَ أصلًا، ى ن له العَزْلُ عنها أحرَى بالجواز، وهذا أمرٌ وإن كان جاء عن بعض السَّلَفِ كراهيةُ العزل، فإنَّ أكثرَهم على إباحتِه وجوازِه، وهو أمرٌ لا خلافَ فيه بينَ فقهاءِ الأمصارِ، والحمدُ للّه.

  30. وكذلك لا خِلافَ بينَ العلماءِ أيضًا في أنَّ الحرَّةَ لا يُعْزَلُ عنها إلَّا بإذنِها؛ لأنَّ الجِماعَ من حقِّها، ولها المطالبةُ به، وليس الجِماعُ المعروفُ التَّامُّ إلَّا ألَّا يَلحَقَه العزلُ.

  31. وفي "الموطَّأ" (١) ، عن سعدِ بن أبي وقَّاصٍ، وأبي أيوبَ الأنصاريِّ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، وابنِ عباسٍ، جوازُ العزلِ وإباحتُه.

    ج ٢ ص ٥٢٢
  32. فإن (٢) قيل: قد روَى حمَّادُ بنُ زيدٍ، عن عاصم، عن زرٍّ، عن عليٍّ، أنَّه كان يَكرَهُ العَزْلَ، ويقولُ: هو الوَأْدُ الخفيُّ (٣) .

  33. قيل: لو صحَّ هذا عن عليٍّ كانت الحجَّةُ فيما ثبَت عن رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دونَ قولِه؛ لأنَّه قد ثبَت في هذا الحديثِ قولُ الصحابة: فأرَدْنا أن نَعزِلَ، فقلنا: نَعزِلُ ورسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينَ أظهُرِنا قبلَ أن نسألَه؟ فسألناه، فقال: "ما عليكم ألَّا تَفْعَلوا" . فأيُّ شيءٍ أبيَنُ في إباحةِ العزلِ (٤) وإجازته من هذا في السُّنةِ الثابتةِ، وهي الحجةُ عندَ التنازُع؟

  34. وقد (١) صحَّ عن علي خلافُ هذا. وروى يزيدُ بنُ أبي حبيبٍ، عن معمرِ بنِ أبي حبيبةَ، عن معاذ بن أبي رفاعةَ قال: شهدتُ نفرًا من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يذكرون الموؤودةَ؛ فيهم عليٌّ وعمرُ وعثمانُ والزُّبيرُ وطلحةُ وسعدٌ فاختلفوا، فقال عمرُ: إنكم أصحابَ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تختلفونَ في هذا! فكيف بمَن بعدَكُم؟ فقال عليٌّ: إنّها لا تكون موؤودةً حتّى يأتي عليها الحالات السبع. فقال له عمرُ: صدقتَ أطالَ الله بقاءك (٢) .

    قال ابنُ لهيعة: إنّها لا تكون موؤودةً حتّى تكون نطفةً، ثم علقةً، ثم مُضغةً، ثم عظمًا، ثم لحمًا، ثم تظهر، ثم تستهلُّ، فحينئذٍ إذا دُفنت فقد وُئدت؛ لأنَّ من الناس مَن قال: إنّ المرأةَ إذا أحسَّت بحمْلٍ، فتداوت حتى تُسقطَه فقد وأدَتْهُ، ومنهم مَن قال: العزْل الموؤودةُ الصُّغرى. فأخبر عليٌّ رضي الله عنه أن ذلك لا يكون موؤودةً إلَّا بعد ما وَصَف.

    ج ٢ ص ٥٢٣
  35. وقد قيل في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: ٢٢٣] . إنْ شِئْتَ فاعزِلْ، وإنْ شِئْتَ فلا تَعْزِلْ. قالَه جماعةٌ من العلماءِ، كان كان في هذه الآيةِ قولانِ غيرُ هذا.

  36. واختلف الفقهاءُ في العَزْلِ عن الزوجةِ الأمَةِ؛ فقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهما (٣) : الإذنُ في العَزلِ عن الزوجةِ الأمةِ إلى مولاها. وعن الثّوريِّ روايتانِ؛ إحداهُما: لا يعزلُ عنها إلّا بأمرها، والأخرى: بأمرِ مولاها (٤) . وقال الشافعيُّ:

    ج ٢ ص ٥٢٤له أن يِعزِلَ عن الزوجَةِ الأمَةِ دونَ إذنِها، ودونَ إذنِ مولاها، وليس له العزلُ عن الحرةِ إلَّا بإذنِها (١) .

  37. وقد رُوِي في هذا البابِ حديثٌ مرفوعٌ في إسنادِه ضعفٌ، ولكنَّ إجماعَ الحُجَّةِ على القولِ بمعناه يَقضي بصحَّتِه.

  38. حَدَّثَنَاه خلفُ بنُ قاسم، قال: حَدَّثَنَا ابنُ المُفَسِّر، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عليٍّ القاضي، قال: حَدَّثَنَا أبو خَيْثَمَةَ زُهيرُ بنُ حربٍ، قال؛ حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ عيسى، قال: حَدَّثَنَا ابنُ لَهِيعَةَ، عن جَعفرِ بن ربيعةَ، عن الزهريِّ، عن مُحَرَّرِ بن أبي هريرةَ، عن أبيه، عن عمرَ بن الخطابِ قال: نهَى رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يُعْزَلَ عن الحُرَّةِ إلَّا بإذنِها (٢) .

  39. ومن حديث جابر عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنَّه قال لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إن لي جارية أفأعزل عنها؟ فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "سيأتيها ما قدر لها" (٣) .

  40. حديثٌ سادسٌ لربيعةَ مرسَلٌ

    مالكٌ (١) ، عن ربيعةَ بن أبي عبد الرَّحمن، عن سُليمانَ بن يسارٍ، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعَث أبا رافع مولَاه ورجلًا من الأنصار، فزوَّجاه ميمونةَ ابنةَ الحارث، ورسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالمدينةِ قبلَ أنْ يَخرجَ.

    ج ٢ ص ٥٢٥